الحياة السريّة لآل مَعن بعد نكبة فخر الدين وأسرته

الحياة السريّة لآل مَعن بعد نكبة فخر الدين وأسرته

0 160

الحياة السريّة لآل مَعن
بعد نكبة فخر الدين وأسرته

المعنيون لم ينقرضوا بوفاة الأمير ملحم
واحتفظوا بوجودهم في إبل السقي وعرنة

مطاردة الولاة العثمانيين لهم وسطوة الأمراء الشهابيين
أقنعتهم بالعيش البسيط ففقدوا الإمارة واحتفظوا بالنسب

عولج تاريخ المعنيين بعشرات الكتب والأبحاث والمقالات الخاصة بهم، كما عولج في سياق التاريخ العام، واستحوذ الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير بالقسم الأوفر من هذه الأبحاث نظراً لعظمته، ولتوسّع رقعة نفوذه التي شملت، بالإضافة إلى كامل لبنان، مناطق من سوريا وفلسطين وشرق الأردن. وقد قيض لفخر الدين أن يحكم المنطقة لمدة طويلة نافت على الـ 43 سنة (1)، كان خلالها من رجال التحديث كما من رجال الحرب والسياسة، وأحدث نهضة عمرانية واقتصادية، فغدا رمزاً كبيراً في تاريخ لبنان.
ومع وفرة الأبحاث عن فخر الدين الثاني، وعن تاريخ المعنيين الذي امتد في لبنان من سنة 1120 إلى سنة 1697م، (أي حوالي 580 عاماً) فقد ظل هناك العديد من الإشكاليات والنواحي الغامضة عنهم، ومنها نسبهم، وتاريخ قدومهم من جهات الجبل الأعلى (جبل السمّاق) إلى لبنان، وخطبة فخر الدين الأول أمام السلطان سليم العثماني في دمشق سنة 1516، وسبب موت قرقماس والد فخر الدين الثاني، وأسباب الحملة العثمانية عليه وعلى سائر أمراء جبل لبنان سنة 1585. وهناك أيضاً نشأة فخر الدين الثاني في بلّونة في كسروان وشخصيته الخلافية في تاريخ لبنان. ثم هناك أخيراً الزعم القائم حول انقراض المعنيين بموت الأمير أحمد المعني سنة 1697 من دون عقب، إضافة إلى مزاعم ذات أغراض فئوية أو سياسية، كالزعم بتنصّر فخر الدين الثاني. لكننا سنعالج في ما يلي أمراً واحداً من هذه الأمور لنثبت أن المعنيين لم ينقرضوا وأنهم حافظوا على وجودهم بعد النكبة التي حلّت بهم في أواخر القرن السابع عشر، وذلك تحت اسم آل علم الدين المعنيين في إبل السقي (حتى سنة 1963)، بينما يستمر وجودهم حتى يومنا هذا في عرنة والريمة وسواهما، بإسم آل معن.
سلسلة نسب مجتزأة
من المعروف حتى الآن أن المعنيين جاؤوا من جهات الجبل الأعلى في سوريا إلى لبنان، في الربع الأول من القرن الثاني عشر الميلادي، وأن صاحب دمشق، طغتكين زنكي، طلب من أميرهم آنذاك، الأمير معن، الإقامة في جبل الشوف لمهمة جهادية، هي الإغارة على الفرنجة الذين احتلّوا معظم الساحل الشامي، وبيت المقدس. ومن نسل الأمير معن تسلسلَ الأمراء المعنيون الذين كانوا أولاً مقدّمين على جزء من الشوف، ثم غدوا أمراء عليه كله، وأسسوا فيه إمارة بلغت أوجّ مجدها واتساعها في عهد فخر الدين المعني الثاني.
ذكرت أوائل المراجع الحديثة، التي تكلّمت عن المعنيين، أن المقر الأول الذي نزل فيه الأمير معن كان بعقلين. وسلسل طنّوس الشدياق الأمراء الذين تحدّروا منه، وتحدّث عن توطّنهم في بعقلين، واستقبالهم فيها من بعد للأمراء الشهابيين، وآثارهم في هذه البلدة تشهد على إقامتهم المديدة فيها، ومنها البيت الذي نشأ فيه فخر الدين الثاني، وأُزيل في النصف الثاني من القرن العشرين لتوسيع الطريق الرئيسية. لكنه كان هناك مقر آخر لهم، قريب من بعقلين، هو دير القمر التي ذكر كتاب «قواعد الآداب حفظ الأنساب»، المدوّن في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، أن الأمير معن نزل فيها(2). ومن الآثار المعنية القديمة في هذه البلدة الجامع الذي بناه الأمير فخر الدين عثمان سنة 899هـ/ 1493م. وتقدم هذه الوقائع الدليل على أنه كان هناك مقرّان رئيسيان للمعنيين، هما بعقلين ودير القمر، وأن المعنيين كانوا فرعين، أو قسمين: قسم أقام في بعقلين، وقسم آخر أقام في دير القمر، لا نعرف من أمراء فرع دير القمر إلا الحاج يونس وإبنه فخر الدين عثمان، وولديه قرقماس وسليمان. ونظراً للإقامة الطويلة للمعنيين في دير القمر فإن وجود خبر عن ثلاثة أو أربعة منهم عاشوا فيها يدل على أن عدداً كبيراً من أمراء الشجرة المعنية لم تصلنا أخباره وأن خبر السلالة المعنية فيه فجوات كثيرة تترك المجال واسعاً للاجتهاد حول تاريخهم اللاحق.
لدينا دليل آخر على أن سلسلة النسب المعني المعروفة مجتزأة وتشكو من ثغرات بل وأحياناً من تناقضات بيّنة، وهو أن الشدياق الذي أوردها موسّعة، وعنه أخذها المؤرّخون، سمّى أربعة عشر أميراً بدءاً بالأمير معن الذي قدم إلى لبنان، بحسب رأيه، في سنة 1119م، وانتهاءً بالأمير يونس الثاني المتوفّى سنة 1511، ليس من بينهم إلا أمير واحد ولّد ولدين، هو الأمير ملحم الذي ولّد يوسف وعثمان. ومن المستبعد أن يكون لكل من الأمراء الثلاثة عشر ولدٌ واحد، أو أن يبقى له ولد واحد على قيد الحياة، إضافة إلى ذلك، فإن الأمير يونس المذكور لا يُعرف إذا كان ولّد أبناء، ولا يُعرف اسم والده بالتأكيد، لأن ابن سباط ذكر في تاريخه أنه في سنة 1511 «توفي الأمير يونس ابن معن أمير الأشواف»(3)، فيما ذكر الشدياق أنه في سنة 1511 «توفي الأمير يونس إبن الأمير معن»(4). ولقد ذكر الشدياق ابن سباط بين المؤرّخين الذين أخذ عنهم، ولا ندري إذا كان أخذ تاريخ وفاة الأمير يونس المعني عنه وأخطأ في النقل فأضاف كلمة «الأمير» إلى كلمة «معن». أما إذا لم يذكر ذلك نقلاً عن إبن سباط فمن المفترض أن يكون الأمير يونس ابن الأمير معن، وفي هذه الحالة يصبح عندنا أمير معني ثانٍ بإسم «معن» لم يرد ذكره في سلسلة النسب المعني.
أخطاء الشدياق
ويظهر الارتباك والخطأ في سلسلة النسب المعني عند الشدياق، وذلك حين يجعل الأمير عثمان إبناً للأمير ملحم، ويقول إنه توفي سنة 1507م (5)، وحين يجعل فخر الدين الأول فخر الدين بن عثمان، فيما هو فخر الدين عثمان، أي أن اسمه عثمان ولقبه فخر الدين، مع الإشارة إلى أن فخر الدين عثمان هو إبن الحاج يونس، كما يظهر من الكتابة على مئذنة جامع دير القمر الذي بناه. يضاف إلى ذلك أن حيدر الشهابي يقوّل فخر الدين الأول، المتوفى سنة 1506 أو 1507م، خطبة في دمشق في سنة 1516، أمام السلطان سليم العثماني. ثم يظهر فخر الدين آخر، هو والد الأمير قرقماس وجدّ الأمير فخر الدين الثاني الكبير. وتفسير ذلك هو أنه قد يكون هناك فخر الدين آخر غير فخر الدين عثمان، وغير فخر الدين الثاني الكبير، أو يكون هذا الفخر الدين الآخر لقباً لأمير معني لم يصلنا اسمه. ومن وجوه الإكتفاء بذكر الإسم أو ذكر الصفة، أنه كان لفخر الدين عثمان ولدان، هما قرقماس، وسليمان الذي ذكره حيدر الشهابي بإسمه فقط (سليمان)(6)، فيما ذكره طنوس الشدياق بإسمه ولقبه (علم الدين سليمان)(7). ومع أن سلسلة النسب المعني تبدو أكثر وضوحاً منذ عهد قرقماس (والد فخر الدين الثاني)، إلا أنه تبقى فيها حلقات غامضة، وأسماء لأمراء معنيين غير معروفة، من نسلها المعنيون المتأخرون الذين سنتحدّث عنهم في هذا المقال.

قصر-فخر-الدين-في-دير-القمر
قصر-فخر-الدين-في-دير-القمر

زعم انقراض المعنيين
إن أواخر الأمراء المعنيين المذكورين في المدوّنات، هم الأمير فخر الدين الثاني، وأخوه الأمير يونس، وأبناؤهما. وقد قُتل علي بن فخر الدين في موقعة سوق الخان سنة 1633، أثناء تصديه لحملة أحمد الكجك باشا التي أرسلتها الدولة العثمانية للقضاء على تمرّد والده. وأُعدم فخر الدين، وأبناؤه: بلك وحسن وحيدر ومنصور، في الآستانة سنة 1635، ولم يبقَ من أبنائه سوى حسين الذي عفا عنه السلطان العثماني، ورُبّي تربية عثمانية، وتقلّد مناصب عدة، منها تعيينه في سنة 1656 سفيراً للسلطان لدى ملك المغول في الهند، شاه جهان. وقد عاش حياته كلّها في الآستانة، وتزوّج، لكنه لم يرزق بأبناء، بدليل أن تركته آلت إلى أحد رجال الاسباهية (صالح) الذي تزوّج من أرملته ودعي «معن أوغلو».
أمّا الأمير يونس، فقد استدرجه أحمد الكجك من مخبئه بإعطائه الأمان، وحين حضر، قتله مع إبنه حمدان، فيما سلم إبنه ملحم وتسلّم في سنة 1635 الإمارة المعنية في الشوف. وكان له ولدان، هما قرقماس الذي قُتل في كمين مزبود، الذي أعدّه والي صيدا، محمد باشا، سنة 1662، وأحمد الذي نجا من هذا الكمين، لكنه غدا عقيماً بسبب الجرح الذي أصابه، وتوفي في سنة 1697 من دون عقب. وبناءً على ذلك، وعلى عدم معرفة المؤرّخين لاسم أي ولد لأبناء فخر الدين وأخيه يونس، نشأت المقولة التي تقول بانقراض المعنيين، والتي تعزّزت بانتقال الحكم من المعنيين إلى الشهابيين، لأنه لم يظهر آنذاك أي أمير معني ليخلف الأمير أحمد.
كان الأمير فخر الدين الثاني قادراً على حماية الملهوف وإجارة اللاجئ وتأمين الهارب من ملاحقة الولاة العثمانيين والحكام المحليين. لذا نشأت المقولة التالية: «ليس هناك أمنع من نزيل ابن معن». إلا أنه بعد قضاء الدولة العثمانية عليه، وضعف الإمارة المعنية بعده، ما عاد بإمكان من خلفوه أن يقوموا بهذا الدور الذي يقوم به عادةً الأقوياء، بل ما عاد بمقدورهم أن يؤمّنوا، إبّان غضب الدولة العثمانية عليهم، الحماية لأنفسهم، والإحتفاظ بالإمارة، وإيجاد الملجأ الآمن عند حلفائهم من الحكام.
اضطر آل طربيه، أمراء عجلون، إلى تسليم الأمير ملحم المعني سنة 1633 لأن عسكر أحمد باشا الكجك ضايقوهم. وخاض الأمير ملحم وإبنه الأمير أحمد المعارك المتواصلة ضد اليمنيين الذين كانوا بقيادة الأمير علي علم الدين وأبنائه، الذين نافسوهما على الإمارة وتداولوها معهما مرات عدة. وقد أباد الأمير علي علم الدين التنوخيين الذين هم حلفاء المعنيين، في المجزرة التي أوقعها بهم وبأبنائهم الصغار في عبيه سنة 1633. وقرّرت الدولة العثمانية الإلغاء السياسي والوجودي للأمراء المعنيين، وتجلّى هذا في الأمور التالية: إعدام فخر الدين الثاني وأبنائه، واستدراج والي صيدا وبيروت للأميرين الأخوين قرقماس وأحمد إلى كمين مزبود للقضاء عليهما، والدعم السياسي والعسكري لأمراء آل علم الدين اليمنيين في صراعهم ضد المعنيين. وتميّزت الفترات المتقطّعة التي حكم فيها الأمير ملحم المعني وابنه أحمد بعدم الاستقرار، وبكثرة المعارك. إزاء ذلك ما عاد أمام الأمراء المعنيين غير الحاكمين سوى التستّر والتقية، والحفاظ على وجودهم، والإختباء عن أعين الأعداء العثمانيين والأعداء المحليين، فعاشوا في مكانين آمنين بعيدين عن مراكز الخطر، هما إبل السقي في الجنوب اللبناني، وعرنة في السفح الشرقي لجبل حرمون.
عاشت في قرية إبل السقي أسرة عرفت باسم آل علم الدين المعنيين، واختصاراً باسم آل علم الدين. إنصرف أبناؤها عن الشؤون السياسية إلى أمور العبادة والتديّن. وانصرفوا عن العمل لدنياهم إلى العمل لآخرتهم، بحيث تطابق سلوكهم مع العبارة المأثورة التي علّقها أحد أمرائهم، سليمان علم الدين، في صدر مجلسه، وهي «اغتنموا زمان الإمهال وتقرّبوا من الله بصالح الأعمال»(8). وكان لهذا الأمير ولدان اسمهما علم الدين وسليم، وابنة اسمها مهيبة ملقّبة بالشيخة. وقد مات سليمان في أوائل القرن العشرين، ومات ابنه علم الدين من دون عقب، ثم مات إبنه سليم في سنة 1963 من دون عقب أيضاً، فانقرضت بذلك أسرة آل علم الدين المعنيين.

آل علم الدين المعنيين في إبل السقي
توارث آل علم الدين المعنيين الإشراف على خلوة لا تزال تعرف بإسمهم إلى اليوم، وهي الخلوة المعنية، وهي قائمة إلى الجنوب الشرقي من إبل السقي. كما توارثوا الإشراف على الأوقاف المخصصة لها، وكان متسلّمو الديانة منهم يتعبّدون فيها وعلى سطحها بعدد لا بأس به، مما يدلُّ على أنهم تكاثروا في مرحلة زمنية معينة قبل أن يندثروا. وهم حرصوا على أن يتناقلوا جيلاً بعد جيل مستندين مهمين يدلان، إضافةً إلى دلالات أخرى، على نسبهم المعني، أولهما جلد غزال آل إلى رئيس محكمة الجنايات في لبنان، سعيد زين الدين، الذي سلّمه إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وفيه إعفاء صادر عن أحد السلاطين العثمانيين لآل علم الدين المعنيين من دفع الضرائب، ومن الخدمة الإلزامية في الجيش العثماني. وثانيهما رقٌّ نحاسي يفيد عن نسبهم، آل إلى الأمير حسن الأطرش، ثم فُقد من قصره عندما قصفته الطائرات في سنة 1954، بأمر من رئيس الجمهورية السورية، أديب الشيشكلي، أثناء تجريده حملة عسكرية على جبل العرب، لإخماد الإنتفاضة التي قامت ضدّه، بقيادة سلطان باشا الأطرش، وأدّت مع انتفاضات سائر المناطق إلى إسقاطه. لكنّ نسخاً عديدة نُقلت عن الرق النحاسي، تفيد عن مضمونه الأساسي، ولا سيما الوجود المعني في إبل السقي، على الرغم من الاختلافات بينها، الناتجة من أخطاء النقل.
إن رقّ النحاس هو صك توزيع للإرث في قرية إبل السقي، تاريخه غرّة شعبان من سنة ألف وثلاثة وسبعين هجرية الموافق لآذار 1663م. وأهم ما ورد فيه بالنسبة إلى المعنيين، أنه كُتب في «سفارة سليمان معن جده إلى الأمير فخر الدين». وهذا يفيد عن وجود معني مؤكّد في إبل السقي في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ممثلاً بالأمير سليمان معن، وربّما بمعنيين آخرين من أسرته، هم، على الأقل، والده، ممّا يفترض ضرورة التعرّف على فخر الدين، جد سليمان معن، وعلى كيفية وجود سليمان معن في إبل السقي.
قد تكون لفظتا «فخر الدين» اسماً مركّباً لأمير معني، وقد تكونان لقباً يسبق اسمه. ومن المعروف أن هناك ثلاثة أمراء حملوا هذا الإسم، أو هذا اللقب، أولهم فخر الدين عثمان المتوفّى سنة 1506 م، وثانيهم فخر الدين الأول الذي هو جد فخر الدين الكبير، وثالثهم فخر الدين الكبير الذي من المستبعد أن يكون جداً لسليمان معن، لأن أبناءه معروفون كلهم، وإذا كان له أحفاد، فإنهم لم يكونوا كباراً في سنة 1663، تاريخ تدوين الرق النحاسي. وأغلب الظن، تبعاً لذلك، أن المقصود بفخر الدين، الوارد اسمه في الرقّ، فخر الدين عثمان، لأنه كان له ابن اسمه علم الدين سليمان، مما يرجّح أن يكون سليمان معن مسمّى بإسمه، كونه جدّه أو جدّ أبيه.

قررت الدولة العثمانية الإلغاء السياسي والوجودي للأمراء المعنيين، فاختار بقيتهم الاختباء في عرنة وإبل الســقي وحافظوا على وجودهم منذ ذلك الحيـــن

الأمير-فخر-الدين
الأمير-فخر-الدين

المعنيون في إبل السقي
ما الذي أوجد سليمان معن في إبل السقي؟ في رأينا أن سبب وجوده فيها لا يعود إليه، وإنما يعود إلى جده أو إلى أبيه الذي من المرجّح أنه انتقل إلى هذه القرية في سنة 1585، إبّان الحملة العثمانية التي قام بها الوالي إبراهيم باشا على الدروز. فلقد عاثت تلك الحملة في مناطق المتن والجرد والغرب والشوف، ونكّلت بأبنائها مما اضطر الأمير قرقماس للإلتجاء إلى قلعة شقيف تيرون، واضطر غيره من الأمراء المعنيين للإلتجاء إلى مناطق آمنة بعيدة عن مركز العسكر العثماني في عين صوفر، وكان من هؤلاء جد أو والد الأمير سليمان معن الذي انتقل إلى إبل السقي وظل فيها، مما يفيد أن الوجود المعني في هذه القرية يعود إلى سنة 1585، ولا يعود إلى ما قبلها.
وبالإضافة إلى الرق النحاسي الذي يفيد عن الوجود المعني في إبل السقي، هناك رواية يتناقلها أبناؤها، وهي أن أميراً اسمه علم الدين المعني لجأ إليها بعد هزيمة المعنيين في موقعة سوق الخان سنة 1633، وأنه تستّر على نفسه كي لا يلفت نظر الأتراك العثمانيين إليه، وانصرف إلى التعبّد في خلوة متواضعة(9)، ولربما كان هو ذاته الأمير علم الدين المعني الذي يروى عنه أنه ذهب مع 150 فارساً وعيالهم إلى جبل حوران سنة 1685، لكنه لم يمكث طويلاً، وإنما عاد إلى لبنان بعد أن زرع في الجبل أول جالية درزية كانت نواة استقطبت جموع النازحين إليه من لبنان وسوريا وفلسطين.

آل معن في عرنة والريمة
كثيراً ما تخطئ الجماعات في سلسلة أجدادها، وقد تخطئ، أحياناً، في تحديد الجد الأعلى الذي تنحدر منه. لكنها قليلاً ما تخطئ في تحديد نسبها، وخصوصاً إذا كان شهيراً يُفتخر به. ومن هذا القبيل أسرةٌ تُدعى آل معن يتوارث أبناؤها رواية تقول إنهم معنيون، وإنهم ينحدرون من الأمير قرقماس بن علي بن فخر الدين الثاني، وقد رزق قرقماس خمسة أبناء، هم حسن وأحمد وفخر الدين وعلي ومحمد. والمنشأ الأساسي لهذه الأسرة هو عرنة الواقعة في السفح الشرقي لجبل حرمون. ومنها انتقل بعضهم إلى الريمة المجاورة لها. ثم انتقل فريق منهم إلى لبنان وسكن في أماكن عدة منها عين عنوب وغريفه وشملان. وما يدعم روايتهم هذه عن نسبهم، إضافة إلى شهرتهم (آل معن)، شجرة نسبهم التي تسلسلهم إلى الأمير فخر الدين الثاني، وأسماء العديد من أشخاصهم، التي هي أسماء بعض الأمراء المعنيين، وأسماء بعض الأماكن. ومن أسماء الأشخاص : قرقماس وأحمد وحسن وحسين وفخر الدين ومنصور وعلي ويونس، وبعضها غدا فروعاً من آل معن، مثل فرع فخر الدين في الريمة. ومن أسماء المكان: بيت المير حسين وشجرات المير حسين، مما يفيد أن بعضهم احتفظ بلقب الإمارة قبل أن يصبحوا جميعهم كعامة الناس.

قلعة فخر الدين المعني في تدمر -2
قلعة فخر الدين المعني في تدمر -2

نظرية الألماني ڤستنفلد
ينفرد المؤرّخ الألماني، المستشرق ڤستنفلد، بالقول إن الأمير علي بن فخر الدين رُزق ولداً، من زوجته إبنة الأمير علي الشهابي، اسمه قرقماس(10). لكن المؤرّخ عيسى اسكندر المعلوف يذكر أن الأمير علي مات في سنة 1633 عقيماً(11). وإننا نستبعد ذلك لأن الأمير عاش 35 سنة، في زمن يتصف بالزواج المبكر، وكثرة الإنجاب، وزواج أصحاب الشأن لدواعٍ سياسية. فإذا كنا لا نعرف شيئاً عن شؤونه العائلية، فإن هذا لا يعني بالضرورة أنه مات عقيماً، ولاسيما أن رواية آل معن تتوافق مع ما جاء عند المؤرّخ ڤستنفلد من حيث وجود ولد لعلي اسمه قرقماس. ورواية آل معن تعيد الحفاظ على قرقماس بن علي وعلى نساء المعنيين، وولدي الأمير ملحم (أحمد وقرقماس)، إلى الأمير ملحم الذي التجأ إلى عرنة بعد تخلّصه من الجند العثماني الذي كان يحضره مخفوراً إلى دمشق في سنة 1633، بعد أن قبض أحمد باشا الكجك على عمه فخر الدين الثاني.
عاش الأمير قرقماس بن علي في عرنة، بعيداً عن أنظار العثمانيين، متستّراً على نفسه. وهكذا فعل أبناؤه وأحفاده في مرحلة تسلّم الشهابيين إمارة الجبل خلفاً للمعنيين، وحرصهم على الاستئثار بالإمارة من دون أي منافس. وكان آل معن لا يعنيهم سوى الحفاظ على البقاء في ظل المتغيّرات الخطيرة والمراحل الصعبة، فانصرفوا إلى العمل في الزراعة وإلى تدبير شؤونهم المعيشية.
كانت عرنة البيئة الحاضنة طبيعياً وبشرياً لآل معن. فعلى الصعيد الطبيعي هي مع محيطها منطقة جبلية وعرة، صعبة المسالك، كثيرة المغاور والشعاب. وهي على الصعيد البشري مسكونة بالموحِّدين الدروز منذ بدء الدعوة إلى مذهب التوحيد (الدرزي)، الذي أعلن عنه في مطلع سنة 408هـ/1017م. وقصة الموحِّدة من نساء عرنة مع المرتد سكين مشهورة، إذ كانت نهايته في النار التي كانت تخبز عليها، بعد هربه من يذما في وادي التيم، حين قضى الأمير معضاد الفوارسي على أنصاره وعلى حركته الردية.
بناءً على ما ورد، يمكن القول إن المعنيين انقرضوا في المدوّنات، لكنهم ظلّوا موجودين في الواقع باسم آل علم الدين المعنيين في إبل السقي، وبإسم آل معن في عرنة والريمة. وقد آثروا في بدايات توطّنهم في هذه القرى التستّر على أنفسهم، ثم قبلوا في مرحلة لاحقة حقيقة أنهم فقدوا الإمارة ولم يعد لهم سبيل لاستعادتها بعد أن قام واقع جديد أصبحوا خارجه تماماً، كما أنهم فقدوا أي زعامة بارزة يمكنها المطالبة باستعادة الإمارة أو السعي إليها مجدداً عبر استرضاء العثمانيين. أخيراً ومع مضي الوقت اندمج المعنيون المتأخرون بالبيئات التي لجأوا إليها وأصبحوا جزءاً منها لكنهم حملوا معهم تاريخهم وحافظوا على نسبهم. إلا أن النتيجة هي أنهم فقدوا لقب الإمارة وباتوا من الأسر الدرزية كغيرهم من الأسر التي تعيش في الجبل أو في لبنان. وقد استمر آل علم الدين المعنيين في الوجود حتى انقراضهم في سنة 1963، فيما لا يزال آل معن موجودين في عرنة والريمة في سوريا، وفي عين عنوب وغريفه وشملان. وممّا تجدر الإشارة إليه أن درزيتهم ودرزية آل علم الدين المعنيين هي من الدلائل على درزية المعنيين عموماً، ودرزية الأمير فخر الدين الثاني خصوصاً، التي حاول بعض المؤرخين طمسها أو التشكيك بها، إمّا لجهل الوقائع التاريخية، وإمّا لغرض فئوي أو سياسي(12).

قرية-عرنة-في-سوريا-اليوم
قرية-عرنة-في-سوريا-اليوم

عرنة في سفوح حرمون كانت بيئة مثالية لاستتار آل معن بسبب وعورة مسالكها وسكنها من الموحدين الدروز

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader