الحَدّ ضرورة لازمة لكمالٍ إنسانيّ

الحَدّ ضرورة لازمة لكمالٍ إنسانيّ

0 115

“الحَدّ”: ضرورة لازمة لكمالٍ إنسانيّ

الفيلسوف-أرسطو-اهتم-بتفسير-ظاهرة-الوجود
الفيلسوف-أرسطو-اهتم-بتفسير-ظاهرة-الوجود

ليس “الحدُّ” (Limit) بمسألةٍ بسيطةٍ على الإطلاق. وإنَّها لَمعضِلة فكريَّة وروحيَّة (بل وجوديَّة أيضاً) أن يستغربَ المرءُ (شابّ عصريّ مثلاً)، في حال الحديث عن “لزوم الحدِّ” وأهميّته المسلكيَّة لتحقيق توازن يحملُ الشخصيَّة الإنسانيَّة فوق محمَل سويّ كفيل بمساعدتها للوصول إلى غاياتٍ نبيلةٍ لوجودها، فيردُّ متسائلاً عن “الطُّموح” و”ضرورات العصر” ومتطلّباته.
إنّها ردَّة فعل واقعيَّة تتناغمُ تماماً مع ما يسمونه “روح العصر” بصيغة بدايات الألف الثالثة، ولا تبدو نشازاً في الإيقاع المتسارع جدّاً لصورة العالم المتدفِّقة على حواسنا من دون انقطاع. المشكلة هي في العمق معرفيَّة، متعلّقة بنهج المقاربة ومدى مساعدتها إيّانا لنقترب من الحقيقة، صوناً لنا من التعثّر في درب وعِر نُخدع فيه من ذات أنفسِنا.
إنَّ استسهال مفهوم “الحدّ” من دون أدنى محاولة لفهم أبعاد مضامينه اللغويَّة والفلسفيَّة والرّوحيَّة والمسلكيَّة لهُو أمرٌ يُسهمُ إسهاماً أساسيّاً في تعميق حال “الغربة الرّوحيّة” التي هي، ويا للأسف، حالٌ سائدٌ ومقيم، بل وفعّال في مفاقمة هذه الإشكاليَّة التي لا تقلّ شأناً في مستواها عن مسألة التضادّ وآفاته المدمِّرة في سياق حياتنا المعاصرة. وقديماً، رأى كبار حكماء اليونان أنَّ في “الحدّ” كلّ خير، وفي “اللاحدِّ”
(Unlimited) منزَلقٌ إلى كلِّ شرّ.
إلامَ تنجذبُ فكرة “الطّموح” العصريّة من هذا المنظور؟ لقد تميَّز “الميْلُ الحداثيّ” – فكريّاً- بهيمنة النّزوع إلى “المزاج” بأكثر ممّا هو ارتباطٌ بعمق الفكر وتراثه المتراكم من الإرث اليوناني – على الأقل– إلى يومنا هذا. بالإجمال، تسودُ أجواءَ التفلسُف في الجامعات الكبرى في العالم اليوم نوازع شرهة إلى إهمال القول بأنَّ للإنسان “ماهيّة” أو “هويّة” روحيّة (Identity). وقد تأتّى هذا الاعتقاد نتيجة سياق طويل، زمنيّاً، استُهلّ بشكل واضح منذ “عصر النّهضة” في أوروبا، وبروز مذاهب فلسفيَّة “وضعيَّة” و”تاريخانيَّة” و”نفعيّة” توّجها نيتشه في نهايات القرن التاسع عشر برفضٍ “سوبرمانيّ” للمقاربة الأخلاقيّة الموروثة عن الأفلاطونيّة والمسيحيَّة، لصالح مفهوم “إرادة القوّة” ونبذ المثاليّة المترتّبة عن القول بماهيَّةٍ ذات جوهر معنويّ.
لقد عزا أرسطو علل وجود ما هو موجود إلى أربعة: المادّيّة والصّوَريّة والفاعلة والغائيّة، وارتبط هذا النظر بمبحث استقراء المحسوس (الطبيعي) ارتقاءً إلى المعقول و(ما بعد الطبيعي أي الميتافيزيقي). وبإستثناء التوماويّة، وهي الفلسفة التي تشبه ما فعله علم الكلام في الفلسفة الإسلاميّة، أي الدّفاع عن العقيدة الإيمانيّة بالنهج العقلاني الموروث عن اليونان ومؤثراته، فقد أهملت الفلسفة الحديثة هذه المقاربة، خصوصاً بنبذها ربط المُعطى الوجودي بعلَّةٍ غائيَّة لا يمكن التطرّق إليها في العمق إلا بالميتافيزيقا. والتوماويّة (فلسفة توما الأكويني) هي أحد الأعمدة التي تدعو إليها إحدى رسائل البابا بولس الثاني في الدعوة إلى إعادة مصالحة العقل والإيمان مجدَّداً.
طبعاً، يخدم هذا التوجُّه عقليَّة “التحرُّر” من قيود ما سمَّوه “الغيبيّات”، وكلّ حقول المعرفة التي هي خارج ما سُمِّي “العلوم البحتة أو الصلبة”. واختصاراً، أدَّى ذلك إلى “نسبيَّة” جارفة، وإلى طغيان المقاربة الاحتماليّة التي جرفت بقوَّة دلالتها المنظورة كلّ يقين قائم على “اللامنظور”. كانت النتيجة على الصّعيد الإنسانيّ هتـك مفهوم “مركزيَّة الإنسان الكونيَّة”، وبالتالي، بات الحديث عن توازن داخلي يحاكي أسرار “الكون المعقول” باللوغوس (Logos) ضرباً من ضروب نزعةٍ مثاليَّة قديمة ورجعيَّة. وكان لا بُدَّ لمفهوم “الطّموح” أو “تحقيق الذات” أن يرتدي عباءةً مذهَّبة بحيث صار مفهوماً مادّياً حالماً بثروةٍ سهلة، وموقع نافذ، وجاهٍ مشهود. وعدمت وسيلةُ الوصول لتحقيق الهدف معايير الأخلاق والفضيلة التي باتت إلى حدٍّ كبير في نظر “الطامحين” (بهذا المعنى) معوّقات شخصيّة ونفسيّة حائلة دون الفرد ومطامحه. هنا بالضبط، يصيرُ الحديثُ عن الأبعاد “النّظريّة” لمفهوم “الحدّ” وكأنّه يسير في الوجهة المعكوسةِ لمزاج الوقت. ولكن، كيف السّبيل لإهماله وهو يشكِّلُ قاعدةً ضروريّةً من قواعد “معرفة النّفس”، وبالتالي، معرفة الحقيقة؟
بالمعنى الفلسفي (بتعريف الفلسفة القديم الأصيل: محبَّة الحكمة)، فإنّ لزوم الحدّ هو الثابتُ الأساسيّ لتحقيق العدل، سواء في المستوى النّفسيّ الخاص، أو في المستوى الاجتماعيّ العام. و”الجمهوريّة”، كتاب أفلاطون الجميل، يرينا أن العدالة هي نتيجة توازن القوى في الذات لتحقيق إنسان عادل، كما هي تماماً نتيجة توازن المعطيات الاجتماعيّة لتحقيق مدينة عادلة. خارج هذا التوازن، يبدأ الانحطاط، وصولاً إلى تفشّي الفساد المسبِّب لوباء الظّلم القائد بدوره إلى خرابٍ مقيت.
إنّ أي باحث في تاريخ الفكر، لا بدّ أنه واقف على المجابهةِ الحيويّة بين سقراط وسفسطائيّي عصره. إنَّ أهمّ ما بدأ به الحكيمُ في مواجهة ألاعيب الخطاب والكلام هو الدّفع نحو “تحديد” المصطلح مدخلاً إلى حوار يُمكن الوصول به إلى مغزى ما، وإلا ينزلق الكلامُ في متاهٍ مغلوط، يذهل العقل عن حقائق الموضوع، ويوقعُ المدَّعي في أوهام المعرفة التي لا طائل منها سوى التّمويه والخداع. مذّاك، صاد “الحدُّ” نهجاً راسخاً في كلّ بحثٍ رصين. و”الحدّ” هنا هو ما أوضحه الجرجاني في “التعريفات” بقوله: “هو قولٌ دالّ على ماهيَّة الشّيء”، أي “تعريف” المصطلح كي تكون قاعدة الحوار واضحة، وهذا يدخل في المعنى العلميّ المنطقي.
أمّا في المعنى الشَّرعيّ فهو قواعد الأمر والنَّهي، وهو يقاربُ هنا المعنى اللغوي الّذي هو “المنع”، لذلك، يأتي في معنى إقامة الحدّ شرعاً ما استحقَّه المخالفُ من عقوبةٍ معنويَّة أو غيرها تأديباً للنّفس وتهذيباً لها وفق مقتضيات الأدب والصّيانة. قال تعالى في كتابه الكريم
﴿تلكَ حُدودُ الله فلا تَعتَدُوها ومَن يتَعدَّ حُدودَ الله فأولئكَ هُمُ الظّالِمُون﴾(البقرة 229).
فإذا أتى حديثُ المعنى الأخلاقي، فإنّه يتبيَّن مدى حيويَّة مفهوم “الحَدّ” وأهمّيته القصوى في صحّة المسالِك والتّصرّفات. واختصاراً، يُمكن الوقوف عند آيةٍ كريمة ومقاصدها الجليلة إذ هي موجَّهة مباشرة إلى النبيّ (ص) في أمر الله القاطع ﴿فَاستقِم كمَا أمِرت﴾(هود 112)، وجاء في تفسيرها في “روح البيان” ما يلي: “هذا أمر بالدّوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسِّط بين الإفراط والتَّفريط. بحيث لا يكون ميْلٌ إلى أحد الجانبيْن قيْد عرض شعرة ممّا لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحوْل والقوَّة بالكلِّيَّة” لذلك قيل: “رحمَ اللُه امرءاً عرفَ حدَّه فوقف عنده”، فساوَت الحكمةُ الثابتة بين لزوم الحدّ ورحمة الله، لأنَّه بالاستقامة يصون المرءُ نفسَه كي تتمكَّن من ارتقاء مدارج السّلوك العاقل نحو كمالها الأخصّ بها، وهذا السبيل هو أشرف الغايات الإنسانيَّة.

أناكسيمندرa
أناكسيمندرa

” اللامحدود ”
قبل أكثر من خمسة قرون من بدء التاريخ الميلادي، عاش أنكسيمندر، وكان صديقاً لطاليس، والاثنان قدَّما أفكاراً اعتُبرت خروجاً من أجواء الاعتقادات الخرافيّة (الميثولوجيّة)، وبدايةً لنمط تفكير يرنو إلى محاولات تفسير عقلانيّة للطبيعةِ واكتشاف العلل التي تحكمها، وبالتالي، فإنّ الفلسفة – بما تعنيه في الأصل اليوناني من محبّة الحكمة والمعرفة – قد وجدت سبيلها إلى العقول. وقد شهد أرسطو بأنّ طاليس، القائل بأن أصل الأشياء كلّها هو الماء، كان بمثابة مؤسِّس لهذا النوع من الفلسفة (الطبيعيَّة). وقد خالفه صديقُه أنكسيمندر الذي نقل عنه ثيوفراسطس الشذرة التالية: “إنَّ العنصر الأوَّل للأشياء هو اللانهائي، وهذه العلَّة ليست ماءً ولا شيئاً من العناصر المعروفة، بل مادّة مختلفة عنها لا نهاية لها، وعنها تنشأ جميع السموات والعالم”.
فكرة “اللانهائي” هذه (باليونانيّة Apeiron، ويمكن تفصيلها كالتالي: a – peiron وتعني لا – حدّ) اعتبرها البعضُ من أكثر الأفكار الفلسفيّة التي خضعت للنقاش ومحاولات التفسير منذ ذلك الوقت وحتّى يومنا هذا. ولا غرو في ذلك، فهي شكّلت “بداية لعمليّة التفكير المجرَّد نحو تكوين مفهوم لموجود عقلي حائز بذاته على الصّفة الجوهريَّة. تلمّس الفيلسوف عبرها، وبشكل أوّلي غامض نوعين من الوجود: الموجود الحسِّي المتغيِّر، والموجود كوحدةٍ فكريَّة لتفسير الوجود فيزيقياً وميتافيزيقياً. (د. الضاهر).
وخلُص عدد من الباحثين إلى أنّ مصطلح (Apeiron) أي “اللامحدود” أو كما تُرجمَ أيضًا “اللامُتَعيّن” هو ليس مفهوماً
(concept) بالمعنى الدّقيق لأنّه لا يشيرُ إلى أيّ شيء يمكن الإشارة إليه، ولا إلى أيّ شيء يُمكن تعريفه، ولا أيّ شيء يُمكن معارضته أو مقابلته بأيّ حقيقة أُخرى. “الأبيرون” يحيط بكلّ شيء، ولا شرط يقيّده. وهو ضروري لشرح وجود كلّ ما ندركه، ولا يمكن استيعابه بطريقة محدَّدة، ولا يمكن الإشارة إليه إلا سلباً. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11)
تناول أرسطو المسألة واضعاً إيّاها تحت مجهر التحليل المنطقي الصّارم في كتاب “الطبيعة”، مستهلاً البحث بالتساؤل الأساسي: “قد يلزم مَن جعل نظره في أمر الطّبيعة أن ينظر في “لا نهاية”: هل هو موجود، أو لا؟ وإن كان موجوداً، فما هو؟” (Physics, B. IV, 208a, 27. Hussey). وبعد أن حاصر السؤال بمقدّمات عقليّة، اعتبر أنّ هذا الموضوع يدخل في نطاق “مواضع الشّك”، حيث أنّ نفيه يسبِّب أموراً من المحال التسليم بها، وإثباته يطرح إشكاليّات في مقاربة صفات وجوده في غاية الصّعوبة.
طبعاً، القضيَّة هي من المواضيع الشائكة في الفلسفة، ويتطلّب بحثها عرضاً مسهباً. المهمّ، أن أرسطو يثبت مدخلاً مُهمّاً يُمكن اعتباره “حدّاً” يسهِّل المقاربة في سبُل واضحة. يقول في استنتاج لافت، من دون وضع نقطة نهائية للبحث، ما يلي: “ظاهرٌ أنّ “لا نهاية” (اللامحدود) بمنزلة هيولى، وأنَّ ماهيّـته عدم، وأنَّ الموضوع بذاته هو المتَّصل المحسوس. وقد نجد سائر من تكلَّم في “لا نهاية” إنّما يستعملونه جميعاً بمنزلة الهيولى، ولذلك قد يقبح أن نجعل منه محيطاً لا مُحاطاً به” .
إذاً، وجد أرسطو أنّه من غير المستحب الظّنّ بأن “اللامحدود
Unlimited” هو من دون إحاطة، طبعاً في مبحث الطبيعة كما تبيّن. وسوف “يطوِّق” هذه الفجوة الفكريَّة لاحقاً بعلَّةٍ في الوجود عاقلة، هي بمثابة علَّة أولى. ومن السُّهولة بمكان أن تُفهم هذه العلَّة بأنَّها “حَدٌّ” لا بدّ منه لكي يتبدَّى الوجود في نظامه البديع. وهنا عودٌ على بدء للوقوف على الأهميَّة القصوى، بل الضروريَّة، لمفهوم الحدّ.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader