الخميس, نيسان 23, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 23, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

أفلاطون: العقل قبل شجاعة الشجعان

«أنْ يَنْتَصِر الإنسانُ على نَفْسِه لَهُو أوّلُ وأنْبَل الانتصارات جميعاً»، هذا ما يقوله أفلاطون في مُحَاوَرَة «الجمهورية»، ولا يَتَحقَّق هذا الانتصارُ فعلاً إلَّا بشجاعةٍ تَسْتَرْشِدُ بالعقل. فالشجاعةُ في الغضب على النَّفْس تكبحُ رغباتَها التي يأنَفَها العَقْلُ والأخلاق، وترقَى بها لتحقيق مَعَالي الشّرفِ والفضيلة فوق عَلائِقِ الرَّغباتِ الحِسّيّة المَاديّة.

وهذه الشَّجاعةُ هي مِن بين الفضائلِ الأفلاطونية الأربع: الحِكْمَة والشَّجَاعة والعِفَّة والعَدْل، تلك الفضائل في قِوى النَّفْس الثلاث، كما يُسمِّيها أفلاطون على لسانِ سقراط: القوة العاقلة «لوغوس» (Logos) ، والقوة العاطفية الغضبية «ثيموس» (Thymos) (الحَمِيَّة والنَّخْوَة والانْدِفَاع والإقْدَام والغَضَب والإنْفَة والحَمَاسَة المُفعَمَة)، وقوة الشَّهوات والرَّغَبات الحِسّية «إبيثوميا» (Epithumia).

ففي مُحَاوَرَة «الجمهورية» (Politeia) يعتبر أفلاطون هذه الحَمِيَّة العاطفية «الثيموس» ضرورية أيضاً لإحقاق الحَقّ وإرساء العدل، إذ إنّها تساعد العقل على التَحكُّم بالشَّهوات وخَلْق حالة من التَناغُم الداخلي والاتّزان في النَّفْس وبالتالي، عندما يسيطر العقلُ على «الثيموس» فإنّه يقودُ الإنسانَ بل والمجتمع ككُلّ نحو أهدافٍ فاضِلة ونبيلة، أمّا إذا أفلتَ مِن عِنان العقلِ فيقود ذلك إلى الكِبْر والتَجبُّر والعدوان، فلذلك تستأثر هذه القوةُ بدورٍ كبير في الأخلاق الشخصية للفرد وفي أخلاق الجَمَاعة، وحتى في الفلسفة السياسيّة.

أمّا حالةُ الجُموح والإفلات مِن سيطرةِ العقل، التي يُسمِّيها أفلاطون «تيموكراسي» (Timocracy)، فهي انجرافٌ وراء شهوةِ المجد والجاه والرئاسة، وتطغى فيها الشَّجاعةُ المُتَهوِّرة والطموحُ الجامِح وحُبُّ الغَلَبَةِ على الحِكْمَة والعقل، وهذه الحالةُ تُمثِّلُها مدينةُ «سبارتا» (Sparta) المهووسة بالقوة حيث الحَمِيَّة الزَّائدة تحجب العقل، وبالتالي تُفضِي إلى حالةٍ مِن الفساد وحتى هيمنة قِلْةٍ ظالمة أي «الأوليغارشيّة» (Oligarchy).

وليَظُنَّنَ البعضُ أنّ أفلاطون لم يَتَطرَّق إلى فضيلة «الشَّجَاعة» (andriea) إلَّا في مُحَاوَرَة «لاخيس» (Laches) فحسب، ومَنْ يَظنُّ ذلك إنّما يَفتَقِد للإحاطة الكافية بفِكْر أفلاطون. لكن في الواقع أضاءَ أفلاطون على فضيلةِ الشَّجَاعة أيضاً في مُحَاوَرَات «فايدروس» (Phaedrus) كقوةٍ من قوى النَّفْس، و»بروتاغوراس» (Protagoras) في إطار علاقة الشَّجَاعة بالمعرفة، وحتى في «مينون» (Meno) واعتباره الشَّجَاعة كجزءٍ من الفضيلة، وفي «القوانين» (The Laws) كجزءٍ مِن النظام الاجتماعي. فهَلَّ نَتَذكَّر تلك القوة العاطفية والحَمِيَّة والنَّخْوَة والغضب (ويختصرها مصطلحُ «ثيموس» Thymos) الذي يُمثِّلها «الحصانُ الأبيض» في عربة النَّفْس التي صَوَّرها أفلاطون في مُحَاوَرَة «فايدروس»؟

ففي مُحَاوَرَة «فايدروس»، يُصوِّر أفلاطون هذه القوة كأحَد الحصانَيْن اللذَيْن يَجرُّان عربةَ النَّفْس، وقائدُها هو العقل، وهذا الحصانُ نبيلٌ مُفْعَمٌ بالحيويّة والحَماسة والإقدام وينصاع لقيادة حُوذي عربة النَّفْس، أي العقل، في مقابل «الحصان الأسود» الثاني، الذي يُمثِّل قوى الشَّهوات والرَّغَبات الدُّنيويّة الحِسّية في النَّفْس، ويمسك عنانَه العقلُ أيضاً. وهنا يأتي دورُ العقل في التَحكُّم بهذَيْن الحصانَيْن لكي تُواصِل النَّفْسُ رحلتها على صراط الخير تحت قيادة العقل إلى برّ الأمان والخلاص والهدف الرّوحاني المنشود.

ويُعرِّف أفلاطون تلك القوة العاطفية الغضبيّة «الثيموس» على أنّها: «ذلك الجزءُ الطموحُ مِن النَّفْس الذي يَنْشُدُ الشَّرَفَ»، وهو الذي يدفع نحو المَجد والقوة وطلب الاعتراف والتَميُّز، أي ذلك الجزء المُفعَم بالمعنويات والعاطفة وهو الحافزُ لتحقيق الشَّجاعة والشَّرَف والمجد والجاه والرئاسة والبأس والعِزّة والغَلَبَة والغضب، وهو الوسط بين العقل والشَّهوات والرَّغَبات. وتصبح هذه الحَمِيّةُ مصدرَ الِقوة الغضبيّة عند المَساس بذلك الشَّرَف والسُّمعة والمجد أو لدى تهديد العائلة والجَمَاعة والعِرْض والأرض.

ويتحدّث أفلاطون أيضاً في مُحَاوَرَة «الجمهورية»، وعلى لسان سقراط، عن جزء عقلاني وآخر لاعقلاني في النَّفْس، وأنّ ثمة تَجاذُباً بينهما في مراحل حياة الإنسان، وفي هذه المُحَاوَرَة يُمثِّل «الثيموس» في المدينةِ المثالية «كاليبوليس» (Kallipolis) فئةُ الحُرَّاس المُحاربين المُتَّسِمين بالشَّجاعة وحَمِيَّة القوة العاطفية «الثيموس»، بإرشادٍ من «المَلِك الفيلسوف» (أي العقل).

 

 

ونعود من ثمّ إلى مُحَاوَرَة «لاخيس»، وهي الشهيرة بتمحورها حول فضيلة الشَّجاعة.

لقد أثارَ بعضُ الباحثين تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه المُحَاوَرَة عملاً أدبيّاً دراميّاً أو حواراً فلسفياً. هناك خمسُ شخصيات رئيسية في المُحَاوَرَة، وقد نَظَّم أفلاطون بعبقريّته الهندسية التناظُرية وعلى نحو بديع الجَدَلَ بين قائدَيْن عسكريَيْن من أعيان أثينا ورَجُلَيْن مُسنَّيْن وقُورَيْن، ووضعَ سقراط الأصغر سنّاً وسيطاً بين هذَيْن الثُنائيَيْن طَارِحاً أسئلة في محاولةٍ للوصول إلى إجابات. المُسنّان هما ليسيماخوس (Lysimachus) وميليسياس (Melesias)، والقائدان العسكريان هما لاخيس (Laches)، وأُطْلِقَ اسمُه على المُحَاوَرَة، ونيقياس (Nicias).
فما يُميِّز مُحَاوَرَات أفلاطون هو طرْحُ الأسئلة المناسبة ومن ثمّ مُحاولة الحصول على إجابة عنها، سعياً لاستجلاء المعرفة والحِكْمَة الكامِنتَيْن في العمق، فالسؤالُ هو روح المعرفة، يفتح الأذهانَ على آفاقٍ عميقة للفكر، ويُمهِّد لبَسْط الحقائق الحِكْمَويّة للوصول إلى الإجابة المنشودة. وفي مُحَاوَرَة «لاخيس» هذه نجدُ سقراط يُثير أسئلةً أكثر من تقديم إجابات حول طبيعة البَسالة والجَسارة والمُروءة، وذلك للإضاءة على كُلّ جوانب هذه الفضيلة وبَلْوَرة الفكرة.

تبدأ مَشْهديةُ المُحَاوَرَة باستعراضٍ يقوم به خبيرٌ عسكري مُخضرم يُدعى ستستيلاوس (Stestilaus) في مدينة أثينا لتقنيات خوض القتال بالدروع، ومن هنا انطلقَ الحِوارُ حول طبيعة الشَّجاعة، سيّما وأنّ سقراط كان أيضاً مُحارِباً باسِلاً مِمَّنَ تسربلَ بالدروع وكان قد رجعَ لِتوّه مِن معركة «دليوم» (Delium) بين الأثينيين وتحالفٍ بقيادة إسبرطة (424 قبل الميلاد)، وتعدّى النقاشُ مسألةَ البَسالة والجرأة في الميدان إلى الشَّجاعة في حالة المرض والفقر وخوض غمار البحر وحتى في عالَم السياسة.

ويُستهَلّ النقاشُ في المُحَاوَرَة بحديث ليسيماخوس إلى القائدَيْن المخضرمَيْن لاخيس ونيقياس، فهو وصديقه ميليسياس يريدان أن يُصبح أبناؤهما رجالاً مُكَرَّمين وبالتالي يريدان نصيحة القائدَيْن حول سُبُل تعليم هؤلاء الأبناء ويسألان تحديداً عن رأيهما في تعلُّم فنّ القتال بالدروع.

وتباينت آراء القائدَيْن في هذا المجال، فحوّل سقراط الحِوارَ مِن التكتيكات القتالية إلى مفهوم الفضيلة في هذا الشأن، وعلى الأخص الشَّجاعة. وأخذ كُلٌّ من نيقياس ولاخيس يعرّف الشَّجَاعة من وجهة نظره، لكنّ سقراط فنّدَ بأسلوبٍ فلسفي منهجي آراءَ كُلٍّ منهما، فالشَّجاعة ليست فقط، كما قال لاخيس «الثبات ببسالةٍ في مواجهة العدو وعدم الفرار»، فالجنود الشُّجعان يضطرّون للانسحاب من الميدان أحياناً لاستجماع القوى والانقضاض على العدو بتكتيكٍ بارع تماماً كما فعل الإسبرطيون في معركة «بلاتيا» (Plataea) ضدّ الفُرْس العام 479 قبل الميلاد، وهي أيضاً ليست اصطباراً أمام مكارهٍ يُمكن تجنُّبها فحسب، إذ إنّ مثلَ هذا الاصطبار لمَنْ لا عقلَ له إنّما يفتقد إلى الحِكْمَة والبصيرة وبالتالي يرتدّ على صاحبه بأذى لا طاقة له بمواجهته. فهل الشَّجاعةُ أنْ يُلقَي المرءُ نَفْسَه في تَهْلكةِ المخاطرِ غير هَيَّابٍ، أو في أنْ يُحَكِّم العَقْلَ حُسْبَاناً أوّلاً ليُجنِّب الجِسْمَ والرُّوحَ عَاقبة التَهوُّر؟

أمّا مِن ناحية تعريف نيقياس للشَّجاعة بأنّها مَعرفة، أي «مَعرفة ما ينبغي أن يُخشى وما لا خِشيةَ منه وما يُؤْمَل فيه في الحرب وفي جميع الأمور»، فأكّد سقراط أنّها حِكْمةٌ عامّة تنطبق على معرفة الخير والشر في المستقبل لكن ليس في الماضي والحاضر، وربّما تتوافق مع مِثال الأطباء، لكنّها لا تنطبق على كُلِّ فِعْلٍ شجاع، ويكفي في ذلك مثال شجاعة الأسد.

صحيحٌ أنّ هذه المُحَاوَرَة تنتهي مِن دون إجابةٍ وافية عن تعريف الشَّجاعة مِن قِبَل جميع المُتحَاورِين، وذلك وفق الأسلوب الأفلاطوني المثُير للحيرة الفلسفية (aporia)، لكنّ منهجية سقراط في الردّ لا ريب تُفْضِي إلى اعتبار العَقْل والحِكْمة هما أساسُ الشَّجَاعةِ وكُلِّ فعلٍ شُجاع، وهو يوصي ختاماً للمُحَاوَرَة بأن يعود الجميعُ إلى «تَعلُّم طبيعة هذه الفضيلة» فلسفياً، فكما يُهيِّئ الصَّابِغُ القماشَ لاكتساب اللون الأرجواني، بحسب تعبير أفلاطون، بإعادتِه أولاً إلى اللون الأبيض الناصع ليتشرّب اللونَ الجديد كُلِّيّاً، كذلك تَعلُّم الفضائل يُهيِّئ النَّفْسَ بإعادةِ صفائها ونقائها لتَعلُّم الحِكْمَة والتَّنَعُّم بالسَّعادة الحقيقة (Eudaimonia). فالشَّجَاعةُ فضيلةٌ تتناغم مع كُلِّ الفضائلِ ولا تَنفَصِل عنها، وكُلُّ الفضائلِ تَتَّحِدُّ في الحِكْمَة، وقائدُها في ذلك .. العقل.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي