الفيلسوف جُبران خَليل جُبران

0 251

لم أشـأ أن أكتب إلّا ذاتي عندما أكتب عن جبران فقد تغلغل في ثنايا فكري، ثورة تنادي للحرية، صرخة تسكب حناناً على جائع بائس، جرأة تزيل القناع عن وجوه بشريّة ممسوخة من الداخل تسكنها الشياطين والغرائز فلا يوفّرها في أي مقام كانت وأي جاه تستّرت به، جبران يا وجدان وطن ما زال يعاني، ويا ضمير أمّة انتهك حرمتها الأقوياء وسخرّوها لمآرب وأطماع. كلمتك لا تموت ولا يحتويها الزمن ويبخّرها، فقد كنت بكل جيل نهضة، وإنسانية وحقاً، والحق لا يموت، رأيت فيك لبنان، لبنان الخير والجمال، لبنان الألم، لبنان الصبر والعزم والإيمان، لبنان الأصالة، فأزفّها كلمة ثقة بريئة شفافة لكل أبنائنا وأقولها: أقرأوا لجبران، جبران أنتم بكل أبعاد الذات المنيرة المستنيرة، عبقري من بلادكم حمل عبقريتها إلى بلاد الاغتراب فكبُر وطنكم الصغير به، وأصبحنا نُعرَف ببلد جبران! تلك النفس الأبية المعطاء التي ما دنستها المادة ولا استهوتها الإغراءات ولا نالت منها الذاتية والأنانية، تلك النفس التي سكنتها الروح الكونية فتماهت مع كل عناصر الطبيعة، ومع الإنسان حيث كان، فما استكانت ولا ملّت ولا تعبت ولا تغيرت أو ترددت بحكم تقلبات الزمان والمكان، وإذ قال جبران: «وجه أمي وجه أمتي» أُحرِّف وأعدِّل وأقول: وجه جبران وجه أمتي، كما يجب أن يكون وكما أريده أن يكون وكما هو حقاً إن تُرك على عفويته دون كل تلك المحاولات التي تعمل لتسلبنا أصالتنا. جبران القيمة الإنسانية بحق والتي لا تضاهي، تلك العدالة الاجتماعية التي لا تساوم فلا تمايز ولا تمييز، فالكل أبناء الله وللكل الحق في الحياة… وكأنّه عاش آلام البشرية كافّة، آلام الطبيعة المخضَّبة بالدماء أثر الحروب وآهات المعذبين، آهات المسيح بالذات «مساء العيد» والناس في غرورهم قد ابتعدوا عن رسالة صاحب العيد: «العالم يردد اسمي والتقاليد التي حكتها الأيام حول اسمي، أمّا أنا فغريب أطوف تائهاً في مغارب الأرض ومشارقها، وليس بين الشعوب من يعرف حقيقتي» يا ليتهم يعرفون ليكون لنا السلام المُرتجى، وأتساءل ألم يكن لجبران ليلاً أو نهاراً أو لخطاب يعيشه لذاته بل كلّه بوح المقهورين والمعذَّبين، والجياع، والتصدي لمبعثها، ومسبّبها، فهل يضيع الصوت الصارخ. وينعدم الصدى؟ كلّا، ابن لبنان، يا بن الأرز، يا بن الوطن الجريح فقد عهدت للمحبة أن تفعل فعلها والمحبّة لا تسقط، ولا تخيب، المحبة هي الله عزّ وجل فأتناولها اختصاراً لكل ما أتحفتَنا به رغم أنّه يحلو لي أن أكتب في كل ما كتبت، وألتقي، وأكرّر أن أسأل قومي أن يقرأوا لك، فحرام على من لا يقرأ جبران ويهدي إلى سبيله الفيّاض المعطاء، إلى رسالته المنتصرة دوماً وأبداً، «حلقة تصل بين هذا العالم والآتي» والمحبة تلك الذخيرة، الشعلة الملهبة في قبله كانت المصدر والأساس لهذا التفاعل بلا حدود مع كل ما وهب الله، وخلق فهي هو وهو في ذات جبران، فلا ينكرن أحد لفيضها «فاتبعوها» «أطيعوها» «صدقوها» تحرركم أتقياء جديرين «بمائدة الرب المقدسة»، حقّاً بدون محبة لا طريق إلى الله وهي التي ترتفع بنا إلى قلب الله حيث هي منزّهة تعطي وتأخذ من نفسها فقط مُنعَتقة من التملُّك والتّمليك، مكتفية بذاتها لأنّها أكبر من كل ما عداها، مغتبطة بها دوماً وأبداً، شاكرة معها تسير، ومعها تعطي ومعها تعمل تلك المحبة التي أراني أعيش نشوتها صلاة إن في كِلَمِ جبران أو صوت فيروز واللحن، وأتصوّر مشاعر جبران وخياله النابض بها يجول كلّ الآفاق، ويخترق كلّ الحواجز متواجداً في مكان محدد ومع المحبّة في كلّ مكان! فسبحان من أعطى ووهب، وتباركت يا جبران يا نعمة من نعم الله، دخلت تراثنا المجيد، وبعد مئة وخمسة وعشرين عاماً أقولها: مبارك تاريخ ولادتك فيك ولنذكر تاريخ المولد دون ذكر الوفاة لأن في الواقع لا ولم تغب، ديمومة أنت في ما أعطيت وتبقى، ويبقى لبنان خلوداً فلهُ ولك ولأمثالك تضاء الشموع.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader