مقدمة
في زمنٍ تتعقّد فيه الأزمات الدولية وتتشابك الصراعات السياسية والإنسانية، يبرز البحث عن شخصيات دبلوماسية قادرة على الجمع بين الخبرة، والبعد الإنساني، والرؤية السلمية. وفي هذا السياق، يتقدّم اسم إيفون خويص عبد الباقي، الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية، كأحد الأسماء المطروحة بجدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عند انتهاء ولايته في أيلول 2026. سيرة عبد الباقي تختصر رحلة استثنائية بدأت من الاغتراب اللبناني، مروراً بالفن والثقافة، وصولاً إلى أعلى المستويات الدبلوماسية والسياسية في العالم.
المولد والنشأة
وُلدت إيفون خويص في 23 شباط 1950 في جمهورية الإكوادور، لعائلة لبنانية مهاجرة. والدها فؤاد خويص هاجر من قرية بتاتر في قضاء عاليه، وبدأ حياته من الصفر بائعاً للموز في شوارع غوياكيل، قبل أن ينجح لاحقاً في تأسيس أعمال زراعية واسعة. أما والدتها إنعام أبو شقرا، فهي مهاجرة لبنانية من بلدة الهلالية في قضاء بعبدا.
نشأت عبد الباقي في بيئة جمعت بين القيم اللبنانية المتجذّرة والانفتاح الثقافي لأميركا اللاتينية، ما أسهم في صقل شخصيتها بثقافات متعددة منذ طفولتها.
المرحلة التعليمية وبدايات التكوين الفكري
أظهرت عبد الباقي ميولاً مبكرة نحو الفنون، فدرست الرسم والفنون ونالت إجازة من معهد السوربون في باريس، كما تابعت دراسات فنية في باريس ولندن وألمانيا.
وفي مرحلة لاحقة، اتجهت إلى تعميق معرفتها في الشأن العام، فنالت عام 1993 درجة الماجستير في الإدارة العامة من Harvard Kennedy School، ما شكّل نقطة تحوّل أساسية في مسيرتها المهنية، وربط بين اهتمامها الثقافي ورؤيتها السياسية. وهي تجيد خمس لغات، وتكتب الشعر بثلاث منها.
الحياة الأسرية
تزوجت إيفون خويص من الدكتور سامي عبد الباقي، الناشط في مجال الأعمال والعقارات، ولديهما ثلاثة أبناء: محمد، فيصل، وتاتيانا. وعلى الرغم من انشغالاتها الواسعة، حرصت دائماً على إبقاء الأسرة محوراً أساسياً في حياتها، معتبرة أن الاستقرار العائلي شرط لنجاح أي تجربة عامة.
من الفن إلى العمل العام
دخلت عبد الباقي الحياة العامة من بوابة الفن والثقافة، حيث شغلت عام 1990 موقع الفنانة المقيمة في جامعة هارفارد، ودرّست الفن فيها. وأسست لاحقاً مبادرة «الفن من أجل السلام»، التي نظّمت معارض في دول تعاني من نزاعات، إيماناً منها بدور الثقافة كجسر بين الشعوب.
كما أسست في الإكوادور مؤسسة «بلا حدود»، التي ركزت على دعم القطاع الصحي والاجتماعي.
المسيرة الدبلوماسية ودور صناعة السلام
برز نجم عبد الباقي دبلوماسياً خلال تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع دورها في إنهاء النزاع بين الإكوادور والبيرو عام 1998، بعد صراع دام أكثر من خمسين عاماً، حين كانت مستشارة للرئيس الإكوادوري اللبناني الأصل جميل معوض.
لاحقاً، شغلت منصب سفيرة الإكوادور في واشنطن، حيث بنت شبكة علاقات دولية واسعة، كما مثّلت بلادها سفيرة في قطر، العراق، الأردن، لبنان، سلطنة عُمان، سوريا وفرنسا، واكتسبت خبرة معمّقة في الملفات الإقليمية والدولية. وهي أيضاً عضو في مجلس السلام الدولي.
العمل السياسي والمناصب الرسمية
تولّت عبد الباقي بين عامي 2003 و2005 منصب وزيرة التجارة الخارجية والصناعة والتكامل الاقتصادي والصيد البحري والتنافس في الإكوادور. كما ترشّحت لرئاسة الجمهورية، في خطوة عكست حضورها السياسي.
وفي عام 2006، فازت بعضوية برلمان دول الأنديز، وانتُخبت عام 2007 رئيسة للبرلمان بالإجماع، ما شكّل محطة بارزة في مسيرتها السياسية الإقليمية.

الحضور الدولي واليونسكو
عام 2009، كانت عبد الباقي مرشحة لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو في باريس، قبل أن تنسحب في المراحل الأخيرة. ولاحقاً، عيّنتها المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا سفيرة للنوايا الحسنة، تقديراً لدورها في تعزيز الثقافة والسلام.
زيارتها الى لبنان
في السادس والعشرين من كانون الأوّل عام ٢٠٢٥، وفي مناسبة حزينة تمثّلت بوفاة المأسوف على شبابه المهندس غازي عصام عبد الباقي، وهو من أقارب السيدة إيفون خويص عبد الباقي، زارت السيدة إيفون بلدتها الأم عينبال. ولم تكن الزيارة مجرّد حضور عابر في لحظة ألم، بل عودةً صادقة إلى الجذور الأولى، وإلى ذاكرة المكان الذي لا يغيب مهما ابتعدت المسافات.
وكان في استقبالها أبناء البلدة بفيضٍ من المحبّة والترحاب، معبّرين عن اعتزازهم بابنتهم، وعارضين عليها إقامة استقبال رسمي يليق بمكانتها ودورها، غير أنّها رفضت ذلك بتواضعٍ كبير، مؤكدة أنّها بين أهلها وفي بلدتها، ولا تحتاج إلى مظاهر رسمية. وقد ترك هذا الموقف أثراً بالغاً في نفوس الحاضرين، لما حمله من بساطة وانتماء وصدق.
وفي أحاديثها العفوية مع الأهالي، شدّدت السيدة إيفون على أنّ عينبال لم تغب يوماً عن قلبها، وأنّها كانت وستبقى نقطة الارتكاز في مسيرتها الإنسانية والوطنية، فبدت البلدة في تلك اللحظات كأنها تستعيد إحدى بناتها بالحضور لا بالجسد فحسب، بل بالوفاء والانتماء. وقد لامس كلامها وجدان أبناء البلدة، فوجدوا فيه وعداً غير معلن بأنّ المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالتواصل والعمل المشترك، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من هموم الناس وتطلّعاتهم.
كما وعدت بأن تعود إلى عينبال في أقرب فرصة ممكنة، لتُعلن ترشيحها منها، تماماً كما أعلنت ترشيحها من وطنها الثاني الإكوادور، في دلالة واضحة على وحدة الانتماء بين الأرض الأم والمهجر، وعلى أنّ الوطن لا يُختصر بمكان واحد، بل يتّسع لكل من حمله في قلبه أينما كان.
وهكذا تحوّلت الزيارة إلى محطة وجدانية جامعة، اختلط فيها الحزن بالأمل، والوفاء بالعزم، لتؤكّد أنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بطول الغياب، بل بصدق العودة، وأنّ عينبال كانت وما زالت العنوان الأول لكل من بقي وفيّاً لجذوره مهما ابتعدت به الدروب.
الخاتمة
تجسّد إيفون خويص عبد الباقي نموذجاً نادراً لدبلوماسية نشأت من رحم الاغتراب اللبناني، وصقلت تجربتها بين الفن والسياسة والعمل الدولي. ومع تداول اسمها كمرشحة جدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة، تبدو سيرتها المهنية والإنسانية مؤهلة لقيادة منظمة تواجه تحديات غير مسبوقة. وفي حال وصولها إلى هذا المنصب، ستكون شاهداً جديداً على قدرة أبناء الاغتراب اللبناني على بلوغ أعلى المواقع الدولية، حاملين معهم رسالة سلام تتجاوز الحدود والهويات.