الشباب والعيش فوق خط الزلازل –

الشباب والعيش فوق خط الزلازل

0 134

الشبــاب، والعيــــش فــــوق خــــطّ الــــزلازل

قاعـــــدة الإصـــــلاح أن يبـــــدأ الإنســـــان بنفســـــه
والتمـــــرّد الـــــذي لا ينشـــــد الحقيقـــــة قـــــوة هدّامـــــة

الحـــــروب والفوضـــــى تهـــــدم ثقـــــة الشبـــــاب بالمستقبـــــل،
وقـــــد تـــــدفع بالبعـــــض للهـــــرب نحـــــو الإدمـــــان والعبثيـــــة

لم يتعرّض جيل لما يتعرّض له شباب هذه المرحلة من تحوّلات كونية وجيشان سياسي واجتماعي وقيمي في كل مكان، ومن هجوم غير مسبوق للصورة والأفكار غثها وسمينها. فكيف يختط شباب اليوم طريقه وسط هذه الغابة الكثيفة وطرقها الكثيرة الملتوية، التي غالباً ما تؤدي إلى متاهات مميتة؟ كيف يحفظ نفسه من الضياع ويحقق فعلاً كل طاقاته الخيرة والنافعة لتقدمه الشخصي، وكذلك بتقدم مجتمعه؟ الشيخ غسان الحلبي يعرض هنا ومن تجربته الشخصية لتأملات في الدوامة المعاصرة والسبل الممكنة للتفلت منها وتحقيق تطور صحي فكري وروحي للفرد، وخصوصاً لجيل الشباب.

تمحورت الأسئلة العميقة التي كانت تدور في الرأس، منذ سنّ اليفاع في الستينات، حول العالم الذي يُرى ولا يفهم منه الكثير. كان الصراع محتدماً في الأساس بين الأفكار السياسيَّة التي جعلتها بعض الأحزاب آنذاك ايديولوجيَّة شموليَّة، وبعضها الآخر قوميَّة إقليمية، وبعضها طائفيّة وطنيَّة اعتقدت اعتقاداً راسخاً بوجودٍ ميتافيزيقي لبلد الرب لبنان. وكان السّلاحُ الفلسطينيُّ في ضفَّةٍ عروس الأبطال، وفي الضفَّة الأخرى سمّ الأفعى الذي يهدد بالتهام بلد الأرز. وكان العديد من المناطق الجبليَّة والريفيَّة من الشمال إلى الجنوب، وتحت رايات «اليسار» و«اليمين»، يفرّخ معسكرات التدريب والتعبئة استعداداً للدفاع عن القضية المقدَّسة، وكان لكلِّ طرفٍ قضيّته المقدَّسة التي يهون لأجلها بذل العرق والدماء والنفوس المسكونةِ بهواجس تاريخ ملتبس.
اندلعت الحرب وبدت في أيامها الأولى عرضاً مثيراً للبعض، مثل لعبة «أبطال وحرامية». مسؤولون قالوا: يومان أو ثلاثة وننتهي من «الانعزالية». وانتشر السلاح في الأزقّة والأحياء كالفِطر في غابةٍ ملعونة. نعم، خلال يومين أو ثلاثة بات كلّ شيءٍ مستباحاً، لكنّ «الانعزاليين» ردّوا الصاع بأكثر من صاعين. هكذا، انزلقت البلاد بالتدريج –أو ربما دفعت دفعاً- في أتون رهيب من الفوضى والعبث والجولات القتاليَّة والحروب. دخل المقاتلون «هادس» أي عالم الموتى، بحثاً عن انتصارات صغرى يداوون بها جراح الهزائم الكبرى. صاروا كما قال أحدهم آنذاك: «أجساد تتفجَّرُ موتاً.. علّها تصبحُ صوتاً». أصوات مكبوتة سرعان ما تحول أصحابها إلى صور وملصقات على حيطان المدن المذعورة. وكم ابتلعت تلك الملصقات من وجوه الأصدقاء والرفاق والغرباء، وكم من الأبرياء وعابري الطريق ماتوا أيضاً لكن من دون ملصقات أو حتى ورق تذكر فيه عن أخبارهم.
في دويّ القذائف وزخّات الرصاص، وبإزاء الأجساد الممزّقة والأسواق المحترقة والمباني المهدّمة والميادين والحدائق التي انقلبت خطوط فصل وتماس، رأينا قعرَ العالم، وكم كان ذاك القعر حالكاً غوير السواد. تبدَّت الحقيقةُ المفجعة كشمسٍ سوداء: لقد تخلَّى عنّا العالم وحوّل بلدنا الجميل إلى مكبّ لحروبه وفي الأحياء الواجفة تحت القصف العشوائي، وفي الشوارع المفخَّخة وبين سيارات الموت وقطعان المسلَّحين الهائجين المتربّصين بكلِّ ما هو “آخر”، والمستعدِّين ولمجرد “كلمة واقفة”إلى تحويل الحيّ إلى ساحة قتال. استفقنا يومها برعب على أمر واقع جديد، شهدنا بأم أعيننا الحياة التي سيتعين علينا أن نحياها صاغرين بحضور عيانيّ لملك الموت.
بات الانهـيار قدراً متواصلاً ترسَّخ على مدى خمسة عشر عاماً، نشطت فيها الحرب وماكينة القتل والهدم بشكل متواتر، تتخلّله قفزات مجنونة عند كلّ منعطفٍ كبير. عبّأ الموتى هول الوقت بجنائزهم وأربعيناتهم واستذكار تضحياتهم بشكل يغذي عصبـيات الثأر وحكايا بطولاتٍ غائرة في عتمة زمن من “خارج الحياة”. هكذا، في غمار وطءٍ راعِب لا نهاية له، تهافتَ كلّ شيء.
شهدَ الشارعُ مذّاك التحوّلات الكبرى التي أصابت – وستصيب – المجتمع بآفاتٍ مستعصِية. فقد راجت أنواعٌ كثيرة من المخدِّرات في أجواء الرعب والقلق والضغوط النفسيَّة، وسيطرت ثقافة العنف والسلاح وانسداد الآفاق والحاجة إلى الهرب من الواقع الموجع. لم يعدّ الإدمان حالة شاذّة، بل تحوَّل إلى وباء تفشّى في كلِّ وسَط وفقاً لطقوسِ الأمزجة والمكانة الاجتماعية.
لبث لبنان وشعبه في قعر الجبّ سنوات طوال. كان العالم من حوله يتغيَّر وينقلب في كلّ اتّجاه. انهار الاتحاد السوفياتي وسقط جدار برلين وتراجعت حدة العدائية والمنافسة بين المعسكرَين الجبّارين. وتبدّد الحلم الشيوعي الذي بدا أكثر فأكثر طوباوياً بعيداً كل البعد عن الواقعيَّة ومناقضاً للطبيعة الإنسانية، وتزامنَ ذلك مع تنامي صعود الحركات الإسلامية في ساحات العمل السياسي الطامح إلى تغيير أوضاع أمَّة مأزومة.
في تلك الأثناء أدَّت ثورة الاتصالات الحديثة في ناحيةٍ أساسيَّة منها إلى «عولمة» النموذج الغربي في فهم الحياة المعاصرة، وإلى الدفع بقوَّة، في كلِّ الميادين، نحو «الانفكاك» من أنماط السلوك الموروثة. واكتسحَت «الصورة»، التي يسيطر على «صناعتها» الغربُ بنسبةٍ ساحقة، أبصارَ «الجماهير» وبصائرها، بشكلٍ يؤدّي أيضاً إلى تغيير مفاهيم علاقة الإنسان بذاته وجسده، وبعائلته ومجتمعه، وبالعالَم من حوله، وإلى اتّساع الهوَّة بين الأجيال، وإلى تغييرات جذريَّة في حقول السلوكيّات الاجتماعيَّة، والنشاطات الثقافيَّة، والأساليب التربويَّة والترفيهيَّة، في الوقت الذي ترزحُ فيها مجتمعاتنا تحت وطأة تخلُّفٍ مُزمن ذي شبكات قروسطيَّة معقَّدة.
ورهَّلت الحربُ بُنية المؤسّسات في كافّة القطاعات، ولاسيّما منها تلك المولِّدة لفاعليّات المجتمع المدني. وتجذّرت أزمة الحكم نتيجة الخلافات السياسيَّة، والولاءات الطائفيَّة. وبات الاقتصاد الوطني رازحاً تحت وطأة أعباءٍ قاصمة. وصارت وسائل الإعلام، بارتهانها الكامل للاصطفافات السياسيَّة، عامل شحن للعصبيّات، ومصادر مؤكَّدة للتعبئة ورفع منسوب التوتّر اليوميّ.
لا غرو إذاً أن تعصفَ الشكوك بعقول الأجيال الصاعدة نتيجة «العيش فوق خطّ الزلازل»، وصورة مستقبل الحياة محدقة بأخطار كبرى أقلها البطالة، وغلاء المعيشة، وندرة مؤسّسات «الأمان الاجتماعي»، وهشاشة الأمن. في خضمّ هذه الأحوال تكثر الشكوك، وبالتالي الأسئلة بدءاً بمعنى الهويَّة الوطنيَّة، وصولاً إلى سؤال المصير. وإزاء الضحالة الثقافيّة تتعمَّق الأزمات، بل والأخطار المرتبطة بانحلال القيَم، وتفشِّي الإدمان، والتردِّي في السوداوية المودية إلى تفكّك الروابط. كلّ هذا يبرز الضرورة القصوى للحثّ على النهوض، والدعوة إلى استنهاض الهمم في شتّى المجالات. إنّ أصحابَ «الحلّ والربط والمقدرة» في مجتمعنا مُطالَبون بدعم الأندية الثقافيَّة، والمشاريع الإنمائيَّة، والمؤسّسات الاجتماعيّة الخيريَّة والرياضيَّة، ومراكز البحوث والدراسات، والمبادرات «الشبابيَّة» الهادفة إلى دفع عجلة النهوض قدُماً. فبهذا التوجُّه يتصدّى المجتمع الحيّ لأزماتِه الحياتيَّة، ولئن «يضيءُ المرءُ شمعة أفضل من أن يلعن الظلام».
مهما تبدَّت ظروفُ الحياة عن صورةٍ معقَّدة، وصعوبات شائكة، وأخطار مُحتملة، فإنَّ في الروح الشبابيَّة قوَّةً وإمكانات قادرة في معظم الحالات على اتّخاذ خِيار المواجهة والمبادرة إلى العمل المثمر. لدى الشباب الفرصة السانحة لأيِّ خِيار يستحقّونه. لديهم العمر الغض والعقل اليافع، يعني الوقت المناسب لبناء ما يحصِّنون به أنفسَهم ضد أنفسهم (يعني النفس العاقلة ضدّ الإمّارة بالسّوء)، وهذا يعني أن يكون لهم العقل الممتلئ بالمعرفة والثقافة والنباهة لكي يفهموا، من جملة ما يفهمونه، الواقع وإشكالاته، والصّورة وما خلفها، وما هو موقعهم منها كلّ على قدر طاقته من الاجتهاد والطموح الأعلى والتطلع إلى ما هو أجل وأسمى من اللهو الخالص.
المستقبلُ الحقيقي لكلِّ شاب يكمنُ في ما تكتنزهُ بصيرتُه من وعي يتجاوز به الظواهر، ويلتقط الجوهريّ. المستقبل حيث يمكن لكلِّ شاب، منذ الآن، أن يباشرَ شيئاً فشيئاً، ببناء تلك القوّة العقلية القادرة على تأمل ذلك السيل المتدفق من الصُّور والأحداث والصعوبات، والذي بلا أدنى شك سوف يزداد اندفاعاً في تدفقه يوماً بعد يوم.
على كلِّ شاب أن يُحسنَ قراءة ما يقرأ (دراسة وثقافة)، يعني أن يعقلَه أيضاً. أن يُحسنَ الإصغاء لكل حديث مفيد، سواء أكان في قاعات الدرس أو في أي مكان آخَر. أن يعلمَ أنَّ المعرفة قوّة وطاقة Power، وأنَّ الدول التي تملك زِمام القرار في هذا العالم هي التي تملك المعرفة. ولكن، في الوقت نفسه، عليه أن يرذلَ كلّ سخافة وكل سطحيّة وكل ادّعاء كاذب لا يستقيمُ فوق أساس منطقي. أن يرذلَ كلَّ ما يخدع النَّفس بعدم السّماح لكلِّ ما هو خدّاع مزيّف من القول أو من الفكر أو من الصور من الاستيلاء على عقله وأفكاره وروحه، لأنَّ جمالَ الحقيقة لا يُساكِن أبداً أسربة الضلال.
لنتذكر دائماً أنَّ العلمَ لا يعني اكتساب ما يُمكـن من منافسة الآخرين واحتلال المناصب والفوز بعمل يدرّ القدر الأكبر من المال. إنَّ ما هو أرقى للإنسان وللعِلم الذي يجب أن يستزيدَ منه أيّ شاب عاقل في كلِّ يوم، هو أن يبني في ذاته حصناً معنوياً مكوِّناً لشخصيَّة إنسانية تعرفُ تماماً ما تريد، لا لخدمة أناها Ego بل لتكون فاعلاً خيِّراً في مجتمعها عاملة على تثبيت عوامل النهضة فيه، وبذلك لن يصيرَ الشباب المعاصر جيلاً مهزوماً على شاكلة ما رأيناه.
ولا يمكن لهذا المنحى أن يستقيم من دون أن يعي الشباب في ذاته الأهمية الجوهريّة للفضيلة من حيث هي الخميرة القادرة على تحويل الوضيع في الإنسان إلى رفعة، والخسيس فيه إلى إرادة ثمينة، والبخس إلى ذهبٍ خالص هو ذهب التوازن الداخلي الذي يصيِّرُ الناس أسوياء.
تتحقَّق الذات الشريفة بالفضيلة حين لا يدفعها التمرّد إلى نبذ الماضي والحاضر بشكل عشوائي تحت شعار “الحرّيَّة”. من الواجب أوّلاً فهم الواقع على حقيقته وليس كما يتأتى إلينا عِبر انطباعات سريعة خاطئة. والواقع هنا يعني أيضاً “الكنف” الذي انوجد المرءُ فيه بحكم الولادة، وهو يشمل العائلة والمجتمع والنظام التربوي والهوية الثقافية والفكرية وقبل أي شيء آخر: الروحية. إذا اكتسح التمرّدُ حبّ الحقيقة يصبح هدّاماً لأنه يقود صاحبه إلى العبَث والفوضى (الإهمال والكسل والإدمان واكتساب العادات السيّئة إلخ…)، أما إذا تحوّل هذا النزوع إلى إرادة إصلاح بات “طاقة” حيويَّة في حقل “النهوض” الاجتماعي، وقاعدة الإصلاح الحقيقي الفاعل هو أن يبدأ المرءُ بإصلاح نفسه. إنّ هذا الأصل يُبنى في أساس الشخصيّة الإنسانيَّة الواعدة في البدء بزرع بذار الوعي في تربة الروح.
إزاء خطر الفوضى الذي يهدِّدنا، فإن لدى الشباب فرصة الحياة عينها وما تمنحه للمرء من إمكان بناء شخصيِّة قادرة على مجابهة الصعاب مهما تعاظمت. قرأتُ يوماً الأحرف الصغيرة لجملةٍ موضوعة في أعلى المدخل إلى الحيّ الصيني في مدينة سيدني: “اعرف الفضيلة، وثِق بها”. نعم، يحتاج المرءُ إلى المعرفة ليفهم الأهميَّة الجوهريَّة لقيمة الفضيلة. إذَاك، فهو أمام خِيار مصيريّ: إمّا أن يستثـقلها، وإما أن يثق بها. إنّ الذين استثقلوها أوصلوا العالم إلى الحروب والصراعات وتأليه المصالح الذاتيّة وعبادة الثروة السريعة واسترقاق الإنسان، أمّا الَّذين وثقوا بها واختاروها سبيلاً لتحقيق الذات فإنَّهم، على الأقل، أبقوا نورَ الإنسانيَّة مضاءً في مكان ما من هذا العالم.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader