الانتدابُ الفَرنسيّ وحلُّ المسألة السوريّة

من الثّورة إلى الاستقلال

الانتداب الفرنسي
0 16

حاول اللّبنانيّون الانفصاليّون، قطع الطريق على أيّ اتّفاق سوري فرنسي يعيد الأقضية الأربعة للسّيادة السوريّة، فبادروا إلى طرح مشروع دستور على المجلس التشريعي، فيه تثبيت لحدود لبنان كما أقرّتها سلطة الانتداب زمن الجنرال غورو، فطلبت الحكومة السوريّة من المفوّض السامي عدم الموافقة على الدستور، لحين انتهاء المفاوضات بين لبنان وسورية حول الحدود المُشترَكة بين البلدين، ولمّا وافق على ذلك الطلب، ثار اللّبنانيون عليه، فتراجع ونشر الدستور اللبناني المُقدَّم في ١٩٢٦.  لقد أدّى نشر الدستور اللبناني إلى استياء السورييِّن، فعادت الثورة واشتدّت في جبل الدروز، وامتدّت إلى باقي المناطق السورية.  استقال وزراء الكتلة الوطنية الثلاثة، فجرى اعتقالهم وإرسالهم إلى المنفى.  لم يستطع المفوّض السامي تقديم تنازلات للحركة الوطنية السورية، بسبب تعنُّت الحكومة اليمينية في فرنسا، التي رفضت الاعتراف بأنَّ الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان مؤقَّتاً، فلجأت الكتلة الوطنية مُمثّلة بالأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري إلى تدويل المسألة السورية عن طريق توجيه مذكّرة إلى لجنة الانتداب في جنيف في ٧ حزيران، لم تلقَ تلك المذكّرة استجابة لدى عصبة الأُمم.  غير أنَّ تغيّر المُعطيات الدوليّة بعد ذلك التاريخ نتيجة تداعيات الحرب العالميَّة الأولى على العلاقات الدولية، ومُناخات الأزمة القادمة على أوروبا، جعلت حكومة باريس تقبل التفاوض في جنيف مع الأمير شكيب أرسلان وميشال لطف الله وإحسان الجابري، لوضع حدٍّ للثورة السورية، ولكن المفاوضات ما لبثت أن فشلت بضغط من اللّوبي الاستعماري في فرنسا، فقدَّم المفوض السامي دي جنوفنيل استقالته، وخلفه في منصبه هنري بونسو، الذي كانت في مقدَّمة أولويَّاته القضاء على الثَّورة السوريّة، وإيجاد حل للمسألة السورية في ضوء مصالح فرنسا في سورية ولبنان(١).

وبين عامي (١٩٢٦-١٩٣٦)، كانت السياسة الفرنسيّة يتنازع موقفَها من حلِّ المسألة السورية رؤيتان: الأولى – تُمثِّل وجهة الحكومات اليمينية، والتي عبَّر عنها بوضوح مندوب المفوَّض السامي في دمشق (بيار أليب).  والثانية – وجهة نظر فريق المعتدلين ممثّله بالكولونيل كاترو رئيس دائرة الاستخبارات.  وقد وقف الأوّل موقفا “معارضاً” من السياسة التي كانت الحكومة الفرنسية قد رسمتها، بإقامة نظام ديمقراطي تمثيلي في البلاد، مُعتبِراً أنَّ الشعب السوري الذي خسر الحرب، لا يستحق منحه فرصة لكسب السلام، بل كان يدعو إلى استعمال القوَّة في إخضاع رجال الحركة الوطنية أو كسبهم عن طريق المال والوظائف.  أمّا وجهة نظر الفريق المعتدل فكانت تقول بأنّ فرنسا قد أضاعت على نفسها فرصة نادرة لكسب سورية يوم ميسلون لو أنَّها لم تدخل دمشق حرباً؛ وتبنَّت مواقف الاتّجاه السوري الوحدوي، عندها كان من المُمكن تحقيق الوحدة السوريّة لمصلحة فرنسا، ويكون احتلال دمشق عملاً “تحريريًّا”(٢).

هنري بونسو

تبنَّى المفوّض السامي الجديد بونسو وجهة النّظر الثانية، ونقلها معه إلى باريس. تجاوبت الحكومة الفرنسيّة معها، وفوّضته في أوائل ١٩٢٧، لوضع معاهدة تحالف مع سورية، وكان لتلك المساعي أثر طيِّب لدى السورييِّن فتوقفت الثورة المسلّحة. وكُلِّف الشيخ تاج الدين الحسني (١٥ شباط ١٩٢٨) بتأليف حكومة مؤقَّتة، لانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستوراً للبلاد، كما أصدر بونسو عفواً عن بعض السياسيين، وقام بإلغاء حالة الطوارئ، وقد جرت الانتخابات فعلاً، وفاز بها رجال الكتلة الوطنية (٣). وفي ٩ حزيران، اجتمع المجلس التأسيسي السوري، ووضعت اللَّجنة المختصَّة برئاسة إبراهيم هنانو، مشروع الدّستور، مُعْلنة أنَّ سورية دولة مستقلّة وذات نظام جمهوري، وأنّ الأمّة وحدها هي مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية.  وقد نصَّ المشروع على مادّة تؤكّد بأن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزّأ، ولا عبرة لكلّ تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب؛ الأمر الذي أثار احتجاج اللبنانييِّن، فاغتنم المفوَّض السامي الفرصة طالباً تعديلها وإلغاء خمس مواد أُخرى تتعارض مع نظام الانتداب، وردَّ أعضاء المجلس بأنّ وضع الدستور هو من حقِّهم وحدهم.

اقترح المفوَّض السامي حلًّا وسطاً على هاشم الأتاسي بالنّص على أنَّ أحكام هذا الدستور لا يجوز أن تخالف التعهُّدات التي قطعتها فرنسا على نفسها، فرفض السوريون هذا الاقتراح، وطلب رجال الكتلة الوطنيَّة الإبقاء على الدستور كما هو عليه، والدخول في مفاوضات حول المعاهدة مع فرنسا.  رفض بونسو هذا الاقتراح، واتَّخذ قراراً في شباط ١٩٢٩ بتعليق اجتماعات المجلس التأسيسي، وقام بمعاونة حكومة الشيخ تاج الدين الحسني بوضع دستور جديد للبلاد جاعلاً من الانتداب السّلطة العليا، فقوبل باستياء شعبي شديد.

حمل الوضع المُضطرب في سورية ولبنان من سياسات الانتداب واقتراب خطر الحرب على أوروبا نتيجة صعود الحكومات الفاشية الحكومة الفرنسية على الطلب من مفوضها السامي دي مارتيل مفاوضة الأحزاب الوطنية في أمر إنهاء الانتداب، والتفاوض على معاهدة حول ذلك.

هاشم الأتاسي

في ٤ نيسان شُكِّل الوفد السوري المفاوض برئاسة هاشم الأتاسي.  كان هناك اتفاق حول كلّ المسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلّا أنّه كان هناك خلاف حول مسألة الأقلِّيّات، إذ أصرّ الفرنسيّون على ادّعاء حمايتها، ورفض السوريون الاعتراف بهذا الحق، وكادت المفاوضات أن تفشل لولا صعود وفوز الجبهة الشعبيَّة وتشكيلها الحكومة الفرنسية الجديدة، والتي قبلت التوقيع على نصّ المعاهدة في أيلول ١٩٣٦.  اعترفت فرنسا بموجبها باستقلال سورية ووحدة أراضيها؛ الأمر الذي شجّع اللبنانييّن على المطالبة بإنهاء الانتداب، بموجب معاهدة مُماثلة مع فرنسا، وانتهت المفاوضات بين الجانبين، بالتوقيع على المعاهدة في بيروت بتاريخ ١٣ تشرين الثاني سنة ١٩٣٦. استغلَّت تركيا مناسبة إعلان فرنسا عزمها على إنهاء الانتداب على سورية لمطالبتها بإعلان استقلال لواء اسكندرون، بمذكّرة صادرة عنها بتاريخ ١٧ تشرين الثاني ١٩٣٦، ولمّا لم تلقَ تجاوباً، لجأت إلى عُصبة الأُمم، وقد لقيت هناك دعم بريطانيا التي كانت حريصة على استرضاء الأتراك مع اقتراب نُذُر الحرب على أوروبا، فتمَّ الضغط من قبلها على الحكومة الفرنسية، لقبول التفاوض مع الأتراك حول لواء اسكندرونة.  كانت مزاعم تركيا باطلة في كل الأوجه، ورغم ذلك رضخت فرنسا لضغوط حليفتها بريطانيا، ووافقت على إعادة تعديل الحدود بين سورية وتركيا (٤).

لم تصادق فرنسا على اتّفاقية ١٩٣٦، لتحلّ المعاهدة محلّ الانتداب برغم مضي مهلة الثلاث سنوات المنصوص عليها في المعاهدة، بسبب المعارضة البرلمانية اليمينية للاتفاقيّة؛ الأمر الذي منع الحكومة الفرنسيَّة من تقديمها إلى البرلمان والمصادقة عليها، وحين فقد الاشتراكي ليون بلوم السلطة سنة ١٩٣٧، هاجم اللوبي الاستعماري الاتفاقية، إذ كانت الرّغبة الفرنسيّة بالبقاء في سورية أقوى من الخروج منها، أوّلاً: حمايةً لمصالحها الاقتصادية، وثانياً؛ لمنع انتشار العروبة إلى شمال أفريقيا.

وبين عامي (١٩٣٦ – ١٩٣٩) أثارت التعديلات التي قبل بها رئيس مجلس الوزراء جميل مردم على معاهدة ١٩٣٦ خلافات شديدة داخل حزب الكتلة الوطنية من ناحية، وأدَّت إلى صراعات حادَّة داخل الحركة الاستقلاليَّة في سورية بين حزب الكتلة الوطنية بقيادة جميل مردم، وحزب الشعب بقيادة عبد الرحمن الشهبندر من ناحية أخرى انتهت باغتيال الدكتور الشهبندر في ٦ تموز ١٩٤٠ بدمشق (٥).

كان لاندلاع الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ نتائج عميقة على مصير سورية، فالحرب غيّرت البلد، إذ مهَّدت الطريق أمام الاستقلال عن فرنسا.  وقد سمح الحضور البريطاني القوي فيها أثناء الحرب، بترك هامش مناورة أمام الحركة الاستقلاليّة، عدَّل في ميزان الصّراع مع فرنسا لمصلحتها.

أدّت هزيمة فرنسا واحتلال باريس سنة ١٩٤٠ من قِبَل ألمانيا، وتعيين الجنرال إنري دنيتز الموالي لحكومة فيشي مندوباً سامياً على سورية ولبنان، وتقديمه الدّعم لألمانيا أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني ضدّ بريطانيا في العراق عام ١٩٤١، إلى احتلال سورية من قبل القوّات البريطانيّة بالاشتراك مع قوّات فرنسا الحرّة، الأمر الذي صعَّد العداء بين الطّرفين؛ حيث كانت بريطانيا تصرُّ على أن تمنح فرنسا سورية استقلالها، بينما الجنرال ديغول كان يريد البقاء فيها، واستعادة فرنسا مكانتها العالميّة كقوّة استعماريَّة.

بعد تحرير فرنسا سنة ١٩٤٤، حاولت الضغط على سورية ولبنان للتوقيع على معاهدات معها، فلمّا قوبل طلبها بالرّفض، حرّكت قوَّاتها الخاصة الأمر الذي فجَّر التظاهرات في دمشق وبيروت وانتشرت الأعمال المُناهضة للفرنسييِّن في جميع مناطق سورية، فردَّ الفرنسيُّون على ذلك بقصف مدينة دمشق وتدمير البرلمان السوري في ٢٩ أيار عام ١٩٤٥، ونتيجة الضّغوط الدوليّة على فرنسا، انسحبت القوَّات الفرنسية من سورية في ربيع ١٩٤٦، وما أن حلَّ شهر آب حتى انسحب الفرنسيُّون من لبنان.


المراجع:
  1. ستيفن لونغريغ، تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة ص٢١٨ – ٢٢٤.
  2. عادل إسماعيل، السياسات الدوليّة، ج٥، ص117 – ١٢١.
  3. ستفين لونغريغ، تاريخ سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة، ص ٢٣٠.
  4. د.حسام النايف، لواء اسكندرون، حكاية وطن سُلِب عنوة، وزارة الثقافة السورية، ص١١٨.
  5. فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص٦٢٣ – ٦٤١.
تعليقات
Loading...
preloader