الصيد العشوائي

الصيد العشوائي

0 49

الصيد العشوائي في حوض البحر المتوسط وآثاره على التنوع البيئي

500 مليــون طيـر مهاجـر تقتـل سنويــاً
وأنـواع عديـدة باتـت فـي حكـم المهـددة

في غياب القوانين المنظمة وغياب الدولة شبه التام عن فرض احترام الأنظمة، تحوّل الصيد وخصوصاً صيد الطيور المهاجرة في لبنان، إلى حال مقلقة من الفلتان التام والقتل العشوائي لملايين الطيور في العام، وتتم عملية القتل التي يسمونها صيداً بوسائل ممنوعة تماماً في الخارج مثل استخدام “المكنة”، وهي التي تبث نداءات مسجلة للطيور المستهدفة أو الأضواء الكاشفة وغيرهما. وبلغت فوضى الصيد في السنوات الأخيرة حداً تحول معه كل من يمتلك ثمن بندقية صيد لا يتجاوز سعرها الـ 100 أو الـ 200 دولار إلى “صياد” يجوب القفار والجرود والأودية بحثاً عن أي جناح يطير من دون أي اهتمام لنوعه أو لواقع كون الطير من الأنواع المهدّدة التي تستوجب الحماية، بل في كثير من الأحيان يتم قتل الطيور المهاجرة التي لا يمكن أكلها مثل النسور والعقبان والبوم أو طائر السنونو أو غيره، كل ذلك في اندفاع السلاح والرماية على أي هدف يطير في السماء. وبالنظر لغياب جمعيات الصيادين المنظمة أو السلطات المحلية أو غيرهما، فإن معظم “الصيادين” ليست لديهم فكرة على الإطلاق عن الأنواع المهدّدة ولا عن الآثار السلبية المتزايدة لقتل الطيور على التنوع البيئي، ويكفي قول بعض كبار السن إن الوفرة الهائلة للطيور قبل نحو 60 أو 70 سنة كانت عاملاً أساسياً في نقاء الطبيعة والمحاصيل من الآفات، فلم تكن هناك حاجة لرش المبيدات أو أشكال المكافحة، وقد كانت الطيور المهاجرة يومها تنعم بأمن كبير لأن الصيد كان مقتصراً يومها على استخدام قضبان “الدبق” وبعض أسلحة الصيد البدائية التي يتم حشوها في كل مرة يراد فيها قنص طير من الطيور. ومن المرجّح أن تطور أساليب الصيد وأسلحته والاتساع غير المسبوق للأشخاص الذين يمارسون الصيد أدّيا إلى إنقاص كبير في عدد الطيور المهاجرة التي تمرّ في بلداننا، والتي كان الكثير منها يشكل العدو الطبيعي للكثير من الديدان أو الحشرات الضارة . وقد شهدنا في السنوات الأخيرة مثالاً على ذلك انتشار دودة الصندل التي تفتك بأشجار الصنوبر البري وبأشجار السنديان والملول، وقد عزا الخبراء استفحال أمر هذه الدودة إلى الفتك الواسع النطاق بأنواع من الطيور، مثل السفري التي كانت تتغذى على هذه الديدان وتحدّ بالتالي من أثرها على البيئة، وذلك كجزء من التوازن الطبيعي الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة وحافظت عليه الأجيال السابقة من الأجداد على مر القرون والدهور. كما أن طيور “العابور” تتغذى على أنواع كثيرة من الحشرات التي تكثر في موسم الربيع ومطلع الصيف عندما تتحرك الطبيعة وتبدأ الحشرات الضارة بالتحرك من سباتها الشتوي.
إن التشديد على هذه الأمور لا يعني بالضرورة العمل على منع الصيد بصورة تامة، لأن الصيد معترف به كنشاط يخدم التوازن البيئي إذا تمّ ضمن قوانين وعمليات متابعة وإحصاءات مستمرة لكميات الطيور المهاجرة للتأكد من الحفاظ على معدل معين لأعدادها وتوالدها. وقد طوّرت البلدان الغربية وسائل حديثة وتقنيات متطورة لمتابعة أسراب الطيور وطرق هجرتها وسلوكها خلال موسمي الهجرة، وهما: الهجرة من الشمال البارد إلى أفريقيا قبل موسم الشتاء، ثم الهجرة المعاكسة من أفريقيا باتجاه شمال الكرة الأرضية في الربيع ومع اقتراب الصيف.
أما في لبنان، فلا توجد جهود حقيقية للقيام بهذا النوع من المتابعة والتقييم بإستثناء الجهود المخلصة لبعض جمعيات حماية الطيور أو لبعض البرامج الخاصة والمدعومة من الاتحاد الأوروبي أو برنامج الأمم المتحدة للتنمية، لكنّها جهود محدودة ولا ترقى أبداً إلى مستوى الإدارة المنتظمة والعلمية لنشاطات الصيد مع التقييم والقياس الدائمين لأثر تلك النشاطات على أجناس الطيور وأعدادها بين موسم وآخر.
ومما لا شك فيه أن عدد الكثير من الطيور المهاجرة قد تأثر مع السنين بالصيد الجائر والعشوائي حتى أن عدداً منها بات فعلاً مدرجاً في لائحة الأنواع المهدّدة، والتي تتطلب بالتالي تطبيق إجراءات فورية لحمايتها.
وتشير دراسات قامت بها المنظمات المتخصصة في حماية الطيور ومتابعة الأنواع المختلفة منها إلى أن الصيادين في لبنان يقتلون ملايين الطيور المهاجرة التي تمر في لبنان سنوياً في طريقها نحو أفريقيا،وكذلك في طريق عودتها إلى شمال الكرة الأرضية. وهناك تقديرات بأن نشاط الصيد في دول حوض البحر المتوسط أي جنوب أوروبا وشمال أفريقيا ودول الحوض الشرقي للبحر المتوسط يؤدي سنوياً إلى قتل نحو 500 مليون طير، وذلك خلال عبور الأسراب المهاجرة فوق منطقة البحر الأبيض المتوسط، علماً أن قسماً كبيراً من هذه الطيور يتم قنصها أو أسرها بالجملة بواسطة الشباك والأساليب الأخرى في منطقتي شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط المحاذية للبحر الأبيض المتوسط. يذكر أن معظم الطيور التي يتم قتلها هي أنواع تتوالد في أوروبا خلال الصيف وتقضي الشتاء في أفريقيا، كما أن العديد من تلك الطيور بات مصنفاً ضمن الأنواع المهدّدة عالمياً، وذلك في المصنف الأوروبي للطيور.

الكثير من الآفات الزراعية الفتاكة انتشر في لبنان بسبب الصيد الجائر لأجناس من الطيور تشكل العدو الطبيعي للحشرات المسببة لتلك الأضرار

وظائف الطيور
في البيئة الطبيعية

1. الطيور تنشّط نمو الأشجار بما لا يقل عن نسبة
30 %، وذلك عبر تنقية البيئة من الطفيليات وغيرها من الحشرات الضارة التي تتسبب بتأخير النمو.
2. الطيور هي أكبر وسيلة لنشر البذور وتكثير العديد من النباتات، وذلك بسبب أنها تنقل الكثير منها عبر قوائمها.
3. تساعد الطيور أيضاً في تلقيح الثمار عند انتقالها بين الأشجار ونشرها لحبوب اللقاح في الهواء.

مسارات الطيور المحلقة المهاجرة عبر لبنان

على الرغم من أن أسراب الطيور العالية التحليق (مثل البجع والكركي واللقلاق وغيرها) يمكن مشاهدتها في أي مكان من لبنان خلال مواسم الهجرة، فإن الأبحاث العديدة برهنت على أن تلك الطيور تفضل بعض الطرق على غيرها، لكن هذه الطرق ليست نفسها بالنسبة لجميع الأجناس أو في موسمي الهجرة كما يظهر من الخارطة المرفقة. إذ تظهر الخطوط الصفراء السميكة الطرق التي تأكد وجودها عبر الأبحاث، أما الخطوط الصفراء المنقطة فقط تمّ استنتاجها بصورة أولية وتحتاج إلى المزيد من الأبحاث للتأكد منها.

لا يوجد في لبنان إطار قانوني ينظم الصيد، ولا قوى كافية لفرض الالتزام بأي إجراءات تنظيمية والكثير من القرارات يبقى من دون متابعة وتنفيذ

وكذلك في طريق عودتها إلى شمال الكرة الأرضية. وهناك تقديرات بأن نشاط الصيد في دول حوض البحر المتوسط أي جنوب أوروبا وشمال أفريقيا ودول الحوض الشرقي للبحر المتوسط يؤدي سنوياً إلى قتل نحو 500 مليون طير، وذلك خلال عبور الأسراب المهاجرة فوق منطقة البحر الأبيض المتوسط، علماً أن قسماً كبيراً من هذه الطيور يتم قنصها أو أسرها بالجملة بواسطة الشباك والأساليب الأخرى في منطقتي شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط المحاذية للبحر الأبيض المتوسط. يذكر أن معظم الطيور التي يتم قتلها هي أنواع تتوالد في أوروبا خلال الصيف وتقضي الشتاء في أفريقيا، كما أن العديد من تلك الطيور بات مصنفاً ضمن الأنواع المهدّدة عالمياً، وذلك في المصنف الأوروبي للطيور.
لكن على الرغم من الاهتمام بالطيور المهاجرة، فإن المؤسسات والجمعيات المتخصصة تعترف بأن نشاط الصيد هو نشاط اقتصادي واجتماعي مهم في كافة البلدان المعنية، وأن أي خطة لحماية الطيور يجب أن تأخذ في الاعتبار واقع أن الصيد نشاط يدخل فيه مئات الآلاف من الأشخاص ويتم على مساحات شاسعة من المنطقة، وتشير التقارير إلى أن أبرز العقبات التي تواجه مهمة حماية الطيور المهاجرة في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط هي التالية:
1. لا توجد إدارة فعلية لحركة وواقع الطيور المهاجرة في المنطقة، كما لا يوجد إطار قانوني ينظم الصيد، ولا قوى ووسائل فعّالة لفرض الإلتزام بأي إجراءات تنظيمية للصيد بحيث يبقى الكثير من تلك القرارات من دون متابعة وتنفيذ.
2. لا توجد موارد كافية في هذا الصدد سواء لدى الحكومات أم لدى منظمات المجتمع المدني المعنية.
3. هناك ضعف عام في الوعي لدى الصيادين، ولدى الرأي العام عموماً، بالأثر البيئي الذي ينتج عن الصيد الجائر وغير المنظم للطيور.
4. لا يوجد إطار للتعاون الإقليمي بين الحكومات والمؤسسات المعنية من أجل تحقيق حماية أفضل للطيور المهاجرة.
5. هناك تاريخ من النزاع وسوء التفاهم المستمرين بين الصيادين وبين المنظمات المعنية بحماية الطيور حول الأولويات وأساليب التعامل مع الصيد المنظم للطيور.
الطريف أن الكثير من اللبنانيين يعتقدون خطأً بأن الصيد تقليد قديم وأنه يسري مسرى الدم في عروقهم ، أما حقيقة الأمر فهي أن الصيد لم يدخل إلى لبنان على نطاق واسع إلا في مطلع الخمسينات، وذلك خلال عهد الرئيس كميل نمر شمعون الذي كان هو نفسه من أكثر المتحمسين للصيد، وقد تعلم فنونه في بريطانيا حيث أتم دراسته وعاد إلى لبنان ليمارس تلك الهواية غالباً تحت أنظار الصحافيين والجمهور. وبالنظر لشخصية الرئيس شمعون وشعبيته فقد بدأ العديد من أبناء الطبقات الميسورة دخول حقل الصيد تشبهاً برئيس البلاد، وبدأ تقليد إدخال أسلحة الصيد الحديثة وكلاب الصيد ينتشر تدريجياً مع بداية الستينات. وقد أظهر إحصاء أجري في سنة 1994 أن عدد الصيادين المسجلين في لبنان كان قد بلغ 14,000 صياد، لكن التقديرات الواقعية المبنية على معلومات وتحقيقات لاحقة أظهرت أن العدد قد يتراوح بين 60,000 حسب مصادر الصيادين وربما 200,000 أو أكثر إذا أخذ في الاعتبار نشاطات الصيد المتقطعة للكثيرين.
وفي سنة 1995 أصدرت الحكومة اللبنانية وبناءً لاتفاق مع هيئات الأمم المتحدة حظراً شاملاً على الصيد لمدة خمس سنوات، وذلك بعد سنة من توقيع لبنان على معاهدة التنوع البيئي الدولية، والتي فرضت عليه التزامات محددة بشأن حماية الحياة البرية والبحرية.
وبعد انقضاء مدة الحظر، وفي غياب بدائل أفضل فقد استمرت الدولة اللبنانية في تجديد الحظر سنة بعد سنة إلى أن تقرر في سنة 2005 إصدار قانون للصيد ينظم الموسم بدلاً من الحظر التام، إلا أن القانون يحتاج إلى مراسيم تنظيمية وآليات لم تكتمل بعد. وقد أرسل موقف الدولة اللبنانية والبرلمان رسائل متناقضة للمجتمع بحيث عاد الصيد غير القانوني بقوة غير مسبوقة. وتقول منظمات حماية الطيور إن منع الصيد لا يمكن أن يطبّق بفعالية من دون تحديد “كوتا” محددة لكميات الخرطوش وعتاد الصيد الذي يُسمح للمحلات المتخصصة بأسلحة الصيد ببيعها سنوياً، وكذلك من دون منع تقديم العصافير كطبق في المطاعم، لأن أحد المحفزات الأساسية للصيد هو إمكان بيع العصافير للمطاعم من قبل صيادين يعتمدون عليها لتحقيق دخل من هذا النشاط.

شغف الرئيس كميل شمعون بالصيد ورحلاته المصورة في خمسينات القرن الماضي لعبت دوراً في ترويج الصيد بين أبناء الطبقة الغنية أولاً ثم بين عامة الناس

الصيد في لبنان من رياضة المشي
إلى فن القتل الكسول بواسطة «المكنة»

صيد الطيور في لبنان هل هو رياضة فعلاً؟ أو هل بقيّ فيه شيء من نشاط وتقاليد وقيم الرياضة؟ في الماضي كان الصيد متعة حقيقية في الطبيعة وترصداً وانتظاراً أو سيراً حثيثاً وتسلقاً للجبال أو هبوطاً للوديان، كما كان سمراً بين الصيادين وتعاوناً ولم يكن المهم فيه كمية الصيد أو حجم الطرائد بقدر ما كانت الرياضة نفسها وما تجلبه للصيّاد من عافية للجسم وتحمل المشاق، كما أن قسماً منها ولا شك كان متصلاً بالتاريخ الحربي للعديد من مناطق لبنان بما في ذلك الجبل، فكان الصيد ولو من باب غير مباشر جزءاً من اعتياد السلاح وفن الرماية وسبباً للثقة بالنفس والشعور بالقوة. وبهذا المعنى على الأقل فقد كان الشعور العام هو شعور تسامح وإعجاب بالصيادين وبقوتهم وجلدهم وشعور الأخوة بينهم والمنافسة الرياضية بينهم.
لكن أين صورة الصيد هذه وتقاليده من الصورة التي أصبح عليها الصيد في أيامنا الحاضرة. لقد تحول الصيد إلى رياضة للقتل الكسول في غالب الأحيان. سيارات متوقفة على قارعة الطريق وطاولات ونارجيلة بالتبغ “المعسَّل” واستعراض لأنواع السلاح وماركاته والأحدث منه أو الأغلى ثمناً. لكن كل هذه العدّة لا تساوي شيئاً أمام الاختراع الذي دخل ميدان الصيد عندنا وهو “المكنة”، أي آلة التسجيل التي تخدع الطيور بإذاعة صوت طيور من جنسها وهو ما يدفع بها إلى الاقتراب من الصيادين الذين قد يقتلونها وهم في أماكنهم ومن دون الحاجة إلى أن يتحركوا خلفها أو يطاردوها.
هل هذه “رياضة” فعلاً، وأي هدف منها سوى الظهور وحرق الخرطوش على كل جناح يطير أو يقوده سوء الحظ إلى مجال الرماية هذا الذي قد يضم أحياناً أكثر من خمسين سيارة مع أطقمها وأسلحتها المتنوعة والمتطورة؟

تعليقات
Loading...
preloader