الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

اللجنة الثقافية تكرّم الإعلامي والأديب راجح نعيم

برعاية وحضور سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، نظّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز حفلاً تكريمياً للشاعر والأديب والصحافي الأستاذ راجح نعيم، عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين، وذلك في دار طائفة الموحدين الدروز في فردان.

حضر الحفل، الذي أُقيم ظهر يوم السبت في 29 تشرين الثاني 2025، جمعٌ من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية، تقدّمهم ممثّلون عن الهيئات الرسمية والروحية.

 

كلمات الحفل
استُهلّ الحفل، الذي أداره العميد الدكتور غازي محمود، بكلمة ترحيبية، تلتها كلمة رئيس اللجنة الثقافية فضيلة الشيخ وسام سليقا. وتوالت الكلمات لكلٍّ من الأستاذ الدكتور ميشال كعدي، والعميد الدكتور محمد شيّا، والصحافي الأستاذ صلاح سلام، حيث أشاد الخطباء بمسيرة المحتفى به.

وفي كلمته، أضاء الأستاذ الدكتور ميشال كعدي على الجانب البلاغي والجمالي في أدب المحتفى به، واصفاً إيّاه بـ«صائغ الجواهر المرقومة». وقال كعدي: «عندما أتكلم على الشاعر والأديب راجح نعيم، تغمرني غبطة على وفرة وتوفية، وغدُ التماسك، وكِبَر في أدب من شأنه إفصاح»، مؤكداً أن «البلاغة في كل يوم لها جولة في قلبه، ولا أذن له إلا إصغاء».

من جانبه، قارب العميد الدكتور محمد شيّا سيرة المكرَّم من زاوية إنسانية وفلسفية، مشبّهاً إيّاها بسيرة «توم باري» في رواية «يوميات رجل عادي» (The Diary of an Ordinary Man). وأشار شيّا إلى أن «البطولة الحقيقية هي بطولة القصة القصيرة… بطولة أن يحيا الإنسان حياة عادية ويحقق لذاته إنجازات ذات معنى»، معتبراً أن راجح نعيم يمثل هذا النموذج من «بطولة الصبر والتحدي» الذي يشبه سير «الأجاويد».

أما الصحافي الأستاذ صلاح سلام، رئيس تحرير جريدة اللواء، فقد وضع تكريم نعيم في سياق المواجهة الثقافية مع ما أسماه «نظام التفاهة». وقال سلام: «إذا كانت هذه الحقبة على مستوى العالم، كما وصفها الفيلسوف آلان دونو، هي (نظام التفاهة) حيث يحل الوهمي محل الحقيقي… فإن تكريم الصديق الأستاذ راجح نعيم هو بمثابة السباحة عكس تيار التفاهة»، منوهاً بتمسّك نعيم بالكلمة الصادقة والرصينة في زمن «تحوّل البشر إلى زبائن في أسواق العولمة».

 

كلمة المحتفى به:
وفي الختام، ألقى الأستاذ راجح نعيم كلمة شكر لصاحب الرعاية والمجلس المذهبي، مستعرضاً محطات من مسيرته المهنية التي شملت رئاسة تحرير «المقتطفات» لخمسين عاماً، وإعداد البرامج الإذاعية، وتأليف الكتب. وأكد نعيم أن عمله كان مستقًى «حقاً وصدقاً من عقيدة التوحيد» التي تُلزم معتنقها بالصدق في القول والعمل. وعلى الصعيد الوطني، جدّد نعيم قناعته الراسخة بأن «الدين لله والوطن للجميع»، منتقداً النظام الطائفي الذي «لم ولن يبنِ دولة مؤسسات وقانون»، وداعياً إلى المواطنة الحقة بعيداً عن «أشكال الحكم الطائفي والمذهبي». كما خصّ الحضور بقصيدة حيّا فيها تاريخ الموحدين الدروز ومواقفهم الوطنية.

واختُتم الاحتفال بكلمة جامعة لصاحب الرعاية سماحة شيخ العقل الدكتور سامي أبي المنى، استعاد فيها أبياتاً كان قد خصّ بها المكرَّم سابقاً، قائلاً: «إن قيل من تعني أجبتُ مباركاً: هو راجح العقل المكرَّم راجح». وأكد سماحته أن لهذا التكريم دلالة على «تقديرنا للعطاء والأدب»، ورمزية خاصة لكونه في دار الطائفة التي تحتضن أبناءها «المحافظين على هوية الآباء والأجداد». ونوّه سماحته بمزايا المحتفى به قائلاً: «نُكرِّمه لتمسّكه بالهوية التوحيدية الإسلامية العربية، ولمواقفه الوطنية ونضاله الدائم من أجل القضية الفلسطينية»، داعياً الجيل الصاعد إلى الاقتداء بتجربته والتمسّك بأخلاق المهنة في زمن طغت فيه «هشاشة المسموع والمنظور» في وسائل التواصل على «فخامة المقروء».

كما تلقّى الأستاذ راجح نعيم درعاً تكريمية من رئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين الدكتور أحمد نزال، ومن عائلة الأديب الراحل نجيب البعيني، متوجّهةً إليه بكلمة وجدانية.

إدارة التغيير في المدرسة

المقدمة

التغيير هو التحوّل من حالة إلى حالة، وتعتبر خاصة من خصائص الوجود التي تمسّ التربية من بدايتها إلى نهايتها. هذه العملية تهمّ التربية في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً وأن التغيرات في هذا العصر سريعة وشاملة. فإن حدث تغيّر في شأن من شؤون الحياة، فإن ذلك يشمل الشؤون الأخرى، لهذا فإن درجة تقبّل التغيير تختلف من فئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر. وفي الغالب ينتج عن التغيير صراع بين الفئة المحافظة التي تريد إبقاء الحال على ما هو عليه والفئة المجدّدة إلى أن تستقر الحالة الجديدة.

وهناك إجماع بين الباحثين على أن التغيير النابع من المؤسسة (المدرسة) والقائم على الحاجات الأساسية للأفراد هو الأكثر فاعلية والأعمق والأكثر استمراراً من التغيير الذي يؤخذ من خارج المدرسة.

فما هي العوامل المؤدية إلى التغيير؟ وما هي الأسباب المؤدية إلى حدوث مقاومة لهذا التغيير؟ وما أثر ممارسة التجديد من قبل المدراء والمسؤولين التربويين على عمل الفريق التعليمي؟ وما هي القواعد التي تضبط ذلك التجديد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سيتم التطرق إليها في هذا البحث، علّنا نوفق في تسليط الأضواء على هذه المواضيع، ونشير بشكل أولي إلى أهمية هذه العملية، وما يرافقها من خطوات.

 

لماذا الحاجة إلى التغيير المدرسي؟

١. انفجار المعرفة والتقدم العلمي والتقني والنمو الفكري: ما يفرض على المدرسة مواكبة المستجدات، وتحديث طرق التعليم، واستخدام التقنيات الحديثة، بما يلبّي حاجات المتعلمين، ويؤهلهم للتعامل مع متطلبات العصر وسوق العمل.
٢. تعدّد وتنوّع وسائل الاتصال والتواصل والانتقال: سيما وأن المعرفة لم تعد محصورة في الصف أو الكتاب المدرسي، بل أصبحت متاحة عبر وسائل متعددة، الامر الذي يفرض أخذه بعين الاعتبار.
٣. تعدد وتنوع مصادر التعلم: ما يوجب على المدرسة تجاوز مفهوم المصدر الواحد للمعرفة، فلم يعد الكتاب المدرسي هو المرجع الوحيد، بل ظهرت مصادر متعددة مثل الإنترنت، والوسائط الرقمية، والمكتبات، ووسائل الإعلام المختلفة.
٤. ظهور القادة والمفكرين والمصلحين: الأمر الذي أسهم في تطوير النظم التربوية وتجديد أساليب التعليم، من خلال طرح أفكار ورؤى حديثة تسعى إلى تحسين العملية التعليمية ومواجهة التحديات المعاصرة.
٥. تغيير مركز المعلم والمدير الاجتماعي: فلم يعد المعلم مجرد ناقل للمعرفة، ولا المدير صاحب سلطة إدارية فقط، بل أصبحا موجّهين وقادة تربويين يشاركان في بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته.
٦. التغيير والتطوير في الرعاية الأسرية: هذا الواقع يفرض على المؤسسة التربوية التكيف مع هذه المتغيرات، وتطوير دورها التربوي والتعليمي، والتعاون مع الأسرة لمواكبة احتياجات المتعلمين، بما يحقق التوازن بين دور الأسرة ودور المدرسة في تنشئة الطالب.
٧. التغيير في حاجات الفرد التعليمية: فلم تعد حاجاتهم مقتصرة على اكتساب المعرفة النظرية فقط، بل أصبحت تشمل تنمية المهارات، والتفكير النقدي، والقدرة على الإبداع والتكيّف مع متغيرات العصر.
٨. زيادة الاهتمام بالشخصية والسلوك والتعامل عند الطلاب: ويشمل هذا الاهتمام الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والنفسية، بهدف تطوير شخصية الطالب، وتعزيز مهاراته الاجتماعية، وضبط سلوكه، وتحسين تفاعله مع الآخرين.
٩. ظهور أساليب تدريس فعالة جديدة ومركزة على دور الطالب (التعلم بالأنشطة – التعلم باللعب – التعلم بالعمل – الاكتشاف): أساليب تركز على مشاركة الطالب النشطة في العملية التعليمية، وتنمية مهاراته الفكرية والإبداعية، وتعزز قدرته على التعلم الذاتي وحل المشكلات.
١٠. الفشل الذي آلت إليه الأنظمة التعليمية السابقة من حيث تركيزها على المعارف وعدم مشاركة الطلاب والخوف من المعلم والطريقة الروتينية وعدم موائمة المخرجات للخريجين مع متطلبات أسواق العمل. مما يجعل التغيير المدرسي ضرورياً لمواكبة العصر وتحقيق التعليم الفعّال الذي يدمج المعرفة مع المهارات والمشاركة النشطة للطلاب.

 

مقاييس لتنفيذ التغيير

قبل الشروع في عملية التغيير لابد من توفر أربعة مقاييس:
١. وجوب تحديد الوجهة أو النتيجة: لمعرفة الهدف النهائي للتغيير، ما يقلل من العشوائية، ويسهّل قياس التقدّم، كما يُحفّز المعنيين على الالتزام بالتغيير لمعرفتهم المسبقة بالنتائج المرجوّة وكيفية الوصول إليها.
٢. على الأفراد أن يعرفوا أن البقاء في الوضع الراهن أكثر إيلاماً من الوصول إلى تحقيق النتائج: لأن هذا الوعي يحفّزهم على قبول التغيير والمشاركة فيه بفاعلية لتحقيق الأهداف الجديدة وتحسين الأداء التعليمي.
٣. ينبغي إيجاد نظام أو استراتيجية للتنفيذ والقياس لتقليص الفجوة بين الحاضر والمستقبل المرجو: وذلك من خلال وضع خطوات محددة للتغيير، وتحديد المسؤوليات، واستخدام أدوات لقياس التقدّم والنتائج.
٤. المهارات والموارد التي يحتاج إليها تقليص الفجوة ينبغي أن تكون واقعية ويمكن الوصول إليها: أي أنه يجب أن تتوافر لدى الأفراد المهارات الكافية، وأن تكون الموارد المالية والبشرية والمادية متاحة بطريقة عملية وقابلة للتحقيق.

 

الجهات التي تساعد المدير في إدارة التغيير في المدرسة

١. المشرفون التربويون: يساعدون المدير على إدارة التغيير في المدرسة، من خلال توجيه المعلمين ودعم وتطوير مهاراتهم، ومتابعة تنفيذ الخطط والأنشطة.
٢. رؤساء الأقسام ومساعديهم: يقومون بتنفيذ توجيهات الإدارة، وتنسيق الأعمال، ومتابعة تنفيذ الخطط الدراسية والتربوية، وتقديم الدعم والإرشاد للمعلمين، وضمان تطبيق استراتيجيات التغيير بشكل فعّال.
٣. رؤساء الشعب: يقومون بتنسيق النشاطات التعليمية داخل الشعب الدراسية، متابعة أداء المعلمين والطلاب، وضمان تحقق الأهداف التعليمية والتربوية بفاعلية ووفق الخطة الموضوعة.
٤. العاملون الآخرون من إداريين وغيرهم: تقع على عاتقهم مسؤولية تنفيذ المهام الإدارية واللوجستية، توفير البيئة المناسبة للعملية التعليمية، والمساهمة في تسهيل الأنشطة الصفية واللاصفية.
٥. مجالس الطلبة: الذين عليهم تشجيع زملائهم على التفاعل مع المبادرات الجديدة، وتحفيزهم على الالتزام بالتغيير وتحقيق أهداف العملية التعليمية والتربوية.
٦. المجتمع المحلي: وجوب اشراك المجتمع المحلي والمشاركة في الأنشطة التربوية والثقافية، وحثه على توفير الموارد والدعم المعنوي والمادي.
٧. جامعات ومعاهد تأهيل وتدريب المعلمين: التعاون مع هذه المؤسسات لتطوير معارف المعلمين وتزويدهم بالمهارات التربوية الحديثة اللازمة، وتمكينها من تطبيق استراتيجيات التعليم الحديثة وأساليب التدريس الفعّالة.

 

الخصائص المطلوبة لإدارة التغيير

أهم الخصائص التي تتطلبها القدرة على إدارة التغيير ما يلي:
١. إرادة جادة على التحول إلى إدارة قادرة تسعى لإحداث التغيير: الامر الذي يتطلب أن تكون هناك رغبة حقيقية لدى الإدارة في قيادة التغيير، والالتزام بتحقيق أهداف التطوير والتجديد بشكل فعّال ومستمر.
٢. امتلاك القدرة على المبادأة والابتكار والإبداع لإحداث التغيير والتطوير: ما يتطلب قدرة القيمين تقديم أفكار جديدة، وابتكار حلول فعّالة، والمبادرة الى تنفيذ الاستراتيجيات المرجوّة.
٣. القدرة على توفير المناخ الملائم للتغيير، ووضع استراتيجيات فاعلة للتغيير: وذلك من خلال خلق بيئة داعمة للتغيير، وتحديد أساليب واضحة لتنفيذه، بما يسهل تحقيق أهداف التطوير ويرسّخ استمرارية التغيير بشكل فعّال.
٤. الارتقاء بقدرات المنظمة وأدائها، لتكون قادرة على مواجهة المستجدات والتعامل معها بإيجابية.

 

العناصر الأساسية في إدارة التغيير في المدرسة.

١. إقامة اتصال مفتوح بين المدير والمعلمين: يضمن التواصل الفعّال، ونقل المعلومات والأفكار بوضوح، ويساعد على بناء الثقة بين الإدارة والهيئة التعليمية.
٢. المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار: تتيح للمعلمين والهيئة التعليمية الإسهام في تحديد السياسات والخطط، وتعزز الشعور بالمسؤولية والانتماء، وتساعد على تقليل مقاومة التغيير، وضمان تنفيذ القرارات بطريقة أكثر فاعلية ونجاحاً.
٣. توفير المصادر الكافية لدعم تطور المعلمين: يضمن تزويد المعلمين بالأدوات والمواد والخبرات اللازمة لتطوير مهاراتهم وكفاءاتهم، ويعزز قدرتهم على تنفيذ أساليب التدريس الحديثة والمشاركة الفاعلة في عملية التغيير.
٤. تشجيع المعلمين على تطور أفكارهم من أجل التغيير: يساهم في تحفيز الابتكار والإبداع داخل الهيئة التعليمية، ويزيد من التفاعل والمشاركة في تطبيق أساليب تطويرية جديدة.
٥. الإشراف على النشاطات في المدرسة: لتقديم الدعم والتوجيه للمعلمين والطلاب، وتقييم الأداء وتحسين جودة العملية التعليمية.
٦. توفير الجو والظروف الجيدة للتغيير: يخلق بيئة ملائمة تحفّز المعلمين والطلاب على المشاركة الفاعلة، وتسهّل تطبيق استراتيجيات التغيير.
٧. تفويض المسؤولية للمعلمين: يتيح للمعلمين المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات وتنفيذ الأنشطة، ويعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.
٨. إدارة الوقت بفاعلية: تضمن تنظيم الأنشطة التعليمية والتربوية بشكل مناسب، وتساعد على استغلال الوقت المتاح بكفاءة.
٩. خلق جو يشجع المعلمين ويدفعهم إلى تبني التغيير: يعمل على تحفيز المعلمين للمشاركة الفاعلة، وتعزيز الالتزام بالتطوير، وتهيئة بيئة داعمة تسهّل تنفيذ استراتيجيات التغيير وتحقيق أهدافه.
١٠. معالجة مقاومة التغيير: وذلك من خلال تقليل العقبات التي قد تواجه تطبيق التغييرات، وتضمن تعاون المعلمين والهيئة التعليمية، وتسهم في تنفيذ استراتيجيات التطوير بشكل فعّال وتحقيق الأهداف المرجوّة.
١١. تشجيع الإبداع: يساهم في تحفيز المعلمين على ابتكار أفكار جديدة واستنباط أساليب تعليمية حديثة، ويعزز المشاركة الفاعلة في التطوير.

 

استراتيجيات إدارة التغيير

يمكن استخدام ثلاث استراتيجيات مختلفة لإدارة عملية التغيير، فرادى أو مجتمعة:
١. قيادة التغيير بواسطة القوة في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- الإشراف على الجوائز والترقيات والترفيعات، تُستخدم هذه الحوافز من قِبل المدير كأداة للضغط والتوجيه السريع نحو تحقيق أهداف التغيير.
ب- اتخاذ جميع القرارات ذات المشاركة الضئيلة من جانب المستخدمين، لضمان السرعة وتقليل الجدل.
ج- الإدارة بنزعة استبدادية، حيث تُفرض التعليمات بوضوح وحزم دون إتاحة المجال للنقاش.
هذا الأسلوب في القيادة يمكن أن يكون فعالاً في حالات الأزمات الطارئة التي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة لتفادي تفاقم المشكلات.
٢. قيادة التغيير عقلانياً، في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- نشر معلومات قبل القيام بالتغيير، الامر الذي يساهم في تقليل الغموض وزيادة تقبّل التغيير.
ب- معاملة المستخدمين كراشدين، والشرح «لماذا» التغيير، مما يعزز شعور العاملين بالاحترام والمسؤولية.
ج- الاعتراف بدوافع المستخدمين والمنظمة وحاجاتهم وتقاليدهم ومعاييرهم، يساعد في تخفيف مقاومة التغيير وتسهيل عملية السير به.
هذه الإستراتيجية في القيادة تستخدم عندما يكون التغيير حتمياً، والوقت متاحاً لبناء القناعة والتفاهم.

٣. قيادة التغيير بإعادة التربية، في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- التحقيق من أن لا القوة ولا العقل وحدهما يمكن أن يحدثا تغييراً ناجحاً، حيث يتطلب التغيير العميق تعديل الاتجاهات والسلوكيات لا القرارات فقط.
ب- تقويم التدريب والتطوير، يهدف إلى التأكد من ملائمة برامج التدريب وخططه مع متطلبات التغيير المنشود.
ج- تشجيع المستخدمين والسماح لهم بتطوير مهارات جديدة لمواجهة تحديات جديدة، مما يسهم في تعزيز الثقة بالذات والقدرة على مواجهة التحديات.
د- تحفيز المستخدمين على القيام بأكثر مما هو متوقع، والدفع بهم إلى ما فوق مستواهم من الثقة، هذه الإستراتيجية فعالة في قيادة التغيير أثناء النمو، والتغيير السريع والمنافسة القوية.

 

نشاطات أساسية لتسهيل عملية التغيير

١. تغيير المنهجية من الأسلوب الفردي إلى الديمقراطي: يلعب هذا الامر دوراً أساسياً في تسهيل عملية التغيير في المدرسة، ويكون من خلال:
أ. مناقشة المعلمين بأهمية التغيير وضرورته، يسهم الحوار حول التغيير المطروح في بناء قناعة جماعية بأهميته في تطوير المدرسة وضرورته لاستمرارها.
ب. تحديد الأدوار والمسؤوليات بصورة واضحة حتى يتمكن المنسقون من المباشرة في تخطيط المنهاج ومساعدة الهيئة التعليمية، ما يساعد في تحسين الأداء وتجنب التضارب.
ج. إشراك المعلمين الذين يتصفون بالحرص على المدرسة في اتخاذ القرار، وإفساح المجال أمامهم في تحمل المسؤولية، الامر الذي يعزّز الإحساس بالانتماء الى المدرسة والمسؤولية تجاهها.
د. تمحيص آراء وأفكار وسلوكيات من يعملون على مقاومة التغيير، مما يتيح فهم أسباب المقاومة ومعالجتها بطرق بنّاءة ومبتكرة.

٢. التواصل بين المدير والمعلمين، يمثل التواصل الفعّال خطوة أساسية في تسهيل عملية التغيير، ويكون ذلك من خلال:
أ. إيجاد تنظيم إداري يساعد على تطوير الفهم المشترك في المدرسة، الامر الذي يسهم في توحيد الرؤية والأهداف.
ب. الانفتاح والتواصل، يُزيل الحواجز بين المدير والمعلمين، ويجعل العلاقة مباشرة بينهم مما يقلّل من سوء الفهم فيما بينهم.
ج. كسب الثقة بين المعلمين والطلاب، تُعد الثقة الأساس الذي لا بد منه لأي بيئة ناجحة ولا سيما البيئة التعليمية التي تقوم على الثقة بين المعلمين والطلاب.
د. وضع توقعات واضحة والتقيد بها، ما يُساعد على الانضباط في العمل، ويُسهم في تحقيق التوقعات ضمن جوّ من الاستقرار والمثابرة.
هـ. الحرص في التعامل مع مقاومي التغيير، الأمر الذي يتطلب دراية بأسباب مقاومة التغيير وحكمة في حلّها، وتدرجاً في مواجهتها لتفادي الصدام.

٣. إقامة علاقة طيبة مع الهيئة التعليمية، يكون ذلك من خلال:
أ. احترام مشاعر وأفكار بعضهم البعض، يعزّز الاحترام المتبادل مناخ العمل الإيجابي، ويعمق الثقة المتبادلة.
ب. تطوير طرق اتصال فعال، يسهم الاتصال الفعّال والجيد في تسهيل وتسريع التواصل ويُساعد في تقليل المشكلات التنظيمية.
ج. العمل معاً كفريق، يقوي التعاون الشعور بالمسؤولية الجماعية، ما يزيد من القدرة على الإحاطة، ويرفع من الإنتاجية.
د. التركيز على النشاطات والتطورات الإيجابية والبناءة، يرفع المعنويات ويدعم ثقافة النجاح.

٤. مراقبة النشاطات في المدرسة، يكون ذلك من خلال:
أ. وضع خطة لمراقبة جميع جوانب الأنشطة المدرسية، تضمن المتابعة المنتظمة دقة الأداء وجودة النتائج.
ب. زيارة الصفوف ومراكز المعلومات الأخرى في المدرسة، تتيح الاطلاع المباشر على الواقع التعليمي وتلبية الحاجات المستجدة.
ج. التغذية الراجعة، تساعد الملاحظات البنّاءة في تحسين الأداء.
د. المنافسات مع مجموعات المعلمين واتخاذ القرارات، تعزز المنافسة الإيجابية روح الابتكار وتساهم في تعزيز كفاءتهم ورفع مستوى الأداء.
هـ. اشتراك جميع الطلبة في النشاطات وفق رغباتهم، يسهم ذلك في تنمية شخصية الطلاب وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحفيز روح المنافسة فيما بينهم.

٥- على المدير أن يوّفر مناخاً وظروفاً ملائمة للتغيير، وذلك بهدف إشعار المعلمين بأهميتهم وتشجيعهم لتقديم الأفضل، وذلك يمكن من خلال:
أ‌. دعوة أولياء الأمور لاطلاعهم كيف يعمل المعلمون والطلاب معاً.
ب‌. إبراز أعمال الطلاب والثناء عليهم وعلى إنجازاتهم.
ت‌. تقديم مكافآت للمعلمين الذين يشجعون طلابهم ويحققون التقدير لمدرستهم من خلال نجاحهم في المعارض والمسابقات.
ث‌. مراقبة العناصر التي تعمل بصورة تقليدية وتقتل الوقت والعمل على توجيهها.

٦- أن يقوم المدير بتفويض المسؤوليات للهيئة التعليمية من أجل:
أ‌. تطوير المهارات القيادية عند المعلمين.
ب‌. تشجيع المعلمين على المشاركة في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات.
ت‌. دعم أسلوب الإدارة المفتوح.
ث‌. إبراز الاحترام لاجتهادات المعلمين.
ج‌. تشجيع أسلوب عمل الفريق والتخطيط المشترك.

 

سلبيات التغيير

أ‌. الانحراف في الأمور المادية:
قد يؤدي التركيز المفرط على الجوانب المادية للتغيير إلى إهمال الرسالة التربوية، وتحويل العملية التعليمية إلى أهداف ربحية أو شكلية على حساب القيم التعليمية.
ب‌. إهمال النواحي الروحية والعقائدية:
قد يُسهم التغيير غير المتوازن في تراجع الاهتمام بالقيم الروحية والأخلاقية، مما يضعف بناء شخصية الطالب المتكاملة ويؤثر في سلوكه وانتمائه.
ت‌. انتشار اللامبالاة والعبث والتمرد اللاواعي:
عندما يُفرض التغيير دون تهيئة أو مشاركة، قد يظهر لدى المعلمين والطلاب شعور باللامبالاة أو سلوكيات عبثية وتمرد غير واعٍ على النظام المدرسي.
ث‌. الميل إلى الأنانية والفردية:
قد يعزز التغيير غير المدروس النزعة الفردية، فيضعف روح التعاون والعمل الجماعي، ويغلب المصالح الشخصية على مصلحة المدرسة ككل.
ج‌. الابتعاد عن الحياة العامة وخدمة الجماعة والمجتمع:
قد يؤدي الانشغال بمتطلبات التغيير الداخلية إلى تراجع دور المدرسة في خدمة المجتمع، وضعف ارتباطها بالقضايا العامة والمسؤولية الاجتماعية.

 

الخاتمة

التغيير والتجديد في كل أمر من أمور الحياة، سنة طبيعية توافق قانون التطور الذي ينشد تعزيز موقع الإنسان في هذا الكون. إلا أن هذا التجديد والتطور يصطدم بما يسمى رغبة الإنسان بالمحافظة على قدسية القديم، والتعلق به دونما إجراء تقييم موضوعي لهذا القديم أو اتخاذ إيجابياته قاعدة الانطلاق إلى انفتاح يخدم التراث المعرفي الإنساني والأجيال الجديدة القادمة.

في المقابل، يتبيّن أن إدارة التغيير في المدرسة لم تعد خياراً تنظيمياً ظرفياً، بل أصبحت ضرورة تربوية حتمية تفرضها التحولات المعرفية والتقنية والاجتماعية المتسارعة. فالتغيير المدرسي الفعّال هو ذلك الذي ينطلق من داخل المؤسسة التربوية، ويستند إلى حاجات العاملين فيها والمتعلمين، ويُدار وفق رؤية واضحة، واستراتيجيات مدروسة، ومشاركة واعية من جميع الأطراف المعنية.

وقد أظهر هذا البحث أن نجاح التغيير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الإدارة المدرسية على خلق مناخ إيجابي داعم، يقوم على التواصل المنفتح، والعمل الجماعي، وبناء الثقة، وتوفير الموارد، ومعالجة مقاومة التغيير بأساليب تربوية حكيمة بعيدة عن الإكراه. كما أن للتغيير، إذا أسيء التخطيط له أو فُرض بصورة قسرية، سلبيات قد تمس القيم التربوية، وتضعف روح الانتماء والعمل الجماعي، وتؤدي إلى الاغتراب عن الدور الاجتماعي للمدرسة، مما يستدعي التوازن الدقيق بين التطوير والمحافظة على الهوية التربوية والقيم الأخلاقية.

 

الخلاصة

وعليه، فإن إدارة التغيير الناجحة في المدرسة تتطلّب قيادة تربوية واعية، تمتلك الإرادة والمرونة والقدرة على الابتكار، وتُحسّن توظيف الاستراتيجيات المختلفة بحسب طبيعة الموقف، مع التأكيد على أن التغيير الحقيقي هو تغيير في الفكر والسلوك قبل أن يكون تغييراً في الهياكل والإجراءات. ومن هنا، تبقى المدرسة مطالبة بأن تكون مؤسسة متجدّدة، قادرة على التكيّف مع متغيرات العصر، وفي الوقت نفسه محافظة على رسالتها التربوية والإنسانية في بناء أجيال فاعلة ومسؤولة وقادرة على الإسهام في خدمة المجتمع وتنميته.

ألوانٌ تنطق وريشةٌ تدمج
سحر الفن في عالم ذوي الهمم

مقدمة

الفنّ مرتبطٌ بالإنسان منذ فجر التّاريخ، ويمثّل جزءاً أصيلاً من وجود المجتمعات البشرية بغضّ النّظر عن الانتماءات الدّينية أو السّياسية. فهو قيمةٌ فطريّة يُقدّرها الأفراد في مختلف تجلّياتها كالموسيقى والرّسم والرّقص والشّعر والنّحت، ويلعب دوراً محورياً في تطوّر المجتمعات وتشكيل شخصيّة الفرد.

وتتنوّع الفنون بتنوّع أساليبها، فلكلّ نوعٍ عالمه الخاصّ الجاذب، كما يُشكّل الفنّ وسيلةً حيويّة للتّعبير عن الذّات وتجسيد المشاعر والرؤى. ويُعدّ الفنّ التّشكيلي أحد هذه التجليات، وهو فنّ بصري يعتمد على تشكيل الموادّ باستخدام العناصر البصريّة كاللون والشّكل والملمس، لخلق أعمالٍ تعبّر عن الأفكار والمشاعر، ويشمل مجالاتٍ كالرّسم والنّحت والخزف والطّباعة.

ويأخذ الرّسم مكانةً خاصّة كجسرٍ للدّخول إلى عالم الطّفل، ووسيلة فعّالة لنقل المعلومات والسّلوكيات، خاصة للأطفال من ذوي الإعاقة. كما تساهم الأنشطة الفنّية بتنمية التفكير الإبداعي وقدرة حلّ المشكلات وزرع الثقة بالنفس لدى الطفل من خلال تفاعله مع الموادّ الفنية والبيئية المتنوّعة.

بل إنّ الفنّ التشكيلي قد تجاوز كونه مجرّد لوحةٍ تجمع بين الواقع والخيال، ليصبح عالماً قائماً بذاته وأسلوباً علاجياً تأهيلياً. فهو شكل من أشكال العلاج المُساعد على الاسترخاء النّفسي، حيث يعبّر الفرد من خلال الرسم أو التشكيل عن انفعالاته الداخلية، مما يساعده على التحرّر من تأثيراتها السلبية. ويُستخدم هذا النهج العلاجي مع فئات متنوعة، كذوي الاحتياجات الخاصة ومن يعانون من اضطرابات نفسية.

حيث ترتبط استجابتنا النّفسيّة للألوان – بتناغمها أو تنافرها – بالحالات والظروف التي نمرّ بها، فالألوان الباردة أو الدافئة قد تحاكي واقعنا الداخليّ وتعبّر عنه.

الدراسة الميدانية:
لدراسة تأثير الفنون التّشكيليّة على الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة ومتلازمة داون، تمت الاستعانة بمادة التّربية الفنية كخارطة طريق في العمل الميداني، لما للّتربية الفنية من أهميّة في التّعليم والتّدريب، فاستقينا منها لتعليم هؤلاء الأطفال. لهذه الغاية تمّ إعداد خطة تربوية وتحضير بطاقة شرح درس، لتسهل سيرورة الحصة، من خلال المحتوى الذّي تضمّن الألوان الأساسية والأشكال الهندسية والأحجام، وخامات من البيئة، مثل العجين المختلف والصّلصال والخيطان والأرز والملح والطحين.

واعتمدت الدّراسة الميدانية على تطبيق بطاقة شرح الدّرس، التي وزعت على حصص. وكل حصة لها محتوى مختلف وتحتوي على أنشطة فنية تتضمن أعمالاً فردية وجماعية. والهدف من هذه الأنشطة كان: تنمية النّاحية العاطفية لدى الأطفال، التّدريب على أسلوب الاندماج في العمل والتّعامل، تأكيد الذّات والشّعور بالثّقة بالنّفس، إشباع حاجة الطفل إلى التّعبير الحر غير المقيد بالفنون التّشكيليّة، تقوية ومساعدة جهاز الطفل الحسي والحركي (البصر، اللّمس، السّمع) وتقوية عضلات اليدين للمساعدة على استخدام الأدوات، تنشيط الذّاكرة والحواس من خلال لمس الأشياء ومسكها للتعرف على أوجه التّشابه والاختلاف في الشّكل والملمس واللّون والمادة والحجم.

ولهذه الغاية، ابتكرنا أشكالاً هندسية بحجمين كبير وصغير، لُوّن قعرها بالألوان الأساسية، لتعريف الأطفال على الشكل والحجم واللون. كما ابتكرنا نرداً من الكرتون، بغية تحفيز الأطفال وتفعيل المشاركة والالتزام بالدور، ومساعدتهم على نقل ما يرونه من أشكال على النرد برسمها على الورق. هذا النرد يحتوي على الأشكال الهندسية والخطوط المتنوعة.

وتمّت الدّراسة على عيّنة مؤلفة من 34 طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة و7 أطفال من متلازمة داون في مدرسة دامجة، وفي مركزٍ للتّأهيل والتّنمية وفي محترف ضياء الفنّ، في منطقة الشّوف، وذلك لفترة سنة.

 

الأهداف

يعيش الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ومصابو متلازمة داون في لبنان وذووهم صعوباتٍ كبيرة، بسبب نظرة المجتمع لهم، وضعف المؤسّسات الصّحيّة والاجتماعية المتخصّصة برعايتهم وتأهيلهم، ويضاف إلى ذلك صعوبة تقبل بعض أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة لإعاقة أولادهم.
هدف البحث بشكلٍ أساسيّ إلى:
– مساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون على تطوير النّمو الاجتماعي والعاطفي لديهم. فباستخدامنا الرّسم، وكذلك حين يلعب الأطّفال بالطّين، على سبيل المثال تتبدّل طاقتهم السّلبيّة، ما من شأنه مساعدتهم على نموّ الأدراك الحسي والبصري والعاطفي.
– تعزيز المهارات الإدراكية والحركية لدى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون.
– تحسين قدرات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون في التّعبير عن أنفسهم من خلال النّشاطات الفنية والرّسم الحرّ والألوان.
– مساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون على الاندماج بالمجتمع وتأهيلهم، قدر الإمكان، على القيام بواجباتهم المعيشية والحياتية والاجتماعية بدون الحاجة للاعتماد الكلي على الغير.
– تحفيز الأطفال على الابتكار، وعلى نمو الخيال والإبداع، الذي يُفعّل استخدام العقل والحواس والجسد.

نتائج الدراسة

توزّعت نتائج الدراسة تبعاً للمدرسة أو المركز التي تمت فيه الدراسة الميدانية. وقد بينت الدّراسة بشكلٍ عام أهمية الفنون التّشكيليّة في تنمية الحواس ومشاعر الثّقة بالنّفس والاتزان الانفعاليّ لدى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بمتلازمة داون. كما بينت الدّراسة أهمية الفنون التّشكيليّة في المساعدة على دمج وتأهيل وإعادة تكيّف هؤلاء الأطفال مع محيطهم؛ ولكن بدرجات متفاوتة، حسب اختلاف حالات الإعاقة وتقدمها عند كل طفل.

النّتيجة الأولى: تبيّن لنا بأن الفنون التّشكيليّة أتاحت الفرصة لأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ولأطفال متلازمة داون، في التّعبير عن أنفسهم وانطباعاتهم وساعدتهم على التّوازن النّفسي والاندماج مع زملائهم، وأصبحوا أكثر انسجاماً، واكتسبوا الثّقة بالنّفس وأصبح زملاؤهم يتقبلونهم.

النّتيجة الثّانية: تبيّن لنا أن إدخال أدوات غير تقليديّة من موادّ وخامات مختلفة الملمس (الخيطان بأنواعها وألوانها)، ساهم بشكلٍ ملحوظ بخلق جوّ من الحماس والتّفاعل، وأصبح أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون يعبّرون بصدق وشفافية عن مشاعرهم. وبنتيجة تعرف الأطفال على الألوان صار باستطاعتهم التّمييز ببين الألوان الأساسية والمكملة والألوان المحايدة والثّانوية. إن الاعتماد بالشّرح على مادة التّربية الفنية وتطويعها وتقديم حصص الرّسم بحلة جديدة، أدخل الرّسم إلى قلوبهم فكان كل شيء جديد بالنسبة إلى الأطفال من شرح المطلوب والمحتوى. فكان من اللافت ترقّب وحماس القسم الأكبر من الأطفال واستيعابهم ما هو مطلوب منهم في الأنشطة القائمة على عنصر التّحفيز (القرعة وسحر الألوان)، وانتظار دورهم وانتظار الحصص القادمة بشغفٍ وحبٍ. وقد ساعدهم ذلك على تعزيز التعاون والتّواصل فيما بينهم. فالتّعاون بين بعضهم بعضاً كان جيداً، وإن كان لا تجمعهم حالة الإعاقة الواحدة، لكن هناك ما هو أقوى؛ وهو لغة الفن التي كانت مدهشة.

النّتيجة الثّالثة: تتمثّل في التحسن الكبير في التّفاعل والتّواصل البصري والاجتماعي والسّلوكي. حيث أصبح الأطفال ينتظرون حصة الرّسم، تلك التي كانت بالنّسبة للبعض منهم تمثل عبئاً، مثلها مثل الحصص التّعليميّة الأخرى. كونها تتبع نفس الطرق التّقليدية في التّدريس وفي وضع العلامات التّقييمية. حصص الرّسم سمحت للأطفال بالتصرف والرّسم التّلقائي والعفوي النّابع من مشاعرهم الشفافة. فقد انقلب الأطفال من حالة الانطواء على الذّات إلى أطفالٍ يمكن مناقشتهم ومحاورتهم. كما لمسنا تّغيًراً في التّعامل بين بعضهم بعضاً، كحب المساعدة من خلال النّشاطات المشتركة، التي كان لها وقع جيد على نفسيتهم، والتي ساهمت بغرز الاتزان الانفعاليّ وتقدير الذّات والثّقة بالنّفس، تلك الصفات التي كانت مفقودة.

فعلى سبيل المثال في أحد مراكز التأهيل كانت النّتائج جداً مرضية، فقد انتقل الأطفال من كونهم أطفال خمولين معدومي الطاقة والحماس، إلى أطفالٍ متفاعلين متحمسين. وأصبح لديهم طاقة إيجابية ساعدتهم على الانضباط لفترة أطول من المعتاد، والتي وصلت إلى 45 دقيقة. وهذا يعتبر إنجازاً بالنسبة لأطفالٍ من ذوي إعاقات مختلفة ومتلازمة دوان. فتحول الأطفال من حالة الشرود الذهني، وفقدان التّواصل البصري والاجتماعي، والادراك الحسي، إلى أطفالٍ متفاعلين، حاضرين جسدياً وذهنياً لما نقوم به من نشاطات. التّواصل البصري والاجتماعي ظهر واضحاً من خلال تفاعل الأطفال مع بعضهم بعضاً، والامتثال للإرشادات، والتّحكم بانفعالاتهم وردات فعل بعضهم العنيفة، والمطالبة بحقهم بالدّور، أو الرّفض والقبول لأي لون من الألوان المستعملة أو القبول أو عدم القبول لإعارة الأشياء الشّخصية.

النّتيجة الرّابعة: التّعامل بالصّلصال، حَسّن قدرة التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وأصبح باستطاعتهم نقل الواقع وتجسيده بنماذج من الطين، وأزال حالة الحياء لديهم. كما أنّ العمل بالصّلصال ساهم بسحب الطاقة السّلبية لديهم وساعدهم على الانضباط والهدوء والشّعور بالرّاحة والطمأنينة، وأصبحنا نشعر في حصص الصّلصال بالاتزان الانفعالي. حتى أن وقت الحصة كان يمر دون أن يشعر الأطفال بمرور الوقت لدرجة انغماسهم بالعمل، كما أن محبتهم لهذا النّشاط نَمّى لديهم التّفكير الاستباقي ونَمّى فكرهم وذاكرتهم، وأصبحوا يُجهزون عدة العمل. كما أن الصّلصال ساعد البعض منهم على تحسن عضلات يديهم.

النّتيجة الخامسة: إن استخدام مواد مختلفة الحجم والملمس (الرّز، البرغل، الطحين، الملح الخشن)، ساعد أيضاً على تطوير الإدراك الحسي والبصري لدى الأطفال، وعلى تنظيم حواسهم، لتصل المعلومة وتُحلل دماغياً بطريقة صحيحة. فقد أصبح باستطاعة الأطفال نقل الرّسمة الموجودة على النّرد، لرسمها على المواد الموجودة داخل الأشكال الهندسية (الرز، البرغل، الطحين، الملح الخشن) ومن ثم رسمها على الورق. فهذا ما يؤكد بأن قدرة التّحليل الذّهني والدّماغ تطورّت لديهم. وكما في حصص الصّلصال، أصبح الأطفال يسألون عن النّشاط اللاحق الذي سيقام، والذي كنا قد مهدنا له في حصة سابقة.

كان التّقدم ملموساً وواضحاً من أطفال يعانون من نقصٍ أو شبه انعدام للتّواصل البصري والاجتماعي والعاطفي، والإدراك الحسي والاتزان الانفعالي، إلى أطفالٍ يتكلمون بصرياً، وان كان لديهم صعوبة في النّطق، ويعملون ضمن فرق وأنشطة جماعية، ويتحدثون مع زملائهم لطلب المساعدة أو لتبديل الألوان خلال الرّسم أو للقيام بأحاديث شخصية، بالسّؤال أين ذهب؟ ماذا اشترى؟ ماذا يحب؟ وانتقلوا من الرّفض لاستخدام بعض المواد في التّلوين إلى استخدامها، وتبيان قدرتهم في التّعبير عن مشاعرهم بالرّسم، وصولاً إلى مشاركة البعض بمباراة عن القضية الفلسطينية والفوز بها. انتقل الأطفال من خلال هذه النّشاطات من أطفالٍ يعبّرون بالصّراخ والضّرب وشد الشّعر أو البكاء الشّديد وطلب الأم، إلى قدرتهم على ضبط انفعالاتهم ومشاعرهم والتّعبير عنها بطرقٍ أفضل. كما أن أصداء نّتائج التّواصل الاجتماعي والعاطفي، والاتزان الانفعالي كانت جداً مرضية من البيئة المحيطة التي استطعنا الوصول إليها.

وهذه النّتائج التي توصلنا إليها، أكدت صحة فرضيات الدّراسة، وأكدت من جهةٍ أخرى، على ما توصلت إليها الدّراسات السّابقة في هذا المجال، عن دور وأهمية الفنون التّشكيليّة في المساعدة على تأهيل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون.

 

 

التّوصيات

تتعلّق التوصيات بالبيئة المحيطة، والتي تشمل الأهل، مدارس ومراكز الرّعاية، والمجتمع والدولة. والعمل على تطبيق هذه التّوصيات قد يكون مكلفاً وصعب التحقيق، ولذا فهو يتطلب تضافر جميع المعنيين بالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون.

التّوصيات المرتبطة بالأهل:
إن الأهل هم المعنيون الأساسيون بأطفالهم وعليهم يقع العبء الأكبر، فكلما تم الكشف المبكر عن الإعاقة والاعتراف بوجودها كلما ساعد ذلك الطفل. فقد لمسنا عن بعض الأهل عدم تقبل الإعاقة والتمويه عنها بتسميتها صعوبات تعليمية. وبالطبع فإن هذا لن يساعد الطفل ويعمل على تأخير تأهيله، وبالتالي اندماجه.

كما يجب أن يخضع الأهل لدورات تدريبية لتأهيلهم ومساعدتهم على تأهيل أولادهم. بحيث أن ما يتعلمه الطفل في المدرسة أو مراكز التأهيل يجب أن يستكمل في البيت. وأنه من الضّروري على الأهل إبداء اهتمامهم بما ينجزه أطفالهم. ومن المهم أيضا الانتباه لرسوماتهم، لما تحمله هذه الرّسومات من معاني من أجل فهم تفكير الطفل. كل ذلك يعزز الثّقة بالنّفس وتقدير الذّات. وبحسب ما لمسناه، فإن قسماً من الأطفال يسعون إلى لفت الانتباه من خلال رسوماتهم، لذلك من المهم تشجيعهم ومدح أعمالهم. والرّسم يعزز الرّوابط العائلية، إذ أن رفقة الوالدين أو الأشقاء تعد طريقة جيدة لخلق المودة والتّواصل. وينبغي على الأهل الاستفادة من كل فرصة ممكنة للرّسم برفقة أطفالهم الذين سيكونون في غاية السّرور بهذه المشاركة.

التّوصيات المرتبطة بمدارس ومراكز التأهيل:
إن مدرسي مادة الفنون التّشكيليّة في المدارس والمراكز التي تستقطب أطفالاً من ذوي الاحتياجات الخاصة ومتلازمة داون، يجب وبالإضافة إلى جدارتهم بتعليم المادة وتقنياتها، أن يخضعوا لدورات تدريبية، حول كيفية التّعامل مع هؤلاء الأطفال، لناحية ضبط النّفس والاتزان، والتّحكم بالانفعالات.
كما يجب على المدرسة والمراكز والقيمين على تقييم الأطفال لتحديد نوع الإعاقة، أخذ الوقت الكافي لتحديد الصفة. وعلى الأهل تزويد هذه المدارس والمراكز بتوصيف لحالة أولادهم الصحية والعقلية والاجتماعية (تاريخ العائلة، قدرات الأطفال الجسدية والعقلية، تواصلهم الاجتماعي،…). كما يجب مراجعة عملية التّقييم بشكلٍ دوري، لإعادة النظر بتطور حالة الأطفال، مخافة أن يلحقهم إجحاف. لأنه، بدا لنا في بعض الحالات، أن هناك بعض التّسميات والتّوصيفات التي تنقصها الدقة، وهي تصبح أحياناً كثيرة كقالب نمطي، تتم معاملة الأطفال من خلاله، وهذا يلحق بهم ضرراً ويعيق اندماجهم. إن دقة التوصيف لكل حالة من شأنها أن تساعد المهتمين على رسم أو تعديل الخطة التّربوية بطريقة تتناسب مع احتياجات كل حالة.
كما يجب العمل أيضاً على تجهيز المدارس والمراكز المستقطبة لهذه الحالات بما يلزم، من الصفوف وقاعات الرّسم والملاعب. كما يجب تخصيص أكثر من معلم أو معلمة لكل صف ضمن الحصة الواحدة، لتخفيف العبء الجسدي والنفسي الذي يعانون منه.

يجب على المدارس الدامجة ومراكز التأهيل القيام بأنشطة مشتركة بين الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ومتلازمة داون مع ذويهم. كما يجب عرض رسوماتهم، بالتساوي مع زملائهم «الأصحاء»، وإن لم تكن بالمستوى المطلوب، لأن ذلك يزيد من اتزانهم وثقتهم بنفسهم.

يجب إعادة الاعتبار لحصة الفنون التّشكيليّة، وعدم اعتبارها؛ وكأنها حصة ثانوية. حيث أنني، وأحياناً، عندما كنت أدخل الصف أحياناً، لا أجد إلا معلمة الفنون، وعند السّؤال عن سبب تغيّب الصّف؟ كان الجواب أن معلمة المادة (×) عندها امتحانات، أو أنها تريد أن تنهي شرح الدّرس أو تعويض غيابها.

التّوصيات المرتبطة بالمجتمع والدّولة:
إن مجتمعاتنا الشرقية ما زالت مقصّرة في نظرتها لأصحاب الإعاقة، فما زال قسماً كبيراً من المجتمع ينظر إليهم نظرة دونية. ولهذه الغاية يجب إقامة ندوات وبرامج للتعريف بالإعاقات والمعوقين من خلال التلفزيون ووسائط التواصل الاجتماعي، في محاولة للابتعاد عن الأحكام المسبقة ونمطية التّفكير، وإبراز قدراتهم.

وعلى الدّولة بذل المزيد لتأهيل المدارس والمراكز الدّامجة، كما يجب عليها العمل على تأهيل العدد الكافي من المدرسين والمدربين، وتخصيص أعداد أكبر لمتابعة حالات الإعاقة.

لبنان الكبير: طبخة بَحصٍ

تختلف القراءات التاريخية حول إعلان تأسيس لبنان الكبير في 1 أيلول/سبتمبر 1920، وأصل الفكرة وفصلها: هل هي فعلا مجرد خريطة رسمها سايكس وبيكو، أم أن هناك ما وراء الخريطة، وناتج عن تراكمات وأحداث وموروثات؟ ومن هم «الأوائل» الذين لعبوا أدوارا رئيسة في تصور لبنان الكبير ونظامه الاقتصادي والسياسي، بمثل ما أسهموا بالدعوة والنضال من أجل قيامه؟

في دراسة نُشرت في كتاب «نشوء لبنان الكبير» (دار رياض الريس)، يروي المؤرخ والجامعي اللبناني، مروان بحيري، أنه في السنوات الهادئة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وفي بيئة سياسية منذرة بالسوء شهدها العقد الأخير من الإمبراطورية العثمانية، صدر كتاب في باريس للكاتب ل. م. جوبلان، عنوانه: «المسألة اللبنانية: دراسة في التاريخ الدبلوماسي والقانون الدولي (1908)».

وفي تحليله للتاريخ المتقلب لمتصرفية جبل لبنان، يقترح الكاتب إصلاحات واسعة، بما فيها زيادة هامش الاستقلالية بعيدا عن الإمبراطورية العثمانية، وإنشاء مؤسسات أكثر ديموقراطية، وحل راديكالي لأراضي الوقف الديني. وفوق كل ذلك، ضم أراض على الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية، بالإضافة إلى مدينة بيروت، وبذلك تكون مساحة المتصرفية أكثر ما تضاعفت.

نظر إلى المشروع كإعادة تكوين للبنان العصر الذهبي ـــ لبنان فخر الدين والأمير بشير، ضمن حدوده الطبيعية كما رسمت عامي 1861 و1863 في خرائط البعثة العسكرية الفرنسية إلى سورية. وكان على هذه التغييرات الواسعة أن تتم برعاية القوى الأوروبية العظمى، مع دور خاص محفوظ لفرنسا.

وقد تم الكشف عن هوية جوبلان بعد إحدى عشرة سنة. ففي آب/ أغسطس 1919، نشرت مجلة بيروتية «لا روفو فينيسيين» مقالا بعنوان: «المسألة اللبنانية: دراسة في الاقتصاد السياسي والإحصاء الوصفي»، كشف فيها الكاتب بولس، أو بول نجيم، أن جوبلان لم يكن إلا هو نفسه، وأن الاسم المستعار «م. جوبلان» كان إعادة ترتيب لحروف اسمه: بول نجيم.

مرة أخرى، وكما في العام 1908، دعا الكاتب لإحياء «لبنان العصر الذهبي»، لكنه سماه هذه المرة «لبنان الكبير» تحديدا، وذكر المصطلح مرتين في المقال، مستخدما في كلتا المرتين الخط المائل لإبرازه. ولعل هذه المقالة، الموقعة في جونية بتاريخ 10 تموز/ يوليو 1919، تشكل ـــ مع مقالة ألبير نقاش: «مستقبلنا الاقتصادي» التي نشرت أيضا في «لا روفو فينيسيين» (تموز/ يوليو 1919) ـــ أول ذكر موثق وعلني لـ«لبنان الكبير». ينظر بولس نجيم إلى كيان لبناني يضم الساحل وسهلي عكار والبقاع إلى متصرفية جبل لبنان.

أما الجدل الأهم والأكثر إثارة من الخريطة الجغرافية وضمّ الأقضية، فهو النقاش حول الخريطة الديموغرافية. ويتبين من خلال التمحيص أن هذا البلد «طبخة بحص»، وكل فريق يريده على مقاسه أو انطلاقا من هويته وامتداده الديموغرافي، وأن الانتداب الفرنسي كان يريد تلبية مصالح التابعين له.

في حوار له مع الكاتب صقر أبو فخر، يتحدث المؤرخ الراحل كمال الصليبي (والمفارقة أنه رحل يوم تأسيس لبنان الكبير) عن الخطأ الشائع القائل إن اتفاقية سايكس ــ بيكو هي التي أوجدت الكيان اللبناني. ويشير إلى أن «فكرة لبنان بدأت في رأس مجموعة من المسيحيين الكاثوليك، بمن فيهم الموارنة، في لبنان وسورية. ومن غرائب الأمور أن آباء لبنان ولدوا في الشام وعاشوا في الشام. لكن كان هناك ما يجمعهم، أي مسيحيتهم، وإنهم من الأثرياء الذين يطلق عليهم مصطلح «برجوازية». هؤلاء أقاموا مشاريع تجارية، وخططوا لإقامة بلد اسمه لبنان بالحدود المعروفة، وهي حدود أخذوها من خريطة رسمها الفرنسيون سنة 1861. الخريطة كانت خريطة الطوائف» كما يقول كمال الصليبي في الخلاصة.

ومع نهاية الدولة العثمانية، حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول/ سبتمبر 1920، حيث تم «إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي». ثم بعد ذلك تم إقرار الدستور، «فقامت هذه الجمهورية تجسد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية».

يتقاطع كلام الصليبي مع ما قاله المؤرخ فواز طرابلسي حول إعادة الاعتبار لدور الاقتصاد السياسي في نشوء دولة «لبنان الكبير» في أيلول/سبتمبر 1920 (نشوء لبنان الكبير، دار رياض الريس، بيروت). درج الحديث عن ذلك الحدث بالتركيز على تلبية رغبات المسيحيين والموارنة خصوصا، لبناء وطن قومي لهم في إطار تقسيم سورية على أساس طائفي وفقا لاتفاق سايكس ــ بيكو.

ويقول طرابلسي: أرفق غورو مرسوم إنشاء «دولة لبنان الكبير» بخريطة قدمت نسخة منها إلى عصبة الأمم. ويتبين من خريطة «لبنان الكبير» سنة 1920، التي وزعها الجيش اللبناني بمناسبة الاحتفالات بالمئوية، أنها مرسومة فوق خريطة العام 1862، بحيث تظهر من حوافها بعض معالم تلك الخريطة التي لم يؤخذ بها.

ويضيف طرابلسي: «الأمر الراجح أن الخريطة وتعديلاتها فرنسية المصدر، ويجوز الافتراض أن الخريطة التي حملها البطريرك الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس كانت موجودة أصلا في محفوظات البطريركية المارونية في بكركي. وما يثير السؤال هو الدور الذي لعبته البطريركية المارونية في تحديد معالم تلك الخريطة منذ الحملة العسكرية في العام 1860 وصولا إلى مؤتمر الصلح في العام 1919».

ومنذ البداية كان الجدل الأساسي حول الديموغرافيا والولاء والوطن النهائي وتشكل الهويات، وبالنتيجة من يحكم. وما حصل بالأمس حول تشكل لبنان الكبير يذكرنا بما يحصل في سورية الآن: انبعاث الهويات، والأكثريات والأقليات، وصراعات النفوذ.

ويقول طرابلسي: « لم يقف النزاع على خريطة «لبنان الكبير» عند نشرها رسميا في مرسوم الجنرال غورو. في العام 1921 دعا رئيس الوزراء الجديد أريستيد بريان إلى فصل طرابلس عن «لبنان الكبير» من أجل تأمين أكثرية عددية للمسيحيين».

«وتجدد السجال والمراوحة عشية صياغة دستور العام 1926، الذي كرس التمثيل الطائفي في الوزارة والإدارة، ولم يشمل التمثيل النيابي، لأن القانون الانتخابي قضى بانتخابات خارج القيد الطائفي في البرلمان، وتمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ».
خلال مداولات الدستور، أعلن «دو كيه» أن خطأ قد ارتكب في إدارة «لبنان أكبر مما يلزم»، مقترحا إعادة ضم طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع وعكار إلى سورية، على اعتبار أن فترة الاختبار أثبتت عدم ضمان ولاء المسلمين للكيان اللبناني.
وبعد سنتين من ذلك، قدم إميل إدّه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية تطالب بإنشاء «لبنان متوسط» يمنح فيه جبل عامل الحكم الذاتي، على غرار دولة السويداء في سورية، وتعاد عدة مناطق ذات أكثرية مسلمة من البقاع إلى سورية. واقترح إده أن تعلن طرابلس «مدينة حرة» تحت الإدارة الفرنسية، يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية، والمسلمون الجنسية السورية. هكذا تتأمن في «اللبنان المتوسط» هذا أكثرية مسيحية تصل إلى 80% من السكان، وتسمح بـ«حمايته»، حسب تعبير إده.

ولم يؤخذ باقتراح إده، فقد تجاوزه دستور 1926 الذي عيّن حدود لبنان.
ويسأل الكاتب سهيل القش في كتابه «المرآة المتكسرة (تشظي الكيان اللبناني): «كيف تم اختراع الشعب اللبناني؟ ويقول إن وعد بلفور عام 1917 الذي التزمت بموجبه الإمبراطورية البريطانية إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يتشابه في كثير من وجوهه مع الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريك الحويك بإقامة «لبنان الكبير» بهدف حماية الطائفة المسيحية المارونية! يتبين من ذلك أن الهدف في الحالتين، يكمن في اختراع أمة وشعب على مقياس كل من الطائفتين: إسرائيل للطائفة اليهودية، ولبنان الكبير للطائفة المارونية. وقد تكفل اللغط اللغوي الذي أعقب هذين الوعدين بالمزج بين مفهومي الطائفة والشعب. وبذلك استخلصت السفسطة الصهيونية حول المظلومية اليهودية، بأن الشتات جعل من اليهود شعبا بلا أرض، فوعدهم بلفور بإعطائهم أرضا سائبة لا شعب يقيم عليها».
يضيف: «أما في ما يتعلق بالطائفة المارونية، فقد وجدت في بداية الاستشراق الإيديولوجي الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من يطلق عليها «الموارنة»، الذين لم يتشكلوا كطائفة بعد، ثم سموا «الشعب الماروني» أو «الأمة المارونية». الصعوبة كانت تكمن في هذه الحالة في خلق لبنان مكبر أو كبير يتسع لإقامة شعب مسيحي، وذلك باقتطاع مناطق بأكملها من الجوار السوري أو «الجوف السوري»، وقد ترفض الالتحاق بالطائفة المارونية التي أطلقت على نفسها صفة أمة. ولكن الخطر الذي يهدد المشروع الفرنسي بإقامة دولة لبنان المكبر، إنما جاء من داخل الطائفة المارونية نفسها. فقد ثبت أن الحجج التي اعتمدها البطريرك حويك لإقناع كليمنصو بتكبير لبنان المتصرفية، كانت تستند إلى قابلية الدولة العتيدة للحياة، وهي لا تستقيم إلا بالمصادر الزراعية للمناطق التي وافق البطريك حويك مع كليمنصو على سلبها من سورية وضمها إلى جبل لبنان».

والنقاش الديموغرافي يأخذ بعدا آخر في كتاب «هذا الجسر العتيق: سقوط لبنان المسيحي 1920 – 2020» لكمال ديب، دار النهار، بيروت، فيقول: «فضل الموارنة ضم مناطق إسلامية ورفضوا ضم مناطق أرثوذكسية للمحافظة على الطابع الكاثوليكي للكيان الجديد. وكان الكيان الجديد قد بدأ يشهد تطورا نحو بناء مؤسسات الدولة، إلا أن العقبة الأساسية بقيت في كيفية استيعاب المسلمين. وذلك أن مواقف المسلمين السلبية من الكيان أدت إلى زرع بذور الشك في نفوس الفرنسيين وبعض القادة المسيحيين في إمكانية النجاح في ضم البقاع وطرابلس إلى لبنان. إذ توصل كبير ممثلي فرنسا في لبنان «دوكييه» عام 1928 إلى قناعة بأن أغلبية المسلمين لا تزال بعيدة عن أن تدين بالولاء للكيان الجديد، فاقترح ضم طرابلس وعكار والبقاع إلى سورية. خاف تجار بيروت أن يؤدي ضم طرابلس إلى سورية إلى تقوية طرابلس ومرفئها على حساب بيروت. وبعد صدور إحصاء 1932 قدم إده باسم عدد من حلفائه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية توضح أن عدد سكان لبنان الكبير هو 840 ألفا، منهم 405 آلاف مسلم، أي من دون أغلبية مسيحية راجحة. ويقترح أن تصبح طرابلس «مدينة مفتوحة» يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية وسكانها المسلمون الجنسية السورية، فيحذف 140 ألفا من مسلمي لبنان وتقتصر دولة لبنان على الجبل والبقاع وما تبقى من الساحل. وهكذا تعود نسبة المسيحيين إلى 80% من السكان. كما أن أفكارا لضم تلكلخ ووادي النصارى في سورية إلى لبنان رفضت، لأن هؤلاء كانوا من الروم الأرثوذكس، ما يجعل الميزان الديموغرافي لغير صالح الموارنة. ولم تلق أفكار إعادة رسم حدود لبنان اهتماما، إذ عارضها مسيحيون كثر وأبرزهم ميشال شيحا الذي لم ير مشكلة في النسب العددية للطوائف، بل نظر في مصلحة الاقتصاد وعلى أن التنوع الطائفي هو مسألة يمكن التعاطي معها. توجهات إده كرئيس للوطن عام 1936 كشفت أفقه الضيق، حيث شجّع الإرساليات الأوروبية، وتمسك بفكرة «القومية الفينيقية» التي عمل على إدخالها في مناهج التعليم مدعوما من شارل قرم الفرانكوفوني الذي اهتم كثيرا ببعث قومية لبنانية بتراث فينيقي».

 

هذا التقميش لمجموعة من الأفكار والمعلومات والتفاصيل حول تشكل «لبنان الكبير»، يُظهر أزمات البلد المزمنة، وتتجلى الأزمات بقوة في كل استحقاق سياسي، وفي موسم انتخابي، وكل قانون انتخابي، وفي الخوف من التعداد السكاني وشبح «الغرباء»… ومن خلال التمعن في ولاءات الجماعات اللبنانية، فـ»الهويات المزدوجة» كثيرة الحضور وتتغلب على شعار «لبنان أولا»، والتصدع الوطني يسهل من تدخلات الأغيار، الأعداء والأصدقاء والأشقاء، وتوغلهم وإطلاق مشاريعهم الانتحارية والتعسفية وجعلنا مجرد وقود.

صلاته الحبّ ودينه الإنسان «لبنان» يحتفي بزيارة البابا لاوون الرابع عشر

لم يكد دمع لبنان المنساب على المنازل المهدّمة بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه يبحث عن يد تمسح آلامه بفعل محبةٍ، تبعث فيه أمل الخلاص في آلام جلجلته، حتى كانت زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر التي استمرت ثلاثة أيام، من ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥ إلى ٢ كانون الأول ٢٠٢٥.
ثلاثة أيام تحمل في شكلها ومضمونها دلالات عدّة. فالحبر الأعظم بما ومن بمثّل، كأنّه يعلنها رعاية من الثالوث الأقدس للبنان، وكأنّه يقول في اليوم الثالث، يوم الثلاثاء، حيث الصلاة الصامتة على أرواح شهداء انفجار مرفأ بيروت والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية، إنّ للبنان قيامة، وإنّ لبنان قام حقّا قام!
زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر للبنان ليست مجرد زيارة بروتوكولية، أو جولة على دول الانتشار المسيحي في الشرق، أو للرعية المسيحية بشكل خاص، بل هي زيارةُ الأمل لكلّ بيت لبنانيّ، وزيارةُ المحبة لكلّ قلب أمٍّ وزوجة وابن وابنة وأب وأخ يبكون شوق الأحبة، وزيارةُ السلامِ لكلّ روحٍ تتوجّع، وزيارة الرعاية لكلّ من قال «أنا لبنانيّ» بعد أن أصبح اللبناني في مواجهة العواصف التي تضرب المنطقة أشبه بيتيم ينتظر على قارعة الطريق أن يستيقظ أبواه من سكرات الموت، ويُعلناه كائناً قابلاً للحياة، والرغد، والفرح، والنمو، والمحبة، والسلام.
هذه الزيارة تعلن أنّ لبنان دوماً في قلب كلّ حدث، زمنيّ كان أم روحيّ، وتؤكد أنّ لبنان ليس بالمنسيّ…
هكذا هي هذه الزيارة المباركة التي أكّدت على الشراكة الروحية بين أطياف المجتمع اللبنانيّ كافة، وَصَلَّت للجميع من دون تفرقة أو تمييز.
هذه الشراكة الروحية كانت الكلمة الموضوع التي أطّرت لقاءات الحبر الأعظم بالمرجعيات الروحية بشكل خاص، والدعوة إلى الحوار البنّاء بين اللبنانيين، وتدعيم دور لبنان كمنصة تلاقٍ وتفاهمٍ بين الأديان. وهي المحور الذي انطلقت منه كذلك كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى الذي شدد في استقباله الحبر الأعظم على أنّ النور لا بدّ أن يغلب الظلام، وأن لبنان لا بدّ أن يبقى متمسكاً بالشراكة الروحية بين أبنائه، حيث الوحدة ضمن التمايز والتنوّع- الشراكة الحقيقية التي تُبنى الأوطان على قاعدتها الأخلاقية ومفادها أنّ كل عائلة روحية تحمل مسؤولية الحفاظ على عائلتها الشريكة في الوطن.
من هنا، وضع صاحب السماحة زيارة البابا لاوون الرابع عشر في باب الدعوة «إلى ما هو أسمى»، الدعوة إلى فتح أبواب الرحمة والمحبة، الرحمة الإسلامية والمحبة المسيحية. وكأنّه بذلك يقول، في لبنان، إنّ الإسلام يعانق المسيحية، ويتكاملان، إذ لا رحمة من دون محبة، ولا محبة من دون رحمة. ولبنان لا يحيا في محبة بلا رحمة، ولا في رحمة بلا محبة. وصوت يبقى المحبة- كما عبّر صاحب السماحة- أقوى من أصوات الحروب والفتن.
«فلبنان يمكن أن يكون النموذج الأرقى للتنوّع في الوحدة، إذا ما أحسّنا فهمه، واستفدنا من غنى مكوّناته، وإذا ما احترمنا خصوصية بعضنا بعضاً… نحن على يقين بأنّ وطننا لا يُبنى إلاّ على قاعدة أخلاقية ذهبية تقضي بأن تُُحافظ كل عائلة روحيّة على شريكتها في الوطن، وبأنّ اجتماعنا معاً، مسلمين ومسيحيين، قادرٌ على إحداث بارقة أمل في هذا الجو القاتم من حولنا… .»
وبهذا اليقين الذي يؤكد هذه الوحدة التي يراها صاحب السماحة في الإنسان، والأديان، وقلب لبنان -جبل لبنان الذي قام بتآلف أبنائه، وعضدهم لبعضهم، وعزم إرادتهم، على الرغم من الصعوبات التي عرفها جبل لبنان عبر تاريخه- بهذا اليقين، وفي اللقاء الخاص الذي جمع بينهما، توجّه صاحب السماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى لصاحب الغبطة البابا لاوون الرابع عشر، مؤكداً على الشراكة الروحية، وأهميتها في خضم المآسي الإنسانية التي تعصف بالمنطقة من غزة إلى سوريا ولبنان، وعلى دور الحبر الأعظم الحيوي والأساس في تدعيم السلام، ونصرة الإنسان.
كما شدّد سماحة شيخ العقل على هوية لبنان «التنوّع»، الذي فيه – والقول هنا لسماحته- «غنًى ورحمة».
وكأن سماحته بقوله هذا يصِلنا بقول الله في كتابه الحكيم: «جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات.١٣) حيث يتجلّى لبنان بهذا التمايز الغنيّ والألفة، التي لم تبددها الأحداث المختلفة، بل تتجلّى في وقوف اللبنانيين جنباً إلى جنب عند كل مفصل رغم الاختلافات.
من ناحية أخرى، وفي تأكيد على هذه الرؤية عند صاحب السماحة بما ومن يمثّل، عرّج سماحته في كلامه للحبر الأعظم على هذه العلاقة التاريخية بين الموحدين في جبل لبنان والمسيحيين، وقد أرسوا ركائز العيش المشترك يوم كان الموحدون أمراء الجبل ووَفَوا أمانةَ روما، وعندما وقعوا المصالحة بعد الحرب الأهلية ورَعُوها على المستوى السياسيّ والشعبيّ، في ترجمة تصبّ في «المصالحة» التي دعا إليها الحبر الأعظم.
بل ورأى سماحة شيخ العقل الشيخ الدكتور سامي أبي المنى أنّ هذه المصالحة إنّما تقوى وتنمو وتستمر بتحويلها من مصالحة روحية وشراكة، إلى شراكة وطنية واقتصادية تنموية، تخدم كلّ محتاج، وتثبّت اللبنانيّ في أرضه.
زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر ليست محطة عابرة، بل محطة فيصل أعادت للبنانيين عبقاً من أريج حريّة يتوقون إليها، وبرداً من سلام يشتاقون إليه، وأملاً من أمنٍ يتوقون له، و«مسحةً» من يدٍ بركةٍ تنقلُ لبنان من عهدٍ إلى عهد لا كفر فيه بل إيمان بوحدة الإنسان، حيث الصلاة حب يصدق فيها القلب…
«صلاتنا الحبُّ» عنوان لأبيات اختارها سماحته لتختصر رؤية مشيخة العقل والموحدين، وتكون هدية للحبر الأعظم بريشة من ذهب على جلد غزال…
صلاتنا الحب
صلاتُنا الحبُّ، إن نصدُقْ به، ارتفعتْ
بنا إلى رحمةٍ، لم تُخطِئِ الهَدفـا
أفي الكنيسةِ، أم في مسجدٍ صَدحتْ
أم لحنُها في خلوةِ التوحيد قد عُزِفا
لا فرقَ كيفَ عَلَتْ أو أين قد رُفعتْ
  وأيُّ قلبٍ بها قد فاضَ مُرتجِفــا
كلُّ القلوب تلاقـتْ عند خالِقهـا
أمّا الخلاصُ فبالإخلاصِ قـد قُطِفا
كلُّ   المذاهبِ نحوَ الحقِّ ذاهبــةٌ
فلنَتّـقِ اللهَ في إنسانِنـا، وكفـى

خريجو الجامعات بين الهجرة والبطالة

أصبحت قضية خريجي الجامعات بين الهجرة والبطالة من أبرز الإشكاليات التي تواجه المجتمعات العربية عموماً ولبنان خصوصاً، لما تحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنموية خطيرة. فالشباب الجامعي، الذي يُفترض أن يشكّل ركيزة النهوض وبناء المستقبل، يجد نفسه اليوم عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: بطالة طويلة الأمد داخل الوطن، أو هجرة قسرية بحثاً عن فرصة عمل تحفظ كرامته وتحقق طموحه.

شهد لبنان خلال العقود الأخيرة توسعاً كبيراً في قطاع التعليم العالي، حيث ازداد عدد الجامعات والمعاهد بشكل ملحوظ، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الخريجين سنوياً الى ما يقارب 41 الى 43 ألف طالب جامعي من الجامعات اللبنانية، غير أن هذا التوسع الكمًي لم يترافق دائماً مع تطور نوعي في مستوى التعليم أو مع مراعاة فعلية لحاجات سوق العمل، بحيث لا تتعدى نسبة الخريجين الذين يجدون عملاً يتناسب مع مؤهلاتهم العلمية بعد التخرج 18% أي بحدود (7500 -7000) ونتيجة لذلك، بات السوق عاجزاً عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، خصوصاً في الاختصاصات النظرية ( العلوم الاجتماعية والإنسانية)، ما أدى إلى تفاقم معدلات البطالة بين الشباب المتعلم.

وتبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ضبابية الخيارات الأكاديمية لدى عدد كبير من الطلاب الجامعيين. فكثيراً ما يتم اختيار الاختصاصات بناءً على اعتبارات اجتماعية، أو تقليداً للأقران، أو استناداً إلى صورة نمطية عن «الاختصاصات المرموقة» (طب/ هندسة/ محاماة)، دون دراسة حقيقية للميول الشخصية أو لفرص العمل المستقبلية. هذا الواقع أدى إلى تخمة في بعض المجالات، مقابل نقص واضح في الاختصاصات التقنية والمهنية التي يحتاجها السوق (تكنولوجيا المعلومات/ التمريض/ والمهن الحرفية المتخصصة).

في المقابل، يعاني سوق العمل اللبناني من ضعف بنيوي مزمن، تفاقم بشكل كبير مع الأزمات الاقتصادية والمالية في أواخر عام 2019. فمحدودية فرص العمل، وتراجع الاستثمارات، وانكماش القطاعات الإنتاجية، كلها عوامل ساهمت في ارتفاع البطالة، بين حاملي الشهادات الجامعية. وإلى جانب ذلك، تشكّل الرواتب المتدنية وعدم الاستقرار الوظيفي عاملاً إضافياً يدفع الخريجين إلى فقدان الأمل بالبقاء في وطنهم.
أمام هذا الواقع، برزت الهجرة كخيار شبه حتمي لكثير من خريجي الجامعات. فالدول الأجنبية، ولا سيما الخليجية والغربية، ما زالت تشكّل مقصداً للشباب الباحث عن فرص أفضل. إلا أن الهجرة لم تعد سهلة كما في السابق، إذ باتت فرص العمل في الخارج تتطلب مؤهلات علمية عالية، وخبرات عملية، ومهارات متقدمة، إضافة إلى إتقان اللغات والقدرة على المنافسة في سوق عالمي مفتوح. وهذا ما يجعل عدداً من الخريجين غير قادرين على تحقيق هذا الخيار، فيبقون عالقين بين بطالة الداخل وصعوبة الخارج.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال مسؤولية الدولة، التي يفترض بها أن تلعب دوراً أساسياً في التخطيط لحاجات سوق العمل وربط التعليم بالتنمية. فغياب السياسات الواضحة في هذا المجال، وضعف التنسيق بين وزارات التربية والعمل والاقتصاد، أدى إلى فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وحاجات السوق. كما أن غياب الإحصاءات الدقيقة والدراسات المستقبلية يحول دون توجيه الطلاب نحو الاختصاصات المطلوبة.

إلى جانب دور الدولة، تبرز أهمية تطوير الشراكة بين الجامعات والقطاعين العام والخاص. فالتعليم الجامعي لا ينبغي أن يقتصر على الجانب النظري، بل يجب أن يتكامل مع التدريب العملي والتطبيقي. ومن شأن برامج التدريب، والتعاون مع المؤسسات والشركات، أن تزوّد الطلاب بالخبرة اللازمة، وتسهّل انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل.

إن معالجة أزمة خريجي الجامعات بين الهجرة والبطالة، تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بإصلاح التعليم العالي وضمان جودته، وتمر بتوجيه الطلاب نحو الاختصاصات المطلوبة وفق حاجات التنمية، وتنتهي عند خلق فرص عمل لائقة تحفظ كرامة الشباب. فالشباب ليسوا عبئاً على المجتمع، بل هم طاقته الأساسية، والاستثمار فيهم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن.

وفي الختام، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل الشهادة الجامعية من مجرد وثيقة أكاديمية إلى أداة فاعلة للإنتاج والتنمية. فإما أن ينجح المجتمع في استيعاب طاقاته الشابة والاستفادة منها، أو يستمر في نزيف العقول عبر الهجرة، وما يحمله ذلك من خسارة فادحة على المستويات كافة.

الاقتصاد اللبناني يستعيد أنفاسه
قراءة في مؤشرات العهد الجديد وآفاق العام المقبل

دخل الاقتصاد اللبناني مع بداية عام 2025 مرحلة جديدة اتسمت بانفراجات اقتصادية ومالية، في أعقاب تطورات سياسية أسهمت في إعادة توجيه المسارات الماكرو-اقتصادية بعد سنوات من عدم الاستقرار والتخبط في السياسات العامة. فبين نمو حقيقي في الناتج المحلي تجاوز 5%، وقفزة نوعية في احتياطيات الذهب والعملات الصعبة، بدأت ملامح التعافي تلوح في الأفق مدعومة بعودة الثقة النسبية للمستثمرين الدوليين.

ولكن، هل استعاد لبنان عافيته المستدامة أم أننا أمام «هدنة اقتصادية» عابرة؟ وفي ظل مشهد أمني وسياسي لا يزال محفوفاً بالمخاطر، يضعنا الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور مروان بركات، في قلب الأرقام والوقائع خلال حواره مع مجلة «»؛ حيث يحلل نتائج السنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد، ويكشف عن ثلاثة سيناريوهات متباينة ترسم ملامح عام 2026، مؤكداً أن مفتاح الانتقال من «النهوض المتواضع» إلى «الازدهار الحقيقي» لا يزال بيد صانع القرار السياسي ومسار الاصلاحات البنيوية الاقتصادية منها والسياسية.

 

1- ما هي أبرز النتائج الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد؟
إن الخرق السياسي الذي شهده لبنان في بداية العام 2025، كان له تداعيات اقتصادية ومالية لافتة ترجمت تحوّلات جذرية في المسار على عدة أصعدة. ويمكن تلخيص الإنجازات الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد في النقاط التالية:

عودة النمو للاقتصاد الحقيقي: في ما يخص الاقتصاد الحقيقي، يقدّر النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في العام 2025، وذلك بعد الانكماش بنسبة 7.5% الذي سجله في العام 2024 جراء تداعيات الحرب. نتيجة التحسن في الطلب على السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ارتفعت الواردات بشكل اسمي بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مما ترجم إلى نمو حقيقي في الواردات بنسبة 6.7% على أساس سنوي بعد تنقيص التضخم المستورد.

فائض في ميزان المدفوعات: في موازاة ذلك، سجّل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً بقيمة 2.8 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025، والذي يتأتى عن التغيّر في الموجودات الخارجية الصافية لدى القطاع المالي بعد تحييد الإرتفاع في سعر الذهب. ويعكس هذا الفائض البالغ 2.8 مليار دولار التأثير الصافي لتدفقات الأموال الوافدة إلى لبنان مقابل التدفقات الخارجة منه.

احتياطيات «المركزي» والذهب.. أرقام قياسية: إنّ احتياطيات مصرف لبنان السائلة بالعملات زادت بنحو 2 مليار دولار منذ بداية العام لتبلغ زهاء 12 مليار دولار اليوم. ويعزى ذلك إلى تدخل مصرف لبنان في سوق القطع شارياً فوائض تداول الليرة اللبنانية من السوق. في موازاة ذلك، وصلت احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان إلى مستوى قياسي غير مسبوق اليوم يبلغ 40 مليار دولار، ما يشكل زيادة لافتة قدرها 16 مليار دولار منذ بداية العام، أي بنمو نسبته 66%.

انتعاش الودائع «الفريش» واليوروبوندز: إلى ذلك، زادت الودائع النقدية (الفريش) بالعملات بقيمة 1.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 لتبلغ زهاء 4.3 مليار دولار في نهاية أيلول، أي بنمو نسبته 34%. إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية بنسبة 88% خلال العام 2025، من 12.75 سنت للدولار في بداية العام إلى حوالي 23 سنت اليوم، وتأتي هذه القفزة جراء تزايد الطلب من قبل المستثمرين المؤسساتيين الأجانب الذين يراهنون على المسار الإصلاحي وتأثيره على عملية إعادة هيكلة الدين بشكلٍ عام.

 

2- كيف تنظرون إلى آفاق العام 2026 اقتصادياً؟
بعد الخرق السياسي الذي شهده العام 2025 والذي كان له تداعيات اقتصادية إيجابية، ما هي آفاق العام 2026 في ظل استمرار التحديات الأمنية، والاختلالات المالية والمسار الإصلاحي المترنّح؟ لقد اعتمدنا في واقع الأمر على ثلاث سيناريوهات للعام 2026:

أولاً: السيناريو الإيجابي يفترض هذا السيناريو استمرار الاستقرار الأمني والسياسي، مدعوماً بمآل لإعادة إعمار واسعة النطاق، وتدفق لافت للأموال الأجنبية، والمصادقة على قانون الفجوة المالية، والتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: نمو حقيقي للناتج المحلي بـ 8.0%، نسبة تضخم منضبطة، فائض في ميزان المدفوعات يتجاوز 6 مليارات دولار، نمو احتياطيات «المركزي» بنسبة 40% على أقل تقدير، نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي بأكثر من 10%، وفائض في المالية العامة بأكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستكسر أسعار اليوروبوندز حاجز الـ 30 سنت صعوداً.
ثانياً: السيناريو الوسطي يفترض استمرار الاستقرار الأمني بينما ستكون مآل إعادة الإعمار محدودة مع استمرار المناكفات السياسية. كما يفترض عدم تطبيق إصلاحات جوهرية عدم التوصّل الى اتفاق مع صندوق النقد.
– النتائج المتوقعة: تتجمد الأوضاع الاقتصادية ويقتصر النمو على 3%، ويسجل ميزان المدفوعات فائضاً بسيطاً (1.5 مليار دولار)، وتتراوح أسعار اليوروبوندز حول 25 سنت، وأن يقتصر نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي على نسب لا تذكر.

ثالثاً: السيناريو السلبي يفترض حدوث انزلاقات أمنية، وتجاذبات سياسية حادة، تترافق مع غياب للتدفقات الأجنبية، وعدم حصول أي إصلاحات إضافة إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: تدهور اقتصادي لافت، نمو سلبي، عجز في ميزان المدفوعات والمالية العامة، تراجع احتياطيات «المركزي» من النقد الأجنبي، وتراجع أسعار اليوروبوندز إلى ما دون 20 سنت، وستشهد الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي نمواً سلبياً.

كلمة ختامية: نظراً لهذه التباينات اللافتة بين محصّلات السيناريوهات الثلاث، يأمل اللبنانيون بأن يلتزم السياسيون بسلوك تسووي بنّاء، وأن يشرع واضعو السياسات في المضي في المسار الإصلاحي المأمول، وأن يبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم الملحّ من أجل تحقيق النهوض والتعافي الداخلي بشكل عام.

الرهاناتُ الخاطئة لا تتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي

كشف تقرير موسّع لصحيفة واشنطن بوست الأميركية (23-12-2025) عن مساعٍ إسرائيلية مبكرة لإعادة ترتيب المشهد الدرزي في سوريا قبيل سقوط نظام بشار الأسد.

ووفق التقرير، فإن تنفيذ هذا المشروع بدأ قبل أشهر من انهيار النظام، في محاولة لاستثمار الفراغ المتوقع في الجنوب السوري.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين سابقين شاركوا مباشرة في هذا الجهد، سعى قادة دروز في إسرائيل إلى تأسيس تنظيم عسكري في محافظة السويداء، المعقل الأساسي للدروز. ترافق ذلك مع الدعوة إلى إقامة دولة درزية ذات حكم ذاتي بدعم إسرائيلي، في مؤشر على طموحات انفصالية تتجاوز الواقع الديمغرافي والسياسي في الجنوب السوري.

غير أن هذا الرهان سرعان ما اصطدم بانقسامات داخلية حادة، ومع تصاعد الفوضى، بدأ الحماس الإسرائيلي يتراجع، رغم الاستمرار في تقديم دعم محدود، وسط قناعة داخل تل أبيب بأن مشروع الانفصال غير قابل للحياة في جنوب سوريا.

ردّاً وتعليقاً على التقرير الطويل لصحيفة الواشنطن بوست، الذي اختُصرت بعض نقاطه أعلاه، كتب الصحافي زياد حلبي (ابن بلدة دالية الكرمل) كبير مراسلي قناة العربية في فلسطين مقالاً بتاريخ 25-12-2025، بعنوان «السويداء بين «دروزستان» والتسوية: كيف تستخدم إسرائيل ضائقة الأقليات ثم تتجاوزها»، وإذ ننشر ردّ حلبي نظراً لأهميّته، نأمل أن يكون ذلك حافزاً للاستيقاظ من وهم الرهانات الخاطئة ودافعاً لفهم الواقع بوعي تاريخي وسياسي، كما يقول، وفي ما يلي نصُّ المقال:

«ما نشر في The Washington Post لا يمكن قراءته كنص إخباري معزول، بل كوثيقة سياسية صيغت بعناية لتؤدي وظيفة محددة في لحظة إقليمية دقيقة. فالتسريب، بمصدره وتوقيته ومضمونه، إسرائيلي بامتياز، ولم يكن من باب المصادفة. الرسالة المقصودة لم تكن موجّهة للرأي العام الغربي فقط، بل للفاعلين المحليين في الجنوب السوري، وفي مقدمتهم دروز السويداء، وللعواصم المعنية بمستقبل سوريا في آن واحد.

التقرير نقل صراحة عن مسؤول إسرائيلي استخدامه مصطلح «دروزستان»، لا للترويج له بل لنفيه، مع تأكيد معارضة إسرائيل قيام دولة درزية أو أي كيان انفصالي في سوريا. هذه التسمية، بحدّ ذاتها تُظهر أن الفكرة كانت حاضرة في الخيال السياسي الإسرائيلي، حتى عندما يجري إعلان رفضها اليوم. الموقف المعلن لا يعكس تحوّلاً أخلاقياً، بل إعادة تموضع استراتيجية تفرضها لحظة سياسية مختلفة.

تاريخياً، آمنت إسرائيل بنظرية «فرّق تسد» التي ورثتها عن الانتداب البريطاني وطوّرتها بما يخدم مصالحها: تجزئة المجزّأ، وتفتيت المفتّت، وتحويل الهويات الفرعية إلى أدوات سياسية وأمنية. في مراحل سابقة، لم يكن طرح دولة درزية في جنوب سوريا، ولا حتى أفكار ترحيل الدروز من داخل الخط الأخضر إلى كيان درزي محتمل مجردَ خيال سياسي، بل كانت جزءاً من نقاشات جدّية هدفت إلى إضعاف الدول المركزية المحيطة.

لكن السياسة ليست عقيدة ثابتة؛ إسرائيل اليوم في موقع مختلف، والمنطقة تغيّرت، والأهم أن الولايات المتحدة في مكان آخر. إدارة دونالد ترامب صنّفت أحمد الشرع علناً بوصفه صديقاً وحليفاً لواشنطن. هذه ليست عبارة بروتوكولية، بل إشارة استراتيجية تعني أن واشنطن قرّرت الاستثمار في استقرار الدولة السورية لا في تفكيكها، وفي سلطة مركزية يمكن التفاهم معها، لا في كانتونات متصارعة. وبهذا المعنى، كان على إسرائيل أن تعيد تموضعها وأن تُكيّف سياساتها مع الاتجاه الأميركي الجديد.

من هنا يُفهم الدعم الإسرائيلي المحدود لبعض القوى الدرزية في السويداء، كما ورد في التحقيق الأميركي، بوصفه أداة ضغط مؤقتة، لا مشروعاً سياسياً طويل الأمد. الهدف ليس تشجيع الانفصال، بل تحسين شروط التفاوض حول ترتيبات أمنية مستقبلية، في مقدمتها منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تمتد من محيط دمشق إلى الحدود. إسرائيل تريد أمناً وحدوداً هادئة، لا خرائط جديدة ولا كيانات هشة قد تتحول عبئاً عليها.

وفي هذا السياق تحديداً، لا يمكن فصل كشف التسليح والتمويل الإسرائيلي في السويداء عن هذا التحوّل. ففضحُ نقل السلاح والرواتب لا يعكس فقط تعرية مسار قد يورّط الداخل السوري أو يصبّ الزيت على النار، بل يُقرأ أساساً بأنه تنصّلٌ مدروس من الاستمرار وخلط متعمّد للأوراق. إخراج هذه المعطيات إلى العلن يضع مسافة محسوبة بين إسرائيل وهذا المسار، ويشير إلى نية سحب الورقة لا تعميقها. وفي الوقت نفسه، يؤدي الكشف وظيفة داخلية موازية، عبر تهدئة «الشارع الدرزي الضاغط» في الداخل الإسرائيلي، والإيحاء بأن دعماً ما قد قُدّم، بينما يجري عملياً الانتقال إلى مرحلة التسويات. هكذا يتحول النشر من فعل دعم إلى إدارة انسحاب، واحتواء داخلي، وإعادة ترتيب للأولويات قبل إقفال الملف.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز الخلط بين هذا التوظيف السياسي الخارجي لمأساة السويداء، وبين الحق الكامل وغير القابل للتصرّف لأبناء المنطقة في محاسبة ومعاقبة كل من ارتكب مجازر وفظائع بحقّ المدنيين هناك، أياً كانت هويته أو الجهة التي ينتمي إليها. هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، وهو حقٌّ ينسحب كذلك على الجرائم التي ارتُكبت سابقاً في الساحل السوري. فلا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة واضحة وعلنية، والفصل بين مطلب العدالة وبين مشاريع العزل أو الانفصال مسألة جوهرية، لأن الأولى حق، أما الثانية فمقامرة سياسية ذات أثمان بعيدة المدى.

هذا التحوّل انعكس أيضاً داخل إسرائيل نفسها. فحتى بعض القيادات الدرزية في الداخل، التي رفعت في مرحلة أولى لواء «الحماية الإسرائيلية» للسويداء، طُلب منها لاحقاً تعديل الخطاب: الاستمرار في إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة، لكن بالتوازي مع دعوة دروز السويداء إلى التفاهم مع الدولة السورية، لا القطيعة معها. هذا الضبط المختصر للخطاب ينسجم مع الاتجاه الاستراتيجي العام: حين تتجه إسرائيل نحو تسويات مع سوريا تصبح ورقة الأقليات عبئاً يجب احتواؤه، لا شعاراً يُرفع بلا حساب.

التجربة التاريخية تعزّز هذا الاستنتاج. في كل الساحات تقريباً، تخلّت إسرائيل عن قوى محلية اعتقدت أنها حلفاء دائمون عندما تغيّرت المصالح. جيش لبنان الجنوبي مثال صارخ: أداة استُخدمت ثم أُهملت بلا تردّد، من دون أي اعتبار للتداعيات الاجتماعية أو الإنسانية. في هذا المنطق، لا وجود لتحالفات أخلاقية، بل لاستخدامات وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة.

الخلاصة أن الرهان على إسرائيل بوصفها ضامناً لمستقبل الدروز في سوريا هو رهان على قراءة خاطئة للتاريخ وللحاضر معاً. إسرائيل ذاهبة إلى تسوية وحلول مع سوريا، عنوانها الأمن والترتيبات العسكرية والحدود، لا حماية الأقليات ولا إعادة رسم الجغرافيا. وعندما تكتمل هذه التسوية، ستُطوى الأوراق التي لم تعد ضرورية بلا تردّد.

الرسالة التي حملها التسريب الأميركي واضحة: تُستخدم ورقة الأقليات مرحلياً حجراً على لوح شطرنج تجيد اللعب عليه، ثم تُطوى عند أول تسوية. وعلى دروز السويداء أن يقرأوا هذه الرسالة بوعي تاريخي وسياسي، يتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي، لأن أثمان الرهانات الخاطئة لا تُدفع مرة واحدة، بل تُورَّث.

من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي
الطائفة، الخوف، والمأزق السوري

أتساءل، باستنكار بالغ، يكاد يلامس الغضب: كيف لبلاد قدّمت واحداً من أكثر العقول العربية-الإسلامية انفتاحاً ووحدوية، أن تُختزل اليوم في خطاب عصبي، يُفاخر بمفردة «القبيلة» كأنها إنجاز، لا سقوط؟

ليست «القبيلة» هنا توصيفاً أنثروبولوجياً بريئاً، بل إعلان انكفاء، وتراجع عن التاريخ، وانسحاب من المجال الوطني إلى ما قبل الدولة، الأخطر من ذلك أن هذه المفردة لا تأتي من هامش جاهل، بل تتكرر على ألسنة زعامات راهنة، زعامات بلا جذور حقيقية، لا في التاريخ الاجتماعي للبلاد، ولا في مسارها الوطني.

زعامات لم تولد من صراع الأفكار، ولا من تمثيل الناس، بل صُنعت حين استبدلت السياسة بالولاء، والزعامة بالخدمة، فباتت مقدمات خطاباتها لا تخلو من تكرار: أنا أحمي قبيلتي.

حين تُستدعى «القبيلة» في هذا السياق، لا تُستدعى لحماية الناس، بل لإبقائهم أسرى الخوف.. تُستدعى لتبرير الصمت، وتقديس الحذر، وتحويل الذريعة السياسية إلى ذريعة للشلل الأخلاقي، وهي في جوهرها، ليست سوى اللغة التي يستخدمها الاستبداد حين يريد جماعة بلا مواطنين، وطائفة بلا أسئلة، بما يعني: قبيلة وشيخ قبيلة.

هنا لا يكون السؤال عن طائفة، أو مجموعة بعينها، بل عن المعنى الذي جرى اغتياله.. عن المسافة الهائلة بين شكيب أرسلان، الذي رأى في الطائفة انتماءً ثقافياً داخل أفق أمة، وبين خطاب اليوم الذي يراها قطيعاً يحتاج إلى راعٍ.. بين فكرٍ كان يخشى التفكك، وخطابٍ لا يرى في التفكك سوى وسيلة للبقاء.

ولكن التحول من طائفة إلى قبيلة وفق أرسلان ليس قدراً، بل خيار سياسي فُرض من فوق، ودُفع ثمنه من كرامة الناس وحقهم في أن يكونوا أكثر من أرقام في معادلة أمنية.. ما يُنتج السؤال الحقيقي.
وليس السؤال الحقيقي لماذا يحدث ذلك؟ بل:
لماذا يُسمح بحدوثه وقد بات اللغة المُعتَمَدَة للطوائف؟

الآن، بات ضرورياً (أقلّه بالنسبة لي)، استعادة ما يمكن استعادته من شكيب أرسلان، أمير الكلمة، إجابة عن هذا السؤال، والآن، أعيد السؤال ثانية:
لماذا يُسمح لأن يحدث هذا باسم الطوائف، وفي الذاكرة، مفكّرون من وزن الأمير شكيب أرسلان، ذاك الرجل الذي يحق وصفه بـ :ساعي ضمير الحرية ، لا يهادن الانقسام ولا يخشى الانتصار للإنسان يوماً.

فما الذي كان يراه أرسلان، انطلاقاً من رؤيته؟

لم يكن شكيب أرسلان مفكراً يكتب عن الطائفة من داخل أسوارها، بل عقلاً قلقاً كتب ضد انغلاقها قبل أن يتحول الانغلاق إلى سياسة عامة، ما يدهش في تجربة أرسلان ليس فقط أنه انحدر من بيئة درزية ذات خصوصية عقدية، بل أنه رفض مبكراً تحويل هذه الخصوصية إلى هوية سياسية، أو إلى مشروع حماية، أو إلى ذريعة خوف.. رأى في الطائفة معطى تاريخياً وثقافياً، لا كياناً سياسياً مستقلاً، واعتبر أن لحظة خروجها من الصيغة الوطنية هي لحظة سقوطها الأخلاقي، لا لحظة نجاتها.

كتب أرسلان في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تتفكك، وتُعاد صياغة المشرق على يد القوى الاستعمارية، وكان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط دولة، بل تحول الجماعات إلى بدائل عن الدول، من هنا جاء موقفه الحاد من فكرة «حماية الأقليات»، التي رآها باباً واسعاً لتحويل الطوائف إلى أدوات، وإدخالها في علاقة تبعية دائمة مع الخارج.

بالنسبة له، لم تكن الطائفة مهددة لأنها أقلية، بل لأنها قد تُغرى بالخروج من المجال الوطني إلى مجال الخوف.

بهذا المعنى، استبق شكيب أرسلان اللحظة السورية-اللبنانية الراهنة بدقة مقلقة.. أدرك أن الصيغة الطائفية، سواء جاءت معلنة كما في لبنان، أو مستترة كما في سوريا، لا تنتج استقراراً، بل تؤسس لحروب مؤجلة.. كان يرى أن الطائفة، حين تُستدعى بوصفها فاعلاً سياسياً، تفقد وظيفتها الاجتماعية والروحية، وتتحول إلى كيان تفاوضي، يعيش على توازنات القوة لا على فكرة المواطنة.. الطائفة، في نظره، لا تحمي أبناءها حين تنعزل، بل حين تصبح غير ضرورية سياسياً؛ حين يشعر الفرد أن حقوقه لا تمر عبر زعيم، ولا تُشترى بالخوف، بل تُستمد من كونه مواطناً.
اليوم، في سوريا ولبنان، حيث تحولت الطوائف إلى ملاذات قسرية، والخوف إلى خطاب، تعود أفكار شكيب أرسلان لا بوصفها تراثاً فكرياً، بل بوصفها سؤالاً حياً.
كيف يمكن لجماعات متعددة أن تعيش داخل وطن واحد دون أن تتحول إلى قبائل؟
وكيف يمكن للطائفة أن تنجو من نفسها، لا من الآخرين؟

هذا المقال محاولة لقراءة شكيب أرسلان لا من موقع التاريخ، بل من موقع الراهن؛ لا بوصفه أميراً درزياً، بل بوصفه مفكراً أدرك باكراً أن أخطر ما يواجه الطوائف ليس الاضطهاد، بل فقدان الفكرة التي تجعلها جزءاً من وطن، لا بديلاً عنه.

الأمير شكيب أرسلان (الدرزي)، لم يتعامل مع الدروز بوصفهم مسألة فقهية أو عقدية، بل بوصفهم جماعة تاريخية/ سياسية تشكّلت داخل الفضاء الإسلامي، وتفاعلت معه، وأسهمت في صراعاته، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة موقعها الجغرافي والسياسي، ومن هنا، فإن فلسفته في تحديد علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي، لم تكن دفاعاً مذهبياً ضيقاً، بل رؤية وحدوية تستند إلى التاريخ، والمصير المشترك، والضرورة السياسية.

كان أرسلان، وهو الدرزي المولد، واعياً تماماً للإشكالية التي تحيط بالطائفة الدرزية، فهي طائفة ذات عقيدة باطنية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته نشأت تاريخياً داخل الإسلام الفاطمي، وتكلمت لغته، وعاشت في جغرافيته، وشاركت في حروبه وسلطناته، لذلك رفض الأمير اختزال الدروز في تعريف عقدي يُقصيهم عن محيطهم، ورأى أن هذا الإقصاء لم يكن يوماً سوى أداة سياسية استخدمها الاستعمار، أو بعض التيارات المتعصبة، لتفكيك المجتمعات المشرقية.

في كتاباته ومواقفه السياسية، أكّد شكيب أرسلان أن الدروز جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى الحضاري والسياسي، حتى وإن اختلفوا مذهبياً عن التيار السني الغالب، وهو هنا يستعيد تعريفاً واسعاً للإسلام، لا يقوم على الانتماء الفقهي الصارم، بل على الانتماء إلى دار الإسلام، وتاريخه، وثقافته، ومعاركه الكبرى، وبهذا المعنى، كان يرى أن إخراج الدروز من المحيط الإسلامي هو تزوير للتاريخ، ومقصلة لهم، فكان شديد الحساسية تجاه محاولات تصوير الدروز كجسم غريب أو كحليف طبيعي للغرب.

كان يعتبر أن هذه الصورة صنيعة استعمارية، غذّاها جهل متبادل، واستثمرت في سرّية العقيدة الدرزية لتكريس القطيعة، لذلك دافع في أكثر من موضع عن الدروز بوصفهم جماعة عربية، إسلامية الانتماء الحضاري، شاركت في مقاومة الاستعمار، ولا سيما في جبل العرب وسوريا الكبرى.

في فلسفته السياسية، ربط شكيب أرسلان مصير الدروز بمصير العالم الإسلامي الأوسع.. لم يكن يؤمن بإمكانية نجاة الأقليات عبر الانعزال، بل رأى أن الاحتماء بالمحيط الإسلامي هو الضمانة الحقيقية لبقائها، ولهذا انتقد بشدة أي نزعة انفصالية أو خصوصية سياسية مغلقة، سواء عند الدروز أو غيرهم من الأقليات، معتبراً أن هذه النزعات لا تؤدي إلا إلى تحويل الجماعات الصغيرة إلى أدوات في يد القوى الكبرى.
لم يطالب الدروز بالتخلي عن خصوصيتهم المذهبية، ولم يسعَ إلى تذويبهم عقدياً، بل دعا إلى صيغة تعايش داخل وحدة أكبر:
وحدة الأمة في مواجهة الاستعمار، ووحدة العرب في مشروع النهضة، ووحدة المسلمين في الدفاع عن كيانهم التاريخي.
بهذا المعنى، كان تصوره أقرب إلى الاندماج الحضاري لا الذوبان، وإلى الشراكة لا الإلغاء.
فلسفته حول علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي قامت على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً، اعتبار الدروز جزءاً أصيلاً من التاريخ الإسلامي السياسي والثقافي
ثانياً، رفض استخدام الاختلاف المذهبي كأداة للإقصاء أو التخوين.
ثالثاً، التأكيد على أن وحدة المصير تفرض وحدة الموقف في مواجهة الاستعمار والتفكك.

بهذا التصور، لم يكن شكيب أرسلان «مدافعاً عن الدروز» بقدر ما كان مدافعاً عن فكرة الأمة، وكان يرى في إنصاف الدروز داخل المحيط الإسلامي اختباراً أخلاقياً وفكرياً لقدرة هذا المحيط على تجاوز انغلاقه، وبناء وحدة تتسع للتعدد، لا تُقصيه.
بعض من سيرة الأمير:
– عاش شكيب أرسلان لحظة تاريخية استثنائية، يمكن وصفها بأنها زمن انهيار المرجعيات الكبرى:
انهيار السلطنة العثمانية
– صعود القوميات الأوروبية
– بداية الانتدابات الاستعمارية على العالم العربي
– تفكك مفهوم «الأمة» لصالح الهويات الجزئية والطائفية
– شهد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة سنة 1924، وتقسيم المشرق العربي باتفاقيات سايكس- بيكو، وفرض الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
هذه الوقائع لم تكن بالنسبة له أحداثاً سياسية عابرة، بل زلزالاً حضارياً يهدد وجود المسلمين كقوة تاريخية.

بعد الحرب، تنقّل بين أوروبا (خصوصاً سويسرا وألمانيا وفرنسا وشمال أفريقيا)، وأقام فترة طويلة في جنيف، حيث تحوّل منزله إلى ما يشبه مركز اتصال فكري وسياسي لزعماء الحركات الوطنية العربية والإسلامية.. هناك لعب دور الوسيط، والمحرّض، والناصح، والكاتب الذي يخاطب الرأي العام الإسلامي بلغته، ويجادل الغرب بلغته.

أما انتماؤه الدرزي، فلم يكن بالنسبة له عبئاً أو تناقضاً، بل تجربة شخصية جعلته أكثر حساسية لمسألة الأقليات داخل الأمة، وأكثر رفضاً لتحويل الاختلاف الديني إلى أداة تفتيت.
توفي الأمير شكيب أرسلان 1946 قبل عامين فقط من نكبة فلسطين، وكأنه غادر العالم عند لحظة اكتمال الانكسار الذي حذّر منه طويلاً، ومع ذلك، بقي أثره حاضراً بوصفه ضميراً فكرياً لمرحلة الانتقال من عالم إسلامي متداعٍ إلى عالم عربي ممزق، فكان رجل السؤال الكبير:
كيف يمكن لأمة مهزومة سياسياً ألا تُهزم روحياً؟
وكيف يمكن للاختلاف أن يكون عنصر غنى لا ذريعة للإلغاء؟

بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي

لم يكن سؤال الأقليات في الفكر العربي- الإسلامي الحديث سؤالاً هامشياً، بل وُلد في قلب الصدمة التاريخية التي أحدثها الاحتكاك بالغرب، وسقوط السلطنة العثمانية، وصعود الدولة الحديثة بوصفها كياناً يقوم على المواطنة لا الطوائف والملل، وقد مثّل كل من شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي استجابات مختلفة لهذا السؤال، تعكس اختلاف مواقعهم النفسية والفكرية داخل المشروع النهضوي.
انطلق شكيب أرسلان من موقع إشكالي وفريد: هو من أقلية دينية درزية، لكنه في الوقت ذاته من أشد المدافعين عن وحدة المسلمين.
هذا الموقع جعله ينظر إلى الأقليات لا كـ»مشكلة»، بل كاختبار أخلاقي لقدرة الأمة على استيعاب التعدد.
في تصور أرسلان، لا تُحلّ مسألة الأقليات عبر الاعتراف بها ككيانات مستقلة، ولا عبر صهرها القسري، بل عبر دمجها في الفضاء الإسلامي-الحضاري بوصفه فضاء تاريخياً وسياسياً مشتركاً.. كان يرى أن أي محاولة لفصل الأقليات عن هذا الفضاء، سواء باسم الحماية الغربية أو الخصوصية الدينية، تؤدي حتماً إلى تحويلها إلى أدوات في يد الاستعمار، لهذا دافع عن الدروز، والمسيحيين العرب، وغيرهم، بوصفهم شركاء في المصير، لا ضيوفاً مؤقتين في دار الإسلام.
لم يكن خطابه فقهياً، بل سياسياً/حضارياً، يرفض تحويل العقيدة إلى حدود سياسية، ويمكن القول إن أرسلان قدّم تصوراً براغماتياً وحدوياً.. وحدة لا تلغي التعدد، لكنها تضعه داخل أفق أكبر.
لم يكن بمفرده منشغلاً بالسؤال: «سؤال الأقليات». عبد الرحمن الكواكبي، كان كذلك منشغلاً بالسؤال، وإن من زاوية نظر أخرى، فقد اقترب الكواكبي من سؤال الأقليات عبر مدخل مختلف تماماً. لم ينطلق من الهوية الدينية، بل من نقد الاستبداد بوصفه العلّة المركزية.
انطلق من «طبائع الاستبداد»، التي تنتج الطائفية والانقسام، ففي كتابه الأشهر وأعني «طبائع الاستبداد»، لا تظهر الأقليات بوصفها خطراً على الامّة، بل بوصفها «ضحايا مضاعفين»: ضحايا السلطة المستبدة، وضحايا المجتمع الذي يُستثار ضدها (أليس هذا حال علويو سوريا اليوم؟).

الكواكبي رأى أن الاستبداد السياسي يحتاج دائماً إلى تفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب، وأنه يستثمر الخوف المتبادل بين الجماعات ليضمن بقاءه.. من هنا، فإن حل مسألة الأقليات عنده لا يكون عبر خطاب ديني توحيدي، ولا عبر حماية خارجية، بل عبر تحرير المجتمع كله من الاستبداد وبناء دولة عادلة تقوم على الحرية والمساواة.
شكيب أرسلان رأى في الأقليات امتحاناً لوحدة الأمة، وخطراً فقط حين تُعزل عن محيطها.

ولو أردنا تلخيص الفارق بينهما، لقلنا إن:
ـ أرسلان فكّر من منطلق الخوف على الأمة من التفكك.
ـ الكواكبي فكّر من منطلق الخوف على الإنسان من الاستبداد.
وهنا، ربما تتجلى أهمية شكيب أرسلان اليوم:
لا لأنه كان الأجرأ نظرياً، بل لأنه كان الأكثر وعياً بأن الأقليات ليست مشكلة في ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة حين تفشل الفكرة الجامعة.

 

الأقليات في سوريا ولبنان.. الامتحان المؤجل

إذا كان شكيب أرسلان والكواكبي قد كتبا عن الأقليات وهما يواجهان انهيار السلطنة العثمانية، فإن سوريا ولبنان عاشتا، منذ نشأتهما الحديثة، ترجمة سياسية دائمة لهذا السؤال: هل يمكن لمجتمع متعدّد أن يعيش دون فكرة جامعة؟ أم أن التعدد، حين يُدار خطأ، يتحول إلى لعنة تاريخية؟

لبنان: انتصار الصيغة على الفكرة

في لبنان، انتصرت الصيغة الطائفية مبكراً على أي مشروع وحدوي، قام الكيان منذ البداية على مبدأ تقاسم الطوائف للسلطة، لا على اندماجها في أفق وطني جامع.. بهذا المعنى، تحققت نبوءة شكيب أرسلان السلبية: حين تُعزل الجماعات عن محيطها الأوسع، وتُمنح حماية سياسية خاصة، تتحول من شركاء في المصير إلى كيانات تفاوضية دائمة.

لبنان، من زاوية أرسلان، هو مثال حيّ على فشل فكرة «حماية الأقليات» إذ لم يحم الغرب الأقليات في لبنان، بل حبسها داخل خوف دائم، وجعل وجودها مرهوناً بتوازنات خارجية، في حين كان الكواكبي سيقول إن المشكلة ليست في الطوائف، بل في نظام سياسي يمنع ولادة مواطن حر خارج الطائفة.

أرسلان والكواكبي كليهما على حق، كما لو أنهما البرتقالة وسرتها.
الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) جاءت كتتويج لهذا المسار: حين تفشل الصيغة في إنتاج معنى، تعود الطوائف إلى سلاحها، ويصبح الخارج هو الحكم الأخير.

هذه سوريا اليوم

في سوريا، حدث العكس تقريباً، لم تُبنَ الدولة على صيغة طائفية معلنة، بل على خطاب قومي-وطني جامع، أخفى التعدد بدل أن يديره، ومعه أخفى أوساخه تحت السجادة.. هنا يمكن استحضار الكواكبي بوضوح: دولة تدّعي الوحدة، لكنها تقوم على استبداد مركزي، فتنتج طائفية صامتة، كامنة، تنتظر لحظة الانفجار (وهذا ما حدث).

من منظور شكيب أرسلان، أخفقت سوريا في بناء وحدة اندماجية حقيقية، لأن الوحدة فُرضت بالقوة، لا بالشراكة، فغابت الثقة بين الجماعات، وحلّ محلها خوف متبادل (وهذا ما حدث).

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة.. تحولت الأقليات إلى رهائن للخوف، والأكثرية إلى كتلة غضب بلا أفق جامع، وتحقق أسوأ السيناريوهات: طائفية مسلّحة، واستدعاء الخارج، وانهيار فكرة الدولة نفسها.

بين لبنان وسوريا – غياب الكواكبي وحضور شبحه

يمكن القول إن لبنان اختار الطائفة بدل الدولة، بينما اختارت سوريا الدولة بدل المجتمع.
ما الذي حدث في الحالتين؟
غاب مشروع الكواكبي: الحرية بوصفها شرط الوحدة، فلا الطائفية اللبنانية حمت الجماعات، ولا القومية السورية دمجتها.
أما شكيب أرسلان، فكان سيجد في التجربتين دليلاً إضافياً على فكرته المركزية: لا حماية للأقليات خارج الفضاء الأوسع، ولا وحدة دون عدالة.

سؤال لم يُحسم

سوريا ولبنان لم يفشلا لأنهما متعددان، بل لأنهما لم يملكا فكرة قادرة على تحويل التعدد إلى معنى، لا صيغة لبنان نجحت، ولا فكرة سوريا صمدت. وبينهما، ظل سؤال الأقليات معلّقاً، يتأرجح بين الخوف والحماية والاستبداد.
ربما كان الكواكبي هو الأكثر راهنية اليوم، لا لأنه امتلك حلاً جاهزاً، بل لأنه أشار إلى العطب الحقيقي. لا تُحلّ مسألة الأقليات قبل حل مسألة الحرية.

الطائفة التي لا تحمي

في سوريا اليوم، ليس بوسعك أن ترى الأقليات ككتل متماسكة، بل كأفراد محاصرين بخطابات الخوف.. الخوف من الأكثرية، الخوف من الانتقام، الخوف من المستقبل، والخوف (وهو الأخطر) من الحرية نفسها.
وحين تُختزل الجماعة في هاجس البقاء، تصبح مستعدة للتنازل عن كل شيء آخر:
ـ العدالة، الكرامة، وحتى الحقيقة.
هنا، لا أستطيع أن أرى في الطائفة ملجأً.. الطائفة، حين تُسيّس، لا تحمي أبناءها، بل تضعهم في الواجهة، تجعلهم موضوعاً للشك، ووقوداً للصراعات، وتحوّلهم من مواطنين إلى أوراق تفاوض.

هذا ما فهمه شكيب أرسلان مبكرا، حين رفض منطق «الحماية الخاصة»، واعتبره بداية النهاية لأي جماعة.
من جهتي، لا أرى الخلاص في خطاب إنكاري يقول للأقليات: «انسوا خوفكم».. الخوف واقعي، ومبرَّر، ومتجذّر في تاريخ طويل من الخيبات.
والسؤال ليس: هل تخاف الأقليات؟
بل: ماذا نفعل بهذا الخوف؟
هل نحوّله إلى سياسة؟ أم نحوّله إلى وعي بهذا الخوف؟ بما ينتجه ويراكمه؟

بين أرسلان والكواكبي: أين تقف؟

أتكلم عن نفسي، دون أن أقترح على القارئ أين سيقف، أما عني، فأنا أقف بوعي وربما بتردد، في المسافة بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي.

من أرسلان أخذتُ رفض العزلة، ورفض تحويل الاختلاف إلى مشروع سياسي، ومن الكواكبي أخذتُ قناعتي بأن الاستبداد هو الذي يصنع الطوائف السياسية، لا العكس.

أعرف، من داخل تجربتي (على تواضعها واعوجاجاتها)، أن الحديث عن «الأمة» لم يعد كافياً، كما أن الحديث عن «الدولة» حديث فارغ إن لم تكن دولة الحريات.

ما أبحث عنه (وما أظن أن سوريا تحتاجه ) ليس حماية الأقليات، بل تحريرها من دور الضحية الدائم، ومن وهم أن السلامة تكون بالانكفاء.

كلمة أخيرة من موقع الشخصي:
لا أكتب هذا دفاعاً عن الدروز، ولا نقداً لهم، بل دفاعاً عن حق الفرد في أن يكون أكثر من طائفته، وحق الطائفة في ألا تُختزل في دور سياسي لم تختَره، وحين أستعيد شكيب أرسلان، أفعل ذلك لا بوصفه سلفاً فكرياً، بل شاهداً على أن الخروج من الاصطفاف ليس خيانة، بل محاولة إنقاذ متأخرة.

ربما لن ننجح في الإجابة عن سؤال الأقليات في سوريا الآن، لكننا نستطيع (على الأقل) أن نمنع السؤال من أن يتحول إلى متراس.
وهذا، بالنسبة لي، هو المعنى الوحيد المتبقي للكتابة.

ثوابت الموحِّدين الدُّروز التمسُّك بالثوابت الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود

مقدمة

يهدف هذا العرض إلى التعريف بالثوابت التي بني عليها الميثاق السياسي لبني معروف لأكثر من قرن من الزمن، وعلى الأخص منذ زوال الدولة الإسلامية الجامعة وتقسيم المنطقة العربية، وإنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948.

وتبرز الحاجة لهذا النوع من التأكيد على تلك الثوابت الوجودية نظراً لجملة من العوامل المستجدّة والتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وقد بلغت المواجهات حدّاً بات يفرض على الموحدين الدروز تحمّل مسؤولياتهم التاريخية عبر توحيد موقفهم كجماعة مجاهدة، وتأكيد صلتهم العضوية مع العالم العربي والإسلامي وتوضيح رؤيتهم لدورهم الوطني في الأقطار العربية التي ينتمون إليها.

 

1- العامل الإسرائيلي:
إن المنطلق الأول للسياسة المعروفية من أحداث المنطقة هو فهم الأثر التدميري المستمر للمشروع الإسرائيلي على حياة الأوطان والشعوب في هذه المنطقة التي نكبت بتقسيم فلسطين عام 1947، وهذه الكارثة لم تكن فقط «نكبة» لشعب فلسطين، بل للعرب جميعاً.

إن حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو منع قيام أي دولة عربية سيدة ومزدهرة في المنطقة، وفي الوقت نفسه إحباط أي فرصة لاتّحاد دول عربية في كيان إقليمي يكون له ثقله الاقتصادي والبشري والعسكري.

وعملا بهذا المبدأ فإن التحالف الإسرائيلي- الغربي، مستغِلّاً ضعف الدول والأنظمة السياسية العربية وانقساماتها عبر عقود طويلة، عمل عبر سلسلة من الحروب والانقلابات والتدمير المنهجي على تحويل القارة العربية (التي تزيد مساحتها بنسبة %40 عن مساحة الصين ويفوق عدد سكانها بنسبة %30 عدد سكان الولايات المتحدة) والتي تحتوي على نسبة كبيرة من ثروات العالم، إلى منطقة نزاعات وحروب وفساد وتخلّف اقتصادي وسياسي، وهناك الآن على الأقل ستة بلدان عربية رئيسية ممزقة (اليمن، وسوريا، والعراق والسودان وليبيا وفلسطين)، وقد تحولت تلك البلدان الجميلة التي كانت قبل سنوات معدودة تتمتع بالاستقرار وتنعم شعوبها بالعيش الكريم والخدمات الحكومية المتطورة إلى ساحات قتال وهجرات جماعية بينما تحولت ثرواتها ومواردها إلى أسلاب تتناهبها القوى الخارجية والجيوش والميليشيات.

إن الدروس المستفادة من دور إسرائيل وأهدافها في العالم العربي، أضيفت إليها الدروس التي قدمتها الحرب على غزة، وما رافقها من تغطية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني وأيديولوجيته العرقية والفاشية وأساليبه الوحشية، ومن دعم عسكري واقتصادي ومالي وإعلامي، الذي تقدمه بعض الأنظمة القريبة والبعيدة لهذا الكيان. وقد ساهم النضال الفلسطيني البطولي، الذي خلق نهضة لدى أحرار العالم ومفكريه وصحافته التقدمية، في كشف ما كان مخفيّاً من حقيقة هذا الكيان، وساهم بالتالي في تعميق عزلته وحشد القسم الأكبر من الرأي العام العالمي حول نصرة القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه معاداة إسرائيل والانحياز الغربي الذي يدعمها.

 

2- هويّة الموحِّدين الدُّروز
الموحدون الدروز، كما وصفهم الأمير شكيب أرسلان، ليسوا أقلية مذهبية، بل هم عرب ومسلمون أقحاح مَحتداً ولساناً وثقافةً ونسباً، يحملون شعور الافتخار بانتمائهم الذي هو معدن هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، وجامع أمجادهم وتراثهم الذي تتناقله الأجيال، جيلاً بعد جيل.

ويدل السجل الطويل للموحدين الدروز على أصلهم العربي الصريح ورفعة نسبهم وعلوّ همتهم ونبل آدابهم وشجاعتهم، وهذه الميزات حافظوا عليها عبر القرون بسبب تحصنهم في معاقلهم الجبلية ومحافظتهم على أصولهم وأنسابهم وعلى شخصيتهم الثقافية.
بالإضافة إلى أنسابهم العربية الصافية، فإن الدروز هم من الأقوام المحاربة WARRIORS بالدرجة الأولى، ثم أصبحوا، بسبب ما كان مشهورا عنهم من صفات القوة وشدة البأس، الحاميات الرئيسية للسواحل السورية وطرق التجارة الإسلامية مع العالم. وقد أظهر الموحدون الدروز وأمراؤهم التنوخيون واللخميون أعلى درجات الثبات والبطولة في الذود عن الدولة الإسلامية وقتال البيزنطيين وقطاع الطرق المردة، كما ثبتوا في وجه الجيوش والحملات العسكرية دفاعاً عن حياضهم في جبل لبنان ووادي التيم. وتابع الموحدون الدروز دورهم العربي والوطني عندما قاتلوا بشراسة وثبات أقوى جيش على وجه الأرض إبان الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهؤلاء المجاهدون الأبطال لم تخفهم قوة الجيش الفرنسي ولم يهنوا، بل خاضوا المعارك الشرسة وقدموا التضحيات الجليلة دفاعا عن وحدة سوريا وحريتها. وقد خسر جبل العرب حسب بعض المؤرخين نحو %10 من شبابه ورجاله في تلك المعارك.

 

3- مواطنون وليسوا أقلية
بسبب انتمائهم العربي واندماجهم الوطني فإن الموحدين الدروز، رغم قلة عددهم النسبية، لم يتصرفوا في أي وقت مضى كأقلية، لكنهم تصرّفوا ويتصرفون بثقة كشركاء كاملي المواطنة أوفياء لبلدانهم، مراعين لمصالحها وأمنها ولقوانينها، متفانين في خدمتها وحمايتها، مع ما يترتب لهم من حقوق وما يترتب عليهم من واجبات.

إن الموحدين هم جزء لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي، وهم يفخرون بهذا الانتماء ويمارسونه قولا وفعلا، ووقفاتهم التاريخية شاهدة عليهم. كما أنهم يرفضون خدعة «حلف الأقليات» التي تروّج لها الدولة اليهودية بهدف تقسيم سكان المنطقة والسيطرة عليهم، ومهما كانت الصعاب، فإن الموحدين الدروز يعتمدون في حفظ وجودهم على إيمانهم ووحدتهم واعتدالهم وعلاقات الأخوة بجيرانهم، ويرفضون رفضا باتا الارتباط بأي دولة أجنبية.

 

4- مسلك ارتقاء وسعي دائم
يتوافق المسلمون الموحدون الدروز على أنهم يمثّلون مسلكا إسلامياً روحياً تعبّدياً أخلاقياً يستهدف إصلاح النفس وحفظ المجتمع والترقّي في مكارم الأخلاق التي يجعلونها في مرتبة عليا تفوق التديُّن الشكلي، وهم يرددون دوما القاعدة الذهبية القائلة بأن «أدب الدين قبل الدين». إنّهم وإن كانوا يؤكدون قول الآية الكريمة: «إن الدين عند الله الإسلام»، إلّا أنهم يدركون أن مسلك التوحيد الذي ينتمون إليه هو مسلك سعيٍ دائم ومسافرة وارتقاء من درجة إلى درجة، كما أشار الرسول (ص) إلى مراتب الإسلام فالإيمان فالإحسان الذي يفهمونه بأنه عيشٌ مع الله وعبادته على قاعدة «أنك إذا لم تكن تراه فهو يراك»، وتلك هي أرفع درجات الصدق في العبادة.

ومن هذا المنطلق، فإن الموحدين الدروز فتحوا مجالس الصلاة والذكر وأنتجوا زهاداً وأولياء، عبدوا الله في دُورهم البسيطة أو في خلواتهم أو في معتكفاتهم النائية، وهؤلاء الزهاد حرثوا الأرض وأكلوا من زرع أيديهم وابتعدوا عن العوام أو عليّة القوم، ومشوا في أثر الرسول العربي الأكرم (ص) والصحابة الكبار وآل بيت النبي وزهاد الصوفية والصالحين، وما ادّعوا لأنفسهم فضلاً أو توقّعوا تحصيل مكانة، بل إن الناس هم الذين تعلّقوا بهم وسعَوا إليهم لأخذ البركة أو المشورة والعظة.

على هذا النحو، فإن الموحدين الدروز تطوّروا، لكنهم بقوا مجتمعا حراً، يعلي شأن العقل والبحث الحر، ولا يخشى التنوع، بل ولا يخشى الاختلاف.

 

5- إسلام الموحِّدين الدروز
أخذ مسلك التوحيد بالطريق الوسط في الإسلام، وتمكن بذلك من تقدير الإضافات الهائلة التي أسهمت بها فئات ومذاهب ومدارس فكرية عدة في التيار المعرفي الواسع للإسلام، ويحتل الإسلام صدارة أديان العالم بسبب تنوّعه وغنى محتواه والمرونة التي ميّزته.

إن الموحدين الدروز تأثروا كثيرا بسيرة النبي العربي محمد بن عبدالله (ص) وأصحابه خلال المرحلة الأولى الجهادية من الإسلام، حيث تجسّد الدين بأنقى صور التسليم لله والجهاد في سبيله والزهد بالدنيا ومتاعها. ويكنُّ الموحدون الدروز حبّاً خاصا لآل بيت النبي ويكرّمون الصحابة على العموم، ويكرّمون الخلفاء الراشدين، ويرفضون الخوض في الخلافات التي ثارت بعد موت النبي، وهم يرون في تسعير الاختلافات الراهنة خطة مدروسة لتغذية وتعميق الشقاق والفرقة بين المسلمين، وهم لذلك يدعون باستمرار إلى الوحدة ونبذ الاختلافات وتوحيد الصفوف في التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجه عالم الإسلام، مثل تطوير الأنظمة السياسية والفكر والتعليم وقضايا الديمقراطية والتنمية وحرية وكرامة الإنسان وغيرها.
إنّ الموحدين الدروز هم دعاةٌ لتنمية روابط المودّة والتسامح والتقارب بين المسلمين، إلا أن هذا التقارب لا يمكن بنظرهم أن يقوم فقط على اللقاءات الشكلية والاحتفالية ببن الحين والآخر، بل يحتاج لاتفاق بلدان العالم الإسلامي على وقف السجالات الدينية والتناظر السلبي وتغيير الهويات الثقافية، والتركيز بدلاً من ذلك على إبراز الأرضيات المشتركة، وعلى وضع برامج إسلامية تستهدف رصَّ الصفوف لمواجهة خطط تدمير الأسرة العربية والإسلامية ومحو التاريخ المجيد لهذه المنطقة التي تمثّل مهدَ الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، ومواجهة محاولات هدم الإرث الأخلاقي القيمي العربي الإسلامي المسيحي، والتشجيع على الأخذ بمظاهر الانحطاط في المجتمع الغربي المتداعي والآيل، لا محالة، إلى السقوط.

6- عروبة الموحدين الدروز
يلتزم الموحدون الدروز بالعالم العربي وقضاياه، وقد كانوا منذ وجودهم في هذه الديار حماةَ الثغور دفاعاً عن بلاد االإسلام، وكانوا على الدوام سدّاً منيعاً في وجه المطامع الأجنبية ومشاريع الاحتلال والتقسيم، وهم قادوا صفوف الثورة العربية الكبرى، وشاركوا بقوة في النضال الفلسطيني والعربي ضد الاستيطان، ثم ضد الاحتلال الصهيوني، وسقط من بينهم مجاهدون من لبنان وسوريا والأردن شهداء على أرض فلسطين. وكان للموحدين الدروز في لبنان الفضل الكبير في إسقاط مشاريع التقسيم، لا سيما مشروع الدولة الدرزية واتفاق السابع عشر من أيار، وكان لهم بالتالي السهم الأكبر في صون وحدة لبنان وعروبته.

كما إن الموحدين الدروز عملوا من أجل نهضة العرب وتقدّمهم ومواكبة تطوّر شعوب العالم، وقدّموا لهذه الرؤية النهضوية الأفكارَ والأسس، وبرز منهم علماء وقادة طليعيُّون، في مقدّمتهم الأمير شكيب أرسلان، وهو الدرزيُّ المنشأ والعلّامةُ الإسلاميُّ الكبير الذي جال العالم العربي منظّراً للنهضة العربية وداعياً لوحدة العرب واستقلال بلدانهم ومقاومة المحتلّ.

وساهم الموحدون الدروز في حركة الاستقلال العربي وفي انطلاقة الدول العربية الحديثةِ النشوء والاستقلال، وفي تطوّرها ونهضتها الاقتصادية، خصوصاً في بلاد الشام وفي الخليج العربي، وهم يعتزّون بالولاء لبلدانهم ويهبُّون لنصرتها في وجه أي تهديد أو أزمات.

 

7- لتعزيز الوحدة والمجتمع المدني
لا يجتمع الموحدون الدروز على عصبية، بل يفضّلون نظاماً مدنياً للمجتمع، ويظهرون في الوقت نفسه انفتاحاً تجاه مختلَف الأديان.

كما يترتب على «رجل الدين» في طائفة الموحدين الدروز أن يكسب رزقه عبر العمل في ما يستطيع إليه سبيلاً، وفي الوقت نفسه فإن الموحدين الدروز يظهرون الاحترام والتوقير الشديد للمشايخ الزهاد الذين ينأون بأنفسهم عن صخب الحياة العامة وينفقون وقتهم في العبادة والذكر.
ومن المحامد الفريدة عند الدروز أنهم لا يبغون جدالا ًأو نقاشاً أو سجالاً حول مفاهيم الدين الحنيف، ولا يسعون لاجتذاب أحد إلى معتقدهم، وهم يعتبرون أنفسهم غير معنيين بالنزاعات وبحملات التكفير والتكفير المضاد، وهم يعتبرون أسواق الكلام المنتشرة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي هي جزءٌ من خطط تفتيت الأمة الإسلامية وابتلاء للغافلين. ويعتمد الموحدون معيار السلوك والمحبة والتواضع وحسن الطوية تجاه الآخرين كمعيار لصدق الإيمان وصحة الاعتقاد، والقاعدة الأهمّ لتوطيد روابط الثقة والمحبة بين الناس، أنّى كان اعتقادهم.

 

8- وحدة العشيرة المعروفية
إن ما يشدّ الدروز بعضهم لبعض ليس الدين أو المذهب فحسب، بل ما يجمعهم هو، ومنذ فجر الدعوة الإسلامية، رابط العشيرة العربية المعروفية والتاريخ الطويل من الكفاح والمعارك والتضحيات التي بذلوها في حماية الإسلام من جهة وفي حماية حياضهم ومواطنهم من الغزاة والمعتدين من جهة ثانية. لكن الولاء الدرزي للدولة الإسلامية الجامعة لم يكن بدوره ولاء تبعية، بل كان ولاء شراكة احتفظ الأمراء الدروز ضمنها بدرجة كبيرة من المكانة والاستقلالية.

وبسبب شخصيتهم العربية الفخورة، ودورهم التاريخي قادةً وجيوشاً، وبسبب المعارك المستمرة التي خاضوها والتي غالباً ما تكلّلت بالنجاح، فقد نشأ لدى الدروز شعور افتخار وثقة كبيرة بالنفس. لكن الوجه الآخر لهذا الشعور بالثقة هو أن الموحدين الدروز واقعيون، ويعرفون حجم المخاطر التي تحيط بهم، وهذا الإدراك بالتحديد هو الذي يفسر تعاملهم الصبور والعقلاني مع الأزمات والتحديات، لكنه هو الذي يفسِّر في الوقت نفسه استماتتهم في مواجهة أي تهديد لوجودهم، وما يظهرونه من مآثر في الدفاع عن حياضهم، وفي أنهم في الملمات لا يطيقون الانقسام، ويحرّمون كل مظاهر الخلاف، ويحولون أمور السياسة والحرب كلها بالتالي إلى قيادة واحدة يولونها أمورهم.

إنّ الميزة المزدوجة للوحدة الشعبية ولوحدة القيادة في المواجهات الصعبة هي في كونهما يساعدان في اعتماد الموقف الأصح والأكثر انسجاما مع مبادئ بني معروف ومصلحتهم السياسية. وعلى العكس من ذلك فإن غياب القيادة المنسجمة والموثوقة للعديد من الجماعات أو الحركات السياسية، والذي غالبا ما يتسبب في انقسام تلك الجماعات وتشتّت قواها وفشلها في تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها.

 

9- التنوّع المعروفي ضمن الوحدة
كما أن الموحدين الدروز يعتمدون نهج الانفتاح واحترام الآخر في الإطار الوطني والإنساني، فإنهم أيضا يقدّرون الظروف المختلفة التي يعيشونها بأنفسهم في كل بلد. ولقد حصل عبر الزمن افتراق ملموس في تطور نمط عيش وعادات وثقافة الدروز، بل حتى في لغتهم أو لهجاتهم المميزة، وذلك في موازاة تباعد المسافات واختلاف مواطن العيش وأنماطه. وقد حصل نتيجة لذلك تفاوت كبير في مسارات تطور الموحدين الدروز بين جبل لبنان وجبل العرب وجبل السماق وجبل الشيخ والغوطة ومملكة الأردن وفلسطين.

ورغم مقولة «طبق النحاس» فإن الموحّدين الدروز ملتصقون بالدرجة الأولى ببلدانهم، موالون لها ومندمجون في مؤسساتها، وهذا الارتباط السياسي الوطني ببلدانهم يفسر لماذا ينأى الموحدون الدروز بأنفسهم عن المشاريع المذهبية أو التحركات الفوضوية، ويُقصِرون تحركهم فقط على الحالات التي يتحول فيها انقسام البلد وانتشار الفوضى وفساد النظام والتدخلات الخارجية تهديدا مباشرا لأمنهم ووجودهم.

ومن الجدير بالذكر أن التضامن بين الموحدين الدروز ليس تضامناً جاهلياً، بل هو تضامن توافقي ذو مضمون سياسي ومبدئي، ويستند إلى عقيدة سياسية وأخلاقية التزمها الموحدون الدروز وتمسكوا بها في جميع الظروف، وكانت هي الموجّه لمواقفهم السياسية ومعاركهم الكبرى. وجوهر هذه العقيدة هو الإسلام الحضاري الرافض للغلوّ والمنفتح على مختلف الجماعات والمذاهب الإسلامية والأديان التوحيدية السماوية، والرافض أيضاً لكل أشكال العنف، والداعي للتسامح والاحترام المتبادل داخل مجتمع إنسانيٍّ حديث.

 

10- الموحدون الدروز والقضية اللبنانية
يُعتبر لبنان ظاهرة فريدة لاجتماع عدد كبير من الطوائف والجماعات العربية وغير العربية والثقافات على إرادة العيش المشترك في بلد صغير، يشكلون شعبه المتنوع واقتصاده الحر ونظامه السياسي التشاركي، وهو النظام الذي يسمح للمكونات المتعددة بالتعبير عن شخصيتها واستخدام لغتها وممارسة تقاليدها وإحياء ثقافتها وأعيادها. وتعيش هذه المكونات آمنة في مناطق جغرافية ارتسمت عبر القرون واتفق اللبنانيون على العيش فيها بأمان ووئام وتآخٍ، وعدم السماح بإثارة النزاعات الأهلية فيما بينهم، حتى بات لبنان نموذجا للعيش الواحد، وواحة للتنوع الثقافي، وقد وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بالوطن الرسالة.

إن الموحدين الدروز لا ينظرون إلى التنوّع اللبناني كنقطة ضعف، بل يعتبرونه على العكس عامل تعدّد وغنى وحيوية، ساهم في إلزام اللبنانيين بإنتاج نظام سياسي تشاركي ومنهج حياد إيجابي، يقوم بالدرجة الأولى على النأي بالبلد عن النزاعات الإقليمية والدولية، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية لمكوناته كافة، وقد سمحت «ديمقراطية التنوع» لفترة معينة بتغليب المصالح المشتركة للبنانيين على ما عداها. وعلى الرغم من سلبيات هذه الصيغة، فإنها تبقى في نظر اللبنانيين أفضل بكثير من نشوء حكم فردي أو ذي غلبة طائفية يوقد نار التوتر بين الفئات اللبنانية ويؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انهيار البلد.
إنهم يدعمون بقوة الحفاظ على صيغة التعايش اللبناني التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كوسيلة لحماية السلم الأهلي والسماح للبلد بمواجهة مشاكله الكثيرة، وهم يرفضون مشاريع الهيمنة أو التقسيم تحت أي مسمى.

وهم يدعون إلى حوار وطني حول خيارات المستقبل، وخصوصاَ إصلاح عمل الدولة ومؤسساتها، ويشددون على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف، لا سيما إلغاء الطائفية السياسية، وتطبيق اللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي.

إنهم دعاة سلم لا حرب ودعاة وحدة وطنية لا تناحر طائفي، وكما أنهم قطعوا الطريق على كل محاولات سلخ لبنان عن محيطه العربي، فإنهم كانوا السباقين أيضا إلى المصالحة، والانفتاح على الآخر، وطي صفحات الماضي، والبناء من أجل المستقبل.

إن الموحدون الدروز في لبنان يدركون أن قوتهم وقوة أي من مكونات البلد لا يمكن أن تستمد من استقواء طرف أو من أحلاف خارج الحدود بل من قوة الدولة الوطنية والعادلة، ومن المشاركة الحقيقية للجميع في صياغة سياساتها وإدارة شؤونها. ومن هنا، فقد تصدت القيادات المعروفية، في أكثر من مناسبة، للطغيان الطائفي واستغلال الدولة، كما تصدت للحرب الأهلية التي استهدفت خلال العامين 1975 و1976 تقسيم لبنان، فساهمت بذلك في صون وحدة البلد، ثم في دعم الإصلاحات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف في أواخر العام 1989.

 

11- الدور الوطني للدروز في سوريا
إن الموحّدين الدروز متمسكون بوحدة سوريا وطناً واحداً لجميع أبنائه، يحفظ لهم العيش بحرية وكرامة واستقرار وأمان، وهم يدعون لقيام حكم وطني ديمقراطي لاطائفي يعيد لسوريا وحدتها المجتمعية وازدهارها الاقتصادي ودورها الإقليمي. وقد تصدّى الموحدون الدروز لمشاريع نشر الاقتتال والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد، وبصورة خاصة، فقد قاوم الموحدون الدروز بشدة الضغوط التي هدفت لتجنيدهم ودفعهم إلى مقاتلة إخوانهم السوريين في مناطق الصراع، وهم بدلاً من ذلك صرفوا كل جهودهم لحماية أهل جبل العرب على اختلاف انتماءاتهم، من العصابات الداعشية ومن المؤامرة الهادفة لكسر وحدة الجبل واختراقه وإخضاعه.

وقد وقف دروز سوريا جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية في محافظة السويداء وفي درعا وجبل السماق والجنوب السوري والجولان المحتل في تصديهم لمؤامرات التهجير والتركيع والفتن الطائفية والاحتلال الأجنبي.
وكما حافظ الموحدون الدروز في سوريا على انتمائهم الوطني، كذلك فعلوا في الجولان المحتل، رافضين الهوية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية، رغم كل محاولات الاحتلال لتطويعهم، تارة بالترهيب، وتارة أخرى بالترغيب.
ويشهد التاريخ للموحدين الدروز في الجولان قطعهم الطريق على المؤامرات الإسرائيلية المتكررة لعزل الدروز وسلخهم من انتمائهم العربي، وكان آخرها حادثة مجدل شمس وموقفهم الشجاع الذي ساهم بوأد الفتنة في مهدها.

إن الواقع الضبابيَّ اليوم، بعد بروز الأطماع الإسرائيلية التوسُّعية، ومع تبدُّل الحكم في سوريا وما حصل ويحصل في جبل العرب من مواجعةٍ وتجاذب، وما يُحاك من مؤامرة لحرف الموحدين الدروز عن هويتهم وانتمائهم الوطني والعربي والإسلامي، بات يثير قلقاً بالغاً من صراعٍ يتنامى بين المتأثرين منهم بالسياسة الإسرائيلية التي تدّعي حمايتهم وتدفعهم إلى معاداة الدولة السورية الجديدة، وبين المتمسّكين منهم بتراثهم وتاريخهم وانتمائهم التاريخي والداعين إلى دورٍ تشاركيٍّ فاعل في الدولة، وذلك في ظلّ هاجس الخوف من عدم تمكنها من لجم التطرُّف والتعصّب والتكفير واحتمال تكرار ما حدث في السويداء من اعتداءاتٍ طالت الرموز الدينية والأبرياء وضربت نسيج العيش المشترك بين أبناء جبل العرب.

 

12- دروز الأردن… بنو معروف
الموحدون الدروز في المملكة الأردنية الهاشمية معروفيون أصيلون، وهم مواطنون أردنيون يعتزّون بوطنيتهم، ويتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدُّون كامل واجباتهم تجاه المملكة، ويتمسكون بانتمائهم الإسلامي والعربي، ويدافعون عن القضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وقد كان لهم دور جليل في احتضان الثورة السورية الكبرى وقيادتها في أكثر من مرحلة، لا سيما عندما اضطر سلطان باشا الأطرش للانتقال مع عائلته ورفاقه المجاهدين إلى محافظة الأزرق الأردنية، فلم تكن الأردن المنفى، إنما الوطن الذي حماهم واحتضنهم إلى حين عودتهم الى الجبل بكرامة.

ولا يزال أبناء طائفة الموحدين الدروز المعروفيون في الأردن، وفي كافة الميادين السياسية والاجتماعية، يعكسون هذا الانتماء والنهج لما فيه خير وطنهم وأمتهم العربية والإسلامية.

 

13- دروز فلسطين
تعرضت آمال دروز فلسطين بإمكان حماية وضعهم كأقلية عربية إلى صدمات متلاحقة منذ تأسيس الكيان العنصري في العام 1948، وهم الذين يُسجّل لهم أنهم لم يتركوا أرضهم، إنما تجذّروا فيها رغم كل التحديات، وبالرغم من اغتصاب ثلثي أراضيهم ومشاعات قراهم، ومن «قانون الجنسية» للعام 2018 الذي حوّلهم رسمياً، وهم أصحاب الأرض الأصليون، إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة داخل إسرائيل التي أعلنت نفسها دولة حصرية لليهود.

لقد أحدث صدور القانون صدمة نفسية كبيرة، واعتبره أكثر دروز فلسطين نذير شؤم لمستقبل الدروز في فلسطين. وتظاهر آلاف الدروز ضد القانون، وتزايد في وقت قصير عدد الذين يرفضون الخدمة العسكرية، كما ارتفعت بقوة نسبة الذين باتوا يعرّفون عن أنفسهم بأنهم مواطنون عرب.

عُرف الموحدون الدروز، عبر التاريخ، بالشجاعة في الحق، ونصرة المظلوم، واحتقار القوة الغاصبة بل وإذلالها، ولدى العشيرة المعروفية حلف شرف له نواميسه التي لم تحد عنها، ومن هذه النواميس، بل في رأسها، أنهم لا يعتدون على مَن لا يعتدي عليهم، وأنهم لا يقتلون بريئاً أو طفلاً أو شيخاً، وهذا الميثاق هو عهد الله عليهم ودستور سلوكهم، لا يصح لأي فئة صغيرة أن تكسره وأن تحمِّل العشيرة أوزاراً لا طاقة لها على تحمُّلها، لذلك وفي الأيام العصيبة، فإن الموحدين الدروز يؤكدون أن أي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب على المدنيين والأبرياء هي ضلال، وأنهم بريئون مما يفعل الضالُّون منهم والظالمون.

لقد أصبح المجتمع الدُّرزي كتلةً بشرية وازنة، إذ يفوقُ بعدده الـ150 ألف إنسان، وهم يضمُّون نسبة كبيرة من المهنيين والأكاديميين والمفكرين والمثقفين، ومن هذا الواقع فإنهم مدعوُّون كطائفة لها هذه القوّة العددية وهذا الحجم من الكفاءات، للعب دورٍ إيجابيٍّ مؤثّر بقول كلمة الطائفة القوية والإعلان عن حقّها بالتعبير عن حقيقة انتمائها، ورفض سلخها عن هويتها الحقيقية كجزء من الشعب الفلسطيني، والمطالبة بحقّه في تقرير مصيره وإدانة الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها.

 

خاتمة

إن ما يحصل في زمننا الحاضر من هجمة غير مسبوقة في منطقة ما كان يُسمّى بـ «بلاد الشام»، ومن مخطّطٍ شرسٍ يرمي إلى تمزيق الدول وتحطيم ثوابت المجموعات المذهبية والعرقية والإثنية، ومنها «الموحدون الدروز»، الذين يواجهون اليوم أعتى المؤامرات ويوضَعون في أصعب المواقف، بين مؤامرةٍ هادفة إلى اقتلاعهم من تاريخهم وإرثهم وقوميتهم ووطنيتهم ومحيطهم، وبين تطرُّفٍ وتكفيرٍ يُخشى من تمدُّده، ما يستدعي الوقوف وقفة موحَّدة صلبة وثابتة وعدم الانزلاق إلى مصيرٍ مجهول مهما كانت الإغراءات ومهما تعاظمت التهديدات، فالأوطانُ ملاذُ أبنائها، والتمسُّك بالثوابتُ الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود.
تلك هي الثوابت التاريخية التي التزم بها الموحّدون الدروز عبر تقلّب الأزمان والدول، وهي تعَدُّ أصدق تمثيل لتاريخهم العريق، كما أنها تخدم حاضرهم، وتوفّر الأمان والمنعة لمستقبلهم، وكلّ إهمال لهذه المبادئ أو استهانة بها، أيّاً كانت الأسباب، من شأنه أن يهدد مكانتهم ويُضعف دورهم الكبير في أوطانهم، بل إنه يضع وجودهم السياسي على المحك، والالتزام بها يرقى إلى مرتبة الواجب الوطني والقومي، بل إلى مرتبة الوجود المعروفي بحدّ ذاته.

الإسلام والهويّة الإنسانيّة في العصر الرقميّ
قراءةٌ قرآنيّةٌ – روحيّةٌ في حفظِ العقلِ والنفسِ وصونِ كرامة الإنسانِ

لم يَعُدِ التحوُّلُ الرقميُّ مجرّدَ انتقالٍ في الأدواتِ والوسائطِ، بل غدا تحوُّلاً يمسُّ البنيةَ العميقةَ للإنسانِ، ويضعُ هويّتَهُ الروحيّةَ والأخلاقيّةَ أمامَ امتحانٍ غيرِ مسبوقٍ. ففي عالمٍ تحكمُهُ الشاشاتُ والخوارزميّاتُ، تتراجعُ الأسئلةُ الوجوديّةُ الكبرى لصالحِ السرعةِ والانتشارِ والفاعليّةِ التقنيّةِ، ويُدفَعُ الإنسانُ إلى اختزالِ ذاتِهِ في صورةٍ، ووعيِهِ في أثرٍ رقميٍّ، ومعناهُ في تفاعلٍ عابرٍ.

من هنا، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ قرآنيّةٍ-روحيّةٍ شاملةٍ تُبقي الإنسانَ في مركزِ الاهتمامِ، وتستعيدُ المفاهيمَ الجامعةَ مثلَ حفظِ العقلِ وحفظِ النفسِ وصونِ الكرامةِ والأمانةِ والمسؤوليّةِ، بوصفِها مرتكزاتٍ أخلاقيّةً كونيّةً لا اصطلاحاتٍ فقهيّةً ضيّقةً.

ينطلقُ القرآنُ الكريمُ من تثبيتِ القيمةِ الجوهريّةِ للإنسانِ بوصفِهِ إنساناً، لا بوصفِهِ وظيفةً أو صورةً أو حضوراً افتراضيّاً. فالكرامةُ في الرؤيةِ القرآنيّةِ أصلٌ سابقٌ على كلِّ اعتبارٍ اجتماعيٍّ أو تقنيٍّ، كما في قولهِ تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. هذهِ الكرامةُ لا تُكتسَبُ من الظهورِ ولا من القبولِ العامِّ، بل هي حقيقةٌ وجوديّةٌ ملازمةٌ للإنسانِ. غيرَ أنّ المنظومةَ الرقميّةَ المعاصرةَ تربطُ القيمةَ بالانتشارِ والتأثيرِ، فتُعرِّضُ الكرامةَ الإنسانيّةَ للاهتزازِ حين يتحوّلُ الإنسانُ إلى مادّةٍ للاستهلاكِ الرمزيِّ أو أداةٍ ضمنَ اقتصادِ الانتباهِ.

ويرتبطُ صونُ الكرامةِ ارتباطاً وثيقاً بمفهومِ حفظِ العقلِ، الذي يؤكّدُ عليه القرآنُ عبرَ الدعوةِ الدائمةِ إلى التعقُّلِ والتفكُّرِ والتمييزِ. فالعقلُ في الرؤيةِ القرآنيّةِ ليس مجرّدَ أداةِ حسابٍ، بل موضعُ الوعيِ والمسؤوليّةِ، وهو ما يتعرّضُ اليومَ لتحدّياتٍ جسيمةٍ بفعلِ فيضِ المعلوماتِ، وسرعةِ التلقّي، وهيمنةِ الخوارزميّاتِ على تشكيلِ الرأيِ. إنّ طغيانَ المحتوى السريعِ، وتفضيلَ الانفعالِ على التفكيرِ، وتطبيعَ التضليلِ البصريِّ واللغويِّ، كلُّها مظاهرُ تُهدِّدُ حفظَ العقلِ، وتحوِّلُ المعرفةَ إلى استهلاكٍ، والفهمَ إلى ردّةِ فعلٍ. ومن هنا، يصبحُ إحياءُ حفظِ العقلِ في العصرِ الرقميِّ فعلاً مقاوماً للتسطيحِ، واستعادةً لدورِ الإنسانِ كفاعلٍ واعٍ لا متلقٍّ منقادٍ.

ويُعمِّقُ القرآنُ هذا الإطارَ الأخلاقيَّ حين يربطُ الإنسانَ بـ الأمانةِ والمسؤوليّةِ، لا بالسيادةِ المطلقةِ أو التملُّكِ، في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ… وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾. فالوجودُ الإنسانيُّ هنا وجودٌ تكليفيٌّ، تُقاسُ فيهِ الحرّيّةُ بقدرتِها على تحمُّلِ المسؤوليّةِ. ومن منظورٍ قرآنيٍّ-روحيٍّ توحيديٍّ، فإنّ الاستخلافَ ليس حقّاً مكتسَباً ولا فعلاً إنسانيّاً مستقلّاً، بل هو بيدِ اللهِ وحدهُ، يمنحُهُ ضمنَ سننٍ أخلاقيّةٍ، وينزعُهُ حين تُفرَّغُ الأمانةُ من معناها. وعليهِ، فإنّ توظيفَ التقنيّةِ في الهيمنةِ أو الإفسادِ أو التلاعبِ بالوعيِ يُعدُّ خرقاً لمعنى الأمانةِ، لا علامةَ تقدُّمٍ.

كما يكشفُ القرآنُ عن البُعدِ الداخليِّ للهويّةِ الإنسانيّةِ، مؤكِّداً أنّ الإنسانَ ليس ظاهراً فحسبُ، بل باطناً أيضاً، وأنّ حقيقتَهُ لا تُختزلُ فيما يُعرَضُ ويُرى. يقولُ تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، في إشارةٍ إلى توازنٍ أصيلٍ في بنيةِ النفسِ. غيرَ أنّ البيئةَ الرقميّةَ، بما تفرضُهُ من إيقاعٍ سريعٍ وإغراءٍ دائمٍ ومقارنةٍ لا تنتهي، تُضعفُ علاقةَ الإنسانِ بذاتِهِ، وتشوِّشُ الإصغاءَ الداخليَّ، فتتآكلُ الذاتُ لصالحِ الصورةِ، ويغيبُ الجوهرُ خلفَ الاستعراضِ. هنا يتقدّمُ مفهومُ حفظِ النفسِ بوصفِهِ حمايةً شاملةً للإنسانِ من كلِّ ما يقودُهُ إلى الانهيارِ النفسيِّ والمعنويِّ، لا الجسديِّ فقط.

وفي هذا السياقِ، تأتي الآيةُ الجامعةُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، لتؤكِّدَ أنّ التهلكةَ ليست فعلاً فجائيّاً فحسبُ، بل مساراً تدريجيّاً قد يبدأُ بفقدانِ التوازنِ، واستباحةِ المقارنةِ، وإدمانِ الصورةِ، وانفصالِ الإنسانِ عن ذاتِهِ. إنّ القراءةَ الروحيّةَ لهذهِ الآيةِ في العصرِ الرقميِّ تكشفُ عن أشكالٍ جديدةٍ من التهلكةِ: إنهاكٍ نفسيٍّ، وقلقٍ دائمٍ، وذوبانِ هويّةٍ، وانتحارٍ رمزيٍّ للذاتِ تحتَ ضغطِ المعاييرِ الوهميّةِ.

ولا ينفصلُ حفظُ النفسِ عن مركزيّةِ المساءلةِ في الخطابِ القرآنيِّ، حيثُ لا يُعفى الفعلُ من تبعاتِهِ لمجرّدِ تغيّرِ الوسيطِ أو افتراضيّةِ الفضاءِ. يقولُ تعالى:

﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، ويقولُ أيضاً: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. هذهِ الآياتُ تؤسّسُ لوعيٍ أخلاقيٍّ يعتبرُ القولَ الرقميَّ فعلاً مسؤولاً، ويُعيدُ الاعتبارَ للضميرِ بوصفِهِ رقيباً باطنيّاً لا تُلغيهِ تقنياتُ التخفي أو التزييفِ.

ويُحذِّرُ القرآنُ من أخطرِ أشكالِ الاغترابِ: أن ينسى الإنسانُ ذاتَهُ حين يفقدُ بوصلتَهُ الروحيّةَ، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾.

هنا تتجلّى علاقةٌ وثيقةٌ بين فقدانِ المعنى وضياعِ الهويّةِ الداخليّةِ، وهي علاقةٌ تتفاقمُ في العالمِ الرقميِّ حيثُ يكثرُ التواصلُ ويقلُّ الحضورُ الحقيقيُّ، وتعلو الضوضاءُ ويخفتُ الصوتُ الداخليُّ.

ولا يقفُ القرآنُ موقفَ العداءِ من العمرانِ أو التقدُّمِ، بل يضعُ لهُ ميزاناً روحيّاً يقومُ على التوازنِ، كما في قولهِ تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾. فالتقنيّةُ جزءٌ من «نصيبِ الدنيا»، شرطَ أن تبقى في خدمةِ الإنسانِ، لا بديلةً عن المعنى، ولا سبباً لإهدارِ حفظِ العقلِ وحفظِ النفسِ وصونِ الكرامةِ.

إنّ القراءةَ القرآنيّةَ-الروحيّةَ للعصرِ الرقميِّ، مع الإبقاءِ الصريحِ على مصطلحاتِ حفظِ العقلِ وحفظِ النفسِ وما يتّصلُ بهما من كرامةٍ ومسؤوليّةٍ وأمانةٍ، لا تهدفُ إلى تديينِ التقنيّةِ، بل إلى أنسنةِ التقدُّمِ. فالإنسانُ ليس سيّدَ العالمِ الرقميِّ ولا ضحيّتَهُ، بل أمينٌ فيهِ، تُقاسُ قيمتُهُ بقدرتِهِ على حفظِ التوازنِ بين الظاهرِ والباطنِ، وبين القوّةِ والمعنى.

في المحصّلةِ، لا تكمنُ خطورةُ العصرِ الرقميِّ في ذكائِهِ، بل في قدرتِهِ على إفراغِ الإنسانِ من ذاتِهِ دونَ أن يشعرَ. والسؤالُ الحاسمُ اليومَ ليس كيف نطوّرُ التكنولوجيا، بل كيف نحمي العقلَ من التسطيحِ، والنفسَ من التهلكةِ، والإنسانَ من الذوبانِ، وهو يظنُّ أنّهُ يتقدّمُ.

سيرة شيخ صاغه الصبر وهذّبه الرضا قراءة روحيّة في مناقب رجلٍ من أهل الخفاء

ليست كتابة السيَر دائماً مجرد جمع للوقائع، بل قد تكون بحثاً في المعنى الإنساني والأخلاقي الذي يتجلّى في شخص بعينه، وفي تاريخ المجتمعات رجال لم يتركوا مؤلفات، ولم يتصدّروا منابر، لكن أثرهم أعمق من كثير من الخطب والكتب، لأنهم جسّدوا القيم في سلوكهم اليومي.

وهذه السيرة محاولة لتدوين مناقب شيخ عُرف بين الناس بالتديّن الصامت، وبالحكمة الهادئة، وبالصبر الطويل على مرض لازمه أكثر من ستين عاماً، فكان مثالاً حيّاً على العبادة في العجز، وحسن الخلق في الألم، دون ادعاء مقام أو طلب منزلة.

وُلد المرحوم الشيخ أبو يوسف سلمان منذر في 13 تشرين الثاني 1935 في بلدة مكسة البقاعية، وانتقل هو وأهله إلى بلدة بزبدين، قضاء بعبدا، عام 1952، حيث نشأ في بيئة دينية عميقة ليعيش في رحاب الإيمان ويسير على طريق التوحيد.
بدأت حياته بسيطة صافية في زمن كان العمل في الأرض عبادة، وكان التعب شرفاً. نشأ في شبابه على خشونة العيش وصدق الكسب، فعمل في الأرض مبكراً، يعرف تعب النهار ويأنس بعرق الجبين، ويعتبر الكدّ والجهد عبادة صامتة، يواصل الذكر مع عمله، ليتعلم الانتظار وأسرار البذرة لتصبح ثمرة، وأن الخير لا يُنال على عجل، بل يُرجى بصبر.

انصرف إلى حفظ كتاب الله برغبة وشوق، فجمع بين تعب الجسد ونور الروح، وبين سعي اليد وصفاء القلب. لم يكن حفظه للعلوم مجرد استظهار ألفاظ، بل مصاحبة طويلة يتكئ عليها في شدّته ويعود إليها في ضعفه، حتى صارت النصوص أنفاساً تسكنه، لا تفارقه، حفظ الصحبة لا الحروف فقط. كان الكتاب جليس ليله، مؤنس وحدته ومرجع رأيه. فإذا اضطر الناس إلى الهدوء، عاد إلى سكون الآيات، وإذا التبست الأمور، وزّنها بميزان الذكر، ولم يكن يتزين بالحفظ، بل يخفيه كما يُخفى الكنز.

ليست العبادة صورة واحدة، ولا طريقاً واحداً، بل هي مصدر القلب مع الله، كيفما تبدّلت الأحوال. قد يفتح الله على عبد باب العمل، وعلى آخر باب الاحتمال، وكلٌّ في القرب سواء إذا استقام الدرب وصح التوجه. قال تعالى: «ليبلوكم أيَّكم أحسن عملاً»، ولم يقل أكثر عملاً، لأن الحسن موضعه القلب.

ثم نزل به المرض طويلاً وثقيلاً، لا يبرح جسده إلا ليعود أشدّ التمسك، أكثر من ستين عاماً، وهو يحمل أوجاعه كما يحمل السالك أثقال نفسه في طريق المجاهدة. لم يُعرف عنه تبرّم، ولا نُقل عنه شكوى. جاءه المرض لا زائراً عابراً، بل رفيقاً طويل المقام، مدرساً روحياً صقلته كما يصقل الابتلاء أهل الخصوصية، ليعلّمه الرضا، ليس رضا اللسان فحسب، بل رضا القلب.

لم يكن يرى نفسه مبتلى دون الناس، بل كان يقول: «لولا ستر الله علينا ما احتملنا ساعة واحدة»، فصغر في عينه شأنه، وكبر في قلبه شأن ربه. لم يكن مسلكه مظهراً أو مصطلحاً، بل سلوكاً صامتاً: صبر بلا ادعاء، ذكر بلا ضجيج، ورضا بلا تكلّف. لم يكن صبره إحتمالاً سلبياً للألم، بل وعياً بمعناه؛ فالصبر في جوهره ليس تعطيل الشعور، وإنما ترتيب القلب في حضرة القضاء، والمرض الطويل كأنه صحبة دائمة، لا يفرّ منه ولا يخاصمه، بل يُحسن استقباله.

كان يدرك، كما يدرك أهل البصيرة، أن البلاء لا يُقاس بحدّته، بل بما يحدثه في الداخل. فمن الناس من يزداد ضيقاً، ومنهم من يتّسع، وهو من الصنف الثاني: كلما طال البلاء رقّ قلبه، وخف تعلقه، واشتد تفاته إلى رضا الله. لذلك لم يُعرف عنه تذمّر؛ لأن الشكوى عنده كانت خروجاً عن الأدب، لا إنكاراً للألم، بل خوفاً من أن يسبق اللسان القلب فيفقد التوازن.
الرضا عنده لم يكن شعاراً، بل حالة مستقرّة. لم يكن يقول «رضيت» ليقنع نفسه، بل كان يعيش الرضا، لأن قلبه سلّم الأمر لمن بيده الأمر، والفرق كبير بين من يتكلم عن الرضا، ومن يستريح فيه. كان يرى أن الاعتراض الخفيّ أرهق للروح أكثر من المرض نفسه، وأن من وثق بالحكمة خفّ عنه ثقل السؤال. ولهذا عاش سنواته الطويلة بلا صراع داخلي؛ لأنه اختار المصالحة مع القدر لا مقارعته.

وفي هذا المعنى، كان رضاه صورة من صور التوحيد العملي. لم يرَ في تعدّد الأحوال تناقضاً مع رحمة الله تعالى، بل تنوعاً في التربية، تهذيب النفس، والصفاء. أما حسن خلقه، فكان دينه المترجَم: لم يكن قاسياً في رأيه، ولا متشدّداً في أحكامه، بل ليّناً في القول، وكان يدرك أن الأخلاق ليست زينة إضافية، بل جوهر العبادة. كان إذا جلس إلى الناس أصلح قبل أن يحكم، واستمع قبل أن يتكلم، ونظر إلى القلوب قبل الأفعال.

وثق الناس به وأحبوا رأيه، لأنّه لم يتبصّر لنفسه، بل للحقيقة. وحين يصلح بين المتخاصمين، لم يكن يستعرض علماً أو منزلة، بل يتحضّر مقصد السكينة، ويذكّرهم بما يجمع لا بما يفرّق. وكان منزله المتواضع مفتوحاً على الدوام، يستقبل مريديه من الشيوخ وطلاب العلم دون تكلّف، وكأن بساطة المكان امتداد لبساطة القلب ونقاء السريرة.

وعلى الرغم من شدّة مرضه، وما يعانيه من آلام جسدية أنهكت قواه، ظل محافظاً على بشاشته المعهودة، يستقبل زوّاره بترحاب صادق، ويوجههم بكلمات هادئة، تنمّ عن صبر عميق ورضا داخلي، وكأن المرض لم يكن مانعاً عن أداء رسالته، بل امتحاناً إضافياً يظهر فيه ثباته الأخلاقي وسموه الروحي.
لقد شكّل هذا السلوك درساً صامتاً لتلامذته وأهله ومحبيه في أفعاله قبل أقواله، ويظل في لحظات الضعف الجسدي أقوى حضوراً في القيم والمعاني. أحبّه الناس لأنه لم يدن أحداً، ولم يجرح أحداً، بل يصلح بالنصح اللطيف، بوجه ساكن، وقلب حاضر، وكلمة موزونة، وباختصار المقاصد لا التفاصيل.
عاش الشيخ أبو يوسف سلمان منذر عمره متواضعاً، قليل الكلام، عظيم المعنى، لا يتصدّر المجالس، ولا يطلب الذكر، لكن حضوره يسبق كلامه. من جالسه خرج أخف روحاً، ومن نظر إليه تعلم أن العبادة ليست في طول القيام فقط، بل في حسن التسليم. كان رجلاً خفي الأثر، ظاهر البركة؛ إذا حضر سكن المجلس، وإذا غاب افتقده القريب والبعيد.

عرف منزله بأنه مجلس للذكر، مقصداً للقاصدين، ومرجعاً لأهل الدين تُستحضر فيه الطمأنينة قبل الكلام، وتُطلب فيه الحكمة قبل الرأي. لازم بيته متبتّلاً زاهداً، لم تشغله الدنيا بزخاريفها عن رسالته وسكينته، وكان أهل بيته مثالاً في البرّ واللطف، يتسابقون إلى خدمته بمحبة قبل الواجب، يحيطونه بعناية صادقة، ويقومون على راحته قيام الأوفياء، جامعاً بين خدمة الشيخ وحفظ مقام الضيافة في صورة ناطقة بالأخلاق الرفيعة والتربية الإيمانية.

المرحوم الشيخ أبو سلمان أنيس الحلبي

 

كان للشيخ أخوات فاضلات نشأن على الخلق القويم والتقوى الصادقة، ومصاهرة مع مشايخ بطمة الشوف، المرحوم الشيخ أبو سليمان حسيب الحلبي، والشيخ أبو سلمان أنيس الحلبي، من أهل الفضل والمقام، عُرفوا برجاحة العقل، سموّ الخلق، حفظ الحقوق، والكرم. كانت مجالسهم عامرة بالذكر، وأفعالهم شاهدة على تربية إيمانية راسخة وآداب اجتماعية عالية.
وكان الانسجام بين الشيخ وأصهاره انسجام تقوى قبل أن يكون صلة نسب، ليشهد توافقاً روحياً قائماً على الاحترام والوقار.

 

المرحوم السيخ أبو سليمان حسيب الحلبي

 

لقد حظي الشيخ أبو يوسف سلمان منذر في قلوب مشايخه بمكانة كبيرة لما تحلّى به من علم وتقوى وحسن السياسة الدينية والاجتماعية. في هذا السياق، كرّمه المرحوم الشيخ أبو حسين محمد الحناوي تكريماً خاصاً، حيث أشار عليه بالكمال لتكتمل طهارته الروحية، وتمّم التكريم المرحوم الشيخ أبو محمد صالح العنداري بالعباءة المقلّمة تقديراً لديانته ومسيرته.

وفي أحد اللقاءات الإنسانية الخالصة، بدا عليه حزن خفي لا يشبه حزن المتبرّمين، بل حزن المحبّ إذا عُجز عن القرب الذي اعتاده، وقال: «إن المرض يمنعني من أداء بعض الفرائض والعبادات». لم يكن يشكو الألم، بل كان يتألم لفقدان القدرة على أداء الفروض، كأن العافية عنده لم تكن نعمة الجسد، بل فسحة للعبادة.

ذكر له الكاتب سيرة سهل بن عبدالله التستري، العارف الذي عالج الناس ببركة يقينه، فلم يعالج نفسه عند المرض، فقال الشيخ: «هو أمر أحبّه الله فقابلته بالرضا». لم يكن في قوله استسلام العاجز، بل فقه العارف الذي يميّز بين ما يُطلب تغييره وما يُطلب تلقّيه بالرضا والتسليم.

وكان المعنى أعمق من مجرد مذاكرة؛ فالرضا مع المرض قد يكون أرجح وزناً من العافية مع العمل، لأن العافية قد تشاركها النفس، أما البلاء فلا يُحتمل إلا بالله. ومن هنا كان الصبر في موطن العجز عبادة خالصة، لا يشوبها طلب نظر، ولا يدخلها عجب.
سكن قلبه حين سمع ذلك، ليس لأن الألم زال، بل لأن المعنى استقرّ في نفسه، أدرك أن الله لا ينظر إلى كثرة الحركات، بل إلى صدق التوجه، وأن من حُبس عن العمل وبقي قلبه حاضراً لم يُحبس عن الأجر. إذا عُجز عن القيام، اشتغل قلبه بالتسليم، وكأن العبادة انتقلت من الجوارح إلى السريرة، ومن الجهد الظاهر إلى السكون العارف، واطمئنان القلب بسعة العبادة مع الألم، والقبول بقوله تعالى: «لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها».

هكذا صار مرضه نفسه عبادة، وصبره صلاة، ورضاه ذكراً لا ينقطع، حتى لقي الله وقد قدّم من أعمال القلوب ما لا تبلغه أعمال الأبدان.

سأل يوماً عن قوم يطلبون البلاء شوقاً إلى الصبر والرضا، فقال: «كيف يطلب البلاء من لم يحسن الأدب فيه؟ وكيف يدّعي الشوق من لا يزال يرى تقصيره وعجزه؟» لم يكن خوفاً من البلاء، بل خوفاً من النفس أن تتزيّن بالمقام قبل تحققه، فتقع في الدعوة، وهذا عين الأدب عند العارفين.

كان افتقاره صادقاً، يرى نفسه دائماً دون المقام، ولو شهد الناس له بخلاف ذلك، وهذا الافتقار سر سلامته. لم يرَ في بلائه وساماً، ولا في صبره منزلة، بل نعمة يسأل الله تمامها.
حين جاءه الأجل يوم الأربعاء 25/12/2024، لم يكن وداعه عادياً، بل شهادة جماعية على أثر عمر كامل. كرّمه الشيخ أبو صالح محمد العنداري والشيخ أبو فايز أمين مكارم بالعمامة المكولسة صباح وداعه، وشهد جنازته حضور واسع من الناس، وفي مقدّمتهم مشيخة العقل وأعيان البلاد.

عبّر سماحة شيخ العقل، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى بكلمة وداع عن مآثر الشيخ، حيث كان ملجأً عند الشدّة، وصوت حكمة حين تختلط الأصوات، صابراً راضياً، حافظاً لإخوانه، متعففاً زاهداً. وتتابعت الشهادات من أهل العلم ووجوه المجتمع وعامة الناس: رجل إصلاح، صاحب خلق، مرجع رأي، صاحب قلب رحيم عاش للناس كما عاش مع الله.

لم يكن رجلاً عابراً في دروب الحياة، بل أثراً هادئاً ممتداً يترك في النفوس طمأنينة لا تُرى، وتعليماً بلا ادعاء، ولا صخب في إيمانه، بل دينه سلوك قبل القول، وصبره قبل الخطاب. إذا اكتمل له مقام الصبر وأدّى أمانه البلاء، جاءه الأجل كما يأتي العارفون، هادئاً بلا صراع، كأنه ينتقل من دار إلى دار، تاركاً وراءه شاهداً حياً على أن القرب من الله لا يحتاج إلى شهرة، وأن أعظم الناس أثراً هم أكثرهم خفاء.

رحمه الله، وخلّد أثره في النفوس، كما خلّد الصالحون من قبل، ممن عاشوا في الخفاء وبقيوا في القلوب.

لقد أثبتت سيرته أن المرجعية الحقيقية لا تُمنح باللقب، بل تُكتسب بالإخلاص والثبات والنصفة والإيثار، وأن الحكمة لا تحتاج إلى منصة، بل إلى قلب مهذب. لقد كان مرجعاً لأنه لم يُرد أن يكون كذلك، وحكيماً لأنه خاف من الدعوى، ومصلحاً لأنه أحب السكينة أكثر من الانتصار، وصمته أبلغ من كلام كثيرين، وبشاشته رغم الآلام درس لا يُنسى.

 

حجرة المرحوم الشيخ أبو يوسف سلمان منذر في بلدة بزبدين

العدد 44