الامير فخر الدين

الامير فخر الدين

الأمير في لوحة زيتية
0 1٬206

“عرض دوق نابولي على فخر الدين حكماً على مقاطعة تزيد مساحتها عما كان له شرط تغيير دينه، والدخول في المسيحية، فرفض فخر الدين العرض،”

“السلطان العثماني مراد خان الرابع استعاد للدولة قوتها وجعل أول أهدافه إنهاء نفوذ فخر الدين الذي طال أمده وتحجيم الولاة وتقصير ولاياتهم”

فخر الدين الثاني
الطموح المظلوم

المعنيون مسلمون على مذهب التوحيد قبل مجيئهم لبنان
لكنهم تبنوا موقفاً متسامحاً تجاه كافة الطوائف الأخرى

عوامل القوة التي ساعدت على اتساع ملك فخر الدين

توحيد السكان وبناء جيش ضخم وتنمية الاقتصاد
وتقوية التحالفات وحسن الإدارة ومداراة العثمانيين

انتصار فخر الدين على والي دمشق في معركة عنجر
كان أهم موقعة خاضها أمير من لبنان في تاريخه الطويل

من أمير لمقاطعة الشوف إلى حاكم لكل لبنان
ولمناطق جغرافية واسعة من سوريا وفلسطين

في أول مساهمة مفصّلة من نوعها يتولى المؤرخ المدقق الدكتور حسن أمين البعيني تصحيح التأريخ الملفّق والملتبس للأمير فخر الدين الثاني المعني الكبير وهو يعرض في هذا المقال، وفي ضوء البحث التاريخي العلمي، لحقيقة الأمير كقائد فذ وكمؤسس لأول كيان لبناني متكامل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في ظل السلطنة العثمانية مؤكداً هويّة الأمير الإسلامية الدرزية وبراءته من أي شبهات تعامل مع الإمارات الأوروبية، وشارحا في الوقت نفسه العوامل التي أدت إلى نكبة الأمير والأسرة المعنية على يد السلطان مراد خان العثماني.

لا تكفي للإحاطة بجميع جوانب حياته وتاريخه الحافل بالأحداث والإنتصارات والإنجازات على مدى 43 سنة من تسلّمه الإمارة المعنية، كما إن الحديث عن جانب معيّن من شخصيته وتاريخه يكون محدوداً جدّاً. وبناءً على ذلك سيقتصر الحديث فقط على نقاط محدّدة، هي أبرز المحطات التاريخية، وتوضيح الإشكاليات، وتصويب الأخطاء، وجلاء الغوامض، والقضايا الخلافية حول فخر الدين ورمزيته.

الأصل والنسب
إعتماداً على أسماء الأمراء المعنيين وتسلسلهم، هناك ثلاثة أمراء يحملون الإسم “فخر الدين”، أو الصفة أو الكنية “فخر الدين”. أولهم فخر الدين عثمان المتوفّى سنة 1506م، الذي أخطأ من جعلوه فخر الدين بن عثمان، وهو باني جامع دير القمر سنة 1493 حسبما هو منقوش على بلاطة في مئذنة الجامع، وكنيته أو صفته “فخر الدين” هي مضافة إلى إسمه “عثمان” كالكثيرين من الرجال سابقاً، ولا سيما الأعيان، إذ كان يُعطى لأحدهم صفة أو كنية من لفظتين، ثانيّتهما هي، على العموم، “الدين” أو “الدولة”، مثل ركن الدين بيبرس، وجمال الدين حجى، وجمال الدين محمد، وشرف الدولة علي. وثاني الأمراء المعنيين هو فخر الدين المتوفّى سنة 1544، وهو والد قرقماس. وقد يكون إسم فخر الدين هذا هو الإسم كاملاً، أو كنية تسبق إسماً لا نعرفه. وثالثهم فخر الدين بن قرقماس. وبناءً على ذلك يكون فخر الدين بن قرقماس بن فخر الدين، الذي نتكلم عنه، هو الثاني بالنسبة إلى جده فخر الدين، والثالث بالنسبة إلى جده وإلى فخر الدين عثمان، لكنه مشهور بفخر الدين الثاني نسبة إلى جده، مع العلم أن الإسم “فخر الدين” حين يُكتب أو يُلفظ يتجه دائماً إليه دون غيره، نظراً لشهرته وأهميته.
الأمير فخر الدين من عشيرة عربية عدنانية، أي من القبائل القيسية، ومن العرب المستعربة. إنه ينتسب إلى الأمير معن بن ربيعة، المتسلسل من العرب الأيوبيين المتسلسلين من ربيعة الفَرَس بن نزار بن معد بن عدنان المتحدّر من نسل إبراهيم الخليل. وقد نزح أجداد المعنيين من جهات نجد، في الجزيرة العربية، إلى الجزيرة الفراتية، ومنها إلى جهات حلب حيث قطنوا في الجبل الأعلى (جبل السمّاق) ومنه انتقلوا إلى جبل لبنان. أما سبب تسميتهم بالأيوبيين، فهي لا تمت بصلة إلى الأيوبيين الأكراد، وإنما هي نسبة إلى أحد أمرائهم: أيوب. سلسل المؤرّخ طنّوس الشدياق، المتوفّى سنة 1861، الأمراء المعنيين بدءاً بسنة 1120م (تاريخ قدومهم إلى لبنان) فذكر إعتماداً، على الأرجح، على سجل نسب خاص بهم، 16 أميراً توارثوا الإمارة المعنية قبل فخر الدين، كما ذكر أسماء أبناء فخر الدين وأبناء وأحفاد أخيه يونس وصولاً إلى آخر أمير معني من الأسرة الحاكمة، وهو الأمير أحمد، المتوفّى بدون عقب سنة 1697 1.
ظهرت مؤخّراً مقولتان عن نسب المعنيين وفخر الدين، مبنيّتان على إستنتاجات خاطئة، وأدلّة غير مقنعة، أولاهما نسبتهم إلى التنوخيين والقول بفخر الدين المعني التنوخي، وثانيتهما نسبتهم إلى آل علم الدين الرمطونيين، التي قال بها بولياك2، أو إلى الأمير معن جد آل علم الدين هؤلاء الذين هم من آل عبدالله المنسَّبين إلى التنوخيين بالمصاهرة. وقد دُعوا بإسم آل علم الدين نسبةً إلى جدهم علم الدين سليمان بن علم الدين معن، ودُعوا بالرمطونيين نسبة إلى قرية رمطون الدارسة، الواقعة في شحّار الغرب على يمين مجرى نهر الدامور، وقدأقاموا فيها من أوائل الربع الأخير للقرن الثالث عشر إلى أن خربت في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي.
إن المعنيين ليسوا على الإطلاق من التنوخيين ليقال عن فخر الدين المعني إنه تنوخي، ولو كانوا كذلك لورد، على الأقل، ما يفيد عن تنوخيتهم عند مؤرّخين توسّعا في الحديث عن التنوخيين، وهما صالح بن يحيى المتوقّف عن الكتابة سنة 1453م، وإبن سباط المتوقّف عن الكتابة سنة 1520م. وكل ما ذكره إبن سباط عن المعنيين هو وفاة الأمير فخر الدين عثمان المعني سنة 1506.
وإن المعنيين ليسوا من آل علم الدين الرمطونيين، ولا ينتسبون إلى أحد اجدادهم معن، لأن هذا (واسمه الكامل علم الدين معن) هو إبن معتب الذي يعود في نسبه إلى الطوارقة الذين هم فخذ من آل عبدالله، وأجداده وأبناؤه معروفون ومذكورون في تاريخي صالح بن يحيى وإبن سباط حتى سنة 1520 وليس بينهم أي أمير معني3، ثم إن أحفادهم مذكورون في التواريخ بعد ذلك حتى نهاية آل علم الدين في موقعة عين داره سنة 1711.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن المعنيين قيسيون وقد تزعّموا القيسيين في لبنان، وأنهم ينتمون إلى جدهم الأعلى عدنان، وأن التنوخيين وآل علم الدين يمنيون ينتمون إلى جدهم الأعلى قحطان، ويتسلسلون من الملوك المناذرة اللخميين الذين حكموا في الحيرة.
وإذا كان النسب لا يجمع بين المعنيين وبين التنوخيين وسائر المناذرة، فإن هناك ما يجمعهم غير ذلك، وهو ثلاثة عوامل، أولها المجاورة في السكن في جهات الجبل الأعلى (جبل السمّاق) والسكن في جبل لبنان الجنوبي. وثانيها التحالف والجهاد ضد العدو المشترك الفرنجة، والتحالف في المرحلة الأخيرة من نهاية الإمارة التنوخية. وثالثها المصاهرة التي من وجوهها في القرن السادس عشر زواج الأمير قرقماس (والد فخر الدين) من الأميرة نسب التنوخية، وزواج فخر الدين من إبنة الأمير جمال الدين الأرسلاني.
كان فخر الدين يخاطب شيخ مشايخ الموحِّدين (الدروز) أو رئيسهم الروحيّ،الشيخ بدر الدين حسن العنداري، بالقول: يا خالي، لا لأنه شقيق والدته الأميرة نسب، وإنما لأنه من عشيرة معتبرة تنوخية بالمصاهرة، وذلك جرياً على المألوف في الماضي، والمتداول عند البعض اليوم، وهو قول الواحد من عشيرة للواحد من أخرى: يا خالي، إذا كانت أمه من هذه العشيرة.
ومن الأساطير والتزويرات في تاريخ لبنان عموماً، وفي تاريخ الأمير فخر الدين تحديداً، تنسيب فخر الدين إلى الفرنجة (الصليبيون)، وقد جاء ذلك أولاً في رسائل وتقارير رهبان المدرسة المارونية، وغيرهم من العاملين في الثلث الأول للقرن السابع عشر على إدخال فخر الدين في مشروع حملة أوروبية لإحتلال الأماكن المسيحية المقدّسة في فلسطين، وجاء في رسائل البابا المبنية على الرسائل والتقارير المذكورة وفي كتابات بعض المؤرّخين الأوروبيين. وهذا النسب المبتدع لفخر الدين المعني، على خلفية دينية واستعمارية، يعيده إلى غورفرو دي بويون، أول ملوك الفرنجة (الصليبيون) على مملكة بيت المقدس المؤسّسة في تموز 1099 بعد احتلال الفرنجة للقدس.

بعقلين القديمة في أواخر القرن التاسع عشر
بعقلين القديمة في أواخر القرن التاسع عشر

“الأمير فخر الدين عدناني قيسي نزح أجداده من نجد واستقروا في جبل السماق قبل انتقالــــهم إلى جبل لبنان”

فخر الدين المسلم الدرزي
الأمير فخر الدين درزي إبن درزي، لكنه أيضاً إرث وطني. وما الحديث هنا عن درزيته ودرزية أسرته المعنية إلا من قبيل ذكر الحقيقة التاريخية من ناحية، لأن هذا أخذ حيّزاً في كتابات بعض المؤرّخين المحليين والأجانب، ومن قبيل تبيان دوره ودور الموحِّدين (الدروز) في تكوين لبنان، وفي صنع تاريخه، من ناحية أخرى.
من الطبيعي أن يكون إعتناق المعنيين لمذهب التوحيد (مذهب الدروز) قد حصل إبّان وجودهم في جهات الجبل الأعلى (جبل السمّاق) قبل إنتقالهم إلى لبنان في سنة 1120م، ذلك أن الدعوة إلى مذهب التوحيد توقّفت في سنة 1047م، ولم يعد ممكناً الدخول فيه بعد هذه السنة. ومن الأدلة على درزية فخر الدين، ودرزية المعنيين، ما يلي:
1. إن بعقلين هي مكان ولادة فخر الدين في سنة 1572، ومركز إمارته في البداية، ودير القمر هي مركز إمارته بعد بعقلين. وكلا البلدتين مقّرا المعنيين منذ قدومهم إلى لبنان. وجداول الإحصاء العثمانية بين سنتي 1519، 1569 تظهر أن في بعقلين 119 متزوجاً وأعزباً جميعهم دروز، وأن في دير القمر 156 متزوجاً وأعزباً جميعهم من الدروز أيضاً. فهل يعقل أن يكون على بلدتي بعقلين ودير القمر المسكونتين بالدروز فقط، وعلى محيطهما المسكون بأكثرية درزية ساحقة، أمير غير درزي، مع الإشارة إلى أن الإحصاء المشار إليه متزامن مع نشأة قرقماس (والد فخر الدين) وفترة تسلمه الإمارة على الشوف.
2. إن والدة الأمير فخر الدين هي الأميرة نسب التنوخية، والتنوخيون غير مشكوك بدرزيتهم وحرصهم على التزاوج فقط مع الأسر الدرزية. يُضاف إلى ذلك أن جداول الإحصاء العثمانية التي ورد ذكرها تظهر أن في قريتهم عبيه 88 متزوجاً وأعزباً جميعهم دروز.
3. إن الوثائق العثمانية التي تعود إلى أواخر القرن السادس عشر، وإحداها مرسلة إلى والي دمشق بتاريخ 12 شباط 1585، تتكلم عن الأمير قرقماس (والد فخر الدين) فتقول: “إنه من طائفة الدروز مقدّم عاصٍ”4.

4. إن المحبّي المتوفّى سنة 1111هـ (1699م) يذكر عن فخر الدين أنه “إبن قرقماس بن معن الدرزي”5، كما إن المرادي المتوفي سنة 1206هـ (1791م) يذكر عن الأمير حسين إبن الأمير فخر الدين أنه “إبن قرقماس بن معن الدرزي”6.
5. إستمرار من تبقىّ من المعنيين، (المغيَّبين من التاريخ بناءً على مقولة إنقراض المعنيين في سنة 1697) في قرية إبل السقي, في الجنوب اللبناني، كانوا على مذهب التوحيد الدرزي حتى إنقراضهم في سنة 1963، تاركين في هذه القرية ما يذكّر بهم وبدرزيتهم، وهو الخلوة المعروفة بإسم “الخلوة المعنية”، واستمرار الوجود المعني (المغيّب من التاريخ أيضاً بناءً على المقولة المذكورة) ممثَّلاً بأسرة درزية تحمل إسم “آل معن” موجودة حتى اليوم في عرنة والريمة من سورية، وفي المعروفية وغريفه من لبنان7.
أخطأ بعض المؤرّخين في تحديد مذهب المعنيين، ومنهم طنّوس الشدياق الذي ذكر أنهم إسلام دون تحديد واضح لمذهبهم، بيد أننا نستشفّ من كلامه أنهم عنده على مذهب إسلامي غير المذهب الدرزي، لأنه قال عن التنوخيين وآل العماد وآل نكد وآل تلحوق وآل عبد الملك وآل حصن الدين إنهم دروز، وذلك في كتابه “اخبار الأعيان في جبل لبنان”. وفي قوله إن المعنيين إسلام وإن الأسر التي ورد ذكرها درزية، تمييز للدروز عن سائر المسلمين وجعلهم غير مسلمين، في الوقت الذي يعتبرون أنفسهم ويعتبرهم سائر المسلمين، مسلمين . فالمعنيون مسلمون دروز، وفخر الدين هو أمير مسلم درزي.
ومن غرائب الأمور أن تتلازم أسطورة النسب الفرنجي لفخر الدين، التي ورد ذكرها، مع أسطورة دينه المسيحي الذي كان له في الأصل، بناءً عليها، وقد تخلّى أجداده الفرنجة عن هذا الدين بعد هزيمتهم في حطّين سنة 1187م، ولجوئهم إلى الجبال وعيشهم في وسط درزي. ثم إن مؤدلجي التاريخ إبتدعوا أسطورة عودة فخر الدين إلى المسيحية، بتنصّره في سنة 1633، وبوجود صليب في صدره عند إعدامه سنة 1635(!)
وإذا كانت درزية فخر الدين حقيقة لاشك فيها، فإن هناك حقيقة أخرى ملازمة لها، تكمن في نهجه، وهو أنه كان مسلماً درزياً متسامحاً لا يمّيز بين أتباع الطوائف والمذاهب داخل إمارته، وكان متجاوزاً الحدود الطائفية والمذهبية والمناطقية والقواعد الموضوعة في التعاطي بين أتباع المذاهب، وهو لم يحصر نفسه في الإطار التقليدي الذي حصر فيه انفسهم – قبله وبعده- العديد من الزعماء الدروز، فكان هذا مبعثاً لعظمته وانتشار نفوذه. وهو أيضاً لم يجار السواد الأعظم من قومه المحافظين الذين يشدّدون على حصر التزاوح فقط بين المسلمين الدروز، بل تزوّج وزوّج أبناءه من سائر المسلمين، وتعاطى في موضوع الزواج من زاوية المصلحة الشخصية والسياسية. وقد عُرف عن أجداده تزاوجهم مع حلفائهم الأمراء الشهابيين، لكنه هو تزاوج مع آل سيفا وآل حرفوش إضافة إلى الشهابيين، وذلك لتعزيز شبكة التحالفات التي أنشأها لتقوية وضعيه السياسي والعسكري.

“أكبر عملية تزوير أرجعت نسب فخر الدين إلى الصليبيين وزعمت تنصره مجدداً وأدخلته ضمن مشروع حملة أوروبية لإحتلال الأماكن المسيحــــية المقدّسة في فلسطين”

خطأ مقولة نشأة فخر الدين في كسروان
حين كان فخر الدين في الثالثة عشرة من عمره، قدمت في سنة 1585 حملة والي مصر العثماني إبراهيم باشا (وهو بالطبع غير إبراهيم باشا المصري) إلى جبل لبنان لإحكام السيطرة العثمانية عليه، وتحصيل الضرائب التي امتنع الدروز عن أدائها كونها باهظة لا قدرة لهم على دفعها، وجمع البنادق الحربية التي إمتلكوها وكانت أطول من بنادق الجيش العثماني. وما قيل عن أن سبب هذه الحملة هو حادثة جون عكار، حيث جرى سلب الأموال المرسلة من مصر إلى خزينة السلطان العثماني في الآستانة، ما هو إلا زعم أثبتت بطلانه الوقائع التاريخية.
نتج عن هذه الحملة مقتل خمسمائة أو ستمائة شيخ درزي غدراً في معسكر إبراهيم باشا في عين صوفر، جاؤوا لمقابلته والتفاوض معه، كما نتج عنها تدمير وإحراق ونهب قرى جبل لبنان الجنوبي، وخصوصاً تلك القريبة من عين صوفر، وموت الأمير قرقماس (والد فخر الدين) في قلعة شقيف تيرون (قلعة نيحا) بعد أن رفض المثول أمام القائد العثماني خوفاً من غدره، وفضّل الإلتجاء إلى القلعة والإحتماء بها. فتسلّم الإمارة المعنية بعده أخو زوجته نسب، الأمير سيف الدين التنوخي، مقابل مبلغ من المال قدّمه للقائد العثماني, وقسّم إقامته بين عبيه مركز إمارته، وبعقلين مركز إمارة صهره قرقماس. وقد ذكر البطريرك إسطفان الدويهي (1630- 1704) أن الأمير سيف الدين التنوخي “أخذ إلى عنده للشوف إبني شقيقته الأميرين فخر الدين ويونس. وبعد ست سنوات، رجع إلى عبيه في الغرب وولّى الأمير فخر الدين على الشوف”8.
من هذا الكلام الصادر عن مؤرّخ قريب للحدث نستنتج أن فخر الدين وأخاه عاشا في كنف خالهما الأمير سيف الدين التنوخي، وتحت رعاية والدتهما الأميرة نسب، إلا أن هناك أدلجة للتاريخ، بإختلاق مقولة نشأتهما في كسروان، وبحسب الرواية الخازنية، عند آل الخازن في بلّونة حيث تربيا هناك، وأول من أورد المقولة المختلقة هو المؤرّخ الإيطالي جيوفاني ماريتي الذي ذكرها في كتابه: “تاريخ الأمير فخر الدين”9. وتبنّاها القسّ حنانيّا المنيّر في كتابه: “ الدر المرصوف في تاريخ الشوف”10. وحذا حذوه طنوّس الشدياق في كتابه: “ أخبار الأعيان في جبل لبنان”11. وتبنّى مؤّرخون كثيرون، معظمهم موارنة، هذه الرواية على خلفية سياسية وطائفية مفادها ان الأمير الدرزي فخر الدين نشأ في بيئة كسروانية خازنية، وبيئة ثقافية مارونية. وهذا ما أرسى في نظرهم لعلاقة مستقبلية بينه وبين آل الخازن، وأعاد للموارنة فضل تنشئة أكبر حاكم عرفه لبنان، وفضل خلق صفة التسامح عنده مع النصارى من قبيل ردِّ الجميل لمن ربوّه.
إن كل ما ورد عن نشأة فخر الدين في كسروان مختلق وغامض، ومليء بالتناقضات والأخطاء، وبالإختلافات بين أسماء المربّين المزعومين لفخر الدين. ومن الإختلافات، مثلاً جعل الحاج كيوان مربّياً للأمير فيما لم يعرفه الأمير إلا بعد تسلّمه الإمارة، وقد جعلته الرواية المختلقة مسيحياً من أسرة نعمة ضو المارونية التي توطّنت دير القمر فيما هو مسلم حجَّ مرتين، ومن الإنكشارية، ومن خارج لبنان. ويكفي للدلالة على إختلاق هذه الرواية ما ذكره البطريرك الدويهي ووردت الإشارة إليه، وهو أنه أتى بإبني شقيقته منذ سنة 1585 إلى الشوف. ثم إن مؤرّخ تاريخ الأمير فخر الدين (الشيخ الخالدي الصفدي) لم يشر إلى شيء مما تضمنته، وإن طبيبه الأب روجيه الذي ألف كتاباً إسمه “فخر الدين أمير لبنان” لم يشر إلى ذلك. كما إن المؤرّخ الفرنسي لوران دارڤيو الذي أقام في الشرق وزار صيدا سنة 1658، ومكث فيها اكثر من سبع سنوات، قال في مذكراته إن فخر الدين عاش في كنف خاله حتى أصبح مؤهّلاً أن يحكم بنفسه.12
تجدر الإشارة أخيراً إلى أن المقولة الخاطئة عن لجوء فخر الدين إلى كسروان متخفياً، وبقاءه فيها مختبئاً عن أعين العثمانيين، تخالف مقولة أكيدة، وحقيقة مسلّماً بها، وهي تسلّم خاله سيف الدين التنوخي الإمارة المعنية، وحفاظه عليها مدة خمس سنوات، وتجعل هذا الأمير الذي حكم الشوف والغرب عاجزاً عن حماية إبني شقيقته، وهذا من المسائل التي تثير الدهشة، ولا يقبلها عقل راجح.

بطريرك ماروني -إلى اليسار- وأحد رجال الدين الموارنة في عهد فخر الدين
بطريرك ماروني -إلى اليسار- وأحد رجال الدين الموارنة في عهد فخر الدين

تسلّم الإمارة وأسس بنائها
عاش فخر الدين بعد موت والده ست سنوات في كنف والدته الأميرة نسب، وخاله الأمير سيف الدين التنوخي. تعلّم الصبر والإيمان والحكمة من والدته التي ظلّت طوال حياتها مواكبةً له، ومرشدة في القضايا المهمة والمصيرية. وتعلّم من خاله إدارة شؤون الحكم، وكيفية التعاطي مع الولاة والقادة العثمانيين، حتى إذا كبر وتسلّم الإمارة في سن الثامنة عشرة، كان بفضل هذه الخبرة التي إكتسبها، وبفضل مهاراته الذاتية، مؤهّلاً للقيادة، ولتسيير شؤون الإمارة، ولإنطلاقة موفّقة في مسيرته الطويلة الناجحة.
بعض المراجع ذكر أن المعنيين أقاموا بعد قدومهم إلى لبنان في دير القمر أولاً، وبعضها الآخر ذكر أنهم أقاموا أولاً في بعقلين، ما جعل هاتين البلدتين مقرّ المعنيين في الشوف، وما جعل المعنيين فرعين، أشهرهما وأهمهما الفرع المقيم في بعقلين. وبعد أن توفي الأمير قرقماس لم يبقَ من المعنيين في الشوف سوى ولديه: فخر الدين ويونس، ذلك أن سائر الأمراء المعنيين تركوا الشوف عند قدوم حملة إبراهيم باشا سنة 1585، وأقاموا في إبل السقي في جنوب لبنان، ومنهم تحدّر المعنيون المعروفون بإسم آل علم الدين المعنيين. وبناءً على ذلك ورث فخر الدين وأخوه البيت المعني في بعقلين، والبيت المعني في دير القمر.
حين جاء فخر الدين من عبيه إلى الشوف لتسلّم الإمارة لاقاه أنصاره من القيسيين في السمقانية، وحوربوا له بهتافهم المعهود، وساروا معه إلى بعقلين، حيث بدأ حكمه فيها، واتخذها مقراً له. لكنه في سنة 1613، وقبل سفره إلى أوروبا، أمر أخاه يونس أن يقيم في دير القمر ويتولّى الأحكام فيها. وبعد أن عاد من أوروبا سنة 1618 إتخذ دير القمر مقرّاً له، لأنها كانت في ايامه أكبر من بعقلين، ولوقوعها على طريق رئيسة تنطلق من ساحل الدامور نحو البقاع، ولأن فيها نبع “الشالوط” الغزير نسبياً، الذي يؤمّن حاجة المقيمين فيها، فيما تفتقر بعقلين إلى المياه، إذ إن نهرها بعيد عنها، وليس فيها سوى عيون شحيحة أقربها “عنج النحلة” وعين حزّور” وهي تعوّض عن قلة المياه بالآبار.
إن البيت الذي وُلد فيه فخر الدين في بعقلين كان المقرَّ الأول لإمارته، ومقر إمارة ابيه وأجداده، وقد ظل قائماً إلى أواسط القرن العشرين، حين أزيل في أواخر عهد رئيس الجمهورية بشارة الخوري، لتوسيع الشارع الرئيس وسط البلدة. ولو أبقي عليه لكان معلماً يشير إلى وجود المعنيين في بلدةٍ هي مهدهم، ولكان مع التمثال الذي أقيم لفخر الدين على مسافة قريبة منه في باحة المكتبة الوطنية (سراي بعقلين سابقاً) معلمين أثريين يضافان إلى معالم بعقلين الأثرية، ومنها آثار معنية. وفي الواقع إن الحفاظ على بيت فخر الدين كان ضرورة تاريخية تراثية حتى لو اقتضى الأمر تحوير الطريق، وهدم عشرات البيوت بدلاً عنه، ودفع المبالغ الباهظة.
منذ أن تسلّم فخر الدين الحكم وهو في سن الثامنة عشرة أبدى مقدرةً في تسيير شؤون الإمارة، كانت تزداد مع تمرّسه بها، ومع مواجهته للتحدّيات المتتابعة. كان رجلاً طموحاً، ومستنيراً، وذكياً حكيماً يتقن فن السياسة وفن الحرب، ولا يتورّع عند الحاجة عن إستعمال أساليب عصره في المناورة والمداهنة والمؤامرة. عمل على توسيع إمارته وتقويتها والنهوض بها في شتّى المجالات، معتمداً الأساليب التالية:
– توحيد سكان الإمارة، لأن الوحدة بين مكوّناتها هي الأساس في بنائها والنهوض بها، وتحصينها ضد العوامل الخارجية.
– بناء جيش قوي جعله فخر الدين من عناصر وطنية، ومن المرتزقة السكمان، أو السكبان، تراوح عدده تبعاً لتوسَع مناطق نفوذه وشبكة تحالفاته. وقد وضع بعضه في القلاع، وزوّده بالأسلحة الحديثة بما في ذلك بعض المدافع.
– النهوض بالزراعة والصناعة، والتوسّع في العلاقات التجارية مع الخارج.
– ضبط الأمور الإدارية والمالية مما سهّل تنظيم الضرائب وجبايتها، ودفع المترتّب منها للدولة العثمانية دون تأخير، كما ساعد على منح الآستانة للأمير المزيد من الإلتزامات داخل لبنان وخارجه، وعلى سكوتها عن توسّعه.
– تحاشي الإصطدام مع الدولة العثمانية، والمحافظة على إنتظام العلاقات معها ، وتوسيع الإمارة وتقويتها دون إغضابها .

خارطة إمارة فخر الدين في أقصى توسعها
خارطة إمارة فخر الدين في أقصى توسعها

توحيد السكان
لم يكن المعنيون يمنيين ثم تزعموا القيسيين كما جاء في بعض المراجع، وإنما هم في الأصل قيسيون، وزعماء القيسيين في جبل لبنان، ومن أبيات الحداء المتقادمة التي كانت تُنشد في أيامهم، وتؤكّد قيسيتهم، البيتان التاليان:
نــــــــحنـــــــــــــــا عـــزاز بــــــــــحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بــــــــــــــــــــــــالحــــــــــــــــرب صــعـــــــــــــــــــــــب مــــــــنــــــــــــــــــــالنــــــــــــــــــــــــا
مــــــــــــــــــــن بيــــــــــــــــــــت قيــــــــــــــــــــــس ســيوفنــــــــــــــــــــا ومــــــــــــــــــــن بيــــــــــــــــــــت معـــــــــــــــــــــــن رجــــــــــــــــــــالنــــــــــــــــــــا
كان هذان البيتان من حداء القيسيين وهم يتأهبون للحرب، أو يذهبون إليها. وكان هتافهم “الهوبرة” التي هي، لفظة “هو البار” أي هو الباري بمعنى هو الله. وكان شعارهم الموضوع على علمهم الأحمر اللون: السوسن، أما هتاف اليمنيين فكان “يا المعروف” وأصلها: يا آل معروف، وهذه اللفظة هي لقب الموحِّدين (الدروز) المحبّب إليهم. وكان شعار اليمنيين الموضوع على علمهم الأبيض: زهرة الخشخاش. وقد أراد فخر الدين أن يوحّد أتباع الحزبين: القيسي واليمني، ومما فعله في هذا الصدد الجمع في علمه بين لوني علميهما: الأحمر والأبيض.
ظهرت ملامح غرضية جديدة في عهد فخر الدين، كانت جذور الغرضية اليزبكية- الجنبلاطية. وهذه الملامح نجدها في النزاع الذي نشأ بين الشيخ يزبك إبن عبد العفيف جد آل العماد، والشيخ جنبلاط. لكن فخر الدين سجن الشيخ جنبلاط في قلعة شقيف أرنون، وأنصف خصمه الشيخ يزبك، وأعطاه حكم بلاد صفد سنة، وبلاد بشاره سنة13. فلم يقوَ شأن هاتين الغرضيتين في أيامه، وإنما عاد وقوي شأنها في العهد الشهابي في صفوف القيسيين بعد نهاية الغرضية اليمنية.
وكما عمل فخر الدين على الجمع بين أتباع الغرضيتين: القيسية واليمنية لتوحيد سكان الإمارة، هكذا عمل على الجمع بين أبناء المناطق المختلفة، وأبناء الطوائف والمذاهب المتعدّدة. وقد كان له من تراثه الدرزي ذي الجذور الإسلامية ما يساعده على ذلك، إذ إن الدروز يتصفون بالتسامح السياسي والإجتماعي، ولا يعملون في المجال الديني على زيادة أعدادهم، لأن مذهبهم ليس مذهباً تبشيرياً كسائر المذاهب الدينية. وقد تجاوز فخر الدين الإطار الضيّق، الذي حصر فيه أنفسهم الكثير من الزعماء التقليديين الدروز، إلى الإطار الإسلامي الواسع الذي هو الإطار الطبيعي للدروز.
رأى فخر الدين أن العنصر المسلم الدرزي، الذي يشكّل الأكثرية الساحقة من سكان جبل لبنان الجنوبي بحاجة إلى عنصري الإدارة والعمل المتوافرين عند مسيحيي جبل لبنان الشمالي، فشجّع إنتقالهم إلى المتن والجرد والغرب والشوف، كما إنتقل إلى هذه المناطق نازحون مسيحيون من حوران وشمال سورية. وقد إستفاد فخر الدين من خبرتهم في الإدارة، ومن أيديهم العاملة والمهنية في إحياء الأرض الموات، وزيادة المساحة الزراعية وحسن إستغلالها، وفي تأمين حاجات الدروز إلى الحرف الضرورية يوم كانوا منصرفين إلى القتال والتمرّس بفنون الفروسية.
من الخطأ النظر إلى ما قام به فخر الدين من زاوية الإضطرار إلى تلبية حاجة المجتمع الدرزي إلى الأيدي العاملة والحرفية، فقط، بل إن ما قام به كان أيضاً من قبيل التسامح، ذلك أنه لم يتقيّد في معاملة المسيحيين بما كان معمولاً به آنذاك، وهو أن يسيروا إلى يسار المسلم، ولا يركبوا الخيل بسروج، وأن يلبسوا ما يميّزهم عن المسلمين. وفي هذا الصدد يقول البطريرك إسطفان الدويهي ما يلي:
“وفي دولة الأمير فخر الدين إرتفع رأس النصارى لأن أغلب عسكره كانوا نصارى وكواخية وخدامة موارنة. فصاروا يركبون الخيل بسروج ويلفّون شاشات وخرور ويلبسون طوامين وزنانير مسقّطه ويحملون البندق والقفاص المجوهرة. وفي أيامه تعمرّت الكنايس في بكفيا والعربانية وبشعله وكفرزينا وكفرحلتا، وقدموا المرسلين من بلاد الفرنج وأخذوا السكنة في البلاد”14.
ومن وجوه معاملة فخر الدين الحسنة للنصارى إعطاؤهم قرية مجدل معوش في الشوف، التي إشتراها إبنه علي من أهلها السنّة، والسماح للبطريرك يوحنا مخلوف الإهدني الماروني بالسكن فيها وبناء دار وكنيسة. وقد بلغت أخبار معاملة فخر الدين الحسنة للنصارى البابا بولس الخامس فكتب في 16 كانون الثاني 1609 إلى الأمير يشكر له عطفه على المسيحيين، خاصة الموارنة وما أتاه أخيراً في سبيلهم، “ وحثه ثانياً وثالثاً أن يواصل رعايته لأولاده المسيحيين وخاصة الموارنة”15.
قبل فخر الدين بعدة قرون كان النصارى جيران أجداد الموحِّدين الدروز، ثم جيرانهم في بدايات توّطن الفريقين لبنان: النصارى – وهم الأسبق بقليل إلى سكن لبنان– يقيمون في كسروان الذي كان يمتدُّ جنوباً حتى نهر بيروت، وأجداد الموحِّدين الدروز يقيمون إلى الجنوب منهم. وقد نشّبت بين الفريقين المواقع التي أّدّت إلى إنكفاء النصارى بإتجاه الشمال، وبعد ذلك إنحصر وجودهم في جبل لبنان الشمالي. وفي إستقدام فخر الدين لهم إلى جبل لبنان الجنوبي، وتشجيعهم على النزوح إليه، هو طيٌّ لصفحة العداء الذي إستمر من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ونقلٌ لصيغة المجاورة بالسكن إلى صيغة العيش الدرزي النصراني المشترك، التي قامت عليها لقرون الثنائية السياسية الدرزية النصرانية، وخصوصاً المارونية. وهذا العيش المشترك حصل في جبل لبنان الجنوبي الذي يحمل إسم “جبل الدروز” لأن الأكثرية الساحقة من سكانه حتى القرن الثامن عشر كانت من الموحِّدين (الدروز). وبالتقاء هذين المكوّنين الرئيسين لجبل لبنان وُضعت أسس كيان لبنان الذي ستلتقي فيه معهما سائر المكوّنات، وقد إستمّرا في العيش معاً، وفي قرى مختلطة، بالرغم من حصول الأزمات والفتن بينهما، مما يدلُّ على أن قدرهما ومصلحتهما أن يعيشا معاً.

شجرة أمراء آل معن

“فخر الدين وشقيقه يونس كانا في رعاية خالهما الأمير سيف الدين التنوخي خلال حملة التأديب العثمانية وقصة تعهدهما من آل الخازن في بلونة مختلقة بالكامل”

التوسّع الذي تجاوز الحدود
تقترن أهمية الإمارة المعنية، منذ قيامها في الربع الأول من القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهايتها في سنة 1697، بإسم الأمير فخر الدين، ولولاه لكانت محدودة الأثر والدور، فبه كبرت، وبنهايته ضعفت، ثم ما لبثت أن إنتهت بعد 62 سنة من موته. لقد توسّعت في عهده وتجاوزت حدودها السابقة حتى شملت كل أراضي لبنان اليوم، كما تجاوزت حدود لبنان إلى محيطه فشملت قسماً كبيراً من بلاد الشام.
كانت الإمارة المعنية، عند تسلّم فخر الدين لها، تشتمل فقط على الشوف، أو ما يُعرف آنذاك بالشوف المعني الذي هو جزء من جبل صيدا. وكان شوف إبن معن يشتمل في أواخر العهد المملوكي، وأوائل العهد العثماني، على الشوف الشويزاني (السويجاني) والشوف الحيطي. وتبعاً لذلك كان فخر الدين واحداً من أمراء المقاطعات التي يتشكّل منها لبنان وفق النظام الإقطاعي الذي ورثه العثمانيون عن المماليك. وكانت خريطة الإقطاع تضم، بالإضافة إليه، أمراء عديدين، هم الأمراء البحتريون التنوخيون، والأرسلانيون في “الغرب”. و آل علم الدين في “الجرد”. و آل عسّاف في كسروان. وبنو سيفا في عكار وطرابلس، ثم في كسروان وبيروت بعد أن قضى يوسف باشا سيفا على الأمير محمد عسّاف سنة 1590. وآل حرفوش في البقاع الشمالي. وآل فريخ في البقاع الأوسط. وآل شهاب في وادي التيم. وآل الصغير في بلاد بشاره من جبل عامل. وكان أخطر هؤلاء على فخر الدين، جاراه اليمنيان يوسف باشا سيفا ومنصور إبن الفريخ.
إعتمد فخر الدين في توسّعه، وفي نزاعاته مع خصومه، على التحالفات مع أمراء المقاطعات وحكامها، ومنها تحالفه الدائم مع الشهابيين أمراء وادي التيم، وهو إستمرار للتحالف التاريخي الذي نشأ بين الأسرتين: المعنية والشهابية منذ توطنهما لبنان. ومن التحالفات تحالفه مع آل حرفوش ضد آل فريخ وآل سيفا، وتحالفه مع علي باشا جانبولاد ضد آل سيفا، وتحالفه مع بعض أمراء القبائل العربية مثل الأمير مدلج الحيارى، والأمير أحمد قانصو، والشيخ حسين بن عمرو، والشيخ أحمد الكتّاني.
تقرّب فخر الدين من والي دمشق مراد باشا القبّوجي بالهدايا والزيارات، فأعاد الوالي إليه سنة 1592 صيدا التي كانت للمعنيين، وإستدرج عدوّه منصور إبن الفريخ إلى دمشق وقتله، وأوعز إلى فخر الدين محاربة إبنه قرقماس المقيم في بوارج، الذي كثرت تعدّياته في البقاع، فهاجمه مع حليفه يونس حرفوش وعرب المفارجة وآل قانصو، ثم قضى عليه، وتقاسم أملاكه في البقاع مع إبن حرفوش. وكان القضاء على إبن الفريخ يفيده من أجل تسهيل الإتصال مع حلفائه الشهابيين في وادي التيم وحلفائه آل حرفوش في بعلبك، وإيجاد الأمن الضروري للمزارعين من جبل لبنان لإستثمار أراضي البقاع الأوسط.
ورث فخر الدين عن أسرته العداء مع آل سيفا، وكان صراعه معهم أطول الصراعات مع الأسر الإقطاعية خارج جبل لبنان الجنوبي، وقد إستمر من تاريخ تولّيه الإمارة حتى قرابة تاريخ نهايتها. ولم يُجدِ تصاهره معهم في وضع حد لهذا العداء الذي تعدّدت أسبابه ومنها التجاور في الممتلكات، والصراع على النفوذ، وإختلاف الغرضية التي هي يمنية عند آل سيفا وقيسية عند المعنيين.
قضى يوسف باشا سيفا على حليف المعنيين، الأمير عسّاف، في سنة 1590، وضمّ بيروت وكسروان إليه، فصار بذلك على حدود الإمارة المعنية، ويشكّل خطراً عليها. ثم إنه وأسرته إستقبلوا قرقماس إبن الفريخ عندما هاجمه فخر الدين، وحموه. فعزم فخر الدين على محاربته، وهاجمه مع حليفه موسى حرفوش سنة 1598، وإنتصر عليه في موقعة نهر الكلب، وأخذ منه بيروت وكسروان، ثم أعادهما إليه في السنة التالية بعد توسّط إبن خاله الأمير محمد جمال الدين أرسلان الذي تجمعه الصداقة والغرضية اليمنية مع آل سيفا. لكن النزاع عاد وتجدّد بينهما بسبب إعتداءات يوسف باشا سيفا على حلفاء فخر الدين (مقدمي جاج والحرافشة)، فهاجمه فخر الدين في جونية سنة 1605 وإنتصر عليه، وضمَّ بيروت وكسروان نهائياً إليه.
آنذاك برز علي باشا جانبولاد الذي شقّ عصا الطاعة على الدولة العثمانية لقتلها عمه حسين باشا، وتسلّم ولاية حلب، وتحالف مع فخر الدين لمحاربة يوسف باشا سيفا الذي يفصل بين أراضيهما بسبب سيطرته على عكار وطرابلس، والذي عرض مساعدته على الدولة العثمانية للقضاء على إبن جانبولاد مقابل إعطائه الإمارة على عسكر الشام. وقد تمكن فخر الدين وعلي باشا جانبولاد من إخراجه من طرابلس، وتبعاه إلى دمشق، ثم هزماه في موقعة عرّاد في تشرين الأول 1606. وفيما عاد فخر الدين إلى الشوف أكمل علي باشا ملاحقته لإبن سيفا، ثم تصالح معه، وتابع ثورته إلى أن قضى عليها الصدر الأعظم مراد باشا القبّوجي، واستولى على حلب. خشي فخر الدين إقتصاص مراد باشا منه، فأرسل إليه، وهو في حلب، ولده عليّاً البالغ من العمر تسع سنوات، مصحوباً بكتخداه مصطفى وبالهدايا. فقبل مراد باشا شفاعة الكتخدا ورضي عن فخر الدين، وجدّد له بإسم ولده علي سنجقيات صيدا وبيروت وغزير مقابل دفع ثلاثمائة الف غرش للسلطان العثماني.
إستمر العداء بين فخر الدين وآل سيفا، وتمظهر إبّان حملة والي دمشق حافظ باشا على فخر الدين سنة 1613، بإنضمام آل سيفا إلى حافظ باشا، ومهاجمة حسين، إبن يوسف باشا، دير القمر، وإحراق بعض بيوتها. وبعد عودة فخر الدين من أوروبا سنة 1618، هاجم في هذه السنة عكار، وهدم قصور آل سيفا فيها إنتقاماً منهم لما فعلوه أثناء غيابه، ونقل بعض حجارتها –وهي صفراء اللون- إلى دير القمر. ومما قاله في هذا الصدد أبياتاً زجلية تتناول ذلك، وتشير إلى تعيير آل سيفا له بقصر القامة، وإفتخارهم بطول قاماتهم، وهي التالية:
نحنــا زغـار وبـعين الـعـدو كبـــــار
إنتو خشب حور ونحنا للخشب منشار
بــحـق زمـزم وطيبه والنبي المختار
ما بـعمـّر الديـــر إلا من حجر عكّار
كافأ والي طرابلس فخر الدين، بعد إنتصاره على إبن سيفا، بمنحه إلتزام مقاطعتي البترون وجبيل اللتين كانتا لإبن سيفا، ثم أعطاه بعد إنتصاره الآخر على إبن سيفا سنة 1621 إلتزام مناطق عكار والضّنية وجبّة بشرّي والبترون وجبيل. ونال في سنة 1627 إيالة طرابلس بإسم ولده حسين إبن زوجته التي هي إبنة الأمير علي سيفا شقيق يوسف باشا سيفا.
أخذ فخر الدين مقاطعة يونس حرفوش، بعد أن وقف هذا وعمر إبن سيفا ضدّه في موقعة عنجر التي إنتصر فيها على والي دمشق مصطفى باشا، في تشرين الثاني 1623، وهذه الموقعة هي أهم المواقع التي خاضها، بل هي أهم موقعة خاضها أمير من لبنان في العصر الوسيط والحديث. لقد إجتمع مع مصطفى باشا رجال إبن سيفا وإبن حرفوش فبلغوا إثني عشر ألف مقاتل، فيما كان مع فخر الدين من رجال الشوف والجرد والغرب والمتن أربعة آلاف تمركزوا بقيادته في قب الياس، إضافة إلى ألف من رجال حليفه إبن شهاب أمير وادي التيم،سبقوه إلى عنجر، مدخل لبنان الشرقي من ناحية ودمشق. وحين وصل جيش الوالي إلى عنجر، إشتبك مع رجال إبن شهاب فيما كان فخر الدين يجتاز بفرسانه السهل الواقع بين قب الياس وعنجر. ودارت المعركة على أعدائه، ووقع مصطفى باشاً أسيراً بيد رجاله، لكنه ترجّل عن فرسه، وقبّل ذيل أثوابه إحتراماً لموقعه، ورافقه مكرّماً إلى بعلبك، وأشركه في الغنائم، ما جعل الباشا يصبّ جام عضبه على إبن حرفوش وإبن سيفا اللذين ورّطاه في هذا المأزق.
صار لفخر الدين بإسمه وبإسم أبنائه مقاطعات من لبنان، هي كسروان وجبيل والبترون وبشرّي والضّنية وعكار والبقاع البعلبكي والبقاع العزيزي، ومدن بيروت وصيدا وطرابلس. وكان سبق له أن تملّك صور وسلّمها إلى أخيه يونس الذي بنى فيها قصراً شبيهاً بالقلعة، وأخذ قلعة شقيف أرنون وبلاد بشاره من جبل عامل، وبهذا يكون أول أمير معني يبسط نفوذه على جبل عامل. وبضمّه هذه المناطق إلى ما كان معه من مقاطعات يكون قد سيطر على جميع الأراضي التي يتكوّن منها لبنان اليوم.
أما توسّع فخر الدين خارج لبنان، فقد بدأ بضم صفد وعجلون وبانياس سنة 1603. ثم صار له في تواريخ مختلفة، عجلون وغزّة ونابلس والجولان وحوران. وبفضل إمتداد نفوذه إلى حوران أنقذ دمشق من المجاعة في سنة 1624، بتزويدها بمئات أحمال الجمال من الحنطة الحورانية.
جرى توسّع فخر الدين على مراحل، وفي فترتين زمنيتين، هما قبل سفره إلى أوروبا سنة 1613، وبعد عودته منها سنة 1618. وكان يحسن إلتقاط اللحظات التاريخية، وإستغلال الفرص التي سنحت له إبّان ضعف ولاة الدولة العثمانية المجاورين له، وإنشغال الدولة بحروبها مع المجر والعجم، ومعالجتها للإضطرابات الداخلية التي أثارتها الإنكشارية، وكانت آنذاك بحاجة ماسة إلى الأموال المترتبة على ولاياتها، ووصولها إليها كاملة في أوقاتها المحدّدة، ومن مصلحتها الحيوية تلزيم القادرين على ذلك، وفي طليعتهم فخر الدين. وقد إستطاع فخر الدين أن يقوم بهذا بكل جدارة ودون تأخير، وأن يملأ نقاط الضعف والفراغ في المناطق المحيطة به، في لبنان وخارجه، بما توفّر لديه من فائض القوة.
كان بوسع فخر الدين، قبل سفره إلى أوروبا سنة 1613 ،أن يجنّد من رعاياه عشرة آلاف رجل وخمسمائة فارس. وبعد عودته منها، وبعد توسّعه وضمّه المقاطعات التي ورد ذكرها، أصبح بإمكانه أن يعدَّ للقتال خمسة وعشرين ألفاً، وكان ينشط ليبلغ جيشه الثلاثين ألفاً حسبما تذكر التقارير والمصادر الأجنبية. وهذا عدد ضخم بالنسبة إلى عدد سكان لبنان آنذاك. وكان عدد السكبان الذين جنّدهم في جيشه الف وخمسمائة رجل أخلصوا له، وإستبسلوا في الدفاع عن القلاع التي تولّوا حمايتها، والتي وضع في بعضها المدافع. وبعد أن كان له عند تسلّمه الإمارة قلعة شقيف تيرون فقط، صار له في ذروة توسّعه القلاع المهمة التالية:
في لبنان: قلعة شقيف تيرون – قلعة شقيف أرنون – قلعة صيدا- قلعة أبي الحسن- قلعة سمار جبيل – قلعة المسيلحة – قلعة القليعات – قلعة طرابلس – قلعة تبنين – قلعة صور.
في سورية: قلعة بانياس الواقعة جنوب سورية – حصن الأكراد – قلعة المرقب- قلعة صافيتا- قلعة صرخد (صلخد) – قلعة مصياف- قلعة تدمر، وهي معروفة بقلعة ابن معن.

سهل عنجر حيث انتصرت قوات فخر الجين على جيش مصطفى باشا الوالي العثماني
سهل عنجر حيث انتصرت قوات فخر الجين على جيش مصطفى باشا الوالي العثماني

في شرق الأردن: قلعة كرك الشوبك16.
ولمعرفة كيفية حكم فخر الدين للمناطق التي آلت إلى عهدته، وأوضاعها، نأخذ كمثالٍ ما قاله مؤرّخه الشيخ أحمد الخالدي الصفدي الذي وصف ما ألمَّ بصفد من محن ومصائب وخراب قبل تسلّم فخر الدين لها، وما آل اليه وضعها في ايامه فقال:
“مّن الله عليهم [الصفديين] بدولة مؤيّدة، ونعمة مخلّدة،ألا وهي الدولة المعنية التي هي بإمتثال الشرع معنية، وولّى عليها من هو فخر الدين وعماد للمساكين وكهف للمرتجين ومدد للملتجين، الأمير الجليل بلا الباس المعظّم قدره عند الله وعند الناس الأمير فخر الدين … دفع الله عنه كل بلية وحرسه من الشيطان بكرة وعشية. فآمنت به الطرقات. ونجت به النفوس من الهلكات. وإنقطعت بها آثار اللصوص الذين كانوا ينصبون لأذى المسلمين فيها الشصوص وعمرت البلاد. ورجع من كان نزح منها من العباد. وساد العدل في الرعية. ورضيت بأقواله وأفعاله البرية. واتى كل غريب إلى وطنه ومسقط رأسه ومحل سكنه لما نزل على تلك الأراضي من العدل والإنصاف. وزال بسببه هشيم الجور والإعتساف…” 17 كما ان ابنه علي لم يكلف أهالي صفد شيئاً من المترتب عليهم عند إشتداد الغلاء سنة 1621.
إن حكم فخر الدين للمناطق التي يتشكّل منها لبنان اليوم، بعد ضمّه ما لم يكن أصلاً تابعاً للمعنيين، حمل بعض المؤرّخين على إعتباره مؤسس الكيان اللبناني. وهذا يستدعي طرح الأسئلة التالية: هل كان فخر الدين يرمي إلى ذلك؟ وهل كان هناك كيان سابق بإسم لبنان أعاد فخر الدين بناءه؟ ام أنه هو الذي أسس كيان لبنان الحديث؟
إن معظم ما سيطر عليه فخر الدين يتوافق مع حدود لبنان الحاضرة. لكنه لم يكن هناك كيان إسمه “لبنان” لأن لبنان، ككيان سياسي وإداري، لم يكن له وجود بلفظته تلك قبل فخر الدين، وفي عهده، وبعده بقرنين من الزمن. وهو لم ينشأ مصغّراً إلا في سنة 1861 بإسمً متصرفية جبل لبنانَ، أو ما عُرف بعد ذلك بإسم “لبنان الصغير”، ثم نشأ مكبّراً في سنة 1920 بإسم (دولة لبنان الكبير). يُضاف إلى ذلك التسميات المختلفة التي أُعطيت للمناطق اللبنانية في التقسيمات الإدارية التي أحدثتها الدول التي سيطرت على لبنان عبر تاريخه.
وإذا كان البعض يعيدون جذور الكيان اللبناني إلى فينيقيا القديمة، فإن لفينيقيا تسميات عدة، وحدوداً مختلفة تبعاً لإختلاف التقسيمات الجغرافية والإدارية مع الزمن. فهناك فينيقيا التي سّماها البعض “فينيقيا اللبنانية”، وهي تشمل المدن الساحلية الممتدة من أرواد شمالاً إلى صور جنوباً. وهناك “فينيقيا السورية” التي هي الولاية الجنوبية لسورية، التي تشمل المدن الساحلية والبقاع، حسب التقسيم الاداري الذي أجراه الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس سنة 195م18. وإذا كان بعض ما سيطر عليه فخر الدين داخلاً في جغرافية لبنان اليوم، فما هو حكم المناطق التي سيطر عليها خارج لبنان، مثل صفد التي دام إلتزامه لها من بدايات عهده حتى نهايته في سنة 1633، ومثل غيرها من المناطق التي كان نفوذه فيها عابراً. وما هو حكم المناطق اللبنانية التي تحالف مع أمرائها، مثل وادي التيم منطقة حلفائه الشهابيين. إن في ما ورد إشكالياتٍ عدة تؤرجح وضع فخر الدين بين صفتين: صفة الملتزم الذي يوسّع نطاق إلتزامه، وصفة مؤسس الكيان اللبناني. كما تؤرجحه بين صفتين أخريين هما صفة العامل على إنشاء لبنان في حدوده الطبيعية، وصفة الموسّع لهذه الحدود والمتجاوز لها.

الإزدهار غير المسبوق
تكمن أهمية الإزدهار الذي تحقق في عهد فخر الدين، وبفضله، في أنه غير مسبوق في نسبته العالية، وشموليته، وتعدّد نواحيه. فلقد رافق تنامي قوة إمارته العسكرية، وتوسّعها، توسّع في العمران والبناء، ولا سيما في مدن صيدا وبيروت وطرابلس، وبلدة دير القمر، وإزدهار للإقتصاد بدعائمه الثلاث: الزراعة والصناعة والتجارة. وفيما كان التوسّع والقوة العسكرية طفرتين مؤقتتين كان الإزدهار الإقتصادي نمواً مستداماً طال جميع السكان الذين إزدادت أعدادهم، واستمرّت إنعكاساته الإيجابية لمدة طويلة.
نشّط فخر الدين زراعة التوت، وأولاها إهتماماً خاصاً، فتوسّعت كثيراً في أيامه، وزرع، وعلى سبيل المثال، أربعة عشر الف نبتة في “مغراق” طرابلس، وأكثر من ذلك في أراضي الحيصة، وكان يُصنع من دود القزّ، الذي يُربّى على ورق التوت، أجود أنواع الحرير الذي يستهوي أصحاب معامل النسيج في أوروبا، وبلغت قيمة الصادرات منه ثلث خزانة الأمير في سنة 1614. ونشّط فخر الدين زراعة الزيتون، وإستجلب أنواعاً جديدة من إيطاليا، فزادت صادرات الزيت والصابون، وتلت صادرات الحرير. وهناك مقولتان عن أشجار الزيتون المعمّرة إنها تعود إلى عصر الرومان أو إلى عصر فخر الدين. وازدهرت ايضاً زراعة القطن والكتان لتصديرهما إلى الخارج. وجرى تحسين بناء المراقي (المصاطب، الجلول) بإعتماد الطريقة الإيطالية. وكان من الصادرات أيضاً الرماد لصناعة الزجاج. وبفضل كثرة الصادرات توفّرت للأمير نفقات التسلّح والجيش، والأموال التي يجب تأديتها للدولة العثمانية، وإزدادت مداخيل السكان.
عمد فخر الدين إلى تنشيط التجارة، فمنح التسهيلات للتجار الأوروبيين وشجّعهم على الإقامة في المدن، وعلى التبادل التجاري مع السكان، وبنى لهم خاناً في صيدا، لا يزال قائماً إلى اليوم، إسمه “خان الإفرنج”، يشهد على إزدهار هذه المدينة في أيامه، إذ تحوّلت من مدينة صغيرة إلى مدينة كبيرة بمستوى إستانبول وحلب ودمشق وطرابلس، وغيرها من عواصم الملاحة والتجارة في شرق البحر المتوسط.
وعلى صعيد البناء إهتم فخر الدين ببناء القلاع وترميمها، وبنى بعض الجسور كجسر نهر الأولي إلى الشمال الشرقي من صيدا، كما إهتم بمدينة بيروت، وبنى فيها قصراً لإقامته ، عليه أبراج أعطت إسمها للساحة التي لا تزال قائمة في وسط المدينة: ساحة البرج التي غدا إسمها “ساحة الشهداء” على إسم الشهداء الذين أعدمهم القائد العثماني جمال باشا في 6 أيار 1916، وفيه حديقة للوحوش. وبنى فخر الدين إلى جانب القصر سبيلاً بإسم زوجة إبنه علي التي توفيت في ريعان الشباب. وزرع أشجار الصنوبر بالقرب من بيروت. وحين أخذ إيالة طرابلس عزم على إعمار هذه المدينة وشجّع التجّار للإنتقال إليها من أجل إعادة الإزدهار إليها بعد ضعفها.
لقد عمل الكثيرون على النهوض بلبنان، وتحديثه وتطويره على غرار ما فعل فخر الدين، وأبرزهم في هذا المجال، بعد إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920، رئيس الجمهورية فؤاد شهاب ورئيس الحكومة رفيق الحريري، اللذان يجمعهما مع فخر الدين قاسم مشترك هو بناء الدولة والإعمار والإنماء.

“رفع فخر الدين عديد جيشه من عشرة آلاف إلى خمس وعشرين ألفاً كما زاد حصونه من واحد هو شقيف تيرون إلى 30 قلعة وحصن في لبنان وسوريا وفلسطين.”

فرديناند الأول دوق توسكانا
فرديناند الأول دوق توسكانا

حملة الحافظ والخيارات الصعبة سنة 1613
كان فخر الدين يعلم، دون شك، أنه واحد من عشرات الحكّام في الإمبراطورية العثمانية، وأن إمارته ما هي إلا بقعة صغيرة على خريطتها الواسعة، وقد أخذ عبرة من الكارثة التي نزلت ببيته وبالإمارة المعنية وبقرى الجبل، من الحملة العثمانية سنة 1585، وهي ضرورة تجنّب الصدام مع الدولة العثمانية، وعدم التمرُد عليها، وطاعة أوامر سلطانها، وتأدية الضرائب في أوقاتها. لذا لم يحصل خلال ثلاث وعشرين سنة من تولًّيه الإمارة ما يعكّر صفو العلاقات مع الدولة. وما جرى له معها أثناء تمّرد علي باشا جانبولاد بين سنتي 1604 و 1607، كان صداماً غير مباشر من خلال وقوفه مع علي باشا الثائر عليها ضد نصيرها يوسف باشا سيفا.
نجح فخر الدين في هذه المرحلة في الموازنة بين ما تسمح به الدولة العثمانية، وبين طموحاته في التوسّع وإمتلاك أسباب القوة، وقد كان يدرك أن تقوية عسكره بالعدد والعتاد، وبتحصين القلاع إنجاز له حدّين، إذ إن فيه ما يحصّن موقعه، ويحمي جانبه من أعدائه، وحتى من غضب الدولة العثمانية إذا اقتضى الأمر، كما إن فيه ما يغضب الدولة ويثير شكوكها. لكنه كان يراهن على المال والهدايا من أجل ان يكسب دوماً سكوت الولاة والقادة والمسؤولين العثمانيين عمّا يقوم به، وأن يحوّل غضبهم إلى رضى. وكان من الممكن أن يزيل شكوك الصدر الأعظم نصوح باشا، ووالي دمشق أحمد حافظ باشا، من تنامي قوته وامتلاكه القلاع، لو لم يخطء بالعمل بعكس إرادتهما ما جعلهما يعتبران هذا تحدياً لهما، ذلك ان حافظ باشا الذي تسلّم ولاية دمشق للمرة الثانية سنة 1609، ونصوح باشا الذي أُعيد إلى الصدارة العظمى سنة 1611، كانا عدوّين لفخر الدين، وقلقين من توسّعه، ويريدان تحجيم نفوذه، ويطمعان في أخذ المزيد من الأموال عن إمارته. وقد امر نصوح باشا بعزل حمدان بن قانصو، حليف فخر الدين، عن عجلون، وتسليمها لأمير الحج الأمير فرّوخ، فنفّذ حافظ باشا ذلك وطرد أيضاً الشيخ عمر شيخ عرب المفارجة، وهو حليف آخر لفخر الدين. وهنا أخطأ فخر الدين بنزوله عند رأي الحاج كيوان، فأعاد حليفيه إلى مركزيهما، قبل عودة موفده إلى مراد باشا، حاملاً تقديماته لإسترضائه. فلم يكن هذا بالأمر السهل على حافظ باشا بعد أن سبق لفخر الدين أن منعه سنة 1605 من محاربة حليفيه: الأمير يونس حرفوش حاكم بعلبك، والأمير أحمد الشهابي حاكم وادي التيم.
جهّزت الدولة العثمانية حملة برّية كبرى على فخر الدين، بقيادة حافظ باشا، وأمسك أسطولها الساحل اللبناني. وأخذ الحافظ يوزّع المقاطعات التابعة لفخر الدين، فأعطى الشيخ مظفّر علم الدين المعروف بالعنداري لسكنه في عين داره- الغرب والجرد والمتن، ويوسف باشا سيفا ولاية بيروت وكسروان، وأرناؤوط حسن آغا إيالة صيدا، ومحمد آغا إيالة صفد. فانضمَّ هؤلاء إلى قوات الحافظ، وإشتركوا معها في القتال ضد فخر الدين. لقد كان بإستطاعة الدولة العثمانية إحداث التصدّع في الجبهة الداخلية، وتقويض بناء الوحدة التي عمل فخر الدين لإيجادها، وذلك بتأليبها اليمنيين على القيسيين، وبمنحها الإقطاعات للأمراء المحليين، حتى إنها أوقفت ضده الأمير محمد إبن حميه جمال الدين الإرسلاني.
كان أمام فخر الدين أحد الخيارات الثلاثة التالية: إما مقابلة حافظ باشا والتفاوض معه ووضع مصيره بين يديه، أو التصدّي لحملته والإستمرار في قتالها، أو التنحّي عن الإمارة وترك البلاد.
فبالنسبة إلى مقابلة حافظ باشا كان فخر الدين يعلم حقده وحقد الصدر الأعظم نصوح باشا عليه، وإصرارهما على الكيد له، وإضعاف إمارته وإذلاله، ودليله على ذلك كبر الحملة البرّية والحملة البحرية المساقتين عليه، وإنتزاع المقاطعات منه، بإستثناء الشوف. وقد علم من الوفد الذي أرسله مرادَ الحافظ إذلاله، ذلك أن هذا الوفد، المؤلّف من مشايخ صفد وبيروت وصيدا وبينهم مؤرّخ فخر الدين الشيخ أحمد الخالدي الصفدي، قابل الحافظ ليصلح بينه وبين فخر الدين، فقال لهم: “المعني مراده الصلح، ولكن لو ملأ هذه الخيمة ذهباً لا يمكن ذلك ما لم يدس على هذا البساط. وحق نعمة السلطان لئن جاء إلى هنا لأقرّرن عليه بلاده، وأنعم عليه بما لم يحصل لأحد من قبله، فأرسلوا إليه وإعرضوا هذا الكلام عليه”19. لكن فخر الدين ما كان يثق بالحافظ ويرى فيه وجه إبراهيم باشا الذي غُدر في مخيمّه في عين صوفر بحوالي ستمائة شيخ درزي.
وبالنسبة إلى التصدّي للحملة العثمانية رأى فيه فخر الدين مجابهة لا تعادل فيها، بعد تخلّي الحلفاء عنه وتزعزع الوحدة الداخلية. وقد تأكّد له ذلك عندما عقد إجتماعاً على نهر الدامور ضمَّ أخاه الأمير يونس، والأميرين التنوخيين: منذر وناصر الدين، ومشايخ الشوف والغرب والجرد والمتن، ومشايخ آل الخازن وغيرهم، فلمس منهم عدم إستعداد لمقاومة حملة كثيرة العدد والمدد ، لأن نتائج حملة إبراهيم باشا ما زالت مائلة أمام أعينهم.
وبالنسبة إلى الخيار الثالث، أي التنحّي عن الإمارة وترك البلاد، كان الخيار المرَّ الذي قرّره فخر الدين, لكنه الأقل مرارة من أمرّين ورد ذكرهما. وصادف آنذاك قدوم مركبين فرنسيين ومركب فلمنكي (هولندي) إلى صيدا، فإستأجرها وسافر فيها إلى أوروبا مع بعض حاشيته وأخصّائه، وزوجته خاصكية الظافري، بعد أن سلمّ الأحكام لأخيه الأمير يونس، لأن إبنه الأمير علي كان آنذاك في حوران. لكن تنحيّه وسفره لم يحلاّ الأزمة مع حافظ باشا لإصراره على تسلّم قلعتي بانياس وشقيف أرنون اللتين وضع فيهما فخر الدين مئات الجنود من السكمان مع ذخائر وعلوفات تكفيهم لسنوات، وطلب من قائديهما عدم تسليمهما، فدافع الجنود عنهما ولم يسلّموهما إلى الحافظ الذي عمد للوصول إلى ذلك، ولبسط السيطرة العثمانية كاملة على جبل لبنان الجنوبي، إلى مزيد من الضغط على أبنائه.
أراد عسكر الحافظ إحراق بلدة غريفه، لكن أهلها وأهالي القرى المجاورة تجمّعوا عليه وهزموه، ومنعوه من ذلك. وعزم على إحراق قرى الشحّار الغربي، لكنه عدل عن ذلك مقابل مبلغ خمسة آلاف غرش. وأحرق حسين سيفا إبن يوسف باشا سيفا بعض بيوت دير القمر، ومن أجل رفع أذى العسكر وعيثه في القرى، ورفع الحصار عن القلاع، ألزم أعيان الشوف الأمير يونس أن يرسل والدته الأميرة نسب إلى الحافظ لمفاوضته، فذهبت إليه ومعها ثلاثون من “المشايخ العقال”، وقدّمت له الهدايا، فقبل بترك الشوف مقابل مبلغ من المال قدره ثلاثمائة ألف غرش، دُفع أكثره وبقي أقلّه، فأخذ الحافظ الأميرة نسب رهينة إلى دمشق20. وهو لم يقبل بترك الشوف إلا لصعوبة البقاء فيه شتاءً، لأنه حين أتى ربيع سنة 1614 عاد إليه.
إضطرَّ بعض أهل الشوف إلى الهجيج، أي ترك قراهم تجنباً لإنتقام الجند، فلحقت حملة منه بهم، لكنهم هزموها في مرج بسري، وقتلوا خمسمائة من أفرادها، واسروا الباقي. فأرسل الحافظ حملة من إثني عشر الف رجل لم يستطيعوا مقاومتها، وإنسحبوا إلى قرية الجرمق. وكانت بذور النزاعات التي زرعها الحافظ قد أثمرت، إذ إشتدت المعارك بين علي إبن الأمير فخر الدين وأخيه يونس، وبين اليمنيين، وخصوصاً الذين كان يقودهم الأمير مظفّر العنداري، والامير محمد ارسلان. كل هذا جعل أعيان الشوف وغيرهم يندمون على ما فعلوه لإرضاء الحافظ، ويندمون خصوصاً على خذلانهم للأمير فخر الدين عندما طلب منهم مقاومة الحافظ في مؤتمر الدامور.

جانب من قصر المديتشي الذي نزل فيه الامير فخر الدين في توسكانا - الصورة من أرشيف الأستاذة منى معضاد
جانب من قصر المديتشي الذي نزل فيه الامير فخر الدين في توسكانا – الصورة من أرشيف الأستاذة منى معضاد

إشكاليات علاقات فخر الدين الخارجية
كان فخر الدين منفتحاً على الصعيد الخارجي، كما على الصعيد الداخلي، فرغب في تنشيط التبادل التجاري مع الدول الأوروبية، والأخذ بالمستجدّات الحضارية وأسباب التقدم الحاصلة عندها، لتحديث إمارته والنهوض بها، فيما كانت هذه الدول تتطلّع إلى الشرق للتوسّع فيه، وترغب في الإستفادة من موقع فخر الدين كأمير قوي، ومن موقع إمارته الإستراتيجي، ومن إنفتاحه، لتحقيق أطماعها في أراضي الدولة العثمانية. وتلاقت مصالحها مع مصلحة البابوية في السعي لبسط الإشراف على الأماكن المقدّسة في فلسطين. وكان هناك، بالإضافة إلى ذلك، عنصر محلّي في بلاد الشام هو البطريركية المارونية التي استفادت من حسن معاملة فخر الدين لها ولرعاياها ولسائر المسيحيين، فشاءت الاستفادة منه أيضاً بإدخاله في مشروع يرمي إلى نزع سيطرة العثمانيين المسلمين عن مسيحيي بلاد الشام وقبرص، وعن الأماكن المسيحية المقدّسة.
نتج مما ورد ذكره، ومن إقامة فخر الدين في أوروبا مدة خمس سنوات، إشكاليات وتفسيرات عدة لعلاقاته مع الخارج، منها إعتباره من قبل البعض مرتبطاً بمشاريع أوروبية ضد الدولة العثمانية ، مقابل إعتبار البعض الآخر له عاملاً فقط، من خلال تطلّعه إلى الغرب، للأخذ بأسباب التقدم والنمو، وإعتبار إتهامه بالتوّرط في مشاريع أوروبية مشبوهة، ظلماً له. ولا يمكن إصدار الأحكام على فخر الدين في هذا الشأن إلا بعد إستعراض موقفه ومجريات الأمور التالية: مشروع معاهدة سنة 1608، إعادة طرح مشروع المعاهدة ودور الكنيسة المارونية في ذلك، فخر الدين في أوروبا. وفي ضوء ذلك سيظهر بطلان الإتهامات الموجّهة ضده وبراءته مما نُسب إليه.

“منح التسهيلات للتجار الأوروبيين وشّجعهم على الإقامة في المدن وعلى التبادل التجاري مع الســــــكان، وبنى لهـــم خانـــاً في صــيدا”

مشروع معاهدة سنة 1608
كان فرديناند الأول، دوق توسكانا المعروف أيضاً بغراندوق توسكانا، يطمح إلى إنتزاع جزيرة قبرص من الدولة العثمانية، فإغتنم الصراع بينها وبين العجم، والتحالف القائم بين فخر الدين وعلي باشا جانبولاد الثائر ضدها، وتوصّل، بواسطة سفيره قريع، إلى عقد معاهدة تعاون سياسي وإقتصادي وعسكري مع علي باشا21، ثم شاء تطويرها لتشمل فخر الدين وشاه العجم، بحيث يتم له إضعاف الدولة العثمانية، وتحقيق أطماعه.
إنتهى تمرّد علي باشا جانبولاد بالفشل، وعجز الأسطول التوسكاني عن إحتلال ميناء فاماغوستا في قبرص. وحين وصلت إلى فرديناند الأخبار الأولى عن إنكسار علي باشا، أرسل اسطولاً بحرياً لمعاودة الهجوم على قبرص، وفيه سفينة محّملة بالبنادق والمدافع والذخائر إلى علي باشا، وأمر سفيره ليونسيني التداول مع سفيره السابق قريع، ومع قائد الأسطول بما يجدر عمله. فإن وجدوا علي باشا بحالة تسمح له بالنهوض يسلّمونه البنادق والمدافع والذخائر، وإن كان العكس يتوجّهون إلى فخر الدين ويسلّمونه البنادق فقط، ويعقدون معه معاهدة كتلك التي عقدوها مع علي باشا.
عندما وصل ليونسيني إلى قبرص، وتأكد من هزيمة علي باشا جانبولاد وخضوعه للسلطان العثماني، قصد صيدا، والتقى، بحضور ترجمانه، فخر الدين في ثلاث جلسات حضرها أيضاً القنصل الفرنسي والقنصل الإنكليزي والتاجر الإنكليزي بروكس. سلّم ليونسيني إلى فخر الدين كتاب فرديناند وفيه انه رأى أن يعهد إلى فخر الدين، بعد فشل علي باشا، بالمهمة التي كانت موكولة إليه، وهي إحتلال القدس ودمشق وغيرهما من المدن السورية، ومساعدة فرديناند في التوسّع في جزيرة قبرص فيما لو قُدِّر له إحتلال فاماغوستا، على أن يكون له، مقابل تأمين حرية الحجّاج المسيحيين في الوصول إلى الأماكن المقدّسة، مبلغ سنوي من المال.22
تعهّد فخر الدين، حسبما جاء عند الأب بولس قرألي، بإحتلال دمشق والأماكن المقدّسة، لكنه فيما يتعلّق بمساعدة فرديناند على إكمال إحتلال قبرص لم يتعّهد إلا بتقديم المؤن فقط، لأنه غير مستعد لشطر جيشه. وإستكتب الترجمان رسالة إلى فرديناند، ورسالة شكر إلى نائب ملك إسبانيا في نابولي على إهدائه إليه سابقاً قطعتين من المدفعية، وكمية من الذخائر. أما شروطه التي طُلب منه تقديمها، فهي التالية:
• وضع خبراء في صبِّ المدافع مع المواد الضرورية تحت تصرّفه.
• إستفكاك ثلاثة اسرى توسكانيين لهم تمام المعرفة بإثنتين من قلاعه.
• رسو المراكب التوسكانية، القاصدة إلى الشرق، في ميناء صيدا.
• إعطاء البابا براءة لمسيحيي الشرق، التابعين له، لمساعدة فخر الدين.
• تزويده بتذكرة مرور يسافر بها إلى إيطاليا.
• إهداؤه اربعة هواوين ودرعاً جميلاً.23

قلعة نيحا التي اختبأ فيها الأمير فخر الدين لدى حصاره من العثمانيين -
قلعة نيحا التي اختبأ فيها الأمير فخر الدين لدى حصاره من العثمانيين –

ومع أن إجتماع فخر الدين بسفير فرديناند جاء بعد بضعة شهور من قلقه على مصيره عقب الهزيمة الساحقة لعلي باشا جانبولاد، وتوسّله المال والهدايا لكسب رضى الصدر الأعظم مراد باشا، ومع أنه كان يعرف عدم إمكانية دولة توسكانا النيل من الدولة العثمانية، إذ هي عجزت عن احتلال مدينة في قبرص، وتطلب منه المساعدة على إحتلال هذه الجزيرة: مع كل هذا فإن تصريحاته للسفير تظهر إستعداده للقيام وحده بما كان سيقوم به علي باشا لأنه أقوى منه، حتى إنه بغنى عن التحالف مع شاه العجم. وهذا ما يثير التساؤل عما إذا كان صرّح بذلك وعما إذا كان فعلاً قوياً حسبما صرّح، أم أن السفير ليونسيني شاء نقل ذلك إلى دوق توسكانا ليتوصّل هذا الدوق بواسطته إلى عقد معاهدة مع فخر الدين كما توصّل السفير قريع إلى عقد معاهدة مع علي باشا.
إنتهى إتصال فرديناند الأول بفخر الدين على هذه الصورة، لأن فرديناند توفّي في السنة التالية. وفي رأينا أن ما جرى هو مباحثات أولية لصياغة مشروع معاهدة يوقّع عليها بعد الإتفاق النهائي، في حال حصوله، ولم ينتج عنها سوى تنشيط التبادل التجاري. وما يؤكّد ذلك هو طبيعة هذه المباحثات وأجواؤها، وأن ليونسيني، الذي حرص على سرية المعاهدة مع علي باشا جانبولاد، أطلع القنصل الإنكليزي والتاجر بروكس على مضمون رسالة فخر الدين إلى دوق توسكانا، ولم يحافظ على سرّية المحادثات، إذ أفشاها في كل الثغور التي مرَّ بها ذهاباً وإياباً، للفرنسيين والإنكليز والإسبان، حتى إن البحّارة أنفسهم كانوا عارفين بها24.
ومما يعزّز الشكوك حول دقة المعلومات عن لقاء الأمير فخر الدين مع السفير ليونسيني، هو أنه ليس هناك من توقيع لفخر الدين على أي مستند، ولا ذكرٌ لتاريخ اللقاء الذي رجّح الأب بولس فرألي تاريخه في ربيع سنة 1608، بينما نقل إلينا تاريخ المعاهدة بين علي باشا جانبولاد والدوق فرديناند، وهو 3 تشرين الثاني 1607. وما يعزّز الشكوك أيضاً هو عدم التزام فخر الدين بشيء مع دولة إسبانيا الأقوى بكثير من دولة توسكانا، وذلك حين كان في إيطاليا، وفي أملاك ملك اسبانيا.

إعادة طرح مشروع المعاهدة ودور الكنيسة المارونية
توّفي دوق توسكانا فرديناند الأول سنة 1609، وخلفه إبنه قزما الثاني الذي وجّه إهتمامه لدعم الأمير يحيى ضد أخيه السلطان العثماني أحمد. وحين حاول الأمير يحيى الإتصال بفخر الدين لضمه إلى العاصين على السلطان أحمد، نصحه الحاج كيوان بألا يقوم بذلك، ثم نصحه حين إلتقاه في عكا بالرجوع إلى أوروبا، وبأن لا يضع ثقته بفخر الدين، “ربما ليوفر على فخر الدين مشكلاً جديداً يوسّع الخرق بينه وبين الباب العالي”25.
ومع هذا الحذر من فخر الدين وحرص الحاج كيوان على إبقاء علاقته جيدة مع الدولة العثمانية، نرى من يريد إدخاله في مشروع ضد هذه الدولة، إذ يُنسب إليه أنه حاول سنة 1611، أثناء وجوده في إيطاليا، وسنة 1623، وسنة 1624، وسنة 1633، إعادة طرح مشروع معاهدة تدخل فيه، بالإضافة إلى البابا، دولتا إسبانيا وتوسكانا. وقد جاء في مشروع سنة 1624 “أن تقوم حملة أوروبية بإحتلال مدينة صور، والتحصّن فيها، ثم الزحف منها إلى الأراضي المقدّسة”26. وبما أن هذا المشروع فشل بسبب تحاسد أسرة بربريني في روما، وأسرة مديتشي في توسكانا، فإن فخر الدين طرح بعد ذلك -حسبما قيل عنه- أن يصبح تادي بربريني أميراً على جزيرة قبرص، وأن يتوَّج فرديناند الثاني دومديتشي ملكاً على أورشليم في حال نجاح الحملة، كما وعد أن يجاهر بعد نجاحها بنصرانيته وان يعمّد أسرته وذويه، ويحمل جميع رعاياه على الإقتداء به.
لقد قُوّل فخر الدين ما لم يقل، كقوله إنه من سلالة غودفرو دي بويون. ونُسب إليه ما ليس له علم به، كوضع مشروع الحملة على الأماكن المقدّسة، ووضع الحل لتحاسد أسرتي بربريني ومديتشي. وفي الواقع إن مشروع الحملة وارد في تقرير المطران جرجس بن مارون الذي سافر إلى إيطاليا أربع مرات، فهو من وضع الكنيسة المارونية. ولتسويقه إختلق رهبان المدرسة المارونية في روما أسطورة إنتساب الدروز إلى مدينة Dreux وإلى الكونت Dreux، وأسطورة تحدّر فخر الدين من الملك الفرنجي غودفرو دي بويون، من أجل إقناع البابا بالمشروع. ويبدو أن البابا أوربانوس الثامن صدّق مقولة الأصل الفرنجي لفخر الدين، إذ وصفه في إحدى رسائله “بالقائد القوي الشكيمة، الذي يفتخر بتحدّره من القوّاد المسيحيين”27. وللدلالة على براءة فخر الدين مما قُوّل ومما نُسب إليه، هناك شواهد كثيرة، أبرزها ما يلي:
1. تواريخ سنوات 1623 و1624 و1633 تتوافق مع حرب الثلاثين سنة بين الدول الأوروبية، وهذا ما كان يعلمه فخر الدين، وتبعاً لذلك لا يمكن أن يطلب مساعدة من هذه الدول، أو قيامها بحملة إلى الشرق لإحتلال قبرص والأماكن المقدّسة. وتاريخ سنة 1624 يتوافق مع بلوغه أوج مجده وقوته، وحصوله على دعم والي دمشق مصطفى باشا، ورضى سائر الولاة العثمانيين، وهو في هذه الحال لن يطرح مشروعاً أجنبياً لتغيير هذا الوضع الممتاز، والإنتقال من تحت سيطرة عثمانية إسلامية إلى تحت سيطرة أو وصاية أوروبية مسيحية، مصيره فيها مجهول.
2. إن ما نُقل حرفياً من كتابات لفخر الدين، أثناء الحديث عن المشروع، مختلف بنصّه وأسلوبه عما نُسب إليه من نصوص ورسائل، مما يعني أن من كتبوا هذه الرسائل والنصوص أدخلوا فيها ما يريدون.
3. إن ما ورد بخط فخر الدين يخلو من الإشارة إلى المشروع ويقتصر على عواطف تجاه من يراسلهم، وطلب إستفكاك ثلاثة أسرى موجودين عند ملك إسبانيا مقابل إثنين وثلاثين أسيراً من النصارى عند فخر الدين28.
شَكّك العديدون بمشروع المعاهدة، ومنهم المؤرّخ ياسين سويد الذي قال إنه لم يكن أكثر من تقرير وضعه المطران جرجس مارون29. وقال في مكان آخر ما يلي: “أما القول بأن فخر الدين أراد أن يعيد مملكة اورشليم الصليبية [للأوروبيين] فذلك إفتئات على الأمير، وتجريح لطموحه السياسي. ولقد ثبت بالدليل القاطع عدم صحة هذه الرواية”30.
وقال المؤّرخ عادل إسماعيل ما يلي:”الوثائق الرسمية، التي قُدِّر لنا أن نطّلع عليها في المحفوظات المديتشية وفي المحفوظات الوطنية في باريس، تحدّد بوضوح شخصية الأمير وتصحّح الكثير من التفسيرات الخاطئة التي ذُكرت عن مسيرته السياسية وعلاقاته بتوسكانا وإسبانيا والكرسي الرسولي طوال مدة إقامته منفياً في إيطاليا (1613- 1618) أو بعد عودته منها إلى بلاده. وخلافاً لما قيل، ليس في تلك المحفوظات ما يشير إلى إتفاقات وقّعها الأمير مع إحدى تلك الدول ضد الباب العالي، وقد تصرّف فخر الدين في منفاه بحكمة وكرجل دولة مسؤول”31.
وخلاصة القول، بناء على ما ورد ذكره، إن فخر الدين لم يسعَ إلى عقد اية معاهدة مع أية دولة أوروبية، ولم يرتبط بمشروع معاهدة سنة 1608، ولا علاقة له بالمشاريع التي طرحت بعد ذلك.

“راهن فخر الدين على المال والهدايا لتغطية توسِّــعه وكسب سكوت الولاة والقادة والمسؤولين العثمانيين”

فخر الدين في أوروبا
قصد فخر الدين أوروبا لاجئاً لتلافي خطر داهم، وأقام فيها ريثما يصدر العفو عنه من السلطان العثماني. وقد صدر هذا العفو في بداية سنة 1615 عندما عُزل عدوه والي الشام حافظ باشا وقُتل عدوه الآخر الصدر الأعظم نصوح باشا، ذلك أن والي الشام الجديد جركس محمد باشا أطلق سراح والدته الاميرة نسب المسجونة في دمشق، ومعها العفو عنه32. لكن خبر هذا العفو وصل إليه بعد إنتقاله من توسكانا إلى مسّينا في صقلية التابعة لملك إسبانيا، أقوى الدول الأوروبية وألد أعداء الدولة العثمانية. ثم إنتقل إلى نابولي مع دوق دسّونا الذي عيّنه ملك إسبانيا حاكماً عليها بدلاً من مسّينا، وهذا ما أطال بقاءه ثلاث سنوات، جرى خلالها وقبلها إستغلال لوجوده في أوروبا، وخلق شبهات وعلامات إستفهام حوله.
بعد أن وطأت أقدام فخر الدين أرض نابولي التابعة لملك إسبانيا، جاءه أكابر موفدون من أميرها، دوق دسّونا، يسألونه ما يمكن أن يأتي من بلاده معهم في حال قصدوها، وما يمكن أن يقدّموه من ذخائر، فأجابهم حسبما نقل شاهد عيان هو مؤرّخه الخالدي: هذا أمر دين، لا أقدر أن أكفل أحد، لا أرضي ولا ولدي ولا أهل بلادي، وأنتم تعرفون قوة دين الإسلام وقوة آل عثمان، والذي مراده قهر القوتين لا يتكل على مشترى ذخيرة من الناس33. وحين سألوه كم يستطيع أن يجمع من الرجال، أجاب أنه كان بإمكانه أن يجمع عشرة آلاف، أما اليوم فلا حكم له إلا على نفسه. ويعلّق الخالدي على ذلك بالقول: إن هؤلاء الأكابر ما عادوا إهتموا بفخر الدين، وما عادوا يعطونه العلوفة المعتادة، فباع حلى زوجته، وأخذ يصرف من أمواله طوال مدة وجوده في نابولي. ثم إنه إعتذر عن تلبية دعوة ملك فرنسا للتوجّه إليه كي يرسل معه رسائل تشفع به عند السلطان العثماني لأن فرنسا صديقة الدولة العثمانية34.
بعد ذلك أرسل دوق نابولي إلى فخر الدين، رسالة من ملك إسبانيا يعرض فيها عليه حكماً على مقاطعة تزيد مساحتها عما كان له شرط تغيير دينه، والدخول في المسيحية، فرفض فخر الدين هذا العرض، وقال إنه “ما جاء يطلب ديناً ولا حكماً ولا حكومة، وإنما جاء ليحتمي عندما هاجمه عسكر لا يقدر على مجابهته35. وكلامه هذا وكلامه إلى موفدي دوق نابولي، ورفضه مقابلة ملك فرنسا، كل ذلك ينقض ما نُسب إليه من أطروحات عند عرض مشروع معاهدة سنة 1608 عليه، وما نُسب إليه من إعادة طرح مشروع المعاهدة سنة 1611.
كان وجود فخر الدين في أوروبا موضع إستغلال من دولها ومن البابا، وخصوصاً من الدولتين اللتين إستضافتاه: توسكانا وإسبانيا. “فلقد كانت حكومة توسكانا تبغي الإفادة الخاصة من وجود فخر الدين في ضيافتها مع التركيز على ألا يتألّق نجمه شخصياً، وعلى ألا تنجح مصالحة الخاصة”36. وكان ملك إسبانيا يأمل بمساعدة فخر الدين له ضد الدولة العثمانية، للحصول على موطئ قدم لدولته في الشرق، وهو الذي طلب من دوق دسّونا قدوم فخر الدين إلى بلاده. وحين لم يتوصّل إلى إدخاله في مشروعه، ولم يوفّق في تنصيره، إختلفت معاملة دوق دسّونا له، إذ ماطل الدوق في إعطائه رخصة مغادرة نابولي، فيما أصرّ هو على المغادرة، ونوى نسف المركب الذي وضع فيه عياله إن لم يسمح الدوق له بذلك37.
مارس فخر الدين أثناء وجوده في أوروبا الشعائر الأسلامية، ولم يأكل من ذبائح الإفرنج لانها غير مذبوحة على الطريقة الإسلامية. وهو لم يرتبط بأي مشروع أوروبي، ولم يتخذ أي موقف عدائي ضد الدولة العثمانية. ولم يكن هناك سوى شبهة وجوده في بلاد معادية لها. بيد أن هذا الوجود لم يؤثّر على علاقته بها، لأنها سمحت له بالعودة إلى بلاده، وأمّرته عليها، بعد عودته، مدة خمس عشرة سنة، ظلَّ خلالها على تواصل مع توسكانا، يتبادل وأبنه علي الرسائل والهدايا مع أميرها وأميرتها.
استفاد فخر الدين من وجوده في أوروبا بناحيتين فقط، هما توفّر الملجأ الأمين له إبّان غضب الدولة العثمانية عليه، ورؤيته بأم العين التطوّر الحاصل فيها. نزل أولاً في ميناء توسكانا (ليفورنو)، ثم أقام في عاصمتها فلورنسا، وفي مدن بيزا وباليرمو ومسّينا، ونابولي، وتعّرف على جزيرة مالطا أثناء عودته من بلاده سنة 1615 بعد زيارة خاطفة لها. وهذا أتاح له التعرّف على الحضارة الأوروبية، ورؤية معالم الفن والعمارة والنواحي الحياتية في أرقى المدن آنذاك. كما شاهد التقدّم في الأساليب الزراعية والصناعية، فأُعجب بكل ما رآه من مظاهر التقدم، وحاول إدخال ما يمكن منها إلى بلاده، ولا سيما الهندسة الإيطالية التي إعتمدها في بناء قصره في بيروت، وتنسيق الجنائن المحيطة به، وكأنما شاء ان يجعل من بيروت مثالاً عن فلورنسا. وطبّق بعض أساليب هندسة القلاع الأوروبية في ما بناه ورمّمه من القلاع، وعمل على تحسين طرق ونسل الحيوانات كالأبقار، بإستقدام النوع الجيد منها.

السجن الذي أودع فيه الأمير فخر الدين وأسرته لمدة سنتين وقد جرى إعدامه داخله - الصورة من أرشيف الأستاذة منى معضاد
السجن الذي أودع فيه الأمير فخر الدين وأسرته لمدة سنتين وقد جرى إعدامه داخله – الصورة من أرشيف الأستاذة منى معضاد

حملة الكجك والنهاية الكارثية
عاد فخر الدين إلى بلاده بعد غياب عنها مدة خمس سنوات وشهرين، فنزل في ميناء عكا، ومنه إنتقل إلى دير القمر وسط إستقبالات أنصاره ومحبيه المتشوّقين إلى حكمه على أثر الضعف الذي إنتاب الإمارة، والإضطرابات التي زعزعت أوضاعها. فتسلّم الأحكام من أخيه يونس وإبنه علي. وإنطلق في مسيرة ناجحة في العمران والإزدهار والنمو، ووسّع إمارته أكثر من ذي قبل، متجاوزاً حدود لبنان، آخذاً ما أمكن من أراضي حكام المقاطعات المجاورة، وولاة حلب ودمشق وطرابلس، بالغاً بذلك ذروة المجد والعظمة .
كان لا بدّ أن يصطدم فخر الدين عاجلاً أم آجلاً بالدولة العثمانية، لأنه توسّع كثيراً، وامتلك المزيد من القلاع، وأخذ هامشاً كبيراً من الإستقلال الداخلي، فيما هي دولة لا تزال قوية، تعمل على صيانة أراضيها من الاعتداءات الخارجية، وإحكام قبضتها على ولاياتها، وكان شأن فخر الدين في الصدام معها كشأن جميع الأمراء المحليين والولاة الذين اصطدموا بها عبر تاريخها، مع اختلاف عند بعضهم في الأسباب والأهداف.
بعد أن وضع السلطان مراد خان الرابع حدّاً لتوسّع العجم في العراق، وأنهى ثورة الإنكشارية في سنة 1632، إنصرف إلى إعادة بسط سيطرة الدولة كاملةً على بلاد الشام، وإنهاء نفوذ فخر الدين الذي طال أمده، إذ كان النهج السياسي العام هو في قضاء السلطان عند إعتلائه العرش على أخوته، كي لا ينافسوه وينافسوا ابناءه، وعدم إطالة عهد الولاة وملتزمي المقاطعات، وتبديلهم، أو القضاء عليهم، كي لا يتجذّر نفوذهم، حتى إن العزل أو التهديد به، كانا يُتخذان سبيلين للحصول على الهدايا وعلى الأموال.
ورد عند المؤرّخين أن السلطان مراد الرابع أمر بتجهيز حملة كبرى للقضاء على فخر الدين، لشكاوى وإحتجاجات رُفعت إليه، أو بلغت مسامعه ومنها إستقلال فخر الدين في شؤونه، وسوء معاملته للسكان، وتشييده الحصون وتحصينها وشحنها بالأسلحة. وبعض ما ذكره المحبّي في هذا المجال وفي معرض حديثه عن الكجك الذي قضى على فخر الدين، يقارب الحقيقة، إذ قال ما يلي: “وقد كان فخر الدين خرج عن طاعة السلطنة، وجاوز الحد في الطغيان، وأخذ كثيراً من القلاع من ضواحي دمشق، وتصرّف في ثلاثين حصناً، وجمع من طائفة السكبان جمعاً عظيماً، وبالجملة فقد بلغ مبلغاً لم يبق وراءه إلا دعوى السلطنة”38.
ليس من بين أسباب تجهيز الدولة العثمانية حملتها على فخر الدين، قلقها من إتصالاته بالخارج، ومقولة خروجه عن طاعة السلطان تهمة لتبرير القضاء عليه، لأن من الأسباب الرئيسة تجاوزه للسقف وللحدود المرسومة لأمير محلّي، وذلك بإمتلاكه القلاع وتحصينها، وبعضها إمتنع على الدولة العثمانية سنة 1613. ومن الأسباب الرئيسة توسيع نفوذه على حساب الولاة المجاورين، وخاصة والي دمشق الذي له مصلحة مباشرة في القضاء عليه وفي إعادة ترتيب أوضاع المقاطعات التابعة لدمشق كما كانت قبله ، وتحجيم الإمارة المعنية بإعادتها إلى حدودها السابقة.
أُختير لمحاربة فخر الدين أحمد الكجك باشا، الذي عينّته الدولة العثمانية والياً على الشام. والكجك هو ربيب فخر الدين قبل أن يترقّى في مناصب الدولة، إذ كان محصّلاً من قبله للأموال في وادي التيم، ويعرف الكثير من أسرار حكمه وجيشه وقلاعه. فجهّز الكجك حملة برية كبيرة، إجتمع فيها جند والي حلب، وجنود أمراء مقاطعات الشام كطرابلس وغزّة والقدس ونابلس وعجلون وحمص وحماه، فيما كان الأسطول البحري يمسك السواحل. فكان في هذا إستعادة، وبشكل أكبر، لمشهد حملة إبراهيم باشا سنة 1585 على الأمير قرقماس، وحملة حافظ باشا سنة 1613 على فخر الدين. كما فيه إستعادة لما حصل في هاتين الحملتين من تفسّخ في الجبهة الداخلية، إذ أنهار، وبسرعة، كما حصل سنة 1613، كل ما بناه فخر الدين من تحالفات ومن ترسيخ لوحدة صفوف السكان المنقسمين حول غرضيتين هما القيسية واليمنية، وذلك بمجرد أوامر وتدابير أو إشارات من الكجك باشا.

السلطان مراد خان الرابع أراد تركيز قوة السلطنة وأعتبر أولى مهماته إنهاء ظاهرة فخر الدين
السلطان مراد خان الرابع أراد تركيز قوة السلطنة وأعتبر أولى مهماته إنهاء ظاهرة فخر الدين

حين رأى فخر الدين تداعي صفوفه وتسليم قلاعه للكجك واحدة بعد أخرى، سلّم بعضها له ولقائد الأسطول البحري جعفر باشا ووضع صفوة عسكره في حصون راهن على صمودها، كما راهن على عامل الوقت، وعلى أمله بإمكانية إرضاء الكجك وجعفر باشا، لكن الإثنين كانا عازمين على تنفيذ أوامر السلطان العثماني بإنها ظاهرته، ويطمعان في الأموال التي أاضطر فخر الدين إلى تقديمها لهما لاسترضائهما.
ما كان فخر الدين يتوقّع الأمور التي جرى ذكرها، أو يتوقّع السرعة التي جرت فيها. وما كان أيضاً يتوقّع أمراً كان بداية نهايته، وهو الموقعة الكبيرة التي نشبت بين إبنه علي وقوات الكجك بالرغم من نصيحته لإبنه بتجنّب ذلك أو الإكتفاء بمناوشة هذه القوات إذا قضت الضرورة. لكن علياً الذي سارع إلى نجدة الشهابيين في راشيا عند مضايقة الجند العثماني لهم، إصطدم وهو في طريقه من صفد إليهم بقوات كبيرة من العثمانيين عند سوق الخان، هبطت إليه من التلال التي تمركزت فيها، فعوّل على بطولته وشجاعة رجاله، وخاض القتال دون أن يكون هناك تكافؤ في العدد، وقُتل في الموقعة، وقتل معظم رجاله، وجمعت جثثهم فوق بعضها ما أعطى للجسر القائم على نهر الحاصباني، الذي جمعت أو شُقعت عنده ،إسم “جسر الشقعة”.وكان من الناجين القلائل أمير معني لجأ إلى إبل السقي. وهذه الموقعة توازي في أهميتها، وإنما بنتائج معكوسة، موقعة عنجر الشهيرة التي إنتصر فيها فخر الدين وكانت منطلقاً لتألّقه، وبداية لتوسّعه بينما كانت موقعة سوق الخان بداية نهايته.
وكما فعل الأمير قرقماس سنة 1585، هكذا فعل إبنه فخر الدين، إذ إلتجأ إلى قلعة شقيف تيرون الحصينة (قلعة نيحا) وهي مجموعة مغاور قائمة وسط شاهق صخري مرتفع، يصعب الصعود إليها من تحت والنزول إليها من فوق، ومدخلها الوحيد هو ممر ضيّق من ناحية الشمال، من الصعب أيضاً إجتيازه. وكان يمكن لفخر الدين الإحتماء بهذه القلعة مدة طويلة لولا معرفة الكجك بمصدر المياه الذي يغذّي خزاناتها، وهو عين الحلقوم، وذلك بخيانة من زمّاره الذي أعلم بواسطة العزف زمّار الكجك، فاهتدى الكجك إلى المياه ورمى فيها الأقذار ودماء الذبائح ففسدت، عندها اضطر فخر الدين إلى الهرب ليلاً إلى مغارة جزين القريبة، وعرف جند الكجك مخبأه الجديد، وحفروا نفقاً تحت المغارة وقبضوا عليه.فاقتاده الكجك أسيراً إلى دمشق، ومنها أُخذ إلى الآستانة، حيث بقي أسيراً لمدة سنتين كان يأمل فيها بعفو السلطان، لكن السلطان أمر بإعدامه عندما بلغته أخبار الإضطرابات التي أحدثها ابن أخيه يونس (الأمير ملحم) والتي قتل في إحداها مدبرّ الكجك، فأعدم في سنة 1635، وقال الشاعر سعيد عقل، في الذكرى المئوية الثانية لموته، قصيدة طويلة هذا أحد أبياتها:
فيــــــــــــــــــه مـــــــــــــــــن وثبــــــــــــــــة الجريـــــــــــــــــح إلى الثــــــــــــــــأر وفيــــــــــــــــــــه مــــــــــــــــــــن إحتضــــــــــــــــــــار النســــــــــــــور
هذه النهاية الكارثية لفخر الدين كان من فصولها أيضاً إعدام زوجاته وإبنه الأصغر حسن في دمشق، وإعدام أبنائه منصور وحيدر وبلك معه في الآستانة: ولم يسلم من أبنائه سوى حسين الذي إستبقاه السلطان لصغر سنه وربّي تربية عثمانية، وغدا سفيراً للدولة في الهند، ولم ينجُ من عائلة شقيقه يونس سوى إبنه ملحم. وبهذه النهاية كانت بداية نهاية الإمارة المعنية التي إستمرت مع الأمير ملحم ثم مع إبنه الأمير أحمد ضعيفة متعثرة حتى وفاة الأمير أحمد دون عقب سنة 1697، ووراثة الأمراء الشهابيين للمعنيين.

““ليس في تلك المحفوظات (المديتشية) ما يشير إلى إتفاقات وقّعها الأمير مع إحدى تلك الدول ضد الباب العالي، وقد تصرّف فخر الدين في منفاه بحكمة وكرجل دولة مسؤول”
(د. عادل إسماعيل لبنان في تاريخه وتراثه” الجزء الأول- ص 15)”

الأمير الكبير
حمل فخر الدين ألقاباً عدة، منها لقب “أمير صيدا والجليل” الذي كان أحبّ الألقاب إليه، ولقب “أمير لواء صفد”، ولقب “امير سنجق صيدا وبيروت وصفد”. وجاء في ملحق لتاريخ الأمير فخر الدين أنه في شهر ربيع الأول من السنة 1034هـ (1624م) “أتى لفخر الدين فرمان عال بأن يكون متولياً على ديرة عرب بستان من حد حلب إلى حد القدس ومعطى إسم جده الأمير فخر الدين سلطان البر على المقاطعات المذكورة، وذلك بمسعى من كتخداه الحاج درويش مقابل مائتي الف غرش ذهبي إلى السلطان”39.
هنا تجدر الإشارة إلى أن إعطاء لقب “سلطان البر” لجد الأمير فخر الدين المعني الثاني، الحامل إسمه (فخر الدين) مشكوك فيه، لأنه جاء في رواية مشكوك فيها، هي خطبة فخر الدين الجد أمام السلطان العثماني سليم الأول في دمشق سنة 1516، بعد إنتصار السلطان على المماليك في موقعة مرج دابق في السنة نفسها، إذ من يستحق هذا اللقب آنذاك ليس فخر الدين الذي كان أميراً غير مشهور يشتمل قطاعه على الشوف فقط، وإنما أمير بدوي هو ناصر الدين إبن الحنش الذي كانت إمارته تحيط بإمارة فخر الدين وكان الأبرز بين شيوخ وأمراء مرحلة فتح العثمانيين لبلاد الشام وبداية حكمهم فيها، ومع هذا لم يحصل على لقب “سلطان البر” مع أن باشوات السلطان سليم” ألبسوه خلعة، وتسلّم نيابة بيروت وصيدا ومقدّمية البقاع، وأعطي الأمرية الكبرى وذخيرة إبن السلطان وإقطاع نوى “40.
أفاض المؤرّخ بيجيه دي سان بيير في الحديث عن أعمال فخر الدين الثاني وإنجازاته، وإزدهار إمارته وتوسّعها، وشبّهه بملك، فقال: “ وأي ملك يستحقُّ لقب “الكبير” كفخر الدين. أربعون سنة من الفتوحات والإنتصارات والتقدّم السريع الرائع في ظل حكومة عاقلة حكيمة”41.
قلّد فخر الدين الملوك والسلاطين في التوسّع، وإنما على نطاق ضيّق، وقلّدهم في بناء القصور، وإعتبر السلطنة نقل تخم كما جاء عند مؤرّخه الخالدي الذي قال في معرض الحديث عن إنتصاره في عنجر، وأخذه أملاك آل سيفا وآل حرفوش ما يلي: “فقويت نفسه وكانت قوية من قبل ذلك وراودته نفسه على السلطنة، وقال: السلطنة نقل تخم وكلما حكمنا بلاداً نتقوّى برجالها وننتقل إلى غير، وصار يعمّر في بيروت حارة للوحوش تقليداً للسلطنة42.
إذن لقّب المؤرّخ الأوروبي بيجيه دي سان ببير فخر الدين بملك كبير. ولقبّه سائر المؤرّخين بالأمير فخر الدين الكبير، لكبره وشهرته، لا لتمييزه عن الأمراء المعنيين الذين يحملون إسمه نفسه، لأن إضافة لفظة “الثاني” كافيةٌ لتمييزه عنهم، وللدلالة عليه. لقد عُرف بلقب “الكبير” قبل فخر الدين ثلاثة من أمراء “الغرب”، هم جمال الدين حجى، وأخوه سعد الدين خضر، وناصر الدين الحسين إبن سعد الدين خضر، والأمير علم الدين سليمان الرمطوني. وعُرف بهذا اللقب بعده الأمير بشير الشهابي الثاني. لكن الأمير فخر الدين هو الأكبر بين جميع هؤلاء الأمراء، والأكبر بين سائر الأمراء والحكام الأهليين في لبنان.
إن الأمراء البحتريين التنوخيين، الذين هم أشهر أمراء المناذرة اللخميين ، عُرفوا بأمراء منطقة “الغرب” وكان توسّعهم خارج هذه المنطقة محصوراً بمدينتي بيروت وصيدا وبالقرى المجاورة للغرب. وأقصى ما بلغه الأمراء الشهابيون من نفوذ خارج لبنان هو إلتزامهم لصفد. أما فخر الدين، فقد إمتد نفوذه من حلب وانطاكية في شمال سورية، إلى غزّة في جنوب فلسطين، كما وصل شرقاً إلى تدمر، وإلى صرخد (صلحذ) في جبل حوران. وتبعاً لذلك، ولإمتلاكه الجيش القوي، والقلاع التي بلغت الثلاثين، يكون قد بلغ من السيطرة البرية ومن علو الشأن ما لم يبلغه أي أمير، أو حاكم أهلي آخر، حتى إنه ما كان ينقصه ، كما قال المحبّي سوى دعوى السلطنة.
وبالمقارنة بين فخر الدين والملوك الفينيقيين، في بعض الوجوه، يمكن القول إنه إمتلك القوة البرية، وتوسّع براً في بلاد الشام، وغدا أهم حاكم أهلي فيها في زمانه. فيما كان للملوك الفينيقيين القوى البحرية، وتوسٍّعوا غرباً في حوض البحر الأبيض المتوسط حيث أقاموا المستعمرات والمحطات التجارية، لكنهم كانوا حكاماً لممالك مدينية، قلما إتحدت، أبرزها ارواد وطرابلس وجبيل وبيروت وصيدا (صيدون) وصور، ولم تتجاوز سيطرتها البرية شرقاً حدود الجبال اللبنانية.

“عرض دوق نابولي على فخر الدين حكماً على مقاطعة تزيد مساحتها عما كان له شرط تغيير دينه، والدخول في المسيحية، فرفض فخر الدين العرض،”

الرمز والشخصية الخلافية
كان فخر الدين ككل الكبار رمزاً، وكمعظمهم شخصية خلافية. إنه من أهم الرموز في تاريخ لبنان، كما هو أحد مواضيعه الخلافية فيما يتعلّق بمذهبه ومشروعه وعلاقاته بالخارج. لم يُنظر إليه، على العموم، نظرة موضوعية خالصة، بل كثيراً ما نُظر إليه من زوايا إيديولوجية، وخلفيات سياسية مختلفة، فإذا هو عند البعض نقيض ما يراه البعض الآخر. وقد نشأ الإختلاف حوله خصوصاً بين المؤرّخين اللبنانيين، وقوي بعد تأسيس دولة لبنان الكبير في سنة 1920 بحماية فرنسية، واستمرّ بعد الإستقلال، وسيظل طالما هناك خلاف على هوية لبنان وكيانيته، وصراع داخلي فيه، فئوي أو طائفي، وصراع على تاريخه عطّل حتى اليوم محاولات إصدار كتاب التاريخ المدرسي الموحّد، في الوقت الذي أنهى إتفاق الطائف، الموقّع سنة 1989، الحرب اللبنانية، ونصَّ مع الدستور اللبناني، المعدَّل على أساسه سنة 1990، على نهائية الكيان اللبناني، وعلى انه بلد عربي فيما كان معتبراً ذا وجه عربي.
برزت عند اللبنانيين إتجاهات فكرية عدة حول الدولة والقومية، هي فكرة الدولة الإسلامية التي هي إستمرار للنهج الفكري الذي كان سائداً في عهد الدولة العثمانية، وإستمر بعد ضعفها ونهايتها.وفكرة الكيان اللبناني. وفكرة الدولة العربية. وفكرة القومية اللبنانية المقترنة بصيغة الدولة المسيحية، وجلّ أتباعها من المسيحيين المؤمنيين بالكيانية اللبنانية المقترنة عند بعضهم بضرورة الحماية الفرنسية. وفكرة القومية السورية التي عبّر عنها هنري لامنس في كتابه عن سورية الصادر سنة 1920، قبل أن يعبّر عنها حزب أسسه انطون سعادة هو الحزب السوري القومي الإجتماعي. وفكرة القومية العربية.
إن صورة فخر الدين عند أصحاب الفكرة الإسلامية هي صورة المعادي للدولة العثمانية، والنصير لأعدائها. وهي عند أصحاب الفكرات الأخرى صورة البطل القومي، إذ هو عند أصحاب فكرة القومية اللبنانية بطل قومي لبناني، وعند بعضهم معيد بناء الوحدة الجغرافية والسياسية لفينيقيا القديمة. وهو عند أصحاب فكرة القومية السورية بطل قومي سوري، وعند أصحاب فكرة القومية العربية بطل قومي عربي عمل على تحرير قومه من الأتراك. وإضافة إلى هذه الصور هناك صورة لفخر الدين عند بعض المؤرّخين، هي صورة الملتزم في نطاق الإلتزام الضرائبي السائد في العهد العثماني، فلقد كان في نظر هؤلاء يوسّع منطقة إلتزامه إنطلاقاً من إمارته في الشوف، وكان أكثر ما أعطته له الدولة العثمانية هو رتبة أمير لواء، أي أمير سنجق بيروت وصيدا وصفد، فيما اخذ العديد من الإلتزامات بأسماء أبنائه.
أُعطي لحراك فخر الدين السياسي والعسكري، وللهدف منه، أوصاف عدة، منها بناء دولة قوية ومتطوّرة، والتحرّر من الأتراك المستبدّين، حتى إن الأمير شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام، والمشهور بتأييده للدولة العثمانية الإسلامية وبدفاعه عنها، قال: إنه لو استوسق الأمر لفخر الدين كان سلطاناً مسلماً عربياً في دولة عربية في بر الشام43.
ومن الأمور الخلافية حول فخر الدين، إضافة إلى الإختلاف حول صورته وحراكه وعلاقاته الخارجية، طائفته ومذهبه، وهذا ما إنعكس على الخطاب السياسي للطوائف اللبنانية. لقد حاول البعص تنصيره وتحديداً مورنته، وإعتبره بعض المؤرّخين مسلماً سنياً، وتمسك المؤحِّدون (الدروز) بدرزيته، وافتخروا بإنجابهم أكبر شخصية في تاريخ لبنان.
كُرّم الأمير فخر الدين بكثرة الكتابات عنه. وكُرّم بأشهر المسرحيات التي تتناول مآتيه وأبرز محطات تاريخه، وإنتصاره الكبير في عنجر سنة 1623. وأُطلق إسمه على شوارع وجادات عديدة في العاصمة اللبنانية بيروت، وفي أمكنة أخرى، منها، على سبيل المثال، الشارع الرئيس في بلدة مزرعة الشوف الذي يمّْر في “حارة المسيحيين” فيما أطلق على الشارع الرئيس الآخر فيها الذي يمرُّ في “حارة الدروز” إسم الأمير بشير الشهابي الثاني، وذلك من قبيل التركيز على الوحدة الوطنية وتجاوز الطائفية.
وأُقيم لفخر الدين تمثال، بمناسبة الذكرى المئوية الثالثة لولادته، على مدخل وزارة الدفاع في اليرزة كرمز وطني نضالي، سياسي وعسكري، ونهضوي. وحين طُرحت فكرة إقامة تمثال له بهذه المناسبة في الشوف، رغب أهل دير القمر في إقامته أمام قصره ببلدتهم لأنها عاصمة إمارته. ورغب أهل بعقلين في إقامة التمثال ببلدتهم لأنها مسقط رأس فخر الدين، ومقر إمارته الأول، ومنطلقها، ومقرُّ الآباء والأجداد ، وكان لهم ما أرادوا بالإتفاق مع أهل دير القمر، مع الإشارة إلى أنه يحق لدير القمر أن يقام فيها كبعقلين تمثالٌ لفخر الدين، وخصوصاً أنه ليس في أي منهما ضريح له أو مكان يضمُ رفاته. ووضع رئيس الجمهورية سليمان فرنجية الأساس للتمثال في 6 آب 1972 ، في باحة سراي بعقلين (المكتبة الوطنية اليوم) بحضور شيخ العقل محمد أبو شقرا والنائب بهيج تقي الدين ووفد من دير القمر منه المؤّرخ جوزيف نعمة. وشّكل أهل بعقلين لجنة إسمها “لجنة تكريم فخر الدين” جمعت التبّرعات وأوكلت إلى فنّان إيطالي صنع التمثال، فأقام مدّة في بعقلين ليتعرّف على هيئة أهلها وأهل المنطقة. وقد أزاح الرئيس سليمان فرنجية الستار عن التمثال في 23 آب 1975، بعد بضعة أشهر من قيام الحرب اللبنانية، التي كانت في أحد وجوهها حروباً داخلية ذات طابع طائفي ومذهبي، كما كانت، لدخول اللبنانيين في لعبة الأمم، حروبهم من أجل الآخرين، أو حروب الآخرين على أرض لبنان.
كان من فصول الحرب اللبنانية، ومسارحها، حرب الجبل التي قامت بين قطبي الثنائية التاريخية فيه: الدروز والمسيحيين، وهي ثنائية أوجدها وعزّزها تسامح فخر الدين وقومه الدروز، بتشجيعهم وتسهيلهم إنتقال المسيحيين من جبل لبنان الشمالي إلى جبل لبنان الجنوبي، كما وردت الإشارة إلى ذلك. إنتصر المقاتلون الدروز في آخر مراحل حرب الجبل في أيلول 1983 وشباط 1984, وبعد إنتصارهم جرى نسف تمثال فخر الدين في بعقلين كردّة فعل فورية على تصريح أحد خصومهم، عند خروجه من القصر الجمهوري في بعبدا، وقوله: “نحن أبناء فخر الدين”، ولسبب رئيس أهم من ذلك بكثير، هو التعبير عن النقمة على المارونية السياسية وتزويرها للتاريخ، إذ إنها في الوقت الذي قامت بهذا التزوير، وغالت في تمجيد فخر الدين، وأدلجة شخصيته خدمة لمشروعها السياسي، عملت ميليشياتها على زعزعة أسس الثنائية الدرزية المسيحية التي أوجدها فخر الدين من خلال مشروعها الفئوي الانتحاري، وصعود مقاتليها مع الدبابات الإسرائيلية إلى الجبل أثناء الإجتياح الإسرائيلي، ومقاتلتهم للدروز، وتهديدهم إياهم بالتهجير.

قصر الأمير فخر الدين في دير القمر
قصر الأمير فخر الدين في دير القمر

تناول المؤرّخ كمال الصليبي مسألة نسف تمثال فخر الدين وتزوير المؤرخين الموارنة للتاريخ، وإستياء الدروز من هذا، وذلك في معرض حديثه عما سمّاه “الحرب حول تاريخ لبنان” في كتابه “بيت بمنازل كثيرة” الصادر في سنة 1990، فقال:
“جاء أول تعبير عن هذه النشوة [ نشوة الإنتصار] بين الدروز نسفاً لتمثال فخر الدين في بعقلين، وإزاحة حطامه جانباً. وبدا هذا لغير الدروز أمراً غريباً خصوصاً ان صورة الأمير نفسه بقيت تحتل المكان المخصّص لها في قاعة قصر آل جنبلاط التاريخي ببلدة المختارة. ولم يكن هناك بين اللبنانيين – ومنهم الدروز- من يشك في أن شخصية فخر الدين، في تاريخ لبنان حرية بالإجلال الخاص من جميع أبناء البلاد، لكن نسف تمثال هذا الأمير، وفي الوقت الذي تمَّ فيه بالذات، كان عملاً رمزياً له مغزاه العميق بالنسبة إلى الدروز. فالأمير هذا كان في أيامه شخصية درزية إختلف في شأنها إلى أن جاء المؤرّخون فأمعنوا في تمجيدها وفي التضخيم بالمنصب الذي كانت تحتله خدمةً لأغراض مسيحية خاصة لا علاقة لها بالشخصية التاريخية. وهكذا فإن تلك الشخصية البرونزية التي أسقطت عن قاعدتها أرضاً ثم ألقيت بقاياها في المهملات، كانت تمثّل فخر الدين بتمجيده المسيحي الذي لا يستحقه. وكان تمثاله قد أقيم في مسقط رأسه بالشوف من قبل المؤسسة المسيحية اللبنانية الحاكمة ليقف شخصه التاريخي المزيّف شاهد زور على ما قامت به هذه المؤسسة نفسها من التزوير بشأن تاريخ لبنان. أما الصورة التي بقيت تحتل مكانتها في قصر المختارة، فهي تمثّل من ناحيتها شخصية فخر الدين التاريخية الحقيقية التي كان للدروز قبل غيرهم أن يقولوا كلمة الفصل بشأنها”44
بعد ثلاثين سنة من نسف تمثال فخر الدين في بعقلين، وُضع تمثال بدلاً عنه يختلف عنه بإختلاف الجهة الذي وضعته والرمز الذي تراه فيه، وهو الرمز الذي ظل له في الصورة الحقيقية المائلة في أذهان الدروز، وبإختلاف إسم المكان وشكل التمثال. كان إسم المكان سراي بعقلين، وفيها سجن يكتنفه الظلام، وربما المظلومية، كان فيه عند مهاجمته وإطلاق سراح المسجونين منه، في بداية الأحداث اللبنانية ، عشرات المساجين، وقد حوّله الزعيم وليد بك جنبلاط إلى مكتبة وطنية إفتتحها في 13/3/1987، وغدت مركز ثقافة، ومنارة فكرية. وكان التمثال القديم يظهر فخر الدين ممتطياً جواداً، وشاهراً سيفاً كأنه احد الفاتحين، فيما التمثال الجديد يظهره راجلاً واضعاً يده على سيف في وسطه اي في وضع المتأهّب للقتال، وللدفاع، وقد أزيح الستار عنه في 8 تشرين الثاني 2014 في إحتفال أقيم برعاية النائب وليد بك جنبلاط.
وبعد إنتهاء حرب الجبل بثلاثين سنة، والحرب اللبنانية بأربع وعشرين سنة، لا تزال تجري في لبنان حرب باردة، وفصول من الحرب الساخنة، كما لا يزال مهدّداً في أمنه ووجوده وكيانه ومصيره. وكان من المفروض أن تقوم فيه دولة على غرار ما أنشأه فخر الدين، بل افضل بكثير من ذلك، نظراً لتوافر الإمكانيات وإنفساح المجالات واختلاف الظروف. كما من المفروض ان تكون هناك كتابة صحيحة لتاريخ لبنان كأحد الأدلة على إنتهاء، الحرب فيه، وأحد العوامل التي تحول دون تجدّدها. إلا ان الحرب على تاريخ لبنان لا تزال قائمة، ومن مواضيعها الخلافية شخصية فخر الدين. وإذا كان من الطبيعي إستمرار الإختلافات حوله عند واضعي كتب التاريخ العام، فإنه من غير المنطقي بقاؤها في كتب التاريخ المدرسي الذي يُدرّس لجميع تلاميذ لبنان.
إن ما ورد ذكره عن التفسيرات والتقييمات المختلفة لجوانب من شخصية فخر الدين ورمزيته، ناتج من إختلافات وجهة النظر إليه. لكن هناك ما يجمع بين المؤرّخين الذين كتبوا عنه، وهو إقرارهم بعظمته، إذ إن الجميع يعترفون بأنه رمز تسامح وتوحيد، ورمز نهضوي، وأكبر حاكم عرفه لبنان، وواضع أسس كيان لبنان، وقائد صنع الأحداث، وقام بدور كبير هو أحد الشواهد على أهمية قومه الدروز في بلاد الشام، وأفضل مثل عن كبر دور اللبنانيين بالرغم من قلة عددهم، وكبر دور لبنان بالرغم من صغر مساحته.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader