الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم

د.نجوى حسيكي العنداري

0 15
الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم

د.نجوى حسيكي العنداري

لعلّ أعظمَ ما في الوجود، وأخطرَ ما في الوجود، وأجملَ ما في الوجود: الكلمة!
فلنتّقِ الله في الكلمة.
جميعنا يتعطّشُ للكلمةِ الجميلة، والكلمةِ الصافية، والكلمةِ التي ترقى بنا إلى مصافِّ السّببِ الذي كنّا لأجلِهِ على هذه البسيطة… ولعلّ مَكارم من الرّجالاتِ القلائلِ الّذين بذلوا الكثيرَ، فهو اجتهدَ في استثمارِ ما حباهُ الله من قدراتٍ في سبيلِ ما أسماه «تحقيق الكمال الأخص»، والمجتهدُ له الأجرُ سواءَ أخطأ أم أصاب… تبقى النوايا وراء القصد، وتبقى الوِقفةُ الصّادقة أمام النّفس خيرَ مُعين …

وللأمانة، لا تسعُنا بضع كلمات للتعبير عمّا كان فيه سامي مكارم مُجَلّيًا، وهو العرفانيّ والفنّان والشاعر والأستاذ والمفيد وهو الّذي عشق الحرف وعشق الكلمة وسافر فيها وبها ومعها ولها … وما زلت أذكرُه يوم بارك لي العمل قبل رحيلِه، وبدأت مسيرة بحثي، وكان نتاجه «الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم» … لسنا بصدد تكريمِه فهو لا يحتاج لذلك، لكنّنا بحاجة أن نكرّمَ الخيرَ فينا كلٌّ من حيثِه، وكلٌّ من منطلقِه.
في هذا السّياق تتأسّس فكرةُ معرفتنا لمنبعِ آلامِنا، وأُسِّ أحزانِنا، وأصلِ سعادتِنا، ومُنطلقِ حرّيتِنا، تتأسسُ معرفةُ الإنسان لنفسه! ولعلّ هذه الفكرةَ، مع كثرةِ المفكّرين والمتنوّرين الذين تناولوها، تبقى تحمُلُ فرادةَ كلِّ نفسٍ، بما فيها من خصوصيّةٍ وجمالٍ. من هذا المنطلقِ، كان هذا الكتابُ الموسومُ بـ»الرؤية العرفانيّة في فكر سامي مكارم». وهو كتابٌ أُعِدَّ ليكونَ أطروحةَ دكتوراه، وقد تمَّ تلخيصُ بعض أقسامِه والتعديلُ عليها ليصبحَ مناسبًا لكلِّ قارئٍ مثقّفٍ، وليس حصرًا بالمتخصّصين.

ولتقديم لمحة عنه نتساءل:
ما انعكاسُ التجربةِ العرفانيّةِ على الواقعِ المُعاشِ حسب مكارم؟ أيمكن اختزالُها بالقول إنّها عيشُ حالٍ من الصفاءِ والطهرِ، في عالمٍ مترفّعٍ عن الماديّات؟ أم إنّه إشراكُ العرفان بنبض الحياة اليوميّة؟ ما الخصوصيّة التي ميّزت الرؤية العِرفانيّة في تجربة سامي مكارم، من ناحيةِ الأخلاقِ والدينِ والتصوّفِ؟ هل يتّصلُ، بحسب تجربةِ مكارم، العالمُ الأكبرُ – الله وعللُ الكائنات- بالعالمِ الأصغر – الإنسان، فيشكّلان عالمَ الوحدة؟ وهل انفصلا حتّى يتّصلا؟ وبأيٍّ من العالَمين يتحدّدُ موقعُ الضدِّ أو إبليس في هذه المعادلة؟ ومن ثمّ أينتفي دورُهُ؟ أم يُسَخَّر للخدمة؟ وما الذروةُ الروحيّةُ التي يصلُها الإنسانُ؟ وهل هي واحدةٌ أم أكثر؟ أم يتوقّفُ الأمرَ على قدرةِ الإنسان نفسه؟ وإلى أين وصل مكارم في تجربتِه ورؤيته؟
وبعد، ما هي أبرز المشاربِ الفكريّة التي استقى منها مكارم حتّى كوّنَ رؤيتَه العرفانية؟ وكيف تجلّى الإله الخفي في تجربتِه؟ وما هي النظريّةُ الأساسيّة التي انبنت عليها رؤيتُه؟ وهل قدّمت رؤيته في مختلف زواياها فرادةً وخصوصيّة أم كانت في بعضِها انتقاءٌ لما يتلاءمُ مع بعض الثوابتِ أو امتدادٌ لرؤيةٍ ما؟ هل هناك جوانبُ متناقضةٌ في تجربتِهِ؟
هذه الأسئلةُ وغيرُها تمَّت الإجابةُ عنها في هذا الكتاب الذي استُهلّ بمدخلٍ قدّم العرفان ومصدريّته ومعراج الترقّي ونهج المساررة، كما ألمحنا إلى أبرز مدارسه، وذلك من منظور التمايز والخصوصيّة. وفي الأبواب السّتّة تدرّجنا من دراسة رؤية مكارم للبنى الاجتماعيّة ثم رؤيته للبنى الأخلاقيّة، بعد ذلك درسنا رؤيته للعالم الأصغر – الإنسان، ثمّ تتبّعنا رؤيته للعالم الأكبر، ما سنح باستنباط رؤيته المعرفيّة للوحدة، بعد ذلك تجلّت رؤيته للثورة وصولا إلى كيفيّة تحقيق الإصلاح المؤدّي إلى تحقيق المدينة الفاضلة.

نضيف إلى ذلك ما قدّمته الدراسة في مجال تحديد الإله الخفيّ في فكر مكارم، والمشارب الفكريّة التي غذّت تجربته، والعرفان النظري العملي الذي تبلور في تحقيق الكمال الأخصّ، كذلك تحديد خلاصة الوعي الممكن وهو البراءة من الأنويّة، بالإضافة الى الجوانب المتناقضة لديه، زِد إلى ذلك ملحق معجم الرّموز الذي أظهر فرادة تجربة مكارم، وغيره ممّا لا يتّسع المجال هنا للحديث عنه.
ختامًا، يبقى للكلمة وقعها حسب تربة كلّ نفسٍ وحسب صفاء توقِها وقوّة شوقها وحثيث سعيها.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader