الأخُوَّة والصَّداقة

0 48

  يرقى مفهوم «الإخاء» إلى المستوى الأسمى في الخِصال الإنسانيَّة، ولَإنْ كان الأقرب إلى المعنى هو رابط النَّسب، فإنَّ الآيةَ الكريمة ﴿إنَّما المؤمنُون إخْوة﴾ رفعت من سموِّ هذه العلاقة بين البشر إلى منزلةٍ إيمانيَّة وإنسانيَّةٍ بالغة الرِّفعة حتَّى أنَّ بها يُقاسُ صدقُ الإنسان في مسلكه ومعاملاته ودرجة إدراكه لمعنى التآلُف الاجتماعيّ المرتبط بغاية وجود المجتمعات ودرجة رقيّها الأخلاقيّ والمعنويّ الحميد.

  والأخُ، أيّاً كان، هو الآخَر المُتقابِل. ومقياسُ الصِّلة به والتَّواصُل هو السجايا الطيِّبة التي تُميِّزُ الإنسان في حقيقـتِه في أيِّ وجهٍ من وجوه وجودِه (الذاتي والاجتماعيّ والبشريّ عموماً). وأهمّ تلك السجايا على الإطلاق الصِّدق، فلا يكون لك معه وجهان، ولا يكون بينكما خُلفٌ لا في دين ولا في دنيا، بل هو التُـناصُح والمودَّة والإيثار والتّعاطُف بالعقـل والنيَّةِ وإرادة الخيْر.

  وفي المأثُور السَّديد أنَّ ما من خلافٍ يبرز بين أخَويْن إلَّا وعِلَّتُه المطمع الدّنيويّ في مالٍ أو جاهٍ أو حسدٍ أو طلبِ رئاسة وما شاكَل. وهذه كلّها مفاسِد في السّلوكِ وفي حقّ الأخوَّة وفي التَّقوى، لأنَّ من اتَّقى الحقّ بذل الجهد في الحفاظ على ما هو أطيب للنَّفس من دنايا الأمور.

  والعلاقة الصَّادقة تولِّد الصَّداقة التي هي كما قال التوحيديّ: «أذهب في مسالك العقل، وأدْخَل في باب المروءةِ، وأبْعد من نوازي الشَّهوة، وأنزه من آثار الطَّبيعة وأرمى إلى حدود الرَّشاد…» وهي عبارة تكتـنزُ لطائف معنى الصَّداقة وخفايا مفاعيلها في الذّات. فالمودَّة فيها تجعلها بمنأى عن جنوح النَّفس إلى اعتدادها بذاتها والمماحكة في الكبر والمنافسة على الأمُور البخسة، بل هو العقـل الذي يُدركُ قِيمة الشأن الإنسانيّ ويسعى إلى إثراء الحال الداخليّ بما هو أبقى. فالعلاقة بين الصَّديق والصَّديق، كما قِيل، هي علاقة «فيها مُمازجَة نفسيَّة، وصداقة عقليَّة، ومساعدة طبيعيَّة، ومواتاة خُلُقيَّة.» حتَّى لَيشعر الصديق بلسان حالِه قائلًا: «اختلَطتْ ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكونا…»
  وكلمة الصديق تدّل بمعناها اللغوي على صفة الصدق، والصداقة من جذرها، لذلك هي من كمالات المرء لأنَّ المروءةَ تغذّيها بأجلِّ الصِّفات السامية، فهي بمأمنٍ «من نوازي الشهوة» كما قال، وهو من «النَّزْو» والتنزّي أي التوثُّب والتَّسرُّع في الشَّرّ، لأنَّ الصداقة لا تليق باسمها إلَّا إذا بلغت محلًّا في حقيقة النَّفس لا تصله مناكفات الخفَّة وسقَطَات النَّزق. والصَّداقة إذا ما بلغها اثنان بصدق أدركا أنَّها لا توازي أعظم الأثمان، بل تضاهيها وتسمو عليها لأنَّها في ذاتها قيمة رفيعة بالغة السَّناء.

  وبهذا يكون الصديق الذي نعنيه بحقّ هو أخ كما ذكر الشاعر حين قال:

ويحفظـنــي إذا مـــــــــا غبـــــت عـنـــــــه              وأرجـــــوه لنــــــــائــبــــــــــة الــــزمـــــــــان

  ولا غرو بعد ذلك في أن يكون التَّوحيد قد قرَنَ معنى الأخوَّةِ بتزكية النَّفس، أي بحياتِها الرُّوحيَّةِ السليمة لجهة تهذيبها وتطهيرها والارتقاء بها في المسالك الحميدة. والموحِّد يرى في مرآةِ أخيه الموحِّد الصِّدق والنَّصيحة والألفة والائتناس بالفضائل المشتركة التي بها وحدها يُستشعَرُ حضورُ الحقّ والنِّعمة واللطف والرَّحمة الإلهيَّة. ولا بدّ من إدراكِ أنَّ هذا يدخل في فسحة «المُشترَكاتِ الإنسانيَّة» التي بها يتفاضلُ الخَلق، لأنَّ جوهر كلّ من الأخوَّة بمعناه الواسع والصَّداقة بمفهومها الشامل هو جوهر إنساني غير مُنفصِم، فكلاهما له وجه واحد، وكلاهما من الصِّدق الَّذي به يكون الإنسانُ لائقاً بالنِّعمة أو لا يكون.

  اليوم وفي ضلال سيطرة الفوضى على مجتمعاتنا، أين هو الأخ الصديق او الصديق الأخ الذي يحمل همّك، ويسدّ غيبتك، ويدافع عن كرامتك، ويصون عرضك، ولا يخونك بيد أو بلسان ولا بخطرة بال ولا بخفقة فؤاد دون أن يكون له غرض ودون أن يمّن عليك؟

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader