الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الشّيخ سميح ناطور
صوت التّراث وحارس الذَّاكرة

في وداع صديقٍ لم ألتقه يوما، لكنّي عرفته كثيرا
لم تجمعني بالشّيخ سميح ناطور مقاعد الدّراسة ولا دروب الحياة، بل جمعتنا الكلمات. كان صديقا في فضاء افتراضيٍّ، لكنّ أثره في نفسي حقيقيّ وعميق. عبر منشوراته ومؤلّفاته، شعرت أنّي أقرأ صوتا يعرف كيف يحفظ الذّاكرة، ويمنح التّراث حياة جديدة. اليوم، ومع رحيله، أدرك أنّ هناك أشخاصا يكفي أن تقرأ لهم لتشعر أنّك التقيتهم مرّاتٍ ومرّاتٍ، وأنّك كنت تملك شرف صداقتهم.

ولد الشّيخ سميح نائف ناطور عام 1946 في دالية الكرمل، على جبل الكرمل شمال فلسطين، في بيئةٍ مشبعةٍ بحكايات التّاريخ وموروث الأجداد. منذ طفولته، بدا استثنائيّا؛ فقد تعلّم القراءة والكتابة في عمر ثلاث سنواتٍ، وفاز وهو في الثّانية عشرة بجائزةٍ وطنيّةٍ في الشّعر، ما كشف مبكّرا عن موهبةٍ أدبيّةٍ وفكريّةٍ لافتةٍ، سرعان ما شكّلت أساس مسيرته الثّقافيّة.

في شبابه، اتّجه ناطور إلى التّعليم العاليّ، وكان من أوّل خرّيجي مجتمعه، ليبدأ رحلة طويلة في العمل الثّقافيّ والتّوثيقيّ. وفي عام 1974، أسّس دار آسيا للنّشر، الّتي أصبحت منصّة لنشر مؤلّفاته وأعماله البحثيّة، إضافة إلى كتبٍ ومراجع تساهم في صون الموروث وتوسيع دائرة المعرفة.

وجاءت الانطلاقة الأوسع عام 1982، حين أسّس مجلّة «العمامة»، وهي مجلّة ثقافيّة وتاريخيّة عملت على توثيق سير الشّخصيّات والأحداث، ونشر دراساتٍ متعمّقةٍ في التّراث والفكر، بعيدا عن الصّراعات السّياسيّة. سريعا ما تحوّلت المجلّة إلى مرجعٍ للباحثين والمهتمّين بتاريخ المنطقة، ولأبناء المجتمع الّذين وجدوا فيها رابطا حيّا بذاكرتهم الثّقافيّة.

من أبرز إنجازاته إصدار «موسوعة التّوحيد الدّرزيّة» عام 2011، وهو عمل موسوعيّ شامل جمع فيه ما تيسّر من المصادر التّاريخيّة والنّصوص المرجعيّة والرّوايات الموثّقة، ليقدّم للقارئ صورة دقيقة ومنهجيّة عن العقيدة التّوحيديّة وفكرها وتراثها. هذه الموسوعة، بما تحويه من آلاف الصّفحات والمراجع، باتت مرجعا أساسيّا للدّارسين وإرثا فكريّا باقٍ في المكتبات والأذهان.

إلى جانب هذه الموسوعة، ألّف وأشرف على إصدار أعمالٍ أخرى منها: موسوعة آفاق المعرفة، الموسوعة التّوحيديّة للصّغار، موسوعة الألفيّات، وموسوعة آداب الصّغار. هذه الإصدارات تنوّعت بين الموجّهة للمتخصّصين والموجّهة للنّشء، في محاولةٍ منه لغرس حبّ المعرفة في الأجيال الجديدة، وتبسيط المفاهيم الثّقافيّة والفكريّة لهم.

كذلك، تجاوز ناطور المجال المحلّيّ، فانضمّ عام 2001 إلى منظّمة السّلام العالميّة، وشارك في مؤتمراتٍ ولقاءاتٍ ثقافيّةٍ في عواصم مثل واشنطن، نيورك، وسيول، وغيرها. في هذه المحافل، كان يقدّم صورة مثاليّة للمثقّف العربيّ المنفتح على الحوار والتّعاون، دون التّفريط في ثوابته أو انتمائه الثّقافيّ.

أمّا في حياته الشّخصيّة، فقد عرف بإنسانيّته وتواضعه ودفء تواصله. في أحاديثه ومنشوراته على منصّات التّواصل، كان يجمع بين عمق المعلومة وبساطة الأسلوب، مقدّما المعرفة بروح المعلّم والصّديق. لم يكن يسعى إلى الأضواء، بل كان يعتبر أنّ القيمة الحقيقيّة للعمل تكمن في فائدته واستمراريّته.

لقد مثّل الشّيخ سميح ناطور جسرا بين الماضي والحاضر، وحوّل كثيرا من التّراث الشّفهيّ المهدّد بالنّسيان إلى نصوصٍ موثّقةٍ ومصادر متاحةٍ. بهذا الجهد، ساعد في الحفاظ على الذّاكرة الثّقافيّة المشتركة، ليس فقط لمجتمعه المباشر، بل لكلّ قارئٍ وباحثٍ مهتمٍّ بتاريخ المنطقة وتراثها.

رحيله عام 2018 شكّل خسارة كبيرة للمشهد الثّقافيّ العربيّ، ولكنّ إرثه الفكريّ باقٍ، يقرأه الجيل الجديد ويستلهم منه أهمّيّة المعرفة وأمانة التّوثيق. وسيظلّ اسمه حاضرا كلّما ذكرت الأعمال الموسوعيّة الرّصينة الّتي تعنى بالتراث وتمنحه حياة جديدة عبر صفحات الكتب.

رحم الله سميح ناطور، وجزاه عن الثّقافة والمعرفة خير الجزاء، وجعل إرثه صدقة جارية تثمر في عقول وقلوب من يقرأه. فقد كان مثالا للمثقّف الملتزم الّذي آمن أنّ القلم أداة بقاء للهويّة، وأنّ المعرفة جسر عبورٍ نحو المستقبل.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي