الصفحة الأخيرة

الصفحة الأخيرة

الصفحة الاخيرة
0 104

الصفحة الأخيرة

حديث الموت

أهل الدنيا يحبون الحديث عن الحياة، عن الأمل والمستقبل، وفي أيامنا على الأخص هم ربما لم يعودوا يتحدثون إلا في الدنيا والحياة. من المفارفات أنه بقدر ما يزداد اندفاعنا في مجاري الحياة والدنيا، كذلك يزداد حضور الموت بين ظهرانينا كأنما يوجد بين هذين الوجهين للوجود تواصل خفي وتكامل في حركة كل منهما.

الحياة والموت وجهان لصيرورة الوجود يتبع أحدهما الآخر كما يتبع الشيء ظله، لكن رغم هذا التلازم فإن قلّة هم الذين يريدون الحديث في الموت أو أن يتفكروا فيه، لذلك نجدهم يتصرفون في عيشهم كما لو أنهم يعيشون أبداً، وهذا من أشدّ وجوه الغفلة. نظرهم كله مركز على الحياة بل إن موقف الكثيرين من أهل هذا الزمان هو أنهم «يكرهون» الموت مع أن ذلك الموقف الذي يشبه موقف النعامة لا يبدّل شيئاً ولأن كلاً منا سيغادر هذه الدنيا في الموعد المضروب شاء أم أبى.

الله تعالى جعل في الموت رحمة وحكمة فهو عنصر إيقاظ من الغفلات ومحفز على الطاعات ومحرك للتأمل والبحث في حقيقة الوجود والتقرب من رب الوجود الذي لا يتفكّر بالموت ولا يتوقف عند معنى قهره غافل محروم من نعمة الحكمة، هو يعيش كما تعيش الأنعام لا تتحرك فيه إلا جوارح الجسد وأهواء النفس لأن الأنعام لا تدرك حقيقة الموت ولم تؤت ملكة التأمل في حقائق الوجود والهدف من خلقها فهي تمضي حياتها المرسومة تقتات من حشائش الأرض إلى أن تبلغ أجلها المرسوم.

من المصادفات اللافتة في هذا العدد من «الضحى» وجود ثلاثة من حكماء البشرية العظام الذين تطرقوا جميعاً إلى الموت بلغة وتعابير جعلت الموت يظهر في كلامهم باعتباره هو الأمر الإيجابي الذي يجب انتظاره وليس الهرب منه.

سقراط الحكيم مثلاً تحدّث عن الموت بلهجة إيجابية للغاية عندما قال للمحكمة التي حكمت عليه بالإعدام: « ان من يخاف الموت يزعم أنه يعلم ما ليس معلوماً، لأنه في الحقيقة لا أحد يعلم إن كان الموت الذي يخاف الجميع منه كما لو كان الشر الأعظم ليس في الحقيقة إلا الخير الأعظم»! في مكان آخر يهزأ سقراط من أولئك الذين في مواجهة الموت يعتقدون أنهم سيمرون في «تجربة رهيبة» في ما لو ماتوا وأن في إمكانهم بالتالي أن يعيشوا إلى الأبد لو أنك أعطيتهم الفرصة لذلك» هنا يتحدث سقراط بكلام العارفين لحقيقة الموت عندما يخاطب المحكمة بالقول: «إذا كان الموت هو انتقال الروح إلى مكان آخر فأي شيء سيكون أفضل من هذا أيها الأصدقاء؟».

نأتي الآن إلى حكيم آخر هو تشوانغ زي أحد مؤسسي فلسفة التاوية في الصين القديمة الذي يعيب أيضاً على الناس الخوف من الموت بالكلمات التالية:
ما يدريني أن حب الحياة ليس إلا مجرد وهم؟ ما يدريني أن من يخاف الموت ليس إلا كطفل ضلّ الطريق فهو يبكي لأنه لا يجد السبيل إلى بيته»، أي ان الخوف من الموت سببه جهلنا لحقيقة الموت ولحقيقة أننا عن طريق الموت سنجد الطريق إلى بيتنا، والبيت هنا هو حقيقة وجودنا الأزلي التي أضعناها بسبب انبهارنا بمظاهر الدنيا وما تلقيه من حجب وأوهام فوق بصيرتنا الأصلية.

الحكيم الثالث الذي نتحدث عنه في هذا العدد هو تاج العارفين الجنيد البغدادي الذي يمكن تلخيص تعليمه كله بدعوة كل عاقل إلى ترك الدنيا على اعتبار أنه لا سبيل لنيل السعادة الحقيقية إلا بترك التعلق بالفانية (وهو بتعبير الجيلاني فعل «موتوا قبل أن تموتوا») والتفكر والمجاهدة سعياً لبلوغ عتبات عالم البقاء والصفاء وجنة السعداء.

هذه الملاحظات العميقة لحكماء عارفين يجب أن تدفعنا للتصالح مع الموت والإطمئنان إلى وعد الله الحقّ بأنه عودة النفس راضية مرضية إلى جواره وإلى جنته، بل يجب أن تشجع على التفكر في حقيقة الموت وليس الهرب منها على طريقة النعامة. وأعظم دلائل التفوق الذهني والذكاء الإنساني هو أن يرى المرء الوجود بكليته وأن يسعى لفهم اسراره وأن يقبل بحقيقة الموت باعتبار أنه ليس نهاية إلا لوهم الصورة والثوب الشحماني وأنه في حقيقته مفتاح باب الخلود ومعجزة لا تقلّ في معانيها ووظيفتها عن معجزة الحياة نفسها.

الضحى

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader