الثلاثاء, تموز 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الثلاثاء, تموز 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

أزمات متلاحقة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

أظهرت الحرب الأخيرة وما رافقها من تطورات دولية متسارعة وتداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، أن الاقتصاد العالمي قد دخل مرحلة جديدة يُطلق عليها الخبراء «اقتصاد الأزمات»، حيث أضحت الأزمات المتلاحقة سمة من سمات النظام الاقتصادي العالمي. ويأتي ذلك بعد مرحلة طويلة ازدهرت خلالها العولمة الاقتصادية، القائمة على انسياب السلع ورؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج والتوريد عبر الحدود، والتي طبعت الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن العشرين وحتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ارتفاع معدلات التضخم والمديونية

بدأت ملامح هذا التحول بالظهور مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وأدت إلى تباطؤ نمو التجارة الدولية، لتليها عام 2020 جائحة “كوفيد-19” التي فاقمت الاختلالات القائمة، بعدما تسببت في اضطراب غير مسبوق لسلاسل الإنتاج والإمداد. ولم تكد الاقتصادات العالمية تتعافى من تداعيات الجائحة حتى اندلعت الحرب الروسية-الأوكرانية، التي أطلقت أزمة طاقة حادة في أوروبا وأزمة غذاء عالمية، لتتوالى بعدها الصدمات الاقتصادية والمالية بوتيرة متسارعة.

بالتوازي مع هذه التطورات، برز التضخم كأحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. فقد ارتفع معدل التضخم العالمي إلى نحو 8.7% في عام 2022، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ ما يقارب أربعة عقود، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد كلفة النقل والإنتاج. الأمر الذي دفع البنوك المركزية إلى اعتماد سياسات نقدية متشددة، حيث رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة من مستويات تقارب الصفر في مطلع عام 2022 إلى أكثر من 5% خلال أقل من ثمانية عشر شهرًا، في واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي في تاريخه الحديث.

ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت في الحد من الضغوط التضخمية وتجنب ركود عالمي حاد، فإنها رفعت كلفة خدمة الدين العام وزادت الضغوط على الحكومات والشركات والأفراد. وقد تزامن ذلك مع بلوغ المديونية العالمية مستويات قياسية، حيث تجاوز إجمالي الدين العام العالمي 324 تريليون دولار مطلع عام 2025، أي ما يعادل نحو 325% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأمر الذي زاد من هشاشة الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل وقلّص قدرتها على تمويل مشاريع التنمية والاستثمار.

عودة إلى الحمائية الاقتصادية

وقد كان لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب دور بارز في تسريع هذا التحول، من خلال تبني نهج اقتصادي يقوم على الحمائية التجارية، وفرض الرسوم الجمركية، وإعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية، وتشجيع إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة. ومع تصاعد التوترات التجارية، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، ثم تفاقم النزاعات والحروب الإقليمية والعقوبات الاقتصادية، بدأت العولمة تفقد بعضاً من زخمها الذي تمتعت به لعقود.

وأدى ذلك إلى إعادة رسم خرائط التجارة العالمية والاستثمار الدولي، وإلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد المتبادل بين الدول، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي والسيادة الاقتصادية وتأمين السلع الاستراتيجية تتقدم في كثير من الأحيان على اعتبارات خفض الكلفة والكفاءة الاقتصادية. وهكذا فرضت التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة واقعًا اقتصاديًا جديدًا، أعاد تشكيل قواعد التجارة والاستثمار الدوليين.

الحرب الأخيرة وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي

أما الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران فلم تؤدِّ إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من خلال آثارها العسكرية المباشرة فحسب، بل من خلال تعميقها للأزمات التي تجتاح النظام الاقتصادي الدولي. فقد كشفت هذه الحرب مدى ارتباط الاقتصاد العالمي بالمخاطر الجيوسياسية، وأظهرت أن أي مواجهة عسكرية في منطقة الخليج أو غيرها من المناطق الاستراتيجية في العالم، قادرة على إحداث تداعيات تتجاوز حدود الإقليم لتطال أسواق الطاقة والتجارة والمال في مختلف أنحاء العالم.

كما أعادت هذه الحرب هاجس أمن الطاقة العالمي إلى الواجهة، ولا سيما ما حدث في أزمة سبعينيات القرن الماضي، نظراً إلى الموقع الاستراتيجي لإيران المشرف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. وقد أدى تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات وعلى معدلات التضخم العالمية.

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية، من خلال تنويع مصادر الطاقة وسلاسل التوريد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الممرات التجارية الحساسة، بما يحد من آثار أي اضطرابات جيوسياسية مستقبلية. وعلى الصعيد المالي، ومع ارتفاع حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، لجأت الدول والمستثمرون إلى الأصول الآمنة، ولا سيما الذهب والفضة.

مرونة وتنويع لمواجهة اقتصاد الأزمات

تكشف هذه التحولات مجتمعة أن الاقتصاد العالمي لم يعد محكوماً بمنطق العولمة التقليدية الذي ساد لعقود، بل دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية. ففي عالم تتزايد فيه الصراعات والتوترات الجيوسياسية، لم تعد قدرة الدول تُقاس فقط بحجم إنتاجها أو معدلات نموها، بل أيضاً بقدرتها على الصمود أمام الصدمات وتأمين احتياجاتها الحيوية والحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

ومن هنا، يبدو أن «اقتصاد الأزمات» لن يكون مرحلة عابرة، بل إطاراً حاكماً للاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور، ما يفرض على الدول إعادة صياغة سياساتها الاقتصادية على أسس أكثر مرونة واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة. ففي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، ستبقى المرونة الاقتصادية، والحوكمة الرشيدة، والابتكار المستدام، الركائز الأساسية لضمان الاستقرار والازدهار.

العالم يتأرجح بين الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة

بعدما كانت المخاوف من التغير المناخي، الناجم عن انبعاثات الوقود الأحفوري، تضغط باتجاه الحد من التوسع في استخدام النفط والغاز، وتشجع على زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة؛ يأتي استمرار الطلب على النفط والغاز في ظل تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وبوتيرة متزايدة، ليؤكد على الأهمية التي لا تزال تتمتع بها الطاقة التقليدية. ولا سيما أن التحول الطاقوي هو عملية تدريجية وطويلة الأمد، لا بد من أن يتم من خلال انتقال منظّم ومتوازن يراعي حاجات الاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات.

طاقة متجددة تنمو بوتيرة متسارعة

وظل هذا التحول بطيئاً على الرغم من أن نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في المزيج الطاقوي العالمي هي في ارتفاع مُطَّرِد، وأصبحت اليوم في صلب استراتيجيات الطاقة لدى الدول. حيث تُسهم الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء بنحو 34% على مستوى العالم، وقد ارتفع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة خلال عام 2025 إلى نحو 692 غيغاواط، بزيادة 15.5% عن العام الذي سبقه. أما حصتها من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في قطاعات النقل والتدفئة والصناعة فلا تتجاوز الـ 18%..

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمو السريع للطاقة المتجددة لا يكاد يكفي لتلبية الطلب الإضافي على الطاقة، وليس لزيادة حصتها في مزيج الطاقة. فهي، وعلى الرغم من تقدم تقنياتها وتطور أدواتها بسرعة لتشغل حيزًا أوسع ودورًا أكبر في مستقبل الطاقة، إلا أنها لا تزال تحتاج إلى مزيد من الوقت لتطوير البنية التحتية وتكنولوجيا التخزين حتى تصبح قادرة على تلبية الطلب على الطاقة بمفردها.

الطاقة التقليدية والدور المحوري

في المقابل، يستمر الوقود الأحفوري (فحم، ونفط، وغاز) في الاحتفاظ بدوره المحوري في منظومة الطاقة العالمية والمزيج الطاقوي نتيجة جملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية والتقنية. ويأتي في مقدمة هذه العوامل النمو السكاني والتوسع العمراني المتواصل، إلى جانب تنامي احتياجات قطاعات الصناعة والنقل، وارتفاع استهلاك الكهرباء في الاقتصادات الناشئة.

ومن هذه العوامل أيضًا أن قطاعي النفط والغاز يتمتعان بواحدة من أضخم البنى التحتية العالمية، تشمل الحقول والأنابيب والمصافي ومحطات التخزين والمرافئ، فضلاً عن أعقد شبكات سلاسل الإمداد والناقلات التي تؤمن تدفق أكثر من 100 مليون برميل يوميًا من مواقع الاستخراج إلى المستهلكين النهائيين، الأمر الذي يمنحهما أفضلية استراتيجية لا تزال الطاقة المتجددة عاجزة عن مجاراتها بالكامل.

وتبلغ قيمة سوق الخدمات اللوجستية المخصصة لسلاسل إمداد النفط والغاز نحو 234 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى أكثر من 400 مليار دولار بحلول عام 2035. وتمثل القيمة الإجمالية لقطاع الطاقة ككل، بما في ذلك الإنتاج والتكرير والتوزيع، تريليونات الدولارات، حيث تتجاوز قيمة السوق العالمية للقطاع 8.7 تريليونات دولار.

وقد أدى الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والطفرة في إقامة مراكز البيانات والتوسع الكبير فيها، إلى تسجيل مستويات غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، الأمر الذي جعل مصادر الطاقة المتجددة، بمفردها، غير قادرة على تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة.

وفي الوقت الذي كانت تسعى فيه العديد من الدول إلى التخلص من المفاعلات والمحطات العاملة على الفحم لإنتاج الكهرباء، جاءت الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، لتدفعها إلى العودة إلى استخدام الفحم في إنتاج الكهرباء والتريث في تدمير المفاعلات المتبقية.

ومن اللافت أن مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما الشمس والرياح، عززت من استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء، بحيث أدت إلى أن يُؤدي الغاز دورًا حيويًا في استقرار الشبكة من خلال تأمين طاقة تحميل أساسية، والحؤول دون الانقطاعات الواسعة التي تطرأ على الطاقة المتجددة، بدلًا من تحييده والحد من استخدامه. ولا سيما أن كلفة استخدام الغاز تبقى أقل من كلفة تخزين الفائض من الطاقة المتجددة.

وعلى الرغم من أن التوسع في استخدام السيارات الكهربائية يُقلل تدريجيًا من الطلب على وقود النقل البري، إلا أنه لا يلغي الحاجة إلى النفط في إنتاج وقود الطائرات والسفن والشاحنات الثقيلة، كما لا يلغي دوره في صناعة البلاستيك والأسمدة والمواد الكيميائية والصناعات الثقيلة والبتروكيميائية وغيرها من الصناعات.

تحديات الطاقة المتجددة

وتجدر الإشارة إلى أن التحول إلى الطاقة المتجددة يواجه تحديات عديدة، أبرزها: ارتفاع التكاليف الاستثمارية الأولية، وتقلبات (انقطاعات) الإنتاج المرتبطة بالعوامل المناخية، والنقص في البنية التحتية لشبكات الكهرباء، بالإضافة إلى الحاجة الماسة إلى حلول عملية لتخزين الطاقة، فضلًا عن المعوقات المتعلقة بتوفر الأراضي والمساحات.

محاذير التحول الطاقوي

إن الإسراع في التخلي عن المصادر التقليدية قد يؤدي إلى أزمات في الأسعار والإمدادات، بينما التباطؤ في التحول المتجدد يفاقم المخاطر البيئية والمناخية. والتحدي الحقيقي أمام الدول لا يكمن في الاختيار بين النفط والغاز أو الطاقة المتجددة، بل في إدارة الانتقال بينهما بأقل كلفة اقتصادية واجتماعية ممكنة.

ولذلك، ستظل الطاقة التقليدية حاضرة بقوة في مزيج الطاقة العالمي، خاصةً في القطاعات التي يصعب تحويلها إلى بدائل نظيفة. وبالتالي، يحافظ النفط والغاز على مكانتهما ليس لأنهما الخيار الأفضل بيئيًا، بل لأنهما لا يزالان الخيار الأكثر جاهزية وكثافة ومرونة في العديد من الاستخدامات الحيوية.

ترامب يدعم الطاقة التقليدية

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يؤدي دورًا محوريًا في تعزيز دور الوقود الأحفوري واحتفاظه بحصة وازنة في المزيج الطاقوي، بتشجيعه حفر المزيد من الآبار: “احفر، صغيري، احفر” (Drill, baby, drill) وزيادة إصدار تراخيص الحفر والتنقيب، واستخدام سلطاته لدعم قطاع الفحم، فضلاً عن تقليص دعم الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى سحب الولايات المتحدة مجدداً من اتفاقيات المناخ الدولية.

طاقة تقليدية ومتجددة

وعليه، يمكن القول إن النفط والغاز لم يستعيدا مكانتهما لأن العالم تخلى عن طموحاته البيئية، بل لأن الواقع كشف حدود الانتقال السريع وغير المتوازن. فالطاقة المتجددة هي مستقبل الطاقة وآفاقها الواعدة، لكنها لم تصبح بعد وحدها عماد الحاضر. واليوم ينتظر العالم استكمال الأبحاث حول الاندماج النووي “وشموسه الصغيرة”، بعد أن تخطت تجاربها حاجز توليد طاقة تفوق الطاقة المستهلكة في التفاعلات، ليصبح لديه طاقة نظيفة لا تنضب.

وحتى ذلك الوقت، سيبقى النفط والغاز يشكلان صمام أمان للاقتصاد العالمي، وركيزة أساسية لأمن الطاقة، وأداة لا يمكن الاستغناء عنها في مرحلة يبدو أنها لا تزال طويلة ومعقدة.

تداعيات الحرب وأزمة الأسمدة على الزراعة في لبنان والعالم

تتسبب الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على دول المنطقة في تعطيل التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، جراء عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، بحيث أصبح العالم يواجه واحدة من أسوأ أزمات الطاقة في تاريخه الحديث، والتي تُعيد إلى الذاكرة أزمة سبعينيات القرن الماضي. ولا تقتصر الأزمة التي يواجهها العالم اليوم على النقص المستمر في إمدادات الطاقة منذ نحو ثلاثة أشهر، بل تشمل النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية، فالمضيق هو أيضًا ممر تجاري حيوي يربط الخليج العربي بالعالم.

ذلك أن اضطرابات سلاسل الإمداد لا تقتصر تداعياتها على سوق الطاقة وحده، بل تمتد لتشمل باقي القطاعات الاقتصادية. وينطبق ذلك على إمدادات الأسمدة الزراعية، التي يُسبب تراجعها—إلى حد التوقف—تركَ المزارعين في معظم أنحاء العالم بلا المدخلات اللازمة لنمو محاصيلهم. ومن شأن هذا الواقع أن يمهّد لأزمات متداخلة، وفي مقدمتها أزمة الغذاء، التي تهدد الأمن الغذائي العالمي جراء النقص المتوقع في الإنتاج الزراعي مستقبلًا، في ظل اعتماد الزراعة الحديثة بدرجة كبيرة على الأسمدة واستقرار سلاسل إمدادها.

وعلى الرغم من أن التركيز قد انصب مؤخرًا على النقص في إمدادات النفط والغاز في ظل عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أن تراجع إمدادات الأسمدة الزراعية يُشكل صدمة بالغة الأهمية، تتشكل من دون الضجيج الذي يُحدثه النقص في إمدادات الطاقة، نظرًا لما لها من تأثير كبير على المنتجات الغذائية وسلاسل إمدادها العالمية. كما أن قطاع الأسمدة الزراعية يُعدّ أحد أكثر القطاعات تسببًا في ارتفاع معدلات التضخم، وهي مسألة يتم تجنب التطرق إليها حاليًا، أو بالأحرى التقليل من شأنها.

فالتضخم عند حدوثه، لا تنحصر آثاره في القطاع الزراعي فحسب، بل تمتد لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية. ومن الدروس المتكررة في تاريخ الأسواق أن الضغوط التضخمية غالبًا ما تبدأ في الظهور في مجالات لا تحظى بالاهتمام الكافي من قبل معظم الاقتصاديين. وقد أظهرت موجات التضخم في سبعينيات القرن الماضي، كيف يمكن للتراجع التدريجي في عرض السلع الأساسية وتزايد العجز عن تلبية الطلب أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتصاعد معدلات التضخم.

ويأتي النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية في وقتٍ حرج لنصف الكرة الشمالي، لكونه يُمثّل موسم الزراعة الرئيسي، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاجية المساحات المزروعة وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية. وفي هذا الإطار، أوضح كارل سكو (Carl Skau)، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي (FAO)، أن هذا يعني، في أسوأ الأحوال، انخفاضًا في المحاصيل وفشلاً في الموسم القادم. وفي أفضل الأحوال، ستُضاف تكاليف المدخلات المرتفعة إلى أسعار المواد الغذائية في العام المقبل.

ويُعد كل من النيتروجين والفوسفات من أبرز مكونات الأسمدة المهددة بخطر النقص في إمداداتها نتيجة الحصار المفروض على مضيق هرمز، حيث كانت دول الخليج تصدر نحو نصف إمدادات “اليوريا” العالمية، بما يتراوح بين 46% و49% من المعروض العالمي. وتُشكّل هاتان المادتان عنصرين أساسيين في صناعة الأسمدة الزراعية، إذ تسهمان في تعزيز خصوبة التربة، وتسريع نمو المزروعات، وزيادة إنتاجيتها، ولا سيما للمحاصيل الغذائية الأساسية مثل القمح والذرة والأرز.

وفي الوقت الذي تمتلك فيه دول عديدة احتياطيات من الأسمدة ومدخلاتها، تواجه دولٌ أخرى نقصًا حادًا وتعتمد بشكل كبير على منطقة الخليج لتأمين إمداداتها من هذه الأسمدة. وقد ينعكس هذا النقص سلبًا في الأشهر المقبلة على التبادل التجاري خارج منطقة الخليج، مع تركيز الدول على تلبية احتياجاتها المحلية. في الهند، على سبيل المثال، تُعطي الحكومة الأولوية حالياً لتلبية السوق المحلية، وتستخدم مخزونها من اليوريا لإنتاج الأسمدة.

وقد حذر سفين توري هولسيثر (Svein Tore Holsether)، الرئيس التنفيذي لشركة يارا (Yara)—وهي إحدى أكبر شركات إنتاج الأسمدة في العالم—في أوائل أيار/مايو، من أن عرقلة التجارة العالمية الناجمة عن الحرب على إيران قد تتسبب في خسارة تصل إلى 10 مليارات وجبة أسبوعيًا على مستوى العالم، وسيكون تأثير ذلك أشد وطأة على البلدان الأشد فقرًا. ​​

ويعتبر هولسيثر أن هناك على مستوى العالم حاليًا نقصًا في إنتاج الأسمدة النيتروجينية يُقدَّر بنحو نصف مليون طن بسبب الوضع الراهن. كما أن انخفاض غلة المحاصيل نتيجة محدودية استخدام الأسمدة قد يؤدي إلى حرب أسعار على المنتجات الغذائية. وقد حثّ الدول الأوروبية على دراسة تأثير حرب الأسعار المحتملة بعناية على الفئات الأكثر ضعفًا في البلدان الأخرى.

كما أكد هولسيثر أن النقص في استخدام الأسمدة النيتروجينية قد يُقلل من غلة بعض المحاصيل بنسبة تصل إلى 50% في الموسم الأول. وعلى الرغم من أن سوق الأسمدة سوق عالمي، إلا أن الوجهات الرئيسية لشحنات الأسمدة هي آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث ستشهد هذه المناطق التأثير الأسرع والأكثر مباشرة. وأضاف أن ذلك قد يُفاقم المشكلة في مناطق العالم التي تعاني أصلاً من نقص استخدام الأسمدة، مثل منطقة الصحراء الكبرى في جنوب أفريقيا.

ويرتبط إنتاج الحبوب الأساسية في العديد من الدول، ولا سيما في كل من البرازيل والأرجنتين في أميركا اللاتينية، بتوافر الأسمدة ارتباطًا وثيقًا، حيث تساهم الدولتان معًا بنحو 10% من صادرات القمح العالمية، و39% من صادرات الذرة، و66% من صادرات فول الصويا، وفقًا لتقديرات وزارة الزراعة الأميركية. وتعتمد الدولتان اعتمادًا كبيرًا على واردات الأسمدة، التي يأتي معظمها من منطقة الخليج العربي، مما يجعل أي ارتفاع في أسعارها ينعكس ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج وبالتالي ارتفاع الأسعار.

ومع وجود حالة من عدم اليقين بشأن موعد وكيفية عودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، تسعى عدة دول إلى تطوير سلاسل إمداد بديلة. ومع ذلك، إذا استمر تعطل تجارة الوقود والأسمدة لفترة أطول، فمن المتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتزايد التهديدات للأمن الغذائي في مناطق عديدة من العالم خلال العام المقبل. ولا سيما أن إنتاج هذه الأسمدة يتطلب توافر مواد أساسية مثل الغاز الطبيعي (للنيتروجين) والكبريت (للفوسفات)، والتي يُشكل الخليج العربي أحد مصادرها الرئيسية.

الانعكاسات على الزراعة في لبنان

وفي لبنان، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، يُسهم النقص في إمدادات الأسمدة الزراعية وارتفاع أسعارها في تضاعف أزمة القطاع الزراعي، ولا سيما في ظل الخسائر الواسعة التي خلفتها الحرب الإسرائيلية المتمادية في الأراضي الزراعية والأضرار التي لحقت بالبنى الإنتاجية، فقد بلغت المساحات المتضررة أكثر من 52 ألف هكتار، أو ما يعادل حوالي 22.5% من مجمل الأراضي الزراعية في لبنان.

وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية الوحشية على لبنان، الأمر الذي ينذر بفقدان نحو ربع الإنتاج الزراعي الوطني، مع ما يترتب على ذلك من تهديد مباشر للأمن الغذائي، وإضعاف لقدرة المزارعين على الصمود والاستمرار في الإنتاج.

 

قراءة في قرار انسحاب الإمارات من أوبك وأوبك+

شكّل إعلان الإمارات العربية المتحدة عن خروجها من منظمة أوبك ومن تحالف أوبك+ خطوة مفاجئة وتحولاً لافتاً في مسار سياسات الطاقة الإقليمية والدولية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المنظمة ودورها في سوق الطاقة العالمية. ويأتي قرار الإمارات في سياق بالغ الحساسية بالنسبة لأسواق النفط العالمية ومنطقة الخليج على حد سواء، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب على إيران.

ولا سيما أن التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الخليج تتزامن مع تحولات متسارعة في الصناعة النفطية والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، حيث تسعى الدول المنتجة إلى الحد من ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب، ولا سيما عقب إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وتعزيز العائدات، وسط تحديات متزايدة جراء تباطؤ الطلب العالمي.

أوبك بداية النهاية؟

وتأتي الخطوة الإماراتية بعد نحو 59 عامًا من التعاون مع منظمة أوبك، التي انضمت إليها عام 1967 من خلال إمارة أبوظبي، لتمثل إعادة تموضع محسوبة، تهدف إلى توسيع هامش القرار السيادي فيما يتعلق بتوسيع استثماراتها وتطوير القطاع وسياسات الإنتاج، وتعزيز استراتيجيتها النفطية والاقتصادية المستقلة في أسواق الطاقة العالمية.

وعلى الرغم من تأكيد الإمارات استمرارها في الالتزام بدعم استقرار الأسواق العالمية، إلا أن من المحتم أن ينعكس انسحابها سلبًا على الأسواق على المدى البعيد، وسيؤدي إلى خفض الأسعار نتيجة سياسات إنتاج أكثر مرونة يُمكن أن تنتهجها، مما سيضطر أوبك إلى خفض إنتاجها لكي تحافظ على الأسعار، وهي خطوة ستثير مزيدًا من الخلافات بين أعضائها.

ومن الجدير ذكره أن أبوظبي تعمل منذ سنوات على زيادة طاقتها الإنتاجية، وهو ما اصطدم بسقف الحصص الذي اعتمدته أوبك وتحالف أوبك+ للحيلولة دون انخفاض الأسعار، الأمر الذي جعل الانسحاب خيارًا أكثر انسجامًا مع استراتيجيتها البعيدة المدى الهادفة إلى زيادة إنتاجها إلى 5 ملايين برميل في عام 2027، بينما يقتصر إنتاجها حاليًا على حوالي 3.6 ملايين برميل يوميًا.

ومن المرجح أن ينعكس خروج أبوظبي، كأحد أبرز منتجي النفط في الخليج العربي، من أوبك سلبًا على تماسك المنظمة ويُضعف سيطرتها على الأسواق وقدرتها على إدارتها، مما قد يُؤثر على توازناتها الداخلية ويُشكل بداية نهايتها، ولا سيما في ظل تباين مصالح الدول الأعضاء والخلافات المتكررة حول الحصص ومستويات الإنتاج.

افتراق اماراتي سعودي

وينعكس قرار الإمارات بالخروج من أوبك سلبًا على علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، التي غالبًا ما تقود جهود ضبط السوق عبر خفض أو رفع الإنتاج، وهو ما يُظهر إلى العلن الخلافات التي تصاعدت بين البلدين، ولا سيما ما يتعلق بالملفين اليمني والسوداني.

كما يضع قرار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من أوبك المملكةَ في مواجهة شريك إقليمي رئيسي يتحرك وفق إيقاع أكثر استقلالية، الأمر الذي قد يفضي إلى تباين في المواقف خلال فترات تقلب الأسعار، فضلاً عن أنه يُعزز في الوقت ذاته التنافس غير المعلن بين البلدين على تبوؤ المركز المالي والاقتصادي الإقليمي في الخليج العربي.

مصلحة أميركية؟

ويرى محللون أن في قرار الإمارات الخروج من أوبك مصلحة للولايات المتحدة التي قد تستفيد منه بطرق مختلفة، يتمحور معظمها حول تراجع التماسك والتنسيق بين الدول المنتجة، والذي كان يمنح أوبك قدرة أكبر على التحكم في السوق. وهو يُسهّل على الولايات المتحدة التعامل مع الدول المنتجة بشكل ثنائي، ويعزز قدرتها على بناء شراكات منفردة تخدم مصالحها.

كما يُشكل خروج الإمارات من أوبك مكسبًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، كونه قد يؤدي إلى زيادة المعروض النفطي مما يضمن أسعارًا مستقرة، ويقلل من فعالية سياسات خفض الإنتاج. علمًا أن ترامب سبق أن وجه انتقادات حادة لأوبك، معتبرًا أن سياساتها تسهم في رفع أسعار النفط، واتهمها باستغلال بقية العالم من خلال التحكم في أسواقه.

من البترو دولار إلى البترو يوان؟

في المقابل، ثمة من يرى أن خروج الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ يُمثل تهديدًا جوهريًا لنظام البترو دولار، الذي كان لأوبك الدور الأساسي في ترسيخه والمحافظة عليه منذ تأسيسها عام 1960. فلطالما باع منتجو الشرق الأوسط نفطهم بالدولارات الأميركية، التي عادوا لتوظيفها في سندات الخزانة الأميركية، ما منح واشنطن سيطرة شبه تامة على نظام التمويل العالمي.

أما اليوم، فإن حصة الدولار الأميركي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية قد انخفضت إلى نحو 57%، وهي أدنى مستوى لها منذ 25 عامًا، بعد أن بلغت ذروتها عند 75% في عام 2001. وإذا استمر هذا الانخفاض، فإن البنية التي منحت الولايات المتحدة السيطرة على سوق الطاقة العالمية ومعاملاتها المالية ستنهار أمام أعينها.

وتجدر الإشارة إلى أن القرار الإماراتي جاء بعد أيام قليلة من إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بسنت، أمام مجلس الشيوخ، دعمه إقامة خط مبادلة طارئ للدولار الأميركي مع حكومة أبوظبي. وهو الأمر الذي يعتبره مراقبون أنه ليس من قبيل الصدفة، لكونه يأتي في توقيت يواجه فيه نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحديات غير مسبوقة، ويُثير التساؤلات حول توافقه مع المصلحة الأميركية.

ويُحذر خبراء اقتصاديون في “Deutsche Bank” من أن خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك يُسرّع من هذا الانهيار، ويزيد من احتمالية تسعير بعض معاملات النفط باليوان الصيني في حال تراجع الدولار. ولا سيما أنه سبق أن أعلنت بورصة شنغهاي للبترول والغاز الطبيعي، في 28 آذار/مارس عام 2023، عن تسعير شحنة من الغاز الطبيعي المسال المستورد من الإمارات باليوان الصيني.

وفي الوقت الذي تبيع فيه إيران حصة متزايدة من نفطها إلى الصين باليوان، يُسرّع الصراع معها، بحسب رأي الخبراء أنفسهم في “Deutsche Bank”، وتيرة تآكل هيمنة نظام البترو دولار في سوق الطاقة العالمية، بما يمهد تدريجيًا لصعود أنماط تسعير بديلة، وفي مقدمتها لصالح البترو يوان.

المحصلة

إن قرار خروج الإمارات العربية المتحدة من أوبك وأوبك+ لا يمثل مجرد إجراء تقني في إدارة الإنتاج، بل هو تحول استراتيجي عميق في بنية إدارة سوق الطاقة العالمي. فهو يعكس انتقال الدول المنتجة، وعلى رأسها الإمارات، نحو سياسات أكثر استقلالية ومرونة في إدارة مواردها، بما يتلاءم مع مصالحها الوطنية وقدراتها الإنتاجية المتنامية. كما يكشف القرار عن إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ولا سيما علاقة الإمارات العربية المتحدة مع المملكة العربية السعودية.

وفي حين يمنح القرار الإماراتي الولايات المتحدة هامشًا أوسع للمناورة نتيجة إضعاف منظمة أوبك والحد من قدرتها على ضبط السوق، وزيادة حدة التنافس بين المنتجين؛ فإن القرار، وعلى المستوى الدولي الأوسع، قد يُسرّع من تراجع هيمنة البترو دولار، ويفتح المجال تدريجيًا أمام بدائل، ولا سيما منها اليوان الصيني، في سياق تحولات أعمق في النظام الاقتصادي العالمي

الاقتصاد اللبناني بين تراكم الأزمات وتداعيات الحروب الإقليمية

يُراكم الاقتصاد اللبناني منذ نهاية عام 2019 خسائر متتالية، في ظل تفاقم اختلالاته البنيوية وتعقد أزماته المالية والاقتصادية، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات جدية لحل مستدام. وفي هذا السياق المتأزم، ها هو لبنان واقتصاده يواجهان اليوم أزمة جديدة ناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية في سياق حرب إسناد إيران، والتي من المرجح أن تتجاوز في آثارها الاقتصادية والإنسانية مجمل الأزمات التي شهدها البلد على مدى السنوات الماضية.

أزمات متتالية

وقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في عام 2020 إلى تكوّن فجوة مالية تُقدر بنحو 80 مليار دولار أميركي، وهي فجوة ترافقت مع تبديد مدخرات اللبنانيين في المصارف اللبنانية، فضلاً عن انهيار حاد في قيمة العملة الوطنية، وما استتبعه ذلك من تآكل للقدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة. كما كان لجائحة كورونا دورها في تعميق أزمة الاقتصاد الوطني وانكماشه في ذلك الحين.

ولم يكد الاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه حتى جاء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 ليُعمق من حدة الانهيار، حيث أسفر عن خسائر مادية تقدر بما بين 10 و15 مليار دولار أميركي. وقد بلغت الخسائر البشرية أكثر من 220 شهيداً وإصابة أكثر من 7000 آخرين، بالإضافة إلى دمار واسع في العاصمة بيروت، مما يجعله واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ.

ومع حرب إسناد غزة التي اندلعت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 وتصاعد حدتها في عام 2024، تفاقم الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019، وتسببت بخسائر تُقدَّر بما بين 11 و14 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أضرار جسيمة في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وسقوط أكثر من 4040 شهيداً ونحو 16 ألف جريح. كما قُدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة جزئيًا بنحو 317 ألفًا، فيما بلغ عدد الوحدات المدمّرة كليًا نحو 51 ألفًا، موزعة على الضاحية الجنوبية والبقاع والقرى الحدودية.

ويأتي العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في سياق حرب إسناد إيران منذ مطلع آذار الماضي، ليكبد لبنان خسائر اقتصادية إضافية قدرتها وزارة الاقتصاد بـما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يومياً، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال تجدد الاعتداءات الإسرائيلية. وقد أسفر هذا العدوان عن دمار واسع وخسائر تفوق 10 مليارات دولار، فضلًا عن كلفة بشرية مرتفعة، حيث بلغ عدد الشهداء نحو 1500 شهيدٍ، وأكثر من 4640 جريحًا وفق تقارير رسمية.

تكلفة اقتصادية متعاظمة

وتتفاقم وطأة هذه الحرب وتكلفتها الاقتصادية بفعل تزامنها مع التصعيد الإقليمي، ولا سيما الحرب على إيران، وما نتج عنها من اضطرابات في الاقتصاد العالمي. فقد أدّى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. كما ساهمت هذه التطورات في تعطّل إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعارها، وازدياد كلفة النقل الجوي، الأمر الذي ألقى بظلاله على النشاط السياحي عالميًا.

وفي ظل هذه المتغيرات، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات داخلية مضاعفة ومعقدة، إذ يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب خارجي، خصوصًا ذلك الذي قد يطال الدول التي تستقطب اليد العاملة اللبنانية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية في دول الخليج، يُصبح أي دعم مالي من هذه الدول للبنان مستبعدًا، كما تتأثر تحويلات المغتربين سلبًا، مما يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات والاقتصاد الوطني.

إلى ذلك، تتفاقم ظاهرة التضخم المستورد، نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الخارج، حيث يستورد لبنان النفط ومشتقاته، التي تشكّل نحو 25% من إجمالي الواردات، كما يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 85% من المواد الاستهلاكية. وهذا ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية سببًا مباشرًا في زيادة الأسعار المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية ويُفاقم من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

خاتمة

ويبقى التحدي الأبرز الذي يواجه الاقتصاد الوطني متمثلاً في تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية، ولا سيما الاعتداءات المرتبطة بالحرب الأخيرة، التي تُضاف إلى أعباء حرب إسناد غزة وما سبقها من أزمات، في ظل عجز لبنان عن تأمين مصادر تمويل لإعادة الإعمار. كما أن ربط المساعدات الدولية بشروط سياسية وأمنية، ولا سيما ما يتعلق بسلاح حزب الله، يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر عملية التعافي.

في المحصلة، استنفدت الاعتداءات الإسرائيلية الاقتصاد اللبناني جراء حروب الإسناد المتتالية، لا سيما أنه يعاني من هشاشة بنيوية عميقة جعلته غير قادر على امتصاص الصدمات المتكررة، سواء الداخلية أو الخارجية.

ومع إبقاء لبنان ساحة للصراعات، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وغياب رؤية إصلاحية واضحة، يبقى لبنان عرضة لمزيد من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم تُبادر الدولة إلى تبنّي مسار إصلاحي شامل مدعوم بإرادة سياسية فعلية ومساندة دولية فاعلة تضع حدًا لمسار الانهيار المستمر.

التصنيفات

The current query has no posts. Please make sure you have published items matching your query.

المحبة وأعداؤها بسم الله الرحمن الرحيم الذي هو المحبة وبالمحبة أوجدنا، وبالمحبة يرعانا، وبالمحبة أوصانا، وبالمحبة أرسل كبشه إلى نبيه إبراهيم، فأصبح …

تمثال-لرأس-افلاطون-في-متحف-ميونيخ-ألمانيا

محـــاورة مينــــون الفضيلـــــــــة هِبـــَة إلهيـــــــــة فهــــــل يمكـــــــــن تعليمــــــــــها؟ محاورة مينون تكشف عن عمق الفوضى الفكرية والفســـــاد القيمي للفكر السوفسطائي في أثينــــا مينون …

الأهرامات الثلاث كما تبدو من الفضاء - صورة بواسطة الاقمار الصناعية

الأهرامات سرّ مغلق يحيِّر عقـول البشــر بناء يخاف الدهر منه وكل ما على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر ما من زائر أو …

معظم الأفاعي تعيش على قوارض الحقل المؤذية

نحن والأفاعي

نحن والأفاعي قصة سوء تفاهم قديـــمة في لبنان 25 صنفاً من الأفاعي ثلاث منها فقط سامة والسامة منها لا تخرج إلا في …

برج ساعة الحميدية - بناه السلطان عبد الحميد بهدف التأكيد على الاستخدام المنتج للوقت

نهضة بيروت العثمانية بين منتصف القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى مقاومة التجار لسلطة والي عكا وحماية الدروز لبيروت بداية لإزدهار المدينة …

هذا العدد

هذا هو العدد التاسع من مجلة ”الضحى” التي عادت إلى الصدور بصيغة جديدة منفتحة وشاملة في صيف العام 2010، وأصدرت حتى الآن …

معمل-الزوق

أزمة الكهرباء المستمرة في لبنان «تكهرب» الحياة الاقتصادية والسياسية التقنين الجائر للكهرباء يضاعف تكلفة الطاقة للمؤسسات ويعرقل الإنتاج ويضعف تنافسية المنتجات والخدمات …

صلاة-الاستسقاء

كلمة سواء إستسقاء الناس قلقون لبوادر القحط الذي يضرب بلاد الشام ولبنان. بعض كبار السن يؤكدون أنهم لا يتذكرون أن سنة كهذه …

قرية-كفرقوق

كفرقوق جارة جبل الشيخ إزدهرت ولم يهجرها أبناؤها الشيخ يوسف الكفرقوقي درس على علماء دمشق وأصبح أبرز أعلام عصره في تقواه ومعارفه …

قنوات-جارة-الجبل

قَنَوات مدينة التاريخ وعروس جبل العرب إحدى أقدم المدن في العالم تهدمت صروحها وأعاد الموحدون إعمارها فعادت حاضرة زاهرة بسبب أهميتها سكّ …

رضا-الصورة-والناي

قصة رضا

قصّــــــة رضـــا عاشق النّاي زارع الفرح والحب. في فولكلور كل شعب، تظهر بين الحين والآخر شخصيات فريدة سرعان ما يجد فيها الجميع …

ثأر-العشيرة-ما-ينام

قصة ثأر وشجاعة وأقدار عجيبة بين البطل ظاهر عامر وآل الفحيلي كيف حوّلت تقاليد البادية وأخلاق الرجال عداوة الدم بين عائلتين إلى …