الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الشّيخ سميح ناطور
صوت التّراث وحارس الذَّاكرة

في وداع صديقٍ لم ألتقه يوما، لكنّي عرفته كثيرا
لم تجمعني بالشّيخ سميح ناطور مقاعد الدّراسة ولا دروب الحياة، بل جمعتنا الكلمات. كان صديقا في فضاء افتراضيٍّ، لكنّ أثره في نفسي حقيقيّ وعميق. عبر منشوراته ومؤلّفاته، شعرت أنّي أقرأ صوتا يعرف كيف يحفظ الذّاكرة، ويمنح التّراث حياة جديدة. اليوم، ومع رحيله، أدرك أنّ هناك أشخاصا يكفي أن تقرأ لهم لتشعر أنّك التقيتهم مرّاتٍ ومرّاتٍ، وأنّك كنت تملك شرف صداقتهم.

ولد الشّيخ سميح نائف ناطور عام 1946 في دالية الكرمل، على جبل الكرمل شمال فلسطين، في بيئةٍ مشبعةٍ بحكايات التّاريخ وموروث الأجداد. منذ طفولته، بدا استثنائيّا؛ فقد تعلّم القراءة والكتابة في عمر ثلاث سنواتٍ، وفاز وهو في الثّانية عشرة بجائزةٍ وطنيّةٍ في الشّعر، ما كشف مبكّرا عن موهبةٍ أدبيّةٍ وفكريّةٍ لافتةٍ، سرعان ما شكّلت أساس مسيرته الثّقافيّة.

في شبابه، اتّجه ناطور إلى التّعليم العاليّ، وكان من أوّل خرّيجي مجتمعه، ليبدأ رحلة طويلة في العمل الثّقافيّ والتّوثيقيّ. وفي عام 1974، أسّس دار آسيا للنّشر، الّتي أصبحت منصّة لنشر مؤلّفاته وأعماله البحثيّة، إضافة إلى كتبٍ ومراجع تساهم في صون الموروث وتوسيع دائرة المعرفة.

وجاءت الانطلاقة الأوسع عام 1982، حين أسّس مجلّة «العمامة»، وهي مجلّة ثقافيّة وتاريخيّة عملت على توثيق سير الشّخصيّات والأحداث، ونشر دراساتٍ متعمّقةٍ في التّراث والفكر، بعيدا عن الصّراعات السّياسيّة. سريعا ما تحوّلت المجلّة إلى مرجعٍ للباحثين والمهتمّين بتاريخ المنطقة، ولأبناء المجتمع الّذين وجدوا فيها رابطا حيّا بذاكرتهم الثّقافيّة.

من أبرز إنجازاته إصدار «موسوعة التّوحيد الدّرزيّة» عام 2011، وهو عمل موسوعيّ شامل جمع فيه ما تيسّر من المصادر التّاريخيّة والنّصوص المرجعيّة والرّوايات الموثّقة، ليقدّم للقارئ صورة دقيقة ومنهجيّة عن العقيدة التّوحيديّة وفكرها وتراثها. هذه الموسوعة، بما تحويه من آلاف الصّفحات والمراجع، باتت مرجعا أساسيّا للدّارسين وإرثا فكريّا باقٍ في المكتبات والأذهان.

إلى جانب هذه الموسوعة، ألّف وأشرف على إصدار أعمالٍ أخرى منها: موسوعة آفاق المعرفة، الموسوعة التّوحيديّة للصّغار، موسوعة الألفيّات، وموسوعة آداب الصّغار. هذه الإصدارات تنوّعت بين الموجّهة للمتخصّصين والموجّهة للنّشء، في محاولةٍ منه لغرس حبّ المعرفة في الأجيال الجديدة، وتبسيط المفاهيم الثّقافيّة والفكريّة لهم.

كذلك، تجاوز ناطور المجال المحلّيّ، فانضمّ عام 2001 إلى منظّمة السّلام العالميّة، وشارك في مؤتمراتٍ ولقاءاتٍ ثقافيّةٍ في عواصم مثل واشنطن، نيورك، وسيول، وغيرها. في هذه المحافل، كان يقدّم صورة مثاليّة للمثقّف العربيّ المنفتح على الحوار والتّعاون، دون التّفريط في ثوابته أو انتمائه الثّقافيّ.

أمّا في حياته الشّخصيّة، فقد عرف بإنسانيّته وتواضعه ودفء تواصله. في أحاديثه ومنشوراته على منصّات التّواصل، كان يجمع بين عمق المعلومة وبساطة الأسلوب، مقدّما المعرفة بروح المعلّم والصّديق. لم يكن يسعى إلى الأضواء، بل كان يعتبر أنّ القيمة الحقيقيّة للعمل تكمن في فائدته واستمراريّته.

لقد مثّل الشّيخ سميح ناطور جسرا بين الماضي والحاضر، وحوّل كثيرا من التّراث الشّفهيّ المهدّد بالنّسيان إلى نصوصٍ موثّقةٍ ومصادر متاحةٍ. بهذا الجهد، ساعد في الحفاظ على الذّاكرة الثّقافيّة المشتركة، ليس فقط لمجتمعه المباشر، بل لكلّ قارئٍ وباحثٍ مهتمٍّ بتاريخ المنطقة وتراثها.

رحيله عام 2018 شكّل خسارة كبيرة للمشهد الثّقافيّ العربيّ، ولكنّ إرثه الفكريّ باقٍ، يقرأه الجيل الجديد ويستلهم منه أهمّيّة المعرفة وأمانة التّوثيق. وسيظلّ اسمه حاضرا كلّما ذكرت الأعمال الموسوعيّة الرّصينة الّتي تعنى بالتراث وتمنحه حياة جديدة عبر صفحات الكتب.

رحم الله سميح ناطور، وجزاه عن الثّقافة والمعرفة خير الجزاء، وجعل إرثه صدقة جارية تثمر في عقول وقلوب من يقرأه. فقد كان مثالا للمثقّف الملتزم الّذي آمن أنّ القلم أداة بقاء للهويّة، وأنّ المعرفة جسر عبورٍ نحو المستقبل.

الأدوية المزيفة

الأدوية المزيفة هي أدوية زائفة تسوق على أنها أدوية حقيقية ومرخصة. يتمتع الاتحاد الأوروبي بإطار قانوني متين لترخيص الأدوية وتصنيعها وتوزيعها، يتمحور حول التوجيه الخاص بالأدوية المزيفة للاستعمال البشري، بحيث لا يسمح إلا للصيادلة المرخصين وتجار التجزئة المعتمدين بعرض الأدوية للبيع، بما في ذلك البيع المشروع عبر الإنترنت. وتعمل وكالة الأدوية الأوروبية بشكل وثيق مع شركائها على تنفيذ هذه القوانين.

قد تؤدي الأدوية المزيفة إلى:
– احتواؤها على مكونات ذات جودة منخفضة أو بجرعات خاطئة.
– تصنيفها بشكل متعمد واحتيالي فيما يتعلق بهويتها أو مصدرها.
– احتواؤها على عبوات مزيفة، أو مكونات خاطئة، أو مستويات منخفضة من المكونات النشطة.

لا تخضع الأدوية المزيفة لتقييم الجودة والسلامة والفعالية المطلوب في إجراءات ترخيص الاتحاد الأوروبي. ولذلك قد تشكل خطرا على الصحة.

حتى وقت قريب، كانت الأدوية الأكثر تزويرا في الدول الغنية هي أدوية «نمط الحياة» باهظة الثمن، مثل الهرمونات والستيرويدات ومضادات الهيستامين. أما في الدول النامية، فقد شملت هذه الأدوية أدوية تستعمل لعلاج أمراض خطيرة مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.
تتزايد ظاهرة الأدوية المزيفة، حيث يزداد عددها باستمرار. وتشمل هذه الأدوية المزيفة مقابل الأدوية المقلدة الأدوية الباهظة الثمن، مثل أدوية علاج السرطان، وأدوية مطلوبة بشدة، مثل مضادات الفيروسات.

الأدوية المزيفة ليست مثل الأدوية المقلدة:
– الأدوية المزيفة هي أدوية زائفة تم تصميمها لتقلد الأدوية الحقيقية.
– الأدوية المقلدة هي الأدوية التي لا تتوافق مع حقوق الملكية الفكرية أو التي تنتهك قانون العلامات التجارية.

يتمتع الاتحاد الأوروبي بإطار قانوني متين لترخيص الأدوية وتصنيعها وتوزيعها. وفي نهاية سلسلة التوزيع، يسمح فقط للصيادلة المرخصين وتجار التجزئة المعتمدين بعرض الأدوية للبيع، بما في ذلك البيع المشروع عبر الإنترنت.

في يوليو/تموز 2011، عزز الاتحاد الأوروبي حماية المرضى والمستهلكين من خلال اعتماد التوجيه 2011/62/EU بشأن الأدوية المزيفة للاستعمال البشري.
دخل التوجيه حيز التنفيذ في 21 يوليو/تموز 2011. وكان على الدول الأعضاء أن تبدأ في تطبيق تدابيره في يناير/كانون الثاني 2013.

يهدف هذا التوجيه إلى تأمين سلسلة التوريد القانونية ووصولها إلى المرضى. ويسري هذا التوجيه إجراءات سلامة موحدة، ورقابة معززة في جميع أنحاء أوروبا من خلال تطبيق تدابير جديدة، يمكن تقسيمها إلى أربعة محاور رئيسية : prevent falsified medicines

 

ميزات السلامة للأدوية

اعتبارا من 9 فبراير 2019، أصبح حاملو تراخيص التسويق ملزمين بوضع سمتي أمان على عبوات معظم الأدوية الموصوفة طبيا وبعض الأدوية التي تصرف دون وصفة طبية في الاتحاد الأوروبي: معرف فريد (رمز شريطي ثنائي الأبعاد) وجهاز مضاد للتلاعب، وذلك وفقا للائحة المفوضة من المفوضية الأوروبية 2016/161. وتتضمن ملاحق اللائحة قائمة الأدوية الخاضعة لهذا الشرط..

سيقوم المصنعون بتحميل المعلومات الواردة في المعرف الفريد لكل دواء على حدة إلى مستودع مركزي للاتحاد الأوروبي. ويعد هذا المستودع جزءا من نظام شامل للتحقق من الأدوية تم استحداثه بموجب اللائحة. وسيحتاج تجار الجملة أيضا -حسب مصدر الدواء – إلى مسح الأدوية في نقاط مختلفة من سلسلة التوريد للتحقق من صحتها. ثم تقوم الصيادلة والمستشفيات بمسح كل دواء في نهاية سلسلة التوريد للتحقق من صحته، ثم تفحصه من المستودع قبل صرفه للمرضى.
وستضمن ميزات السلامة هذه صحة الأدوية لصالح المرضى والشركات، كما ستعمل على تعزيز أمن سلسلة توريد الأدوية، من الشركات المصنعة إلى الموزعين والصيادلة والمستشفيات.

 

كيف يمكن كشف المنتجات الطبية المقلدة؟

غالبا ما يكون تغليف الأدوية المقلدة عالي الجودة وتبدو الأقراص المزيفة مطابقة للأدوية الأصلية. وفي بعض الأحيان يكون الفحص المختبري الطريقة الوحيدة لتحديد الفرق. ومن الضروري توخي الحذر عند شراء الأدوية، وخصوصا عبر الإنترنت.

ينطبق التزوير على كل من المنتجات ذات العلامات التجارية والمنتجات العامة. وقد تشمل المنتجات المقلّدة منتجات تحتوي على مكونات صحيحة أو خاطئة، أو خالية من المكونات الفعالة، أو تحتوي على مكونات فعالة غير كافية، أو ذات عبوات مزيفة (تعريف منظمة الصحة العالمية).

 

الأدوية الأكثر تزويراً

المضادات الحيوية هي أكثر الأدوية تزويرا، لا سيما في الدول المنخفضة الدخل، حيث تكون الأدوية باهظة الثمن بالنسبة للكثيرين. أما في الدول المرتفعة الدخل، فهناك اتجاه متزايد نحو استعمال أدوية «نمط الحياة» المزيفة لعلاج ضعف ما.
خروج المضاد الحيوي من الجسم: لا يوجد وقت محدد لخروج المضاد الحيوي من الجسم، إذ إن لكل مضاد حيوي وقتا مختلفا عن الآخر. ويتم تحديد المدة التي يستغرقها الجسم لإخراج الدواء بحسب تركيبة المضاد الحيوي؛ وأغلب المضادات الحيوية تحتاج من يوم إلى يومين بعد تناول آخر جرعة حتى تخرج من الجسم.

تعريف إخراج الدواء من الجسم: تعرف عملية خروج الدواء من الجسم بأنها عملية إزالة الأدوية وإخراجها من الجسم، إما على شكل مستقبل (للأدوية والمواد التي تم استقلابها)، أو على شكل الدواء غير المتغير.
أما عملية الاستقلاب فتعرف بأنها الاستفادة من المواد أو تحويلها إلى مواد أقل سمية في حال كانت مادة سامة، ويشمل ذلك الأدوية أو أي مادة دخلت إلى الجسم.

 

كيف يخرج الدواء من الجسم؟

تتعدّد طرق خروج الدواء من الجسم، ويتم إخراجه عبر عدة أماكن، وتشمل:
– الجِلْد.
– الكُلَى.
– الرِّئَة.
– حَلِيبُ الأُمِّ.
– العَرَق.
– الدُّمُوع.
– اللُّعَاب.
– البِرَاز.
– العُصَارَةُ الصَّفْرَاوِيَّةُ.

 

خطوات خروج الدواء من الجسم:

يمرّ الدواء بعدة خطوات قبل أن يخرج من الجسم، ويعتبر كل من الكلى والكبد من أهم الأعضاء المسؤولة عن خروج الدواء. وتحدث أكبر نسبة من إفراز الدواء عن طريق الكلى.

 

مراحل إخراج الدواء

الاستقلاب: يتم في الكبد بهدف تحويل الأدوية من مادة غير فعالة إلى مادة فعالة، أو لتقليل سمية بعض الأدوية. انتقال الدواء لإخراجه عن طريق البول أو البراز، كما يلي:
خروج الدواء عن طريق الكلى: ينتقل الدواء إلى الكليتين لكي يخرج. بعد أن يمر الدواء بخطوات الترشيح في الكلية، وخصوصا في الوحدة الأنبوبية الكلوية، تتمّ تصفية المواد غير المرتبطة بالبروتين (الحرة)، أما المواد المرتبطة بالبروتين فتبقى في الدم. ثم تذهب المواد التي تم ترشيحها إلى البول، وهي المحطة الأخيرة.
وتعتبر طريقة خروج الدواء بالبول عن طريق الكلى هي الأكثر شيوعا بين كل الطرق.

 

خروج الدواء من الجسم

1. خروج الدواء عن طريق البراز
في حال تواجد الدواء في الأمعاء، يتم امتزاجه بالعصارة الصفراوية، ثم يخرج مع البراز.
2. خروج الدواء عن طريق الرئة
تخص هذه الطريقة بشكل خاص غازات التخدير، حيث يطرح الدواء عبر الرئة في حال المواد الغازية والمتطايرة، مثل الكحول وغازات التخدير المتطايرة.

 

خروج الدواء من الجسم عند الأطفال

يجب مراعاة الأمور التالية عند إعطاء الأطفال والرضع أنواعا معينة من الأدوية:
– عند الأطفال حديثي الولادة، يكون الكبد والكليتان غير مكتملتين تماما، لذا فإنهما لن يكونا قادرين على القيام بواجبهما في عمليات الأيض والإخراج بشكل كامل..
– إمكانية وصول الدواء من الأم إلى الطفل، لذا يجب على الأم الحامل أو المرضع الانتباه جيدا عند تناول أدوية أو أي مواد قد تصل إلى الطفل أو الجنين.

 

مدّة خروج الدواء من الجسم

بعد أن يمتص الدواء ويتوزع ليؤدي وظيفتَهُ، يتم تكسيره لمنع تراكمه داخل الجسم. ويمكن حساب المدة التي يستغرقها الجسم للتخلص من الدواء عن طريق ضرب نصف حياة الدواء (T 1/2) بالرقم (4)، والقيمة الناتجة هي المدة التي يستغرقها الخروج التام للدواء من الجسم.

 

مدّة خروج المضاد الحيوي من الجسم

لا يوجد وقت محدد لخروج المضاد الحيوي من الجسم، إذ إن لكل مضاد حيوي وقتا مختلفا عن الآخر. ويتم تحديد المدة التي يستغرقها الجسم لإخراج الدواء حسب تركيبة المضاد الحيوي.
أغلب المضادات الحيوية تحتاج من يوم إلى يومين بعد تناول آخر جرعة حتى تخرج من الجسم.
ولكن بعض المضادات الحيوية، مثل الأزيثروميسين، تحتاج إلى أسبوعين حتى يتم خروجها من الجسم بشكل كامل.

 

متى يبدأ مفعول الدواء في الجسم ؟

يتطلب بدء مفعول الدواء عادة من 20 دقيقة إلى ساعة أو ساعتين، وذلك حتى يصل الدواء إلى أعلى تركيز في الدم. وتعتمد سرعة بدء مفعول الدواء على طبيعة الدواء وعوامل أخرى، مثل:
– عمر المريض.
– الحالة الصحية.
– طبيعة الجهاز الهضمي لدى المريض، حيث إنه يمثل مكان الامتصاص الرئيسي لأغلب الأدوية.
– الجرعة.
– تركيز الدواء.
– امتلاء المعدة أو فراغها.
– طريقة إعطاء الدواء، حيث إن إعطاءه عن طريق الفم هو الأبطأ، أما الحقن فهو الأسرع.

بالنسبة للأدوية الفموية، فإنه بعد تحرر الدواء من كبسولته أو المادة التي غلف بها، تتم عملية تفريغ المعدة خلال 0 -3 ساعات، ثم تفرغ جميع محتوياتها في الأمعاء، وهناك تتم عملية الامتصاص. وعند وصول الدواء إلى الدم يبدأ في إعطاء مفعوله.

أما في حالة الأدوية التي تعطى عن طريق الحقن، سواء كان الحقن العضلي أو الوريدي، فإن رحلة الدواء داخل الجسم تكون أقصر بكثير؛ حيث إنه بعد الحقن مباشرة ينتقل الدواء إلى مجرى الدم، ويبدأ المفعول عادة خلال ثوان إلى دقائق.

 

كم من الوقت يحتاج الجسم لامتصاص الدواء؟

بمجرد دخول الدواء عبر الفم وتحرّره من الأغلفة ووصوله إلى الأمعاء، يتم امتصاصه وينتشر عبر الدم ويبدأ المفعول. وتقدر هذه المدة بين 30 دقيقة – 4 ساعات.

 

 

تأثير شرب الحليب مع الأدوية

تؤثر بعض أنواع الأطعمة والمشروبات على امتصاص الدواء أكثر من تأثيرها على خروجه من الجسم. ويجب مراعاة ما يلي عند تناول الدواء مع الحليب أو غيره من السوائل والأطعمة:
يصِفُ الطبيب أحيانا شرب كوب من الحليب، أو كميات كبيرة من الماء، أو تناول الطعام قبل الدواء لحماية المعدة من تأثير الأدوية، ولكن ليس دائما؛ فهناك حالات يؤثر فيها الحليب سلبا على امتصاص الأدوية.
يجب الانتباه إلى أن بعض الأغذية والمشروبات، مثل الحليب، قد تتداخل مع امتصاص بعض الأدوية، لذلك يستشار الصيدلاني بخصوص تداخلات كل دواء قبل تناوله.

يتداخل وجود عنصر الكالسيوم الموجود في الحليب مع بعض المضادات الحيوية، مثل تتراسايكلين (Tetracycline)، حيث يرتبط الحليب مع الدواء ويمنع امتصاصه، مما يؤدي إلى ترسبه وتكون مركب معقد صعب الإذابة. تعمل أيونات الكالسيوم والمغنيسيوم بشكل عام على تقليل امتصاص الكثير من الأدوية، وليس فقط مع دواء التتراسايكلين؛ وذلك بسبب ارتباطها كيميائيا بالأدوية وترسيبها. بالإضافة إلى الحليب، فإن بعض أدوية الهشاشة تعمل على زيادة امتصاص الكالسيوم في الدم؛ لذلك يجب الفصل بين أي مضاد حيوي ومصادر الكالسيوم ما بين ساعة إلى 3 ساعات حتى يتم امتصاصه بشكل صحيح.

مثالات على الأدوية التي تتأثر بوجود أيونات الكالسيوم:
– المضادات الحيوية من عائلة تتراسايكلين.
– المضادات الحيوية التي تنتمي إلى مجموعة الكينولون بالإنجليزية (Quinolones).
– بيساكوديل، وهو دواء يستخدم في علاج الإمساك.
«لمزيد من المعلومات: يمكن مراجعة مواد غذائية تؤثر على الدواء سلبا أو إيجابا.»
هل هناك تداخل دوائي بين حليب الأطفال والأدوية؟
يعتبر هذا الاستفسار سؤالا شائعا جدا بين الناس، وذلك نظرا لأن الحليب هو الغذاء الأساسي والوحيد أحيانا لبعض الأطفال.
بشكل عام، لا تتداخل الأدوية من مضادات حيوية وأدوية سعال مع حليب الأطفال إلا في حالات خاصة وقليلة جدا، ويمكن معرفتها من خلال استشارة الصيدلاني أو الطبيب.

 

كيفية التخلص من آثار الأدوية في الجسم

قد تتسبب بعض الأدوية في حدوث آثار جانبية نتيجة تناولها، ومع خروج الدواء من الجسم يمكن لبعض الخطوات أن تساعد على التخلص من آثار الأدوية في الجسم، ويشمل ذلك ما يلي:
– الإكثار من شرب الماء.
– زيادة محتوى الألياف في النظام الغذائي.
– ممارسة الرياضة كلما أمكن ذلك.

كنز في مطبخك: كيف يحمي البصل مرضى السكري ويعزّز المناعة؟

البصل من الخضراوات الغنية بالعناصر الغذائية، وله فوائد عديدة، منها تحسين صحة القلب، وتنظيم مستوى السكر في الدم، وزيادة كثافة العظام.

على الرغم من أهمية جميع الخضراوات للصحة وخاصة لمرضى السكري إلا أن بعض الأنواع تقدم فوائد فريدة مثل البصل، وسنقدم في هذا المقال فوائد البصل لمرضى السكري ومعلومات أخرى مهمة.

يلعب النظام الغذائي دوراً مهماً في التحكم في نسبة السكر في الدم ومن أبرز الخضراوات التي قد تساعد في ذلك البصل، وإليك فيما يأتي أبرز فوائد البصل لمرضى السكري، وطرق تحصيل فوائده وبعض النصائح والمحاذير التي يجب معرفتها:

 

فوائد البصل لمرضى السكري
إليك أبرز فوائد البصل لمرضى السكري:
1. تعزيز صحة مريض السكري
يحتوي البصل على مضادات للأكسدة، مثل مركبات الفلافونويدات (Flavonoids) التي تساعد في الحفاظ على نسبة الغلوكوز في الدم طبيعية، وتعزّز الصحة الجيدة والمناعة لمريض السكري.
2. خفض نسبة السكر في الدم
يحتوي البصل على مركبات مهمة، مثل: الكبريت، والكيرسيتين (Quercetin) التي تساعد على خفض نسبة السكر في الدم وفي خلايا الأنسجة الدهنية والكبد والبنكرياس، وتساعد أيضاً على زيادة إفراز الأنسولين مما يزيد من حساسية الأنسولين.
3. غذاء منخفض المؤشر الغلايسيمي
يعد البصل غذاءً مثالياً لإضافته على النظام الغذائي الخاص بمرض السكري، حيث أن المؤشر الغلايسيمي منخفض وبالتالي يتم هضم البصل ببطء مما يتيح إطلاقاً بطيئاً للسكر في مجرى الدم.
4. احتوائه على نسبة قليلة من الكربوهيدرات
من أبرز فوائد البصل لمرضى السكري أنه أحد الخضراوات التي تحتوي على كربوهيدرات بنسبة منخفضة وعلى سعرات حرارية قليلة، فيساعد على التخلص من الوزن الزائد والاحتفاظ بالوزن الصحي؛ وهذا أمر مهم لمرضى السكري.

 

فوائد البصل الأخرى
يقدّم البصل فوائد أخرى لمرضى السكري وغيرهم، ومنها:
1. تعزيز جهاز المناعة
يحتوي البصل على معادن وفيتامينات مهمة لمرضى السكري، أبرزها: البوتاسيوم، وفيتامين ب، وفيتامين ج، وبالتالي يعزز من وظائف جهاز المناعة.
2. منع الإصابة بأمراض القلب
يساعد البصل على تعزيز صحة القلب والأوعية الدموية عن طريق خفض مستوى الكولسترول الضار والدهون الثلاثية، مما يقلّل من خطر الإصابة بأمراض القلب ويساعد أيضاً على منع الالتهابات لاحتوائه على خصائص مضادة للأكسدة ومضادة للالتهابات.
3. تقليل الإجهاد التأكسدي
يعمل البصل على تقليل الإجهاد التأكسدي وزيادة مستويات مضادات الأكسدة، مما يقلّل من خطر الإصابة ببعض الأمراض، مثل هشاشة العظام حيث أنه يزيد من كثافة العظام.
4. التخفيف من الإمساك
يعدّ الإمساك من المشكلات الشائعة التي تحدث لمرضى السكري وغيرهم، فيعمل البصل على التخفيف منه لاحتوائه على نسبة عالية من الألياف، والتي تساعد في هضم الطعام والتخلص من السموم الضارة.

إيفون خويص عبد الباقي
مسيرة امرأة من جذور لبنانية إلى أفق القيادة الأممية

مقدمة

في زمنٍ تتعقّد فيه الأزمات الدولية وتتشابك الصراعات السياسية والإنسانية، يبرز البحث عن شخصيات دبلوماسية قادرة على الجمع بين الخبرة، والبعد الإنساني، والرؤية السلمية. وفي هذا السياق، يتقدّم اسم إيفون خويص عبد الباقي، الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية، كأحد الأسماء المطروحة بجدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عند انتهاء ولايته في أيلول 2026. سيرة عبد الباقي تختصر رحلة استثنائية بدأت من الاغتراب اللبناني، مروراً بالفن والثقافة، وصولاً إلى أعلى المستويات الدبلوماسية والسياسية في العالم.

 

المولد والنشأة

وُلدت إيفون خويص في 23 شباط 1950 في جمهورية الإكوادور، لعائلة لبنانية مهاجرة. والدها فؤاد خويص هاجر من قرية بتاتر في قضاء عاليه، وبدأ حياته من الصفر بائعاً للموز في شوارع غوياكيل، قبل أن ينجح لاحقاً في تأسيس أعمال زراعية واسعة. أما والدتها إنعام أبو شقرا، فهي مهاجرة لبنانية من بلدة الهلالية في قضاء بعبدا.

نشأت عبد الباقي في بيئة جمعت بين القيم اللبنانية المتجذّرة والانفتاح الثقافي لأميركا اللاتينية، ما أسهم في صقل شخصيتها بثقافات متعددة منذ طفولتها.

 

المرحلة التعليمية وبدايات التكوين الفكري

أظهرت عبد الباقي ميولاً مبكرة نحو الفنون، فدرست الرسم والفنون ونالت إجازة من معهد السوربون في باريس، كما تابعت دراسات فنية في باريس ولندن وألمانيا.

وفي مرحلة لاحقة، اتجهت إلى تعميق معرفتها في الشأن العام، فنالت عام 1993 درجة الماجستير في الإدارة العامة من Harvard Kennedy School، ما شكّل نقطة تحوّل أساسية في مسيرتها المهنية، وربط بين اهتمامها الثقافي ورؤيتها السياسية. وهي تجيد خمس لغات، وتكتب الشعر بثلاث منها.

 

الحياة الأسرية

تزوجت إيفون خويص من الدكتور سامي عبد الباقي، الناشط في مجال الأعمال والعقارات، ولديهما ثلاثة أبناء: محمد، فيصل، وتاتيانا. وعلى الرغم من انشغالاتها الواسعة، حرصت دائماً على إبقاء الأسرة محوراً أساسياً في حياتها، معتبرة أن الاستقرار العائلي شرط لنجاح أي تجربة عامة.

 

من الفن إلى العمل العام

دخلت عبد الباقي الحياة العامة من بوابة الفن والثقافة، حيث شغلت عام 1990 موقع الفنانة المقيمة في جامعة هارفارد، ودرّست الفن فيها. وأسست لاحقاً مبادرة «الفن من أجل السلام»، التي نظّمت معارض في دول تعاني من نزاعات، إيماناً منها بدور الثقافة كجسر بين الشعوب.

كما أسست في الإكوادور مؤسسة «بلا حدود»، التي ركزت على دعم القطاع الصحي والاجتماعي.

 

المسيرة الدبلوماسية ودور صناعة السلام

برز نجم عبد الباقي دبلوماسياً خلال تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع دورها في إنهاء النزاع بين الإكوادور والبيرو عام 1998، بعد صراع دام أكثر من خمسين عاماً، حين كانت مستشارة للرئيس الإكوادوري اللبناني الأصل جميل معوض.
لاحقاً، شغلت منصب سفيرة الإكوادور في واشنطن، حيث بنت شبكة علاقات دولية واسعة، كما مثّلت بلادها سفيرة في قطر، العراق، الأردن، لبنان، سلطنة عُمان، سوريا وفرنسا، واكتسبت خبرة معمّقة في الملفات الإقليمية والدولية. وهي أيضاً عضو في مجلس السلام الدولي.

 

العمل السياسي والمناصب الرسمية

تولّت عبد الباقي بين عامي 2003 و2005 منصب وزيرة التجارة الخارجية والصناعة والتكامل الاقتصادي والصيد البحري والتنافس في الإكوادور. كما ترشّحت لرئاسة الجمهورية، في خطوة عكست حضورها السياسي.

وفي عام 2006، فازت بعضوية برلمان دول الأنديز، وانتُخبت عام 2007 رئيسة للبرلمان بالإجماع، ما شكّل محطة بارزة في مسيرتها السياسية الإقليمية.

 

 

 

الحضور الدولي واليونسكو

عام 2009، كانت عبد الباقي مرشحة لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو في باريس، قبل أن تنسحب في المراحل الأخيرة. ولاحقاً، عيّنتها المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا سفيرة للنوايا الحسنة، تقديراً لدورها في تعزيز الثقافة والسلام.

 

زيارتها الى لبنان

في السادس والعشرين من كانون الأوّل عام ٢٠٢٥، وفي مناسبة حزينة تمثّلت بوفاة المأسوف على شبابه المهندس غازي عصام عبد الباقي، وهو من أقارب السيدة إيفون خويص عبد الباقي، زارت السيدة إيفون بلدتها الأم عينبال. ولم تكن الزيارة مجرّد حضور عابر في لحظة ألم، بل عودةً صادقة إلى الجذور الأولى، وإلى ذاكرة المكان الذي لا يغيب مهما ابتعدت المسافات.

وكان في استقبالها أبناء البلدة بفيضٍ من المحبّة والترحاب، معبّرين عن اعتزازهم بابنتهم، وعارضين عليها إقامة استقبال رسمي يليق بمكانتها ودورها، غير أنّها رفضت ذلك بتواضعٍ كبير، مؤكدة أنّها بين أهلها وفي بلدتها، ولا تحتاج إلى مظاهر رسمية. وقد ترك هذا الموقف أثراً بالغاً في نفوس الحاضرين، لما حمله من بساطة وانتماء وصدق.

وفي أحاديثها العفوية مع الأهالي، شدّدت السيدة إيفون على أنّ عينبال لم تغب يوماً عن قلبها، وأنّها كانت وستبقى نقطة الارتكاز في مسيرتها الإنسانية والوطنية، فبدت البلدة في تلك اللحظات كأنها تستعيد إحدى بناتها بالحضور لا بالجسد فحسب، بل بالوفاء والانتماء. وقد لامس كلامها وجدان أبناء البلدة، فوجدوا فيه وعداً غير معلن بأنّ المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالتواصل والعمل المشترك، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من هموم الناس وتطلّعاتهم.

كما وعدت بأن تعود إلى عينبال في أقرب فرصة ممكنة، لتُعلن ترشيحها منها، تماماً كما أعلنت ترشيحها من وطنها الثاني الإكوادور، في دلالة واضحة على وحدة الانتماء بين الأرض الأم والمهجر، وعلى أنّ الوطن لا يُختصر بمكان واحد، بل يتّسع لكل من حمله في قلبه أينما كان.

وهكذا تحوّلت الزيارة إلى محطة وجدانية جامعة، اختلط فيها الحزن بالأمل، والوفاء بالعزم، لتؤكّد أنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بطول الغياب، بل بصدق العودة، وأنّ عينبال كانت وما زالت العنوان الأول لكل من بقي وفيّاً لجذوره مهما ابتعدت به الدروب.

 

الخاتمة

تجسّد إيفون خويص عبد الباقي نموذجاً نادراً لدبلوماسية نشأت من رحم الاغتراب اللبناني، وصقلت تجربتها بين الفن والسياسة والعمل الدولي. ومع تداول اسمها كمرشحة جدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة، تبدو سيرتها المهنية والإنسانية مؤهلة لقيادة منظمة تواجه تحديات غير مسبوقة. وفي حال وصولها إلى هذا المنصب، ستكون شاهداً جديداً على قدرة أبناء الاغتراب اللبناني على بلوغ أعلى المواقع الدولية، حاملين معهم رسالة سلام تتجاوز الحدود والهويات.

شرفات

كتاب، صدر حديثاً للدكتور أديب سليمان خطار، هو من الأهمية بمكان، مؤلفه مؤرخ، وأستاذ جامعي. يقع الكتاب في ثلاثمئة وعشر صفحات، من القطع الكبير، بغلاف، هو عبارة عن لوحة فنية جميلة، ترمز إلى قلب وقلم بين الضوء والعتمة.
أما مضمونه فهو سيرة ومسار مؤلفه، من سن اليتم المبكرة، ومضافاتها المؤلمة، في قرية «باتر» الشوف، التي وصفها وصفاً دقيقاً بديموغرافيتها، وتكون عائلاتها وعاداتهم الإنسانية فيها بينهم، جاعلاً منها نموذجاً لأوثق العلاقات، حيث الرابط مكارم الأخلاق، والإيمان الصادق على كر الأيام والسنين.

قرانا ـ يقول ـ مفاتيح وخالق التاريخ، إن لم تتشابه كثيراً في المبنى، سطوح القرميد، والسطوح الترابية، فإنها إلى حد كبير تتشابه في المعنى، وبالقيم، وبالأصول، وبعبق التاريخ.

وقبل أن نغوص بمضمون الكتاب المتعدد المحطات، بما هو مدهش حقاً، أرى لزاماً أن أذكر أنه قدم له سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، بمقدمة على جاري عهده، أديباً متفوقاً، وشاعراً مبدعاً، سماه فيها: «الأديب المسافر، والمؤمن الموحد، الذي أحب السير دائماً باتجاه النور والخير».

وذلك على كثرة أسفاره متنقلا بين عواصم الحضارات، مستقيا منها ذروة ثقافاتها، وأعمق العلوم والآداب، وتمكّنُه من اللغات، ولا سيما اللغة العربية، بصورها البلاغية والإبداعية، شعراً ونثراً.

أديب خطار صاحب «شرفات» حقاً، أو محطات أدبية، وإنسانية وأخلاقية وعلمية، ترقى ـ برأينا ـ إلى مستوى الشمول، إذ قيمة الإنسان ما يحسنه، وقيمة الأعمال مدى الاستفادة منها. وهكذا كتابه القيم هذا، طاف بمادته من قارة إلى قارة، ومن فائدة إلى أخرى.

أولاً: من «باتر» إلى بيت اليتيم، عبيه، من بيروت إلى القاهرة، ومن لبنان إلى الاتحاد السوفياتي، ففنزويلا، ومن ثم إلى التعليم في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، ومن بيروت إلى كل العالم. في كل هذا محطات سماها هو «شرفات» وقد عبّر بشكل واقعي صحيح، عما كتب، فقال: بين طيات الكتاب نصوص ليست نظرية، همّها مداعبة الأفكار، وضروب حنين الإنسان إلى الماضي… بل نصوص تشير إلى رموز تتعانق مع الوعي، والرغبة الصادقة في تجذير هذه المسيرة في واقع جغرافي محدد، هادفاً في الوقت ذاته إلى النفاذ من هذا الواقع الخاص إلى الشمول الإنساني.

كما أشرنا آنفاً، عملاً بقول مارون عبود: «إذا تعمّق الكاتب في درس أشخاص بلاده، فقد درس بالفعل أشخاصاً في كل بلد، لأن الطبيعة الإنسانية هي هي في كل مكان، ولكن يجوز للكاتب أن ينطلق من واقع بلاده الخاص نحو الإنساني العام».

ويستكمل كتابته عن القرية ـ المنبت ـ الأمل بإحساس مرهف وحب غامر، محاولاً الرسم بالكلمات عن حياة عاشها، ومن طفولة لم يعشها إلا بالانخطاف، إلا ـ النور، ما دلّ على مشهدية لا أجمل، ولا أحلى، كشعلة الأولمبياد، سيبقى ما تبقّى من تراث، وموروث قيمي لا تخبو جذوته أبداً.

وسيشهد باريها شهود قوله: «أنعم النظر في الأرض، لتكتشف أن ذلك الشجر الحاني من ثقل الثمر، وحصاد البيادر من بذور السلف. لو عرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً، وإذا تأملت شمس الغروب ليلة صيف، تقسم البيت إلى نصفين: نصف معتم، ونصف مضيء، سأجلس بين العتمة والنور، الماضي يتدفق خلفي كجدول، والمستقبل يزحف أمامي، وأنا بلا زمن».
وراعني في الكتاب عشرات المعاني والدروس بين دفتيه، في سياقات مطردة ومتآلفة، تنعكس مما في وعيه وفي ذاكرته من نباهة وحسّ مرهف بالإنسانية.

لن نستطيع مراجعته في كل ما فيه ـ على كثرته ـ في عجالة، وسنقتصر مراجعتنا على شرفتين من الشرفات فيه، ونترك ما تبقى إلى القارئ، الذي حتما سيجد فيه كل المتعة والإفادة.
في الشرفة الرابعة، شرفة الأخلاق، يقول المؤلف: إن الخلق هو مقياس حقيقي لكل إنسان، إن خلق الإنسان الظاهري هو مقياس داخلي لشخصيته، إذا ملفظ القالم سقط، سقط علمه، وإذا ملفظ الأم مع أبنائها سقط، سقطت أمومتها. وحاصل الكلام في حسن الخلق يدور على قلب واحد، وهو بذل المعروف، وكف الأذى، وإنما يدرك بثلاثة أمور: العلم، والجود، والصبر.

وموضوع كل خلق: أين نضعه، وأين يحسن استعماله. ويستشهد بقول للمعلم كمال جنبلاط: «يفترض أن يكون للفرد نظام للأخلاق، والمناقبية في داخله، وفي علاقاته مع الآخرين، فالنظامان: نظام المجتمع، ونظام الأخلاق متلازمان متصلان، لا يقوم أحدهما من دون الآخر، وإلا سقط الفرد، وفسد المجتمع، واضمحلت الحضارة، وتبعتها في اضمحلالها جميع مكاسبها المادية».

ونأتي إلى القسم الخامس أو الشرفة الخامسة، بها يعرف الموحدون الدروز، بأنهم تجمع بشري، اعتنق عقيدة دينية عقلانية، توخت الأفضل، ألا وهي عدم الركون للقائم الحاضر الذي هو تكرار لما هو قائم، فأرادوا الانعتاق من ربقة الحاضر، وفتح مشارف مستقبلية على تقدم ديني وفكري.
والمهم بالنسبة للدرزية، الاقتناع الداخلي، تحقيق الحقيقة الداخلية، ومعرفة الذات. وديانتهم ديانة زهاد روحانيين، يمارسون الحياة معرفة، والتوحيد لديهم: قول اللسان، والعمل بالأركان، وتصديق الجنان. وعبر المعرفة الواعية نتوصل إلى مدارج الله، ونكتشف الذي نملك. إنها منارة روحية عظيمة، هي هوية الروح، ومثال الفضيلة.

نكتفي بهذا توصيفاً لهذا الكتاب النفيس للدكتور أديب خطار على اختصار فيه، فهو جدير بدراسة مطوّلة، نظراً لفائدته الكبيرة.

من النمو الاقتصادي الى التنمية المستدامة: دراسة مقارنة

تشغل مفاهيم النمو والتنمية بالإضافة الى التنمية المستدامة حيزاً واسعاً في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية، لما لهذه المفاهيم من أهمية في مسارات تطور الدول ورفاه شعوبها، ولا سيما منها الدول النامية التي تعاني شرائح واسعة من مجتمعاتها من الفقر والهشاشة الاقتصادية (Todaro & Smith, 2015). وقد هيمن، لفترة طويلة، مفهوم النموّ الاقتصادي ذو البعد الكمي على هذه الأدبيات، بوصفه المؤشّر الأساسي للتقدّم والتنمية الاقتصادية (Solow, 1956).

غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وتداعيات النمو والتنمية على البيئة، أفضت إلى بروز مفهوم التنمية المستدامة باعتباره الإطار الأشمل (WCED, 1987)، لما يتضمنه من أبعاد متكاملة تشمل البعدَ البيئي، بالإضافة إلى الجوانبِ الاقتصادية، والاجتماعية، والتقنية، والثقافية. وعليه، لم يعد النمو الاقتصادي، بمقاييسه الكمية وحدها غاية بحد ذاتها، بل أضحى وسيلة ضمن مسار تنموي أوسع (Daly, 1996)، تُشكِل فيه التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً وأكثر شمولاً مقارنة بمفاهيم النمو والتنمية التقليدية.

 

مفهوم النمو الاقتصادي

يُعرَف النمو الاقتصادي (Economic Growth) بأنه الزيادة التراكمية في حجم الاستثمار الصافي، المقترنة بالتقدم التقني الناتج عن اعتماد الآلات والتقنيات الحديثة، إلى جانب تنمية مؤهلات اليد العاملة والارتقاء بكفاءتها. ويهدف إلى زيادة الإنتاجية والتوسع في القدرات الإنتاجية وزيادة إنتاج السلع والخدمات، خلال فترة زمنية معينة لتلبية احتياجات الأفراد في المجتمع (Romer, 1990).

وغالباً ما يتطلب النمو الاقتصادي استخدام موارد طبيعية في معظمها غير متجددة (Unrenewable resources)، ويستلزم أنشطة إنتاجية وخدماتية غير صديقة للبيئة، كما يخلّف مخرجات قد تترتّب عليها آثار سلبية بيئياً، الأمر الذي يرفع من كلفة النمو على المدى القصير، ويهدّد على المدى البعيد استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة (Daly, 1996).
ويُستدل على تحقق النمو الاقتصادي في بلدٍ ما من خلال الزيادة التي تطرأ على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الكمية (Quantitative Economic Indicators)، وفي مقدمتها الدخل القومي الإجمالي (PNB)، والناتج المحلي الإجمالي (PIB)، على أن يفوق معدل نموها معدلات النمو السكاني من ناحية والتضخم من ناحية ثانية، كي ينعكس تحسناً فعلياً في متوسط الدخل الفردي ومستوى المعيشة، وتخفيض معدلات البطالة (Kuznets, 1973).

ومن الناحية التاريخية، يُعد ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين بحثوا مسألة النمو في إطار تحليلي. ويُقاس النمو وفق رأيه بدرجة العمران، الذي يعتبره عملية تراكمية مركبة، تتفاعل فيها العوامل المتنوعة من اقتصادية واجتماعية وجغرافية وسياسية وأيضاً عقائدية. ويتغير دور هذه العوامل وفعاليتها من فترة إلى أخرى محدثة تسارعاً أو تباطؤاً في عملية النمو، ثم توقفها، ثم تدهورها، لتعود مرة أخرى محدثة تطوراً جديداً، وهكذا دواليك (Ibn Khaldun, 2004).

 

مفهوم التنمية الاقتصادية

التنمية الاقتصادية (Economic Development) هي عملية تهدف إلى تحويل الزيادة في النمو الاقتصادي إلى تطور ملموس على المستويين الاجتماعي والتقني. وفي المقابل، تؤدي التنمية، عند تحققها، دوراً محورياً في تعزيز النمو الاقتصادي، الذي ينعكس بدوره تقدماً في المجالات التقنية والاجتماعية (Seers, 1969; UNDP, 1990).

ويرتبط مفهومي النمو والتنمية بعلاقة تفاعلية تكاملية، إذ يركز كل منهما أساساً على البعد الاقتصادي، إلا أن مفهوم التنمية الاقتصادية هو أشمل لتضمنه التغيرات النوعية (Qualitative Changes)، بالإضافة إلى التغيرات الكمية والهيكلية.

وتسهم التنمية الاقتصادية في إعادة توزيع الثروة، الأمر الذي يُحدث تحوّلات ملموسة في الأنماط والعادات الاستهلاكية. كما تؤدي إلى خلق فرص عمل، مما يتيح إشراك شريحة أوسع من القوى العاملة في العملية الإنتاجية، كما تسهم في الحد من معدلات الفقر وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تطورت أهداف التنمية وتوسّع مفهومها من خلق الثروة المادية وإنتاج السلع لتلبية الاحتياجات الأساسية للبشر، لتشمل العوامل الاجتماعية والبشرية، وصولاً إلى النمو والازدهار الاقتصادي مع التركيز على إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء والفئات المهمشة.
ولا تقتصر التنمية على تعزيز الاستهلاك وزيادة القدرة الشرائية فقط، بل تشمل جميع الجوانب الاجتماعية التي تسهم في تحسين مستويات المعيشة ورفع مستوى رفاهية الأفراد. وتعكس قدرة الدولة على مواكبة متطلبات توسع القطاعات الإنتاجية وتوفير البنى التحتية والخدمات الأساسية، بما يُعَد مؤشراً عاماً على تحقيق التنمية وتحسن الأداء الاقتصادي الكلي (Seers,1969;UNDP,1990).

تُعبِر التنمية الاقتصادية عن قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق زيادات تراكمية في المؤشرات الاقتصادية الكلية بمعدلات تتجاوز الحد الأدنى اللازم لضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتجديد أدواتها الإنتاجية، وتُقدَّر عادةً هذه الزيادات بنسب تتراوح بين 2 و5 في المئة وما فوق.
وفيما تُحاكي نظريات النمو اهتمامات الدول المتقدمة، تُعنى نظريات التنمية بمعالجة المشكلات الاقتصادية المتعلقة بالدول النامية (Al-Eisawi ,2000).

وقد حدد مؤتمر الأمم المتحدة في العام 2000، الذي سُمي «قمة الألفية»، الهدف من التنمية في وثيقة حملت عنوان «الأهداف الإنمائية للألفية» (The Millennium Development Goals, MDGs)، والتي تضمنت ثمانية أهداف محددة وقابلة للقياس. وتشمل القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتخفيض معدل وفيات الأطفال، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة الأمراض، وضمان الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية (United Nations, 2000).

 

مفهوم التنمية المستدامة

تُعدّ التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً نسبياً في الفكر التنموي المعاصر، وتمثّل عملية متعددة الأبعاد (Multidimensional Process) تقوم على تحقيق التنمية التي تُلبّي احتياجات الأجيال الحالية، مع صون قدرة الأجيال القادمة على الوفاء باحتياجاتها، من خلال احترام حقوقها في الموارد والثروات الطبيعية. ويُشكّل هذا المبدأ البُعد القيمي والفلسفي الجوهري لمفهوم التنمية المستدامة (WCED, 1987).

تهدف التنمية المستدامة إلى إرساء تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة (Sachs, 2015)، تُعنى بتحسين نوعية الحياة الإنسانية، بالتوازي مع حماية النظم البيئية وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، بما يضمن استمراريتها وإتاحتها للأجيال المقبلة. وبذلك، لا يقتصر قياس التنمية المستدامة على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يشمل مؤشرات اجتماعية وثقافية وبيئية، الأمر الذي يجعلها أكثر شمولية وملاءمة من نماذج التنمية والنمو التقليدية التي سبقتها.
وتشكل التنمية المستدامة إطاراً ناظماً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تهدف إلى المواءمة بين متطلبات النمو الاقتصادي والحد من آثاره البيئية السلبية، بما يكفل حماية الإنسان من المخاطر وصون استقراره وتحقيق رفاهيته، فضلاً عن تحسين نوعية حياته المادية والاجتماعية على المدى الطويل (OECD,2001).

كما تهدف التنمية المستدامة إلى الإسهام في بناء مجتمعات تتراجع فيها مظاهر الفقر واللامساواة، ويُحدّ فيها من الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية، فضلاً عن التخفيف من الآثار السلبية لانحرافات التقدم العلمي والتقني. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تفاعلاً وتكاملاً بين مختلف الجهات المعنية، من حكومات ومؤسسات رسمية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز فرص تحقيق تنمية فعالة ومستدامة (Sen, 1999).

تشمل مؤشرات التنمية المستدامة أربعة محاور رئيسية تعكس أبعادها التنموية الشاملة، وهي: المؤشرات الاقتصادية، والمؤشرات الاجتماعية، والمؤشرات البيئية، فضلاً عن المؤشرات المؤسساتية (Institutional Indicators)، التي تُعدّ مجتمعة أدوات تحليلية أساسية لتقييم مستوى التقدم نحو تحقيق التنمية المستدامة (United Nations, 2007).

وتُقاس الاستدامة على الصعيد الاقتصادي من خلال مجموعة من المؤشرات التي تعكس قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو المستمر والمتوازن، من دون الإخلال بالموارد أو بالاستقرار المالي والاجتماعي. ومن أبرز هذه المؤشرات: معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، ومستوى الاستثمار المنتج، وكفاءة استخدام الموارد، واستقرار المالية العامة، وتوزيع الدخل، إضافةً إلى معدلات التشغيل والإنتاجية. وتُستخدم هذه المؤشرات لتقييم مدى قدرة الاقتصاد على توليد الثروة بشكل مستدام وعادل.

أما على الصعيد الاجتماعي، فتُقاس الاستدامة الإجتماعية عبر مؤشرات تُعنى بتحسين نوعية الحياة وتعزيز العدالة الاجتماعية، من بينها معدلات الفقر والبطالة، ومستويات التعليم ونسب الالتحاق به، ومؤشرات الصحة العامة، والنمو السكاني، وتكافؤ الفرص بين الفئات الاجتماعية المختلفة. ويُعدّ «مؤشر التنمية الاجتماعية» أحد الأدوات الرئيسية في هذا المجال، إذ يوفّر إطاراً كمياً لقياس التقدم الاجتماعي ومدى شمولية ثمار التنمية.

وفيما يتعلق بالبُعد البيئي، تُقاس الاستدامة البيئية من خلال مؤشرات تهدف إلى تقييم الأثر البيئي للأنشطة الاقتصادية والتنموية، ومدى الحفاظ على النُظم البيئية والموارد الطبيعية. ويُعدّ «مؤشر البصمة الإيكولوجية» من أبرز هذه الأدوات، التي تسمح بتحديد مدى توافق أنماط الإنتاج والاستهلاك مع القدرة الاستيعابية للبيئة (Wackernagel & Rees, 1996).
أما المؤشرات المؤسساتية، فتُعنى بقياس كفاءة الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة، ومدى قدرة المؤسسات على دعم مسارات التنمية المستدامة. وتشمل هذه المؤشرات جودة التشريعات والسياسات العامة، ومستويات الشفافية والمساءلة، وفعالية الإدارة العامة، وسيادة القانون، ومشاركة المجتمع المدني في صنع القرار. وتُعدّ هذه المؤشرات عنصراً حاسماً في ضمان استدامة النتائج التنموية على المدى الطويل (World Bank, 1992).

وبالتالي، تُشكّل التنمية المستدامة نموذجاً أكثر شمولية وتكاملاً، إذ تقوم على تحقيق التقدم الاقتصادي بالتوازي مع العدالة الاجتماعية وحماية البيئة، مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة. وهي لا تكتفي بقياس النجاح بمعدلات النمو أو الدخل، بل تركز على نوعية الحياة، واستدامة الموارد، والتماسك الاجتماعي، والحوكمة الرشيدة.

 

لبنان والتنمية المستدامة

بناءً على ما تقدم، تكتسب التنمية المستدامة بالنسبة للبنان أهمية استثنائية في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية المتراكمة التي يعاني منها البلد. فالنمو الاقتصادي بمعناه التقليدي لم يعد كافياً لمعالجة الاختلالات البنيوية، ولا لتأمين العدالة الاجتماعية أو حماية الموارد الطبيعية المحدودة (ESCWA, 2020).

سيما وأن التنمية المستدامة تُتيح إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو إنتاجية مستدامة بدلاً من الريع والهدر، وتقوية الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة بما يُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما تعزّز التنمية المستدامة العدالة الاجتماعية وتحد من الفقر والبطالة والهجرة من جهة، وتحمي الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والطاقة والأراضي، من الاستنزاف والتدهور من جهة أخرى.

وعليه، تشكل التنمية المستدامة الإطار الأكثر ملاءمة لإخراج لبنان من أزماته المتعددة، وبناء مسار تنموي متوازن يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويحفظ حقوق الأجيال الحاضرة والمقبلة، ويعيد وصل النمو الاقتصادي بالتنمية الإنسانية الشاملة.

موجة الغلاء المستفحل تفتك بأحلام وحاضر ومستقبل اللبنانيين

فيما يواجه لبنان تحديات واستحقاقات خطيرة وسط المشهد السياسي المحموم، محليا، إقليميا ودوليا، يرزح اللبنانيون تحت عبء الواقع الإقتصادي والمعيشي، وهذا ليس بغريب مع ظروف الحرب الأخيرة وتداعياتها، وأيضا مع بقاء الفساد حاضرا في معظم مرافق ومؤسسات الدولة، وتلاشي وعود الإصلاح إلى حدود لا تسمن ولا تغني من جوع، ما يُبقي الأزمة حاضرة بسائر تجلياتها: تراجع فرص العمل، الغلاء، التضخم والبطالة، أموال المودعين المنهوبة، فضلا عن تكاليف الطبابة والاستشفاء، حتى بات لسان كثيرين من اللبنانيين «الله يستر الفقر بالعافية»، وليس ثمة مبالغة إذا علمنا مدى عجز وعدم قدرة اللبناني على توفير الدواء، دون أن ننسى الواقع التربوي المأزوم، مع غلاء الأقساط وتكاليف الدراسة، وما إلى ذلك من أمور أهمها ارتفاع الأسعار إلى مستويات كبيرة، حتى بات حلم الشريحة الأكبر من اللبنانيين تأمين رغيف الخبز.

وإذا كان العوز لا يفرق بين طائفة وأخرى أو مذهب وآخر، بمعنى أن ثمة أزمة اقتصادية ضاغطة تواجه جميع اللبنانيين، ومن بينهم أبناء طائفة الموحدين المسلمين الدروز، ونسلط الضوء على معاناة إجتماعية وإنسانية، فالمعاناة واحدة وبعض العائلات اللبنانية بدأ يعضها الجوع، ولا مبالغة في الأمر، إلا أن جُل اللبنانيين يواجهون العوز وضيق ذات اليد.

في هذا السياق، كان لـ «» جولة على مواطنين من أبناء هذه الطائفة المعروفية، رفعوا الصوت، وعرضوا لواقع صعب وظروف تقارب أن تكون ظروفا مأسوية.

 

أحلام مؤجلة وواقع قاسٍ

تروي هبة، وهي أم لعائلة مكونة من أربعة أفراد، فصول معاناتها اليومية في ظل الأزمة الراهنة. ورغم أن العائلة تسكن في منزل تملكه، إلا أن جدران البيت لم تعد كافية لحمايتهم من رياح الإنهيار الاقتصادي التي عصفت بأحلام أبنائها.

بحرقة الأم، تتحدث هبة عن ابنها الشاب الذي اضطر لترك مقاعد الدراسة الجامعية، فالتخصص الذي يعشقه «الأدلة الجنائية» غير معترف به في الجامعة التي تستطيع العائلة تحمّل تكاليفها، بينما تقف أقساط «الجامعة الأميركية» (حيث التخصص المعتمد) عائقاً لا يمكن تجاوزه، واليوم، يعمل الشاب في محل لبيع الهواتف براتب لا يكاد يغطي كلفة نقله وغدائه، أما الزوج، فيعاني من عدم استقرار دخله كونه يعمل في مجال المبيعات المرتبط بتقلبات السوق.

في محاولة منها لرفع هذا العبء، انضمت هبة لمشاريع تمكين النساء، لكن ثمار هذا الجهد لا تزال في إطار العمل التطوعي، حيث تقول: «أحاول المساعدة، لكن أقصى ما أؤمنه حالياً هو بعض «المونة» لمنزلي».

وسط هذا القلق، تبرز ابنة هبة، المنضوية في سلك المؤسسة العسكرية، كصمام أمان للعائلة، تقول هبة: «لولا وجود ابنتي في الجيش لكان وضعنا مأساويا، فقد خضعت لعدة عمليات جراحية كانت تكاليفها على عاتق الجيش». وتضيف متسائلة عن حال الآخرين: «لا أدري كيف يتدبر الناس أمور استشفائهم! فخلال فترة مرضها، كلفتنا مصاريف النقل ومواقف السيارات فقط نحو 4 آلاف دولار».

وعن تفاصيل حياتهم اليومية، تصف هبة سياسة «التقشف» التي تتبعها على مائدة الطعام: «أصبح فطورنا يعتمد بشكل أساسي على «اللبنة» لأنها تدوم لفترة أطول ويحبها جميع أفراد الأسرة، بينما قالب الجبنة قد ينتهي في وجبة واحدة». وتختم هبة حديثها بالإشارة إلى أنها باتت تلاحق «العروضات» وتبحث دائماً عن السلع الأقل ثمناً لتستطيع الموازنة بين الدخل المحدود ومتطلبات العيش.

 

بين سندان الأقساط ومطرقة الاستشفاء

تقطن غنوة مع عائلتها المكونة من أربعة أفراد في منزلهم الخاص ببيروت، محاولةً تطويع الظروف القاسية لتأمين حياة كريمة لطفليها (3 و7 سنوات)، كانت غنوة تعمل في دار للحضانة، لكنها اضطرت لترك عملها مؤخراً نتيجة حادث سير سابق أثر عليها، وتزامن ذلك مع مرض طفلها الصغير. تقول غنوة: «كان عملي متطلباً وراتبي لا يتجاوز 400 دولار، يذهب ربعها على المواصلات، لذا فضلت التفرغ لصحتنا».

ويعمل زوج غنوة في قطاع السفريات براتب 600 دولار شهرياً، وهو مبلغ بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، وتوضح غنوة عمق الأزمة: «وقعنا في عجز مالي هذا الشهر؛ فقد كنا نعتمد على دمج راتبينا لتسديد أقساط المدرسة. ولولا استخدام زوجي للدراجة النارية لنقل الأولاد، لكانت تكلفة المواصلات المدرسية عبئاً لا يُحتمل».

تصف غنوة معاناة الاستشفاء بـ «العذاب الحقيقي»، حيث واجهت تفاوتاً صادماً في المبالغ المطلوبة لدخول طفلها المستشفى، تراوحت بين 800 و1500 دولار في بيروت. وفي نهاية المطاف، قصدت مستشفى «عين وزين» حيث سددت مبلغاً تأمينياً رمزياً (50 دولاراً) لكنها تحملت 45% من إجمالي الفاتورة، وتضيف: «الضمان الاجتماعي عاد ليغطي نسبة تصل إلى 95%، لكنه لا يشمل كل شيء، وما زلنا نتحمل فروقات باهظة».

 

بين فكي رواتب مؤجلة ومسؤوليات لا تنتظر

بين نصيحة والد قديمة وواقع مرير، تجد نجاة نفسها عالقة في دوامة معيشية لا ترحم، تتذكر تماماً حين أنهت دراستها الثانوية وحلمت باختصاص مختلف، لكن والدها حسم الأمر قائلاً: «اختاري شهادة تستفيدين منها وقت الحاجة»، امتثلت نجاة لرغبته، وتخصصت في آداب اللغة الإنجليزية، وهي اليوم تستخدم هذه الشهادة وسنوات خبرتها الطويلة لتعمل بدوامين شاقين، من الثامنة صباحاً حتى الخامسة والنصف مساءً، لكن دون جدوى مادية ملموسة.

تصف نجاة معاناتها مع نظام التعاقد قائلة: «معاشي لا يكفيني، والأسوأ أنه مؤجل دائماً لأنني من فئة (المستعان بهم)، حيث لا أقبض راتبي إلا بشكل فصلي»، هذا التأخير في المستحقات يجعل من تدبير اليوميات معركة استنزاف مستمرة، خصوصا وأنها أم لثلاثة أطفال تتشارك مع زوجها عناء تأمين مصاريف تربيتهم في ظل ارتفاع جنوني للأسعار.

في ملف التعليم، تشير نجاة إلى أن أقساط المدارس قفزت بنسبة 30% هذا العام. وتوضح حجم الضغط المالي:» لقد سددنا المستحقات القديمة واشترينا الكتب والأساسيات، لكننا حتى اللحظة لم نستطع دفع أي ليرة من الأقساط الجديدة، فالرواتب – بحسب وصفها- «بقيت تراوح مكانها بينما حلّقت أسعار الغذاء والحاجيات الأساسية بعيداً عن متناول اليد».

تردد نجاة عبارة «يا رب استر الفقر بالعافية»، فالحوادث البسيطة أصبحت كوارث مالية في لبنان. وتروي تجربة قاسية مرّت بها الشهر الماضي: «دخول بسيط لابني إلى المستشفى بسبب كسر في يده، جعلنا ندرك حجم المأساة التي نعيشها كلبنانيين، ومدى عجزنا أمام أبسط المتطلبات الصحية».

لا تقتصر أزمة نجاة على الجانب المالي، بل تمتد لتطال الإستقرار النفسي والعائلي، فمع ضيق الأفق، يبرز خيار سفر زوجها للعمل في الخارج كحل وحيد ومرّ. تتساءل نجاة بحرقة: «هل أنا قادرة وحدي على حمل مسؤولية البيت والأطفال؟ وهل ترك لنا المسؤولون أي خيار آخر غير التشتت؟»

تختصر قصة نجاة واقع فئة كبيرة من المتعاقدين في لبنان، الذين يطحنهم الغلاء بين فكي الرواتب المؤجلة والمسؤوليات التي لا تنتظر.

 

تطوع الأزمات في «بيت القطايع»

في «بيت القطايع»، تعيش (ك.م) فصلاً جديداً من حياتها بدأ منذ انفصالها عن زوجها قبل أربع سنوات. كانت تعمل سكرتيرة تنفيذية في إحدى الشركات، لكنها اتخذت قراراً جريئاً بترك الوظيفة بعدما تآكل راتبها أمام تكاليف النقل، وفي ظل انعدام الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

لم تستسلم (ك.م) للواقع، بل انتقلت إلى مجال التصنيع الغذائي المنزلي، وأصبحت وجهاً مألوفاً في معارض «المونة» والمنتجات البيتية، وعن واقعها المادي تقول: «أعتمد على مدخرات أجمعها في ذروة المبيعات الصيفية، لكنها تتناقص تدريجياً مع مرور الأيام، مصروفي الشخصي يتراوح اليوم بين 200 و300 دولار بفعل الغلاء الجنوني».
ورغم ضيق حالها، تتساءل بحزن عن حال العائلات التي تعيل أطفالاً وتواجه مصاريف المدارس والطبابة: «كيف يستطيعون تدبير أمورهم في هذا الغلاء المستفحل للأسعار؟».

تروي (ك.م) تجربتها المريرة مع الوظيفة التي لم تراعِ التضخم ولم توفر لها غطاءً صحياً، مشيرة إلى أن تكلفة علاج أسنانها فقط بلغت حتى الآن نحو ألف دولار، وما زالت تحتاج المزيد. وبينما تعيش اليوم على ما ادخرته، تبدي قلقاً من المستقبل: «المستقبل يبدو قاتماً، ولا أعرف إلى متى سأصمد». وتنتقد غياب مشاريع الإنماء الوظيفية من قِبل سياسيي المنطقة، مقارنةً بما تقدمه طوائف أخرى لأبنائها، لافتةً إلى أن مساعدات شقيقها المغترب في المناسبات هي ما يسد بعض الثغرات المالية الكبيرة.

تختتم (ك.م) حديثها بمرارة حول الحقوق الضائعة، معتبرة أن وجود قانون عادل للميراث كان كفيلاً بتبديل واقعها المادي نحو الأفضل، ومع ذلك، لا تخفي امتنانها لعدم اضطرارها لدفع بدل إيجار سكن، قائلة: «الحمد لله أنني أسكن في ملك أهلي، وإلا لكان وضعي أسوأ بكثير مما هو عليه الآن».

 

بين «أمان» وإعاشات الشتاء.. قصة مكافح يواجه السكري بالعمل الشاق

في حياة «علم»، رب الأسرة الذي يعيل ثلاث بنات وصبياً، تحضر القناعة كمنهج حياة. ينتظر علم مولوداً جديداً، مؤمناً بيقين فطري بأن «الطفل يأتي وتأتي رزقته معه»، وهي القاعدة التي يسير بها شؤون عائلته الكبيرة.
من الزراعة وبيع الحطب إلى جمع علب «التنك»، ليؤمن مصاريف أطفاله الثلاثة في المدرسة الرسمية، والتي تبلغ تكلفتها الشهرية 90 دولاراً، بالإضافة إلى نحو 100 دولار كمصاريف يومية، يعتمد علم على أرضه لتأمين الخضار والفاكهة، بينما يشكل برنامج «أمان» التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية ركيزة أساسية له، حيث يوفر لعائلته نحو 150 دولاراً شهرياً منذ عام تقريباً، وأبيع كيلو التنك بحوالي 20 ألف ليرة، ويتابع «هي ميزانية «تحت رحمة الله» !

تكتمل ميزانية الصمود لدى عائلة علم عبر قنوات إغاثية، حيث يشير إلى استلامه «إعاشة الملك سلمان» كل ثلاثة أشهر، وهي حصة غذائية تشمل الأساسيات كالرز والحمص والعدس والخبز، بالإضافة إلى كسوة الشتاء، أما بقية الملابس، فتتولى تأمينها إحدى الجمعيات، وما يتبقى من احتياجات يغطيه بعرقه وعمله اليومي.

بثقة لافتة، يتحدث علم عن ملف الصحة، معتبراً أن زوجته لا تواجه صعوبات في الولادة، وأطفاله ينعمون بصحة جيدة، أما هو، وبالرغم من إصابته بمرض السكري، فإنه يختار طريقاً مغايراً للعلاج، إذ يرفض تناول الأدوية ويعتمد على الحركة الدؤوبة، قائلا:» يبدأ يومي في الخامسة صباحاً ولا ينتهي قبل الثامنة مساءً، أعمل كثيراً وآكل ما يحلو لي، وصحتي جيدة للغاية».

يختم علم حديثه بنظرة تفاؤلية رغم قسوة الظروف، مؤكداً نيته إنجاب المزيد من الأطفال، متمسكاً بإيمانه العميق بأن «الرزق على الله» وأنه لن يحرم أطفاله من شيء ما دام قادراً على الكدح من فجر اليوم حتى ليله.

 

صحافية لبنانية خبرة سنوات تواجه «رواتب المبتدئين» وغياب الأمان

تختصر الصحافية (ع.ن) بمرارة واقع «مهنة المتاعب» في لبنان، حيث تجد نفسها اليوم تقاتل على جبهات عدة؛ كصحافية خذلها قطاع الإعلام، وكأب وأم في آن واحد لابنتها بعد طلاقها، وكابنة رعت والدتها الراحلة في ظل أزمة معيشية لا ترحم.
تتحدث (ع.ن) بحرقة عن تدهور قطاع الإعلام، حيث غاب تقدير الخبرة لصالح توظيف المبتدئين برواتب بخسة. وتقول»: المواقع الإخبارية اليوم تهرب من الخبرات لتتجنب الرواتب العادلة والتأمينات، وأغلبها يعمل خارج رقابة وزارتي الإعلام والعمل». وتوجه نقداً لاذعاً لنقابة الصحافة والمحررين، معتبرة أنها فشلت في حماية منتسبيها مقارنة بنقابات الأطباء والمحامين، مما جعل الصحافي عرضة للطرد التعسفي والاستبدال دون رادع قانوني.

تتفاقم معاناة (ع.ن) مع ابنتها في ظل غزو «الإعلانات المغرية» لوسائل التواصل الإجتماعي، ما يضع ضغطاً هائلاً على الأهل لتلبية متطلبات الجيل الجديد. توضح (ع.ن): «ابنتي في مرحلة نمو وتأثر بالموضة، ومصروفها وحده يتجاوز المئة دولار شهرياً، في وقت أصبحت فيه تكلفة المنزل والمدرسة والطبابة عبئاً لا يُطاق»، وتستذكر بحسرة زمناً مضى كان فيه العمل لسنتين يكفي لشراء منزل، بينما اليوم «نركض عشرين سنة ولا نؤمن حتى قسطاً شهرياً».

لم تجد الصحافية مفراً من دخول مجال المبيعات والترويج للمنتجات في المحلات الكبرى و»أونلاين». وتعلق على ذلك: «هذا العمل متعب جداً، لكنه يضع الطعام على المائدة». وبالأرقام، تسرد ميزانية صمودها: قسط مدرسة الابنة (المتفوقة): 1800 دولار سنوياً، بدل نقل ومصروف ابنتها وسيارتها: يتجاوز الـ 400 دولار شهرياً، مصروف المنزل: بين 150 و200 دولار شهرياً.

وبعد أن كان راتبها 1100 دولار، تراجع ليصل إلى 650 دولاراً، واليوم مع كل جهودها المضنية، بالكاد تجمع ما بين 400 و500 دولار شهرياً.

وتختم (ع.ن) حديثها لـ «» قائلة: «لولا مساعدة الأقارب والمساهمات غير المنتظمة من زوجي السابق لغرقت في الديون، لكنني سأستمر بكل قوتي لتأمين العيش الكريم لابنتي، رغم أن الوضع مأزوم للغاية».

 

بين الضغوط المالية والانحلال الأخلاقي: قراءة في أسباب ارتفاع نسب الطلاق

في قراءة قانونية واجتماعية لواقع العلاقات الزوجية في ظل الأزمة الراهنة، توضح المحامية الأستاذة سوزان إسماعيل أن الربط بين تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب الطلاق هو ربط «جزئي» وليس كلياً.
وتشير إسماعيل إلى أن عدم استقرار الوضع المعيشي يخلق نوعاً من «المناحرات» اليومية، لكنه ليس السبب الجذري للطلاق في المجتمع، وترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب القيم والبعد عن الروحانيات، لافتة بمرارة إلى تنامي ظاهرة «الانحلال الأخلاقي» وتفشي الخيانة الزوجية من قِبل الطرفين (الرجل والمرأة) بوتيرة غير مسبوقة، مما يؤدي إلى تفكك الأسرة وانهيار بنيانها.

وتشدّد إسماعيل على ضرورة إرساء ثقافة «الوعي الزوجي» للشباب المقبلين على هذه الخطوة، قائلة: «من الخطورة بمكان دخول هذه المؤسسة دون معرفة الحقوق والواجبات المتبادلة، فغياب استشعار المسؤولية يؤدي إلى عواقب وخيمة عند أول مواجهة مع ضغوط الحياة».

اللحظة الدرزية الراهنة: المآزق والمخارج

ليست المرة الأولى التي تمر بها طائفة الموحدين الدروز بمصاعب كبيرة وتحديات يلامس بعضها الطابع الوجودي، وربما لن تكون الأخيرة في منطقة تلتهب فيها النيران الطائفية والمذهبية عند كل منعطف تاريخي وعلى مشارف كل تغيير سياسي كبير. ولكن الثابت والأكيد أن اللحظة الدرزية الراهنة في الشرق الأوسط هي لحظة شديدة الحساسيّة والحراجة على ضوء الأحداث المأساوية التي شهدتها سوريا وقبلها لبنان، وطبعاً- وبصورة دائمة- فلسطين.

وتحتّمُ هذه اللحظة المفصليّة بناء مقاربات سياسيّة تأخذ في الاعتبار التطورات غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة تحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023 عند إنطلاق عملية «طوفان الأقصى» ومن ثم حرب الإبادة الإسرائيليّة على قطاع غزة بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقضم التدريجي لأراضيها بإزاحة السكان الأصليين، ومواصلة مخططات تهويد القدس الشرقيّة منها ورفض إسرائيل لكل مقترحات السلام القائمة على حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يمكن إغفال أيضاً الحرب التي توسعت نحو لبنان سنة 2024 نتيجة «حرب الإسناد» والتي أسقطت نظرية «توازن الردع» التي كانت بُنيت بعيد حرب تموز/ يوليو 2006 وأدت إلى استباحة السيادة اليومية للبنان دون أي اعتبار لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. أساساً، بات واضحاً أن إسرائيل تكرّس أعرافاً جديدة في المنطقة بحيث أنها قلما تحترم الاتفاقيات الموقعة (وقف الأعمال الحربية في لبنان وغزة، اتفاق فك الاشتباك في سوريا…) وتمنح نفسها الحق في مواصلة القصف والاستهداف بعد التوصل إلى الاتفاق وهي سابقة جديدة في العلاقات الدولية.

وإذا كانت التطورات الحاصلة في غزة ولبنان قد أسهمت إلى حد كبير في خلط الأوراق وإعادة ترسيم موازين القوى الجديدة، فإن سقوط نظام آل الأسد في سوريا بعد 55 عاماً من الحكم الديكتاتوري البعثي قد أدّى إلى تغيير جذري في سوريا ودفع في اتجاه قيام سلطة جديدة وجدت نفسها أمام تحديات لا تعد ولا تحصى: الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الداخلي، العلاقات مع الخارج، العقوبات الدولية، انهيار العملة الوطنية والكثير من الملفات الأخرى.

وسواءً أكان عن قصد أو غير قصد، حصلت تجاوزات كبيرة أدت إلى مجازر بشعة في الساحل السوري لا سيما في القرى ذات الأغلبية العلوية ولاحقاً في السويداء ذات الأكثرية الدرزية تلتها أعمال انتقامية من بدو حوران. وساهمت كل هذه المشاكل في حصول اهتزاز عميق في الهوية الوطنية السورية وطرحت تساؤلات عن طبيعة المشروع الوطني السوري المستقبلي على ضوء هذه الأحداث الخطيرة.

 

من أحداث السويداء

 

الأكيد أن أي تعرّض للمدنيين، بمعزل عن انتمائهم الطائفي، هو تعرّض مدان ومرفوض، ويتناقض مع أبسط المواثيق والقوانين الدولية والإنسانية ولا يمكن تبريره تحت أي مسمى، والقتل على الهوية (الذي سبق أن جُرّب لبنانياً في حقبة الحرب الأهليّة السوداء) لا يمكن وصفه إلا بالبربرية التي تنتمي إلى عصور غابرة يفترض أن تكون قد ولت ولم تعد. هذه مبادئ وثوابت لا يمكن الحياد عنها، ولا يمكن تغليفها بأي مبررات أو أسباب «تخفيفيّة».
من هنا كانت المطالبة المحقة بالتحقيق الدولي الشفاف في أحداث السويداء لتحديد المسؤوليات تماماً وبوضوح تام من دون مواربة، على أن يكون هذا التحقيق ونتائجه هي المدخل لمحاسبة جميع المرتكبين لأي فئة انتموا ممن خالفوا حقوق الإنسان وتعرضوا للأبرياء العزّل. ومن نافل القول أن غياب التحقيق أو تغييبه، يساهم في مراكمة الأحقاد وفي تربية مشاعر الكراهية وتعزيزها وفي تغذية الرغبة الدفينة في الانتقام، ويؤسس تالياً إلى تعميق الشرخ الاجتماعي والسياسي.

وإذا كانت هذه العناوين الأساسية هي من المسلّمات التي لا يجوز الحياد عنها، فإن التذرع بها لسلوك دروب التقسيم والانشطار عن الوطن هو من الخطايا السياسية والوطنية التي لا تُغتفر مهما بلغت الصعاب المدارك المتقدمة خصوصاً في ظل وجود احتلال شرس أثبتت كل التجارب معه أنه لا يكترث إلا لمصلحته الخاصة وأنه على استعداد دائم للدوس على من يتعاون معه، قبل الدوس على من يناوئه، في سبيل تحقيق أهدافه التي تتلخص حصراً بتطبيق العقيدة الصهيونية التي لا تترك إلى جانبها متسعاً من المكان لأي من المكونات الأخرى.

وهذا يطرح المخاطر المركزية عند بعض الجهات الدرزية في السويداء التي لم تتأخر عن امتطاء الحصان الإسرائيلي رغم معرفتها (أو عدم معرفتها ربما) أنها سوف تُسقط عنه عاجلاً أم آجلاً، ورغم أن الخيارات التي يقدمها سلوك هذا المسار لا تعدو كونها خيارات انتحارية لا طائل منها إلا بث الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن السوري الواحد.

 

الانتهاكات والتجاوزات في السويداء

 

إن الرهان من بعض أبناء السويداء على مشروع الدويلة الدرزية التي سبق أن رفضها قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش في عشرينيات القرن الماضي، هو وصفة جاهزة للاستسلام والتبعية، في إطار «دولتي» غير قابل للحياة ليس بسبب هويته السياسية المشبوهة فحسب، بل أيضاً بسبب عدم توفر مقومات عيشه إلا من القوت الإسرائيلي، وهو القوت المسموم والمؤقت الذي يمكن أن يُقطع في أي لحظة من اللحظات، ودون سابق إنذار.
لعل الاختيار الإرادي للعمل مع إسرائيل هو قمة العمى السياسي في لحظة الالتهاب الدرزي. وعلى الرغم من قسوة الدرب الوطني ووعورته، وضرورة تصويبه كمنطلق حتمي لا تراجع عنه للمرحلة الجديدة؛ إلا أنّ أشواكه تبقى أقل قسوة من الخيار الإسرائيلي المجرّب يومياً في غزة والضفة الغربية والقدس والخليل ورام الله وكل أرجاء فلسطين، وهو مثبت بالصوت والصورة.

إلى أهل السويداء الأبطال، لا تسلكوا إلا طريق وطنكم، مهما كان شاقاً، وابتعدوا عن الخيارات الانفعالية التي سوف تستغلكم لتحقيق المشاريع والمآرب الخاصة. لا تتخلوا عن هويتكم العربية كما كنتم دائماً في طليعة العرب الأقحاح.

حين تصبح المعرفة فعل رُقي ومعنًى

يبرز كتاب «لأن الثقافة حياة» للشيخ وسام سليقا كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه القيم.

يكشف الكتاب عن ضرورة النظر إلى الثقافة بوصفها عنصراً جوهرياً في صياغة الوعي الإنساني والممارسة اليومية، وليس مجرد تراكم معرفي نظري. فهو يقدم رؤية متكاملة للثقافة كنسيج حي يربط الماضي بالحاضر، ويقوي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفكر والعمل، مع التأكيد على أنها ليست رفوفاً مليئة بالكتب فحسب، بل ممارسة يومية تُشكل الشخصية وتحدد طريقة العيش والتفاعل مع الآخرين.

صدر الكتاب عن دار الأنام للطباعة والنشر في ديسمبر 2025، ويعكس التزام المؤلف بمقاربة واقعية للثقافة، تنطلق من فهم دقيق للواقع الاجتماعي بعيداً عن التنظير المجرد.

 

يظهر من خلال صفحاته اهتمام واضح بتقوية العلاقة بين الفكر والسلوك، مؤكداً أن الثقافة الحقيقية هي التي تتجلى في الحياة اليومية، وفي القدرة على الحوار، وتحويل المعرفة إلى فعل أخلاقي واجتماعي ملموس.

ارتبط صدور الكتاب بحفل توقيع لافت في بلدة الفرديس، حضره سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، إلى جانب شخصيات دينية وثقافية وسياسية متنوعة من مختلف الخلفيات. مثل هذا الحضور المتنوع تجسيد عملي لفكرة الكتاب الأساسية، حيث شكّل منصة حوار حيّة توحد رؤى مختلفة، وتعيد بناء مساحات مشتركة للتواصل الفكري تتجاوز الانتماءات الضيقة.

يتسم طرح الكتاب بالشمولية، فيعرض الثقافة من زوايا متعددة. يبدأ من فهمها كنمط حياة يظهر في سلوك الفرد، ويمتد لتحليل تأثير العولمة وثورة المعلومات على الهوية، داعياً إلى تنمية وعي نقدي يفرق بين الجوهري والعابر. كما يولي التعليم أهمية قصوى، مشدداً على أن دوره الحقيقي هو تعليم التفكير وتشجيع السؤال، وليس التلقين، ليصبح الفرد قادراً على المشاركة الواعية في صياغة ثقافة مجتمعه.

ويبرز الكتاب بشكل لافت العلاقة العضوية بين الثقافة والتماسك الاجتماعي، معتبراً أن الثقافة المشتركة هي الغراء الذي يمنع التفكك، وأن الوعي الثقافي يحول التنوع من مصدر محتمل للصراع إلى منبع للإثراء. يؤكد المؤلف هنا أن الثقافة ليست ترفاً نخبوياً، بل حقاً للجميع وشرطاً أساسياً لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، سواء المحلية أو تلك الناتجة عن رياح العولمة العاتية.

يتميز النص بلغته الجذابة وعاطفته المتزنة، التي تربط بين الفكر والمعنى وبين التحليل والنقد دون إقصاء. فالثقافة عند سليقا ليست في صدام مع الدين أو الموروث، بل هي جسر لفهم أعمق للإنسان وتقوية الصلة بين المعرفة المجردة والتجربة الحية.
يسعى الكتاب بهدوء إلى ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الوعي والروح، وبين المعرفة وتطبيقها، مؤكداً أن الثقافة المعاشة تصبح قوة بناء فردية وجماعية ومصدراً للرقي.
لاقت فكرة الكتاب تفاعلاً واسعاً، حيث عبّر الحضور في حفل التوقيع عن تقديرهم لطرح الثقافة بلغة قريبة من العقل والقلب معاً، للتأكيد على أنها مشروع حياة وليست شعاراً.

وكان حضور شيخ العقل إشارة رمزية عميقة على إدراك المرجعيات الدينية لدور الثقافة الحيوي في تعزيز اللحمة المجتمعية، وإمكانية أن يتكامل الانفتاح الفكري مع العمق الروحي في مشروع حضاري واحد.

لا يكتفي الكتاب بالوصف النظري، بل يقدم إطاراً عملياً لفهم الثقافة كخيار وجودي. إنه يدعو القارئ إلى التعامل معها كتجربة يومية، ووسيلة لبناء الشخصية، ورافعة للوعي الاجتماعي، ومصدراً لفهم العلاقات الإنسانية. ويشير بوضوح إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل، وأن المجتمع الذي يتبناها كخيار حياة يكون أكثر صلابة في وجه الأزمات وأكثر قدرة على اقتناص الفرص.

من خلال قراءته، يصل القارئ إلى قناعة راسخة بأن الثقافة ليست حملاً من الماضي، بل هي مستقبل نصنعه بأيدينا. إنها العنصر الأساسي لإحياء الإنسان والمجتمع معاً. فالوعي الثقافي، في صلته العضوية بالقيم والسلوك، هو ما يجعل الحياة ممكنة بكل عمقها، ويحوّل ضجيج المعلومات إلى فهم، والفهم إلى ممارسة أخلاقية واعية.

يقدم كتاب الشيخ وسام سليقا «لأن الثقافة حياة» نموذجاً ملهماً لما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تتحرر من أبراجها النظرية العاجية وتصبح فعلاً حياتياً حقيقياً. فهو يربط الفرد بالمجتمع، والمعرفة بالقيم، والفكر بالعمل، ويعيد للوعي مركزه في زمن يطغى فيه السطحي على العميق، والضجيج على الصوت الهادف، والانشغال على الحياة الواعية.

ويضع الكتاب، من خلال تحليله الواقعي وتصوره الشامل، أرضية مشتركة للنقاش البناء، مؤكداً أن الثقافة حق للجميع ووسيلة لا غنى عنها لبناء مجتمع متماسك، واعٍ، ومتحضر.

 

الإهداء كفلسفة قراءة: محمد شيا في مملكة ميخائيل نعيمه

تأتي هذه المقالة تكريماً لجهود الأستاذ الدكتور محمد شيا العلمية الرائدة في دراسة فلسفة ميخائيل نعيمه، وتتخذ من أطروحته الأكاديمية منطلقاً للفهم والتحليل، ولا سيما تلك التي أنجزها في أواخر سبعينيات القرن العشرين، والتي تعد مرجعاً محورياً في مقاربة فكر نعيمه من زاوية فلسفية تأويلية عميقة. تهدف هذه القراءة إلى إبراز عمق منهجه في فهم أعمال نعيمه، وكشف دلالة الإهداء الذي خصه به الأديب الكبير، بوصفه علامة فريدة على علاقة استثنائية بين القارئ والمؤلف، وبين النص وتأويله.

حرصت على توثيق المعطيات بدقة، وأسعى إلى نشر هذه القراءة في مجلة «» لما تمثله من مكانة ثقافية رفيعة في المشهد الفكري العربي. ليس الإهداء دائماً مجرد تحية لغوية أو مجاملة اجتماعية يضعها المؤلف في صدر كتابه، بل قد يتحول في بعض الحالات النادرة إلى لحظة كاشفة، تكشف عمق الصلة بين الكاتب وقارئه، وتزيح الستار عن علاقة روحية ومعرفية تتجاوز حدود الورق والحبر. وفي هذا الأفق، يكتسب إهداء ميخائيل نعيمه للدكتور محمد شيا دلالته العميقة، حين أهداه كتابه «مرداد» ودوَّن عليه عبارته اللافتة: «كأنك شاركتني في التأليف»، وذلك إثر اطلاعه على أطروحة شيا التي تناولت فلسفته وفكره.

هذه العبارة لا يمكن اختزالها في انفعال عابر أو تقدير شخصي، بل تُعبّر عن اعتراف معرفي نادر، يقرّ فيه الكاتب بأن قارئه لم يكتف بفهم النص، بل أسهم في إعادة بنائه، وكشف طبقاته الداخلية، وإضاءته من داخل أفق تأويلي جديد. وهنا تتأسس علاقة ثلاثية الأطراف: بين الأدب والفلسفة، وبين القارئ والمؤلف، وبين النص ومعناه المفتوح.

أطروحة الدكتور محمد شيا، المعنونة «فلسفة ميخائيل نعيمه»، والتي أُنجزت في جامعة القديس يوسف ببيروت سنة 1977، تُعد من أعمق الدراسات التي تناولت فكر نعيمه، لا من حيث التحليل الأدبي فحسب، بل من حيث تفكيك البنية الفلسفية الكامنة في أعماله. فهي لم تكن قراءة وصفية، ولا مجرد استعراض للأفكار، بل كانت سعياً منهجياً إلى النفاذ إلى الداخل، إلى ذلك النسيج الروحي والفكري الذي شكّل منه مشروع نعيمه الوجودي.
في صميم هذا العمل، أعاد شيا قراءة نعيمه ضمن إطار تأويلي يتجاوز المقاربات التاريخية أو الانطباعية، مستفيداً من منجزات التأويلية الحديثة، ولا سيما فكر هانس-جورج غادامير، حيث تتحول القراءة من فعل تلقٍ إلى فعل إنتاج للمعنى، ويغدو القارئ شريكاً في بناء الدلالة، حاملاً معه تاريخَه، وأفقَ انتظارِه، وتجربته الوجودية.

من خلال هذه الرؤية، لا يظهر نعيمه مجرّد أديب روحاني أو شاعر حالم، بل يتجلّى فيلسوفاً يُنضج أفكاره داخل مختبر التجربة الذاتية والتأمل الصوفي. كتب مثل «مرداد»، و«سبعون»، و«الغربال» لا تُقرأ بوصفها أعمالاً أدبية خالصة، بل باعتبارها محطّات فلسفية في مشروع يسعى إلى خلاص الذات عبر معرفة النفس، واتحادها بالمطلق. وهنا تتبدّى آثار الفلسفات الشرقية، والبوذية، والتصوف المسيحي، جنباً إلى جنب مع سؤال نقدي مركزي يطرحه شيا بهدوء العارف:
هل يكفي خلاص الذات وحده في عالم مأزوم وممزق؟ وهل يملك هذا الخلاص الروحي قدرة حقيقية على الإسهام في تغيير الواقع الإنساني؟

أسئلة شيا تنبع من موقع الشريك في الفهم، ومن رغبة صادقة في مساءلة المشروع لا هدمه. ولهذا جاءت قراءته مغايرة لكثير من الدراسات التي تناولت نعيمه بنبرة احتفائية أو حنين رومانسي. فقد حافظ شيا على مسافة نقدية واعية، دون أن يقطع خيط المحبة الفكرية والإنسانية التي جمعته بالأديب الكبير، والتي تجسدت رمزياً في ذلك الإهداء الذي صار مدخلاً فلسفياً لكل ما تلاه.

كان شيا قارئاً من طراز نادر؛ قارئاً يجعل من القراءة فعل إبداع، ومن التأمل ممارسة تحليلية، ومن النص كائناً حياً قابلاً للحوار. ولذلك لم تكن أطروحته مجرد مساهمة أكاديمية، بل شهادة فكرية وروحية على علاقة استثنائية بين قارئ ونص ومؤلف. وقد نجح، من خلالها، في الكشف عن نسيج فلسفي غني في فكر نعيمه، تتداخل فيه الحكمة مع التصوف، والبحث عن المطلق مع التوتر بين الذات والعالم، وبين الخلاص الفردي والحضور في التاريخ.

وإذا عدنا إلى لحظة الإهداء، تلك اللحظة الإنسانية العابرة في ظاهرها، نجدها مفتاحاً لفهم كل ما تلاها. فقول نعيمه لشيا: «كأنك شاركتني في التأليف»، لا يكرّم قارئاً فحسب، بل يعلن ولادة جديدة للنص، حيث تتناظر الكتابة الأولى مع القراءة الثانية، ويتحوّل التأويل إلى فعل يعيد تشكيل المعنى ويكشف طبقاته الدفينة.

ما يميّز شيا في مقاربته أنّه لم يقع في غواية الانبهار، ولم يُسلّم مسبقاً بعظمة نعيمه، بل طرح أسئلة جوهرية حول حدود هذا المشروع الروحي وقدرته على مواجهة تحديات الحداثة، والتفكك الاجتماعي، والاغتراب الوجودي. ومع ذلك، لم ينتقص من قيمة هذا المشروع، بل دعا إلى تأمله بجدية، وإعادة تفعيله ضمن سياقات فكرية معاصرة.

استمع شيا إلى نعيمه بعمق، وحاوره بدل أن يستهلكه، فكانت أطروحته، بعد عقود على إنجازها، مرجعاً حياً لكل من أراد أن يفهم نعيمه ككاتب وفيلسوف ومتصوف. وهي أطروحة أعادت الاعتبار إلى القراءة البطيئة والمتأنية، التي لا تكتفي بقراءة النص، بل تقيم فيه، وتُنصت إلى صوته من الداخل.

ومن اللافت أنّ شيا لم يُقدّم عمله بوصفه بحثاً جامعياً فحسب، بل كنوع من السيرة الفلسفية المشتركة، بين قارئ وكاتب، بين روحين التقيا عبر نص، وتحاورا، ثم أنجبا قراءة جديدة له. ولهذا احتلت هذه الأطروحة مكانة خاصة في النقد العربي، وأسهمت في تحويل زاوية النظر إلى فكر نعيمه.

قدّم شيا، من خلال هذه القراءة، نموذجاً راقياً للعلاقة بين القارئ والنص، علاقة تقوم على المحبة لا التبجيل، وعلى النقد لا الهدم، وعلى الحوار لا الاستهلاك. وفي هذا المعنى، فإن الإهداء الذي افتتحنا به المقال لم يكن تعبيراً شخصياً فحسب، بل إعلاناً عن شراكة معرفية وروحية نادرة.

ومن موقعي كباحث أحب نعيمه وقرأ عنه طويلاً، أرى أنّ ما يميّز أطروحة شيا أنّها ليست فقط الأكثر اكتمالاً من حيث التحليل الفلسفي، بل هي أيضاً الأكثر شفافية، والأقرب إلى جوهر نعيمه، والأقدر على كشف ملامحه الفكرية العميقة. لقد سبر شيا غور هذه الفلسفة لا بصفته باحثاً فقط، بل شاهداً متورطاً في التجربة.

ومن هنا، فإن هذه المقالة ليست مجرد قراءة في أطروحة فلسفية، بل تحية إلى تلك اللقاءات النادرة بين الأرواح، حيث تتحول الكلمة إلى جسر، والقراءة إلى فعل محبة، والفلسفة إلى حوار حيّ لا ينتهي.

 

أفلاطون: العقل قبل شجاعة الشجعان

«أنْ يَنْتَصِر الإنسانُ على نَفْسِه لَهُو أوّلُ وأنْبَل الانتصارات جميعاً»، هذا ما يقوله أفلاطون في مُحَاوَرَة «الجمهورية»، ولا يَتَحقَّق هذا الانتصارُ فعلاً إلَّا بشجاعةٍ تَسْتَرْشِدُ بالعقل. فالشجاعةُ في الغضب على النَّفْس تكبحُ رغباتَها التي يأنَفَها العَقْلُ والأخلاق، وترقَى بها لتحقيق مَعَالي الشّرفِ والفضيلة فوق عَلائِقِ الرَّغباتِ الحِسّيّة المَاديّة.

وهذه الشَّجاعةُ هي مِن بين الفضائلِ الأفلاطونية الأربع: الحِكْمَة والشَّجَاعة والعِفَّة والعَدْل، تلك الفضائل في قِوى النَّفْس الثلاث، كما يُسمِّيها أفلاطون على لسانِ سقراط: القوة العاقلة «لوغوس» (Logos) ، والقوة العاطفية الغضبية «ثيموس» (Thymos) (الحَمِيَّة والنَّخْوَة والانْدِفَاع والإقْدَام والغَضَب والإنْفَة والحَمَاسَة المُفعَمَة)، وقوة الشَّهوات والرَّغَبات الحِسّية «إبيثوميا» (Epithumia).

ففي مُحَاوَرَة «الجمهورية» (Politeia) يعتبر أفلاطون هذه الحَمِيَّة العاطفية «الثيموس» ضرورية أيضاً لإحقاق الحَقّ وإرساء العدل، إذ إنّها تساعد العقل على التَحكُّم بالشَّهوات وخَلْق حالة من التَناغُم الداخلي والاتّزان في النَّفْس وبالتالي، عندما يسيطر العقلُ على «الثيموس» فإنّه يقودُ الإنسانَ بل والمجتمع ككُلّ نحو أهدافٍ فاضِلة ونبيلة، أمّا إذا أفلتَ مِن عِنان العقلِ فيقود ذلك إلى الكِبْر والتَجبُّر والعدوان، فلذلك تستأثر هذه القوةُ بدورٍ كبير في الأخلاق الشخصية للفرد وفي أخلاق الجَمَاعة، وحتى في الفلسفة السياسيّة.

أمّا حالةُ الجُموح والإفلات مِن سيطرةِ العقل، التي يُسمِّيها أفلاطون «تيموكراسي» (Timocracy)، فهي انجرافٌ وراء شهوةِ المجد والجاه والرئاسة، وتطغى فيها الشَّجاعةُ المُتَهوِّرة والطموحُ الجامِح وحُبُّ الغَلَبَةِ على الحِكْمَة والعقل، وهذه الحالةُ تُمثِّلُها مدينةُ «سبارتا» (Sparta) المهووسة بالقوة حيث الحَمِيَّة الزَّائدة تحجب العقل، وبالتالي تُفضِي إلى حالةٍ مِن الفساد وحتى هيمنة قِلْةٍ ظالمة أي «الأوليغارشيّة» (Oligarchy).

وليَظُنَّنَ البعضُ أنّ أفلاطون لم يَتَطرَّق إلى فضيلة «الشَّجَاعة» (andriea) إلَّا في مُحَاوَرَة «لاخيس» (Laches) فحسب، ومَنْ يَظنُّ ذلك إنّما يَفتَقِد للإحاطة الكافية بفِكْر أفلاطون. لكن في الواقع أضاءَ أفلاطون على فضيلةِ الشَّجَاعة أيضاً في مُحَاوَرَات «فايدروس» (Phaedrus) كقوةٍ من قوى النَّفْس، و»بروتاغوراس» (Protagoras) في إطار علاقة الشَّجَاعة بالمعرفة، وحتى في «مينون» (Meno) واعتباره الشَّجَاعة كجزءٍ من الفضيلة، وفي «القوانين» (The Laws) كجزءٍ مِن النظام الاجتماعي. فهَلَّ نَتَذكَّر تلك القوة العاطفية والحَمِيَّة والنَّخْوَة والغضب (ويختصرها مصطلحُ «ثيموس» Thymos) الذي يُمثِّلها «الحصانُ الأبيض» في عربة النَّفْس التي صَوَّرها أفلاطون في مُحَاوَرَة «فايدروس»؟

ففي مُحَاوَرَة «فايدروس»، يُصوِّر أفلاطون هذه القوة كأحَد الحصانَيْن اللذَيْن يَجرُّان عربةَ النَّفْس، وقائدُها هو العقل، وهذا الحصانُ نبيلٌ مُفْعَمٌ بالحيويّة والحَماسة والإقدام وينصاع لقيادة حُوذي عربة النَّفْس، أي العقل، في مقابل «الحصان الأسود» الثاني، الذي يُمثِّل قوى الشَّهوات والرَّغَبات الدُّنيويّة الحِسّية في النَّفْس، ويمسك عنانَه العقلُ أيضاً. وهنا يأتي دورُ العقل في التَحكُّم بهذَيْن الحصانَيْن لكي تُواصِل النَّفْسُ رحلتها على صراط الخير تحت قيادة العقل إلى برّ الأمان والخلاص والهدف الرّوحاني المنشود.

ويُعرِّف أفلاطون تلك القوة العاطفية الغضبيّة «الثيموس» على أنّها: «ذلك الجزءُ الطموحُ مِن النَّفْس الذي يَنْشُدُ الشَّرَفَ»، وهو الذي يدفع نحو المَجد والقوة وطلب الاعتراف والتَميُّز، أي ذلك الجزء المُفعَم بالمعنويات والعاطفة وهو الحافزُ لتحقيق الشَّجاعة والشَّرَف والمجد والجاه والرئاسة والبأس والعِزّة والغَلَبَة والغضب، وهو الوسط بين العقل والشَّهوات والرَّغَبات. وتصبح هذه الحَمِيّةُ مصدرَ الِقوة الغضبيّة عند المَساس بذلك الشَّرَف والسُّمعة والمجد أو لدى تهديد العائلة والجَمَاعة والعِرْض والأرض.

ويتحدّث أفلاطون أيضاً في مُحَاوَرَة «الجمهورية»، وعلى لسان سقراط، عن جزء عقلاني وآخر لاعقلاني في النَّفْس، وأنّ ثمة تَجاذُباً بينهما في مراحل حياة الإنسان، وفي هذه المُحَاوَرَة يُمثِّل «الثيموس» في المدينةِ المثالية «كاليبوليس» (Kallipolis) فئةُ الحُرَّاس المُحاربين المُتَّسِمين بالشَّجاعة وحَمِيَّة القوة العاطفية «الثيموس»، بإرشادٍ من «المَلِك الفيلسوف» (أي العقل).

 

 

ونعود من ثمّ إلى مُحَاوَرَة «لاخيس»، وهي الشهيرة بتمحورها حول فضيلة الشَّجاعة.

لقد أثارَ بعضُ الباحثين تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه المُحَاوَرَة عملاً أدبيّاً دراميّاً أو حواراً فلسفياً. هناك خمسُ شخصيات رئيسية في المُحَاوَرَة، وقد نَظَّم أفلاطون بعبقريّته الهندسية التناظُرية وعلى نحو بديع الجَدَلَ بين قائدَيْن عسكريَيْن من أعيان أثينا ورَجُلَيْن مُسنَّيْن وقُورَيْن، ووضعَ سقراط الأصغر سنّاً وسيطاً بين هذَيْن الثُنائيَيْن طَارِحاً أسئلة في محاولةٍ للوصول إلى إجابات. المُسنّان هما ليسيماخوس (Lysimachus) وميليسياس (Melesias)، والقائدان العسكريان هما لاخيس (Laches)، وأُطْلِقَ اسمُه على المُحَاوَرَة، ونيقياس (Nicias).
فما يُميِّز مُحَاوَرَات أفلاطون هو طرْحُ الأسئلة المناسبة ومن ثمّ مُحاولة الحصول على إجابة عنها، سعياً لاستجلاء المعرفة والحِكْمَة الكامِنتَيْن في العمق، فالسؤالُ هو روح المعرفة، يفتح الأذهانَ على آفاقٍ عميقة للفكر، ويُمهِّد لبَسْط الحقائق الحِكْمَويّة للوصول إلى الإجابة المنشودة. وفي مُحَاوَرَة «لاخيس» هذه نجدُ سقراط يُثير أسئلةً أكثر من تقديم إجابات حول طبيعة البَسالة والجَسارة والمُروءة، وذلك للإضاءة على كُلّ جوانب هذه الفضيلة وبَلْوَرة الفكرة.

تبدأ مَشْهديةُ المُحَاوَرَة باستعراضٍ يقوم به خبيرٌ عسكري مُخضرم يُدعى ستستيلاوس (Stestilaus) في مدينة أثينا لتقنيات خوض القتال بالدروع، ومن هنا انطلقَ الحِوارُ حول طبيعة الشَّجاعة، سيّما وأنّ سقراط كان أيضاً مُحارِباً باسِلاً مِمَّنَ تسربلَ بالدروع وكان قد رجعَ لِتوّه مِن معركة «دليوم» (Delium) بين الأثينيين وتحالفٍ بقيادة إسبرطة (424 قبل الميلاد)، وتعدّى النقاشُ مسألةَ البَسالة والجرأة في الميدان إلى الشَّجاعة في حالة المرض والفقر وخوض غمار البحر وحتى في عالَم السياسة.

ويُستهَلّ النقاشُ في المُحَاوَرَة بحديث ليسيماخوس إلى القائدَيْن المخضرمَيْن لاخيس ونيقياس، فهو وصديقه ميليسياس يريدان أن يُصبح أبناؤهما رجالاً مُكَرَّمين وبالتالي يريدان نصيحة القائدَيْن حول سُبُل تعليم هؤلاء الأبناء ويسألان تحديداً عن رأيهما في تعلُّم فنّ القتال بالدروع.

وتباينت آراء القائدَيْن في هذا المجال، فحوّل سقراط الحِوارَ مِن التكتيكات القتالية إلى مفهوم الفضيلة في هذا الشأن، وعلى الأخص الشَّجاعة. وأخذ كُلٌّ من نيقياس ولاخيس يعرّف الشَّجَاعة من وجهة نظره، لكنّ سقراط فنّدَ بأسلوبٍ فلسفي منهجي آراءَ كُلٍّ منهما، فالشَّجاعة ليست فقط، كما قال لاخيس «الثبات ببسالةٍ في مواجهة العدو وعدم الفرار»، فالجنود الشُّجعان يضطرّون للانسحاب من الميدان أحياناً لاستجماع القوى والانقضاض على العدو بتكتيكٍ بارع تماماً كما فعل الإسبرطيون في معركة «بلاتيا» (Plataea) ضدّ الفُرْس العام 479 قبل الميلاد، وهي أيضاً ليست اصطباراً أمام مكارهٍ يُمكن تجنُّبها فحسب، إذ إنّ مثلَ هذا الاصطبار لمَنْ لا عقلَ له إنّما يفتقد إلى الحِكْمَة والبصيرة وبالتالي يرتدّ على صاحبه بأذى لا طاقة له بمواجهته. فهل الشَّجاعةُ أنْ يُلقَي المرءُ نَفْسَه في تَهْلكةِ المخاطرِ غير هَيَّابٍ، أو في أنْ يُحَكِّم العَقْلَ حُسْبَاناً أوّلاً ليُجنِّب الجِسْمَ والرُّوحَ عَاقبة التَهوُّر؟

أمّا مِن ناحية تعريف نيقياس للشَّجاعة بأنّها مَعرفة، أي «مَعرفة ما ينبغي أن يُخشى وما لا خِشيةَ منه وما يُؤْمَل فيه في الحرب وفي جميع الأمور»، فأكّد سقراط أنّها حِكْمةٌ عامّة تنطبق على معرفة الخير والشر في المستقبل لكن ليس في الماضي والحاضر، وربّما تتوافق مع مِثال الأطباء، لكنّها لا تنطبق على كُلِّ فِعْلٍ شجاع، ويكفي في ذلك مثال شجاعة الأسد.

صحيحٌ أنّ هذه المُحَاوَرَة تنتهي مِن دون إجابةٍ وافية عن تعريف الشَّجاعة مِن قِبَل جميع المُتحَاورِين، وذلك وفق الأسلوب الأفلاطوني المثُير للحيرة الفلسفية (aporia)، لكنّ منهجية سقراط في الردّ لا ريب تُفْضِي إلى اعتبار العَقْل والحِكْمة هما أساسُ الشَّجَاعةِ وكُلِّ فعلٍ شُجاع، وهو يوصي ختاماً للمُحَاوَرَة بأن يعود الجميعُ إلى «تَعلُّم طبيعة هذه الفضيلة» فلسفياً، فكما يُهيِّئ الصَّابِغُ القماشَ لاكتساب اللون الأرجواني، بحسب تعبير أفلاطون، بإعادتِه أولاً إلى اللون الأبيض الناصع ليتشرّب اللونَ الجديد كُلِّيّاً، كذلك تَعلُّم الفضائل يُهيِّئ النَّفْسَ بإعادةِ صفائها ونقائها لتَعلُّم الحِكْمَة والتَّنَعُّم بالسَّعادة الحقيقة (Eudaimonia). فالشَّجَاعةُ فضيلةٌ تتناغم مع كُلِّ الفضائلِ ولا تَنفَصِل عنها، وكُلُّ الفضائلِ تَتَّحِدُّ في الحِكْمَة، وقائدُها في ذلك .. العقل.

الموحِّدون الدروز
الثوابتُ والدور الجديد

الموحِّدون «الدروز، من موقعهم التاريخي ومع اتّساع سلطتهم ودورهم، لم ينكفئوا يوماً عن الانخراط في المهمّات الوطنية والقومية، فمع ظهور حركات التحرّر والوعي القومي العربي والدعوات لمواجهة دول الاستعمار، كان على الموحّدين «الدروز» أن يواكبوا هذه التطورات الجديدة دون أن يتنكّروا لتراثهم الغنيّ عبر قرون طويلة، والحافل بالجهاد والمنجزات السياسية التي جاءت نتيجة لصلابة إيمانهم بالعقيدة التي وحّدت فيما بينهم، وقد عبّروا عن ذلك، دائماً، من خلال التعاضد السياسي والعسكري إبّان المحن والأزمات، لحفظ حقهم والعيش بحرية وكرامة وفعالية في أوطانهم.

ينطبق ذلك مع عقلية «الدروز» الليبرالية، بحسب كمال جنبلاط، الذي يقول عنهم: «إنهم ليبراليو العقلية، فخورون في الوقت ذاته، بطائفتهم وبميراثهم الديني والثقافي والسياسي من دون أن يورثهم ذلك الشوفينية أو التعصُّب»، وقد عبّروا عن وعيهم العميق لأهمية قراءة الأحداث ومؤثراتها؛ إذ إن «قراءة الحدث بمعزل عن مؤثراته، هي بلا شك قراءة خاطئة، كما أن قراءة المؤثرات يجب أن تلتزم بشرط منهجي صارم، وهو تحرُّر الباحث من بيئته وثقافته وتراثه. بمعنى آخر، عقلنة القراءة، ووضعها في المستوى المنهجي السليم»؛ وهذا ما انتهجه الموحدون «الدروز» في المراحل المفصلية من تاريخهم.

لقد تمرَّس الموحدون الدروز بالدور القومي والوطني على أكمل وجه، فتصدَّروا المواجهات، أكان في معركة الاستقلال، أو ضدّ الأحلاف الأجنبية في ما بعد، أو خلال الأحداث التي حصلت بعد ذلك، وقد قاد كمال جنبلاط، ومن بعده وليد جنبلاط، تلك المواجهة عبر ترؤسّه الحركة الوطنية، تحت راية الجبل اللبنانيّ العربيّ المخضرم.

في خضمِّ تلك المواجهات، تعرّض الموحّدون «الدروز»، خلال تاريخهم للعديد من الإساءات والافتراءات والتكهنّات حول هويتهم الدينية، برزت في فتراتٍ محدّدة من التاريخ، خصوصاً عبر كتبٍ ومقالات صدرت خلال فتنتَي 1840 و1860، وخلال الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش ضد الفرنسيين عام 1925، وأثناء قيام دولة إسرائيل عام 1948 ومحاولتها فصل «الدروز» عن هويتهم العربية والإسلامية، إضافةً إلى ما صدر من كتب مسيئة بحق «الدروز» خلال الحوادث اللبنانية بين عامي 1975 و1990، وما كتبه المستشرقون عنهم، بدءاً من سيلفستر دي ساسي (1758 – 1838)، مما استدعى أحياناً الردّ والتوضيح، من باب إظهار الحقيقة، وانسجاماً مع متطلبات الحوار والتفاهم وأصول العيش المشترَك. لكن ذلك لم يُعِق الموحدين «الدروز» عن متابعة دورهم الجديد في كلّ مرحلة، وعن انخراطهم في قضايا أمتهم بانفتاحٍ وتعالٍ على الجراح.

من جهةٍ أُخرى، فإنّ تجربة كمال جنبلاط الرائدة بتأسيس الحزب التقدُّمي الاشتراكي عام 1949، كانت محاولةً منه للدفع باتّجاه دفع طائفته نحو العالم الجديد والتجربة الديمقراطية المتجددة، من خلال دعوته إلى علمنة الدولة والخروج بالبلاد من منطق المحاصصة والغلبة الطائفية، معتبراً أنّ مستقبل الوطن ينتظر من اللبنانيين إقامة البُنى المتينة للدولة، و»أن علمانية الدولة سوف تكون جوهر وقاعدة هذه البُنى. إلا أن هذه العلمانية ستكون علمانية أخلاقية، جوهرها ديني- وليس شكلها- فتحترم حرية المعتقد، وتنطوي طبعاً على مفهوم إلغاء الطائفية السياسية..» ، وكأنّه كان يرى في طرحه حلّاً للبلاد عموماً، لما قرأه ورآه من تاريخ لبنان والطوائف المؤسف، وحلّاً لطائفة الموحدين «الدروز» وغيرها من الطوائف المصنّفة أقليّة، بضمانة حقوقها ضمن صيغة وطنية تتسع للجميع ويتفاعل في إطارها كلُّ أبناء الوطن.

أدركت الزعامة «الدرزية» المتمثّلة بكمال جنبلاط، ومن بعده بوليد جنبلاط، وغيرهما من قادة «الدروز» المخلصين والنخبة المتابعة من أبناء الطائفة، أنّ على الموحدين «الدروز»، كما على سواهم، أن يحملوا رسالةً لأوطانهم وللعالم، وأن عليهم أن يتفادوا أيَّ نزاعٍ أو صدامٍ مع أيٍّ من المكوّنات اللبنانية والطوائف، مؤكّدين الارتباطَ الوثيق بالتراث والهويّة الثقافيّة، وبأنهم جزءٌ لا يتجزّأ من المحيط العربي الإسلامي، وبأنهم، بالرغم من التحديات والمتغيّرات، الأحرصُ على التمسّك بالخصوصيّة والاعتزاز بالانتماء الروحي والثقافي، ولكن مع الرغبة في السعي الدائم للاندماج والتواصل؛ وبهذا يكمن التحدّي المزدوج أمام الموحدين الدروز؛ الأول في ضرورة وأهمية الانفتاح وعدم التقوقع والانغلاق والتعصّب، والثاني في مسؤولية تثقيف الشباب الموحّد «الدرزي» وتربيته تربيةً دينية واجتماعية ووطنية سليمة، كي لا يفقد هويّته وتراثه وقِيَمَ مجتمعه الغنيّة، جهلاً أو استخفافاً أو ضعفاً أمامَ الكثير من المغريات والتيّارات، وكي يبقى محافظاً على دوره الوسطيّ وموقعه الوطنيّ والعربيّ الأصيل، ووجهه الإسلاميّ العقلاني، وإيمانه التوحيديّ المتوارَث من جيلٍ إلى جيل، والذي لم يتبدّل رغم كلّ المتغيّرات والتحديات، بل بقي علامةً مميّزة للأجيال، تماماً كالجوهر المكنون الذي يزداد قيمةً مع الزمن.

تُظهر معظمُ المظاهر الثقافية عند الموحدين «الدروز» خصوصيتَهم في نواحٍ عديدة ومتنوّعة، «ولكنها تُشير، في مضمونها وفي حركة تطوّرها، إلى الاندماج والخروج عن الخصوصية في نواحٍ أُخرى، ممّا يدلّ على أنّ في مجتمع الموحدين الدروز، كما في كل مجتمع، ثوابت دينية واجتماعية وفكرية، لا يُمكن التخلّي عنها أو استبدالها مهما تقلّبت الظروف ومهما تنوّعت المجتمعات، كما أنّ هناك ما هو قابلٌ للتأقلم والتغيّر والتطوّر، لكنّ المتغيّرَ في مجتمع الموحّدين «الدروز» لا يمسّ الجوهرَ بقدر ما يطالُ العَرَض والثوب الذي يُغطي جسدَ الحقيقة، ويُغلّف كنهَ هذا المذهب الروحي والمسلك التوحيدي الذي يعتزُّ أبناؤه بالمحافظة عليه.
لهذا قلنا مراراً إن الموحدين «الدروز» يُقاسون بالدور وبالرسالة، لا بالعدد والحجم المادي، بل بالحجم المعنوي، فهم ما كانوا يوماً إلّا مدافعين عن الأرض والعرض والكرامة، وعن الوطن، وما كانوا في تاريخهم إلا دعاة وحدة وتضامن وطني وإلفة ومحبة وأخوة، وتلك ركائز الحياة والعيش المشترك والوطنية، وهذه هي قواعد البناء، عندما تكون القواعد سليمة يكون البناء سليماً وتكون المحبة صادقة والرحمة وافية والأخوة قائمة.

هذه هي رسالتنا، وهذا هو دورُنا الجديد والمتجدِّد، المستمَدّ من التاريخ والتراث والتضحيات، والمرتكز على الحضور المعنوي للطائفة، ولكن علينا ألّا نستخفَّ بالحضور العددي النوعي، فالطائفة، كما هي مصانةٌ بالتمسّك بالثوابت الوجودية ‏وبالتماسك العائلي والاجتماعي، لكنها في بلدٍ كلبنان تحتاج إلى مراعاة التوازنات الطائفية، مّدعوّةٌ إلى تحصين الدور ‏والحضور بالكفاءات والأعداد.

في الشهر الأخير من العام المنصرم زرعنا مع قداسة البابا شجرة السلام في وسط العاصمة، وفي هذا العدد الجديد من «»، نؤكِّد على دورنا الوطني الثابت الجامع، وعلى رسالة السلام التي نحملها في قلبنا وقالبنا، بما يتضمّنه من ملفٍّ خاص حول ثوابت الموحدين «الدروز» في محاولةٍ من إدارة التحرير الجديدة للتأكيد على التمسُّك بثوابت الدور والرسالة، وعلى التعامل مع الواقع بواقعية، والله وليُّ التوفيق.

 

العدد 44