الزراعة الكيماوية

الزراعة الكيماوية

ملايين-الأطنان-من-المواد-السامة-تلنشر-فوق-تربة-الأرض-سنويا
0 625

أيتها الزراعة الكيماوية
ماذا فعلتِ بكوكب الأرض؟

تربة الأرض أخذت الطبيعة في تكوينها ملايين السنين
لكن الزراعة الكثيفة والكيماوية تميتها في سنوات قليلة

التربة أصل الحياة في الكون وملعقة واحدة منها
تحتوي 40 ملياراً من الكائنات المجهرية المفيدة

المبيدات الحشرية والفطرية تُتلف الجهاز العصبي
وهي عامل مسبب للسرطان والعقم وتشوه الأجنة

القيمة المقدرة لمبيعات المنتجات العضوية في العالم
بلغت في العام 2010 حوالي 94.2 مليار دولار

الزراعة الكيماوية تقتل أرضنا، تبيد كل معالم الحياة في تربتنا. هذه التربة التي احتاجت آلاف السنين لكي تتطور وتكتسب عناصر الخصوبة والحياة والبكتيريات النافعة نجح نظام الزراعة المكثفة ذات المحصول الواحد والمعتمدة بشدة على المبيدات والأسمدة الكيماوية في إفقارها وتعقيم الكثير من عناصرها الحيوية الأساسية من أجل بقاء الأرض ومن عليها.
لكن العالم في حاجة ملّحة وشديدة إلى هذه التربة وإلى أراض خصبة يمكن زرعها وإنبات الغذاء فيها إلى الأرض، لماذا؟ لأن سكان الأرض في ازدياد ولأن مستوى معيشة أكثرهم في تحسّن سنة بعد سنة. لقد كانت الصين والهند تعتبران بلدين فقيرين قبل عقدين من الزمن لكنهما برزتا الآن كعملاقين اقتصاديين وأدى ذلك إلى ارتفاع مستوى دخل الأفراد فيهما، ومع تحسّن دخل الناس يزداد طلبهم على كل أنواع الغذاء والأطعمة وهذا ما جعل الطلب على السلع الغذائية يتضاعف في العالم وأدى قبل أعوام إلى أزمة غذاء رفعت أسعار السلع الغذائية بصورة غير مسبوقة.
إذا أخذنا بآخر النماذج الإحصائية الدقيقة، فإن عدد سكان الكرة الأرضية سيصل إلى نحو 11 مليار نسمة في نهاية القرن الواحد والعشرين، وبالطبع فإن إطعام هذا العدد الهائل من الناس يحتاج إلى نمط من الزراعة مختلف تماماً عن الأنماط المدمرة التي سيطرت على مناطق كثيرة في الكرة الأرضية وما زالت تزيل كل سنة مساحات هائلة من أراضيها الصالحة للزراعة.
هذا العام وحده قدرت مساحات الأراضي الزراعية التي اختفت من على سطح الأرض بسبب عوامل التعرية والانجراف وتآكل التربة بنحو خمسة ملايين هكتار أي ما يعادل خمس مرات مساحة بلد مثل لبنان. لنتخيل أن مساحة بهذا الحجم تختفي من على وجه الأرض كل سنة فإلى أين سيتجه مصيرنا كجنس بشري؟
ما هي طبيعة المخاطر التي تطرحها الزراعة الكيماوية وتهدّد حياتنا واستمرارنا كجنس؟ هل ما زال لدينا وقت لوقف المسار الكارثي، وكيف يمكن للزراعة العضوية أن تساهم في إنقاذ الأرض ومن عليها؟

جوهر الأزمة التي تهدّد مصير البشرية الآن يمكن تلخيصه ببساطة بأنه التدهور المتسارع لنوعية التربة وعلة النطاق الكوني من جراء استخدام زراعات المحصول الواحد وتعميم استخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات فضلاً عن المقامرة الهائلة المتمثلة بتعديل الخصائص الجينية أو الوراثية للكثير من النباتات والحيوانات من دون أن يكون هناك أي قدر من التقييم العلمي للمخاطر الطويلة الأمد الناجمة عن هذا الأسلوب.
من أجل فهم أفضل لطبيعة المخاطر التي تتهدّد تربة الأرض يجب أولاً أن نعرّف عن التربة نفسها وعن تكوينها وكيف تعمل في إطار دورة الحياة على الكرة الأرضية.

ماذا نعرف عن تربة الأرض؟
إن معظم الكرة الأرضية مكوّنة من صخور صماء صلبة لا يمكن أن تنتج الغذاء . أما الغطاء الترابي الذي نستخدمه لكي ننتج غذاءنا فإن نحو 75% منه هو عبارة عن أتربة محمولة مثل الأتربة التي تنقلها الريح، وفقط 25% من هذا الغطاء الترابي يتكون في مكانه، وبسبب الظروف الكثيرة التي تؤثر في تكوّن التربة فإن تربة الأرض بطبيعتها شديدة وتختلف خصائصها بين منطقة ومنطقة، لكن الجماعات البشرية تعلمت مع الزمن كيف تكيِّف أنماط عيشها وزراعاتها مع أنماط التربة التي تعيش عليها فباتت تعرف بالتجربة أي تربة تصلح لأي نوع من الأشجار أو أي نوع من المحاصيل، كما إنها تعلمت عموماً كيف تعطي للتربة فترة الراحة اللازمة لتجديد عناصرها الغذائية وصحتها، وهذا المبدأ ألغته الزراعة المكثفة وحاولت الأرض تعويض عناصرها الغذائية عن طريق التسميد المستمر والزائد عن الحدّ في كثير من الأحيان.

التربة بيئة حية
تبدأ التربة بالتكوّن من مصدر معدني مثل الصخور المتآكلة والطمي الجليدي وطمي الأنهار ولا سيما عند فيضانها، وكذلك الصهارة البركانية والرمال وغيرها. أما المكونات العضوية التي تضاف إلى هذا الخليط فمع الزمن فقد تكون حية أو غير حية، وكذلك أوراق الأشجار المتساقطة، الحيوانات النافقة والكائنات الحية الدقيقية كلها تقوم مع الزمن بإغناء تركيبة التربة بالكربون الضروري للحياة النباتية.
تتألف التربة الصحيحة من 50% من مكونات صلبة و50% من هواء وماء،لكن هذا المزيج هو عالم يضج بالحياة، إذ تعيش فيه مئات أنواع الحشرات الصغيرة والديدان الخيطية والبوروتوزوا فهو عالم كامل من الكائنات الصغيرة والبكتيريا والكائنات المجهرية والتي أكثرها أصغر من رأس الدبوس لكنها بالملايين.
إن المكونات المجهرية للتربة هي من الكثافة والتنوع ما زلنا نجهل ما يقل عن 70 أو 80% منها ويقدر أن ملعقة واحدة من التراب تحتوي على نحو 50 مليار ميكروب ونحو 90% من النباتات تتغذى من كائنات ميكروبية mycorrhizae وهي نوع من النموات الفطرية التي تساعد في نقل المغذيات الموجودة في التربة إلى جذور النباتات.
إلا أن هناك أيضاً الآلاف من الميكروبات الأخرى التي تلعب دورها أيضاً في ما سماه أحد الباحثين البيئيين «سمفونية الأرض». وفي دراسة لجامعة نورث كارولاينا صدرت في العام الماضي أثبت الباحثون أنه ومع تكون الحياة في التربة فإن المكونات الحية التي تسكنها تبدأ بفتح أقنية وأنفاق دقيقية تؤدي إلى تحسين تهوئة التربة وصرف المياه بينما تسبح الديدان دقيقية والبروتوزوا في الغشاء المائي الدقيق المتكون حول ذرات التربة وتتغذى بالبكتيريا وتقوم حشرات العث المتناهية الصغر mites بالتهام النموات الفطرية بينما تقوم الأخيرة بتفكيك المكونات العضوية للتربة. وعن هذا الطريق تساعد تلك الكائنات في تحرير المغذيات الأساسية وثاني أوكسيد الكربون، كما إنها تلعب دوراً رئيسياً في دورة تثبيت النيتروجين والفوسفور وإزالة النيترات وتثبيت التربة وإغنائها بالمعادن، لكن هذه الكائنات المجهرية في حاجة دائمة إلى المادة العضوية وإلا فإن عددها سيتراجع بسرعة وسيؤثر ذلك على خصوبة التربة وإنتاجيتها.
هذه البيئة النابضة بالحياة تهاجمها الزراعة الحديثة والكيماوية بلا هوادة وتُسهم بذلك في تعقيم التربة وشيخوختها بسرعة كبيرة، حتى إن بعض العلماء يعتقدون أن التربة التي يمكن أن تبقى نابضة بالحياة لملايين السنين يتم إفقارها وتحويلها إلى تربة لا حياة فيها بسبب زراعة الصنف الواحد Monoculture في بضع سنين لا غير. والمأساة الحقيقية هي أن هذه التربة ستأخذ مئات وربما آلاف السنين للتعافي واستعادة حيويتها مجدداً. وهذا شرط وضع حداً لعملية الاستنزاف البربرية القائمة.

” التربة الصحية تتألف من 50 % مكونات صلبة و 50 % ماء وهواء لكنها تضج دائماً بملايين الكائنات الصغيرة والنمــوّات الفطــرية والمغذيات  “

ماذا فعلت الزراعة الكيماوية؟
تؤدي الزراعة الكيماوية والتي تستخدم المعدات الثقيلة إلى تكوّن تربة مشبعة بالماء ومرصوصة بسبب عمل الآليات وتصبح هذه التربة بذلك سريعة التأثر بعوامل الجرف والتعرية. لقد فقدت البشرية نحو ثلث الأراضي الصالحة للزراعة على هذا النحو في أقل من نصف قرن من الزراعة الكثيفة.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ هناك أيضاً المضار والأخطار التي تمثلها الزراعة الكيماوية على صحتنا وصحة أطفالنا. وعلى سبيل المثال فإنه ومن أصل 800 الف من المواد الكيماوية المستخدمة في العالم فإن بضعة مئات فقط تتم إخضاعها لاختبارات السلامة بينما لا نعرف حقيقة ما هي الآثار البعيدة لاستخدام آلاف المنتجات الباقية والتي تستقر أكثريتها في التربة وفي مجاري المياه، فتدمر المكونات العضوية والحيوية للتربة وتشجع في المقابل على تكاثر الفطريات والميكروبات الضارة. وهذه الكيماويات ليس فقط تقوم بتدمير التربة بل إنها في الوقت نفسه تقتل النحل والفراشات وجزءاً كبيراً من الغطاء الزهري ومن المخلوقات الحيوانية. ورغم أن نحو 60% من البيئة العالمية أصبحت على شفير الإنهيار، ومع ذلك فإن الصناعة الكيماوية والشركات الزراعية الكبرى ما زالت تتجاهل تماماً حجم الكارثة.

الدرس
الدرس الأهم الذي بدأ العقلاء يستخلصونه من كل هذه النتائج هو أن حل مشكلة الغذاء في العالم لن يتم من خلال التركيز على إنتاج المزيد وبأي وسيلة ممكنة بل في توجيه الاهتمام إلى أصل الأصول وهو صحة التربة في المدى الطويل لأن صحة التربة هي التي ستضمن إنتاج الغذاء بما يكفي لإطعام البشرية التي يزداد عددها بإطراد، أما إذا تردّت التربة واستمر زوال مساحات إضافية كل عام من الأراضي الصالحة للزراعة فإننا أمام مستقبل قاتم لا يعلم إلا الله أبعاده ونتائجه المتوقعة على البشرية.
لقد أصبح مؤكداً أن الزراعة الحديثة تدمّر تربة الكوكب وتحدث خللاً جوهرياً في تكوينها، والتربة هي أعظم كنوز الأرض التي لا يوجد بديل عنها فهي ولّادة معظم الحياة النباتية وبالتالي الحياة الحيوانية على هذا الكوكب، هي نقطة تلاقي علم الأحياء بالجيولوجيا، وهي الغلاف الحيوي للكرة الأرضية. لكن، ما فعله معظم المعنيين بالزراعة الحديثة وما زالوا هو أنهم أعلنوا الحرب على التربة بالأسلحة الكيماوية وبزراعة المنتج الواحد، وتناسوا أن ما يفعلونه هو انتحار على مستوى الجنس البشريّ.

ما هي الزراعة الكيماوية؟
تستخدم بعض المواد الكيماوية في الزراعة لإنتاج الأغذية على مستوى العالم. وفي البداية، قُدمت المبيدات والأسمدة الكيماوية للمزارعين بحجة أنها توفّر وسيلة ثورية لزيادة منتوج وجودة المحاصيل الزراعية، لكن هذا الهدف القصير المدى خلّف وراءه تربة زراعية متآكلة وفقيرة، بالإضافة إلى مياه جوفية ملوّثة وإلى تراجع مقاومة النباتات للأمراض والطفيليات الضارة على المدى الطويل.

كيماويات سامة في غذائنا!
تعتبر معظم أنواع المواد الكيماوية المستخدمة في الزراعة من النوع السام، ومنها :
الإترازين: رغم أن هذه المادة قد لا تستخدم أثناء الزراعة بسبب منع استخدامها، إلا أنها لاتزال تستعمل في بعض الدول للقضاء على الأعشاب الدغلية وهذه المادة مدرجة على اللائحة الحمراء للمبيدات الخطرة جداً على البيئة، كما تعدّ مسببة للسرطان عند الإنسان.
الديكارب: ينتمي هذا النوع من المبيدات إلى مجموعة الكاربامايتس، وقد منع استعمالها في العديد من البلدان كاليابان والسويد وبلدان أخرى. وقد أكّدت منظمة الصحة العالمية خطورة هذه المادة على صحة الإنسان، وكذلك أثبتت الدراسات تأثيرها على جهاز المناعة. لكن وللأسف، لا تزال بعض الدول تستخدمها في بعض المحاصيل الزراعية مثل القنبيط.
بينوميل: يستعمل في العديد من المحاصيل كالحبوب والخضار والفواكه. له قدرة على مكافحة الفطريات، وتصنفه منظمة حماية البيئة بأنه أحد مسببات السرطان عند الإنسان ويؤدي أيضاً إلى تسمم بعض الكائنات غير المستهدفة، كالطيور وبعض الحشرات.
كابتان: تستعمل هذه المادة في بعض الدول في حماية محاصيل الفاكهة. وقد وجدت ترسبات منها في الفراولة والتفاح، وتصنفها منظمة حماية البيئة بأنها تسبب السرطان، وقد منع استعمالها في أميركا على بعض أنواع الخضر والفواكه.
كاباريل: تنتمي هذه المادة إلى مجموعة كاربوميت، وقد صنفتها الحكومة البريطانية بأنها مسببة للسرطان وحُدِّد استخدامها ومع ذلك فقد وجدت ترسبات من هذه المادة في التفاح وبعض الفواكه الأخرى.
كلورفيفاينفوس: تمّ تطوير هذه المادة الكيماوية خلال الحرب العالمية الثانية، لإنتاج غاز الأعصاب الذي يضرب الجهاز العصبي. وتؤكد منظمة الصحة العالمية بأنها خطرة للغاية. ومع ذلك، لا تزال تستخدم لدى بعض الدول في القمح والخضروات الجذرية. وقد اكتشفت إحدى الدراسات ترسبات هذه المادة في الجزر بنسبة تفوق النسب المسموح بها بـ 25 مرة.
لينداين: تنتمي هذه المادة إلى مجموعة تدعى اوركانوكلورينز. وقد سبّب استخدام هذه المادة جدالات كثيرة، حيث تعدّ معطلاً للهرمونات وتتركز في الأنسجة الدهنية، وتزداد فاعليتها السمية، وتبقى في البيئة لمدة طويلة بعد استعمالها. وقد تمّ الربط بين هذه المادة وسرطان الثدي وأمراض فقر الدم وقد منع استخدامها في العديد من البلدان، وظهرت آثارها في الحليب والأجبان لأنها تستخدم في إنتاج الحبوب والشعير.
مالاثيان: تستخدم هذه المادة الكيماوية لقتل العديد من الآفات، لذلك انتشر استخدامها مع كثير من أصناف الفاكهة والخضار. وتصنف هذه المادة ضمن اللائحة الحمراء التي تمثل خطراً على البيئة.
هل يمكن إزالة المواد الكيماوية من الأغذية الزراعية عند غسلها؟!
الحشرات يمكن إزالتها من الخضروات الورقية باتباع الطرق الصحيحة في غسلها، لكن لا يمكن للمستهلك شراء محاصيل من السوق تكون خالية من الملوثات الكيماوية، أو إزالتها بطرق الغسيل الاعتيادية. ورغم أن إزالة القشرة لبعض أنواع الفواكه والخضروات تقلل من خطورة التلوث بالمواد الكيماوية، إلا أن عدم الاستخدام الصحيح للمبيدات، ولا سيما «الجهازية» منها قد يؤدي إلى وجود التلوث في بنية الخلية داخل الفواكه والخضروات. ومن الناحية النظرية، يفترض بأن الاستخدام الصحيح للمواد الكيماوية يجعلها تختفي عند موعد القطاف وهذا ما نقضته إحدى الدراسات العالمية عام 1996 إذ أثبتت وجود ترسبات من المبيدات في 41% من الفواكه والخضر التي تمت معاينتها.

آثار مدمرة
إن تلوث الأراضي الزراعية بالمبيدات يؤدي إلى تلوث خطر في منتجاتها الزراعية وتدهور نوعية التربة والمياه التي تمرّ بها. وتنتقل تلك الخطورة إلى الإنسان والحيوانات التي يتم تناول لحمها حيث إن المبيدات الحشرية تؤثر بيولوجياً على الشخص المصاب وبخاصة على الكبد الذي قد يصاب بالتليّف بسبب تراكم سموم المبيدات الحشرية وقد تسبب هذه المبيدات تلف الجهاز العصبي أو السرطانات المختلفة، كما قد تؤثر على الأجنة عند المرأة الحامل أو تسبب العقم عند الإنسان
وقد تتسرب المبيدات الحشرية إلى الجسم عند تناول لحوم الأغنام والأبقار والجمال التي تمت تغذيتها بالأعلاف والشعير الملوث بالمبيدات، كما إن تلوث الأنهار والبحيرات بالمبيدات الحشرية قد ينقل هذه المبيدات إلى الطيور والأسماك ومن ثم تنتقل إلى الإنسان كما حصل عندما تلوثت بحيرات كثيرة بالمبيد الحشري الخطير (DDT) وانتقل هذا المبيد إلى الأسماك والطيور التي تناولها الإنسان.

ضحايا بالآلاف
في مقاطعة جيانغسو Jiangsu الصينية يُصاب نحو 27 الف شخص سنوياً بالتسمّم نتيجة المبيدات الكيماوية 10% منهم يموتون. وقدّر أحد التقارير الصادرة عام 1997 من الأكاديمية الوطنية للعلوم (أميركا) بأن المبيدات الكيماوية قد تكون السبب الرئيسي في 1.4 مليون حالة سرطان بين الأميركيين، بينما يعتبر التسمم بالمبيدات الكيماوية من قبل المزارعين في كاليفورنيا الحالة المرضية الأكثر شيوعاً في تلك الولاية.
إن نظرة سريعة إلى الخريطة التي تظهر المساحات الزراعية التي لم تعد صالحة بسبب التلوث وتدهور التربة تظهر أننا على خط انحداري خطير وأنه لم تعد هناك فرصة طويلة لبقاء الأرض كما عرفناها إذا استمرّ التداول بالمبيدات الكيماوية في المجال الزراعي على وتائره الحالية. وعندما نأخذ في الاعتبار أن 1% فقط من المبيدات المرشوشة على النباتات تصل الى الحشرات التي صممت لقتلها، حينها سنفهم ماذا تفعل النسبة الباقية (99%) بالهواء والتربة والمياه والغذاء التي تلوّثها. فالكيماويات المرشوشة فوق المزارع تساهم في تلويث المياه الجوفية، وتزيد من نسبة التعرية، وتجرّد التربة من الحيوية، كما تقتل الحياة البريّة التي تعتبر مهمة في إكمال دورة الحياة. لكن رغم هذا كله، فقد وجد معظم المزارعين أن شراء الكيماويات ورشّها في مزارعهم أسهل بكثير من إجهاد أنفسهم في استيعاب آلية عمل الزراعة العضوية أو الطبيعية. والجميع يفضّل الطريق الأسهل. وفي كل عام، تساهم الوسائل الزراعية العصرية في تدمير القدرة الحيوية الطويلة الأمد للحقول الزراعية على إنتاج الأغذية الصحّية والطبيعية، حيث إن ما يعادل 90% من المزارعين (98% في أميركا وحدها) يلجأون إلى الأدوية الكيماوية، أكانت سماداً أو مبيدات. ويُقدّر «مجلس الدفاع عن المصادر الطبيعية» في الولايات المتحدة The Natural Resources Defense Council بأن حوالي 450 الف طن من المبيدات الكيماوية تُستخدم في المزارع الأميركية سنوياً، كما كشف مركز البحوث الاقتصادية Economic Research Service في أميركا بأن 25 مليون طن من السماد الكيماوي يلقى بها في الأراضي الأميركية (وحدها) سنوياً.

التسميد الكيماوي عدو للتربة!
يلجأ المزارعون الى التسميد بغرض الحصول على أكبر كمية من المحصول وعلى أحسن نوعية، وبالتالى تعظيم الدخل. والتسميد يشكل حوالي 50% من العملية الزراعية برمتها لذلك نجد ان هناك ميلاً لدى المزارعين الى اضافة كميات زائدة من الاسمدة إلى التربة دون الالتزام بالمعايير الموصى بها أو بتوقيت أو طرائق الاستخدام المنصوص عليها في الإرشادات.
وعلى الرغم من أن الاستخدام الصحيح للأسمدة يؤدي الى الحصول على انتاج أفضل فإن الاستخدام الزائد عن الحد الموصى به يؤدي الى مضار على المحصول ويترك آثاراً سلبية على البيئة نتيجة إحداث تراكمات مختلفة من المواد الكيماوية وحدوث تفاعلات جانبية عديدة على البيئة والتربة، كما إن الزيادة عن الحد المقرر تؤدي الى زيادة النمو الخضري للنبات وخفض المحصول ومستوى الجودة وتضعف مناعة النبات وقدرته على مقاومة الآفات والأمراض فضلاً عن هدر كميات كبيرة من الاسمدة مما يؤدي الى رفع تكاليف الانتاج من دون مبرر. بالإضافة الى ذلك، فالكميات الزائدة عن الحاجة تؤدي الى تلوث المياه الجوفية التي غالباً ما تستخدم لأغراض الشرب للإنسان والحيوانات أو لري المزروعات .
ومن أجل فهم التأثيرات السلبية للإستخدام المفرط للأسمدة تقسّم الأسمدة الرئيسية الى ثلاثة، وهي الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية لتبيان تأثيراتها السلبية على البيئة.

الأسمدة النيتروجينية
هي أكثر انواع الأسمدة استعمالاً لأهميتها الحيوية وتأثيراتها الايجابية السريعة والملحوظة على مختلف انواع النباتات. لكن الإفراط فى اضافتها يؤدي الى وصول النترات (وهي الصورة الشائعة للسماد النيتروجيني) بمعدّلات عالية الى المياه الجوفية، او الى مياه الصرف الزراعي التي غالباً ما تصل الى مصادر مياه الشرب والري). وفي حالة احتوائها على النترات بتركيز يزيد على 40 ملغم لكل لتر من المياه تتحول النترات في الأمعاء الآدمي وخصوصاً عند الأطفال الى مادة كيماوية يطلق عليها إسم «نتريت» وهي مادة ذات تأثير سلبي على كريات الدم الحمراء، الأمر الذي قد يسبب الاصابة بسرطان الدم. كما إن التركيز العالي للنترات فى مياه الشرب يسبب مرض السرطان في المعدة والأمعاء.. وتسبب هذه المادة تسمم الأبقار التي تسقى بها أو تتغذى بالأعلاف الخضراء التي رويت بالمياه الملوثة بالنترات.
كذلك فإن الكميات الزائدة من التسميد النيتروجيني يؤدي الى أن يتجه النبات الى النمو الخضري على حساب المحصول الثمري فيتأخر النضج ويقل المحصول. ويصبح النبات غضاً طرياً سهل الانكسار عند تعرضه للرياح، ويصير أكثر عرضة للإصابة بالآفات والأمراض.
أما في حالة وصول مياه الصرف الزراعي الذي يحتوي على نسب عالية من النترات الى مياه البحيرات والمستنقعات الراكدة، فستنمو الطفيليات والطحالب المائية وغيرها ويطلق عليها ظاهرة البترنة وهي تؤدي الى استنفاذ الاوكسيجين من المياه، وتشجع نمو الكائنات اللاهوائية anaerobic وبقاء المادة العضوية في صورتها المختزلة في هذه الظروف دون تحلل وتستمر في التراكم فتعطي مركبات سامة للكائنات الحية ومنها الاسماك، كما وتؤدي الى انتشار الحشائش المائية في المصارف مما يسبب إعاقة جريان المياه وخلق أضرار فيها ما يستوجب تطهير تلك القنوات خوفاً من انسدادها ما يكبّد الدول خسائر مالية كبيرة.

خارطة تآكل تربة الأرض
خارطة تآكل تربة الأرض

الأسمدة الفوسفاتية
يكون الفوسفور العنصر الاساسي لها ويتميز بقدرته العالية على الارتباط بحبيبات التربة وترسبه على شكل مركبات كيماوية غير عضوية، ومن ثم ينتقل مع جريان المياه السطحية نتيجة عملية انجراف التربة فيشكل خطراً ملحوظاً على متناولي هذه المياه، كما إنه يساعد او يسرع في حدوث ظاهرة التصحر. وزيادة الفسفور في التربة تعمل على إحداث خلل في التوازن الغذائي بين العناصر الغذائية في النباتات مما يقلل من انتاجيتها.

أزمة فوسفات
وبوتاس في الأفق؟

في مقال نشر في العام 2012 كتب جرمي غرانثام في مجلة Nature مقالاً توقع فيه حصول أزمة نقص عالمي خطيرة في مادتي الفوسفات والبوتاس.
ولفت الكاتب إلى أنه وعلى عكس النيتروجين فإن الفوسفات والبوتاس لا يمكن تصنيعهما كيماوياً، لذلك فإن الاستخدام الواسع النطاق لهما في الزراعة الكثيفة يمكن أن يهدد بتناقص كبير في الكميات المتوافرة منهما قبل مضي وقت طويل، وهو أمر قد يهدد الزراعة الحديثة فعلاً. وحسب غراهام فإن مادتي الفوسفات والبوتاس ليس فقط لا يمكن تصنيعهما بل لا يوجد بديل لهما لتنمية الإنتاج النباتي. ويتم استخراج المادتين من مناجم في الارض، وتحتوي بلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً وكندا على 70% من الاحتياط العالمي من البوتاس بينما تحتوي المغرب وحدها على 85 % من الفوسفات في العالم. وتساءل غرانثام: ما الذي سيحصل عندما تبدأ هاتان المادتان بالنفاد؟ الجواب البسيط في نظرالكاتب، أن العالم قد يتعرض لمجاعة والحل لذلك هو في الاستخدام العقلاني للأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية وبالتالي إحداث خفض كبير في وتيرة استخدامها الحالي.

الاسمدة البوتاسية، لا تختلف التأثيرات السلبية لها عن تأثيرات الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية لأن البوتاسيوم يعدّ عنصراً متحركاً وغير مستقر في التربة، وهو اكثر حركة من الفوسفور وأقل من النتروجين. لذا، فإن امكانية تسرّبه الى مياه الصرف عالية وتشكل خطراً ملحوظاً على المياه. ونظراً إلى أن الأسمدة البوتاسية قليلة الاستخدام في الزراعة من قبل المزارعين على عكس الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية، فإن تأثيراتها السلبية تكون قليلة جداً كذلك فإن زيادة الأسمدة البوتاسية في التربة تؤدي الى عدم انتظام الضغط الأوسموزي في محلول التربة والنبات، وبالتالي قلة قدرة الجذور على امتصاص العناصر الغذائية المضافة عن طريق التسميد وهنا ترتفع الملوحة مما يخلق اضراراً للنبات ويترتب على ذلك فقدان مقدرة النبات على الاحتفاظ بالمياه واصابته بالذبول، كما يمكن أن يتعرض النبات للاصابة بالآفات المرضية والحشرية. ولأن البوتاسيوم يكون مرافقاً للنترات عند تسربها الى اعماق التربة فإن خطر اصابة الانسان او الحيوان بالتسمم من مياه الشرب يصبح مرتفعاً جداً.
لهذه الأسباب، فإن الاستخدام المكثف والمفرط للأسمدة في الزراعة يؤدي الى تراكم العناصر الثقيلة في التربة وبخاصة عنصر الكادميوم الموجود في الأسمدة الفوسفاتية بصورة طبيعية، حيث يترك هذا العنصر أضراراً صحية على الانسان والحيوان بسبب امكانية امتصاصه من قبل النبات وتسربه إلى غذاء الانسان أو أعلاف الحيوانات.

عودوا إلى الزراعة العضوية
كان الإنسان والحيوان يأكلان من الطبيعة طعامهما ويلقيان بفضلاتهما في الأرض كما إن الحيوانات بعد أن تموت تتحلل أجسامها، وهاتان آليتان كانتا تضمنان تسميد الأرض وتغذيتها بالعناصر والمواد العضوية. وبنفس الطريقة كانت النباتات تنمو وتموت وتتحلل أنسجتها فوق التربة. ومن خلال هذه الدورة الحياتية للكائنات الحية كانت تتم الزراعة التقليدية والطبيعية. ولما بدأت الزراعة الدورية كانت الأرض تغل محاصيلها لعدة سنوات. وعندما تقفر وتنضب مواردها، كان الإنسان يتجه لأرض جديدة ليزرعها. لكنه عندما اكتشف الأسمدة العضوية والكيماوية الصناعية إستخدمها لتحسين إنتاجية التربة ومضاعفة محاصيلها من مساحة الأرض نفسها. فأصبحت الأسمدة الكيماوية أسهل وأقل كلفة من الأسمدة الطبيعية، إلا أنها تعرض التربة للتجريف والتعرية، مما جعل العالم يطالب بالعودة للزراعة التقليدية بالمخصبات الطبيعية. لكن من سيضمن أخلاقيات المنتجين وتقيدهم بوسائل الزراعة العضوية وأساليبها؟ فالمشكلة هي في كيفية الحصول على البذور القديمة قبل أن يتم تهجينها أو معالجتها أو تغيير صفاتها الوراثية.
ما هي الزراعة العضوية؟
كلمة عضوية في الكيمياء هو علم من فروعها ويقصد به المركبات المكونة من الكربون والتي أصلها نباتي أو حيواني، منها ماهو موجود بالطبيعة أو ما يصنع، إضافة الى المواد العضوية كالطعام والبلاستيك والنفط وغيرها من المواد التي عند احتراقها تعطينا كربوناً أسود.
في الزراعة العضوية يمنع استعمال الكيماويات بشتى أنواعها في جميع مراحل النمو، إلا أن المنتجات العضوية لا تخلو تماماً من التعرض للكيماويات عن غير قصد لأنه لا توجد حواجز طبيعية تمنع وصولها إلى المزارع العضوية سواء من المياه المستخدمة للري أو الهواء إلا أنها رغم هذا لا تضر بالبيئة. أما الزراعة المكثفة بالمبيدات فهي تستنزف التربة وتبيد الكائنات الحية والحشرات فيها، كما تقضي على الطيور وتدمر بيئة الحيوانات التي تعيش قربها. وقد تتسرب هذه الكيماويات عبر التربة للمياه الجوفية. في المقابل، فإن الزراعة العضوية من دون مبيدات تزيد الحياة البرية وأنواع الطيور والفراشات مما يجعلها تحافظ على التنوع الحيوي للكائنات الحية في بيئاتها فيتحقق التوازن البيئي مع تحسين نوعية التربة، كما إن كثرة الإقبال على شراء المنتجات العضوية الغذائية تزيد من تدعيم هذه الزراعة المتنامية.
يستغرق تحويل الأراضي الزراعية التقليدية إلى عضوية سنتين على الأقل لتطهيرها من المبيدات والكيماويات. لكن بالنظر إلى إدمان التربة على الأسمدة الكيماوية فإنها قد تصاب بأعراض «فقر دم» بمجرد رفع الأسمدة عنها والتوجه إلى الزراعة التي تستخدم فقط الأسمدة العضوية، ومن أجل مساعدة التربة في الفترة الانتقالية يقوم المزارع العضوي بزراعة محاصيل تخصيب (أسمدة خضراء) الهدف منها زيادة خصوبة التربة ومساعدتها على استعادة حيويتها الماضية، ومن هذه المحاصيل المخصبة نبات البرسيم.
يزداد حجم التصدير لهذه الأطعمة العضوية ويزداد الإقبال عليها عالمياً رغم أن معظم الدول المنتجة لهذه الأطعمة تخفي بعض الحقائق وتسمح مؤخراً بختم شهادات على عبواتها لتؤكد بأنها عضوية لترويجها. وبحسب مجلة Nature فإن المبيعات السنوية للصناعات الغذائية العضوية تزداد بمعدل 20 % سنوياً. لكن الخوف من تسلل جينات غريبة للمحاصيل أصبح مقلقاً للعلماء، وهو احتمال وارد الوقوع ولا يمكن تفاديه أو تجنّبه بسهولة ولاسيما من الكائنات المعدّلة وراثياً لأن الزراعة العضوية للنباتات رغم عزلتها النسبية عن الزراعات الكثيفة لا يمكنها تجنب الحشرات والطيور والهواء.
رغم هذه المخاوف فقد حققت المنتجات الزراعية العضوية انتشاراً وتنامياً ملحوظين في السنوات الأخيرة في الكثير من دول العالم، وأصبح إقبال المستهلكين على المنتجات العضوية يفوق بكثير ما كان متوقعاً ليس فقط في الدول المتقدمة بل في جميع أنحاء العالم. فقد أصبح المنتج العضوي عنصراً مهماً في استراتيجيات الاستثمار الزراعي في كثير من الدول. وتوضح الإحصاءات الزيادة المطردة في المساحات المزروعة بالنظام العضوي في العالم منذ عام 2002 وحتى عام 2006، حيث تضاعفت المساحة في قارة أفريقيا ستة أضعاف وفي قارة آسيا ستة أضعاف وفي قارة أميركا الجنوبية 1.36 ضعف وفي القارة الأوروبية 1.27 ضعف. ويعكس التزايد المستمر في القيمة الاقتصادية للمنتجات العضوية في العالم مقدار ما تناله هذه النظم من اهتمامات المستهلكين حيث تقدّر القيمة المقدرة للمنتجات العضوية في عام 2010 حوالي 94.2 مليار دولار.

مثال للزراعة الطبيعية الصديقة للأرض- حقول الأرز في إحدى قرى جنوب الصين
مثال للزراعة الطبيعية الصديقة للأرض- حقول الأرز في إحدى قرى جنوب الصين

خلاصة
من أجل حماية الصحة العامة ونوعية الحياة بدأ الكثير من بلدان العالم في السنوات الأخيرة يتجه إلى العمل بمبادئ الزراعة العضوية التي لا يدخل فيها استخدام المركبات المصنعة مثل المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية والهرمونات والمواد الحافظة، والتي هي في الواقع سموم نتناولها يومياً في غذائنا ونطعم منها أبناءنا. وهذه المبيدات الصناعية تدمر صحتنا وثبت تسببها في كثير من الأمراض الخطيرة مثل الفشل الكلوي وتليف الكبد وسرطان الكبد… والزراعة العضوية هي نظام حيوي مأخوذ من الطبيعة لا يعتمد على أية إضافات كيماوية أو هرمونية، مما يعني أن العمل بها سوف يحدّ من التلوث البيئي، كما إنه سوف يحسن تدريجياً من صحة الأفراد ومن الثروة الزراعية على المدى الطويل، لذا فإن المنتجات العضوية المتوافقة مع معايير السلامة العضوية تعتبر أهم ركائز الوقاية الصحية والمحافظة على البيئة في الدول حول العالم.

الفوائد البيئية والاقتصادية للزراعة العضوية
في تقرير لمنظمة الزراعة العالمية

الزراعة العضوية الأمل الوحيد بإنقاذ الأرض
.الزراعة العضوية الأمل الوحيد بإنقاذ الأرض

في وثيقة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) قدمت المنظمة تعريفاً علمياً موجزاً ومن أهم مرجع زراعي في العالم لفوائد الزراعة العضوية على الشكل التالي:

الاستدامة في المدى الطويل
الكثير من التغييرات الملاحظة في البيئة تعتبر طويلة الأجل وتحدث ببطء مع مرور الوقت. وتدرس الزراعة العضوية التأثيرات المتوسطة والطويلة الأجل لتدخل الإنسان والصناعة في النظم الايكولوجية الزراعية. وتهدف الزراعة العضوية إلى إنتاج الأغذية مع إيجاد توازن ايكولوجي يسهم في تلافي مشكلات خصوبة التربة والآفات (التي تسببت بها الزراعة التقليدية ولا سيما الكثيفة) وتتخذ الزراعة العضوية منهجاً استباقياً بحيث تركز على الاحتياط للمشكلات قبل ظهورها.
صحة التربة
تعتبر أساليب بناء التربة مثل استخدام الدورات المحصولية والزراعة البيئية ومحاصيل التخصيب Cover crops والأسمدة العضوية عوامل تشجع على تكاثر الكائنات الحية المفيدة وتؤدي إلى تحسين تكوين التربة وقوامها، كما إنها تؤدي إلى إقامة نظم استغلال أكثر استقراراً وأكثر ملاءمة للبيئة. وفي المقابل تؤدي أساليب الزراعة العضوية إلى تسريع دورة المغذيات والطاقة وتعزز قدرة التربة على الاحتفاظ بالمغذيات والمياه، والتعويض بالتالي عن عدم استخدام الأسمدة المعدنية أو الكيماوية. ويمكن لأساليب الإدارة في الزراعة العضوية أن تقوم بدور هام في مكافحة تعرية التربة، فهي تساهم في خفض احتمالات التعرض لعوامل التعرية، وفي زيادة التنوع البيولوجي للتربة، وتقلل فاقد المغذيات مما يساعد على المحافظة على إنتاجية التربة وتعزيزها. ويتم عادة تعويض ما تفقده التربة من مغذيات من موارد متجددة مستمرة محل تلك المزروعة وهي مغذيات ضرورية في بعض الأحيان لإغناء التربة العضوية بالبوتاس والفوسفات والكالسيوم والمغنيزيوم والعناصر المغذية من المصادر الخارجية.

سلامة المياه
يعتبر تلوث مجاري المياه الجوفية بالأسمدة والمبيدات الكيماوية مشكلة كبيرة في كثير من المناطق الزراعية. ونظراً إلى أن استخدام هذه المواد محظور في الزراعة العضوية، فإنها تستبدل بالأسمدة العضوية (مثل الكومبوست وروث الحيوانات والسماد الأخضر) ومن خلال استخدام قدر أكبر من التنوع البيولوجي (من حيث الأصناف المزروعة والغطاء النباتي الدائم)، وتعزيز قوام التربة وقابلية التربة لصرف المياه. وتؤدي النظم العضوية إلى قدرة أفضل للتربة على الاحتفاظ بالمغذيات، مما يساعد في إحداث خفض كبير في مخاطر تلوث المياه الجوفية. وفي بعض المناطق حيث يعتبر التلوث مشكلة حقيقية، يجري بشدة (كما حصل من قبل حكومتي فرنسا وألمانيا) تشجيع الزراعة العضوية باعتبارها من التدابير المهمة لمعالجة الموقف.

سلامة الهواء
تقلل الزراعة العضوية من استخدام الطاقة غير المتجددة من خلال خفض الاحتياجات من الكيماويات الزراعية (والتي يتطلب انتاجها استهلاك كميات كبيرة من الوقود الأحفوري). وتسهم الزراعة العضوية في التخفيف من تأثيرات ظاهرة ارتفاع حرارة جو الأرض أو ما يسمى بـ «الاحتباس الحراري» من خلال قدرتها على استيعاب وتثبيت الكربون في التربة، كما إن الكثير من أساليب الإدارة التي تستخدمها الزراعة العضوية (مثل تقليل الحراثة إلى أدنى حد ممكن، وزيادة استخدام البقول المثبتة للنيتروجين) يساعد على عودة الكربون إلى التربة مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتوفير الظروف المؤاتية لتخزين الكربون بدل بقائه حراً في الجو.

التنوع البيولوجي
يعتبر ممارسو الزراعة العضوية من أهم العاملين على حفظ التنوع البيولوجي على جميع المستويات. فعلى مستوى الجينات، تفضل البذور والسلالات التقليدية المكيفة لزيادة مقاومتها للأمراض وصمودها أمام الإجهاد المناخي. وعلى مستوى الأنواع، تؤدي التوليفة المتنوعة من النباتات والحيوانات إلى توافر الدوران الأمثل للمغذيات والطاقة اللازمين للإنتاج الزراعي. وعلى مستوى النظام الايكولوجي، فإن المحافظة على المناطق الطبيعية داخل وحول الحقول العضوية وفي غياب المدخلات الكيماوية تؤدي إلى توفير بيئات حاضنة مناسبة للحياة البرية بينما يقلل الاستخدام المتكرر للأصناف المستخدمة في تخصيب التربة من تآكل التنوع البيولوجي الزراعي مما يؤدي إلى توافر «بنك» طبيعي من الجينات السليمة، وهذا هو الأساس الذي يعتمد عليه لضمان زراعة غذائية سليمة وقوية في المستقبل. ويؤدي اجتذاب المواد الكيماوية في المناطق العضوية إلى الحفاظ على التنوع الحيواني والنباتي والكائنات البرية (مثل الطيور) والكائنات المفيدة للنظم العضوية مثل النحل وحشرات التلقيح الأخرى والأعداء الطبيعيين للآفات.

الكائنات المعدلة وراثياً GMO
لا يسمح باستخدام الكائنات المعدلة جينياً أو وراثياً في النظم العضوية خلال أية مرحلة من مراحل إنتاج الأغذية العضوية أو مناولتها. ونظراً إلى أنه لم تفهم تماماً حتى الآن التأثيرات المحتملة لهذه الكائنات على البيئة والصحة، فإن الزراعة العضوية تتخذ منهجاً وقائياً وتختار تشجيع التنوع البيولوجي الطبيعي. ولذا فإن استمارات البيانات العضوية التي تستخدم لمنح شهادات المصادقة على المنتجات العضوية يجب أن تحمل تأكيداً على أن الكائنات المعدّلة جينياً لم تستخدم عن عمد في إنتاج وتصنيع المنتجات العضوية وهذا أمر لا يمكن ضمانه في المنتجات التقليدية نظراً إلى أن وضع بطاقات البيانات التي تشير إلى وجود كائنات محورة وراثياً في المنتجات الغذائية لم يدخل بعد موضع التطبيق في معظم البلدان، غير أنه مع إزدياد استخدام الكائنات المعدلة وراثياً في الزراعة التقليدية ونتيجة لطريقة نقل هذه الكائنات في البيئة (ومن خلال حبوب اللقاح) فإن الزراعة العضوية قد لا تستطيع دوماً اجتناب التلوث بخصائص المنتجات المعدلة جينياً إلى هذا الحد أو ذاك.

الفوائد الايكولوجية
يوفّر تأثير الزراعة العضوية على الموارد الطبيعية ظروفاً مؤاتية للتفاعلات داخل النظام الايكولوجي الزراعي التي تعتبر حيوية لكل من الإنتاج الزراعي وصيانة الطبيعة. وتشمل الفوائد الايكولوجية المستمرة تكوين التربة وتكيفها، وتثبيت التربة، وإعادة استخدام المياه العادية وامتصاص الكربون، ودوران المغذيات، وحماية الأعداء الطبيعيين للآفات، وحشرات التلقيح، والبيئات الطبيعية الحاضنة. ويقوم المستهلك باختياره للمنتجات العضوية باستخدام قوته الشرائية في دعم نظم الزراعة الأقل تلويثاً، ومهما اعتبر أن تكلفة المنتجات العضوية أعلى نسبياً فإنها في الحقيقة أرخص في النهاية إذا أخذ في الاعتبار ما توفره من مشاكل بيئية ومخاطر على الأرض والحياة البشرية وهي مخاطر يحتاج التعامل معها إلى تكلفة هائلة لا تحتسب الآن في تكلفة الزراعة التقليدية.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader