الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

اللحظة الدرزية الراهنة: المآزق والمخارج

ليست المرة الأولى التي تمر بها طائفة الموحدين الدروز بمصاعب كبيرة وتحديات يلامس بعضها الطابع الوجودي، وربما لن تكون الأخيرة في منطقة تلتهب فيها النيران الطائفية والمذهبية عند كل منعطف تاريخي وعلى مشارف كل تغيير سياسي كبير. ولكن الثابت والأكيد أن اللحظة الدرزية الراهنة في الشرق الأوسط هي لحظة شديدة الحساسيّة والحراجة على ضوء الأحداث المأساوية التي شهدتها سوريا وقبلها لبنان، وطبعاً- وبصورة دائمة- فلسطين.

وتحتّمُ هذه اللحظة المفصليّة بناء مقاربات سياسيّة تأخذ في الاعتبار التطورات غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة تحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023 عند إنطلاق عملية «طوفان الأقصى» ومن ثم حرب الإبادة الإسرائيليّة على قطاع غزة بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقضم التدريجي لأراضيها بإزاحة السكان الأصليين، ومواصلة مخططات تهويد القدس الشرقيّة منها ورفض إسرائيل لكل مقترحات السلام القائمة على حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يمكن إغفال أيضاً الحرب التي توسعت نحو لبنان سنة 2024 نتيجة «حرب الإسناد» والتي أسقطت نظرية «توازن الردع» التي كانت بُنيت بعيد حرب تموز/ يوليو 2006 وأدت إلى استباحة السيادة اليومية للبنان دون أي اعتبار لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. أساساً، بات واضحاً أن إسرائيل تكرّس أعرافاً جديدة في المنطقة بحيث أنها قلما تحترم الاتفاقيات الموقعة (وقف الأعمال الحربية في لبنان وغزة، اتفاق فك الاشتباك في سوريا…) وتمنح نفسها الحق في مواصلة القصف والاستهداف بعد التوصل إلى الاتفاق وهي سابقة جديدة في العلاقات الدولية.

وإذا كانت التطورات الحاصلة في غزة ولبنان قد أسهمت إلى حد كبير في خلط الأوراق وإعادة ترسيم موازين القوى الجديدة، فإن سقوط نظام آل الأسد في سوريا بعد 55 عاماً من الحكم الديكتاتوري البعثي قد أدّى إلى تغيير جذري في سوريا ودفع في اتجاه قيام سلطة جديدة وجدت نفسها أمام تحديات لا تعد ولا تحصى: الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الداخلي، العلاقات مع الخارج، العقوبات الدولية، انهيار العملة الوطنية والكثير من الملفات الأخرى.

وسواءً أكان عن قصد أو غير قصد، حصلت تجاوزات كبيرة أدت إلى مجازر بشعة في الساحل السوري لا سيما في القرى ذات الأغلبية العلوية ولاحقاً في السويداء ذات الأكثرية الدرزية تلتها أعمال انتقامية من بدو حوران. وساهمت كل هذه المشاكل في حصول اهتزاز عميق في الهوية الوطنية السورية وطرحت تساؤلات عن طبيعة المشروع الوطني السوري المستقبلي على ضوء هذه الأحداث الخطيرة.

 

من أحداث السويداء

 

الأكيد أن أي تعرّض للمدنيين، بمعزل عن انتمائهم الطائفي، هو تعرّض مدان ومرفوض، ويتناقض مع أبسط المواثيق والقوانين الدولية والإنسانية ولا يمكن تبريره تحت أي مسمى، والقتل على الهوية (الذي سبق أن جُرّب لبنانياً في حقبة الحرب الأهليّة السوداء) لا يمكن وصفه إلا بالبربرية التي تنتمي إلى عصور غابرة يفترض أن تكون قد ولت ولم تعد. هذه مبادئ وثوابت لا يمكن الحياد عنها، ولا يمكن تغليفها بأي مبررات أو أسباب «تخفيفيّة».
من هنا كانت المطالبة المحقة بالتحقيق الدولي الشفاف في أحداث السويداء لتحديد المسؤوليات تماماً وبوضوح تام من دون مواربة، على أن يكون هذا التحقيق ونتائجه هي المدخل لمحاسبة جميع المرتكبين لأي فئة انتموا ممن خالفوا حقوق الإنسان وتعرضوا للأبرياء العزّل. ومن نافل القول أن غياب التحقيق أو تغييبه، يساهم في مراكمة الأحقاد وفي تربية مشاعر الكراهية وتعزيزها وفي تغذية الرغبة الدفينة في الانتقام، ويؤسس تالياً إلى تعميق الشرخ الاجتماعي والسياسي.

وإذا كانت هذه العناوين الأساسية هي من المسلّمات التي لا يجوز الحياد عنها، فإن التذرع بها لسلوك دروب التقسيم والانشطار عن الوطن هو من الخطايا السياسية والوطنية التي لا تُغتفر مهما بلغت الصعاب المدارك المتقدمة خصوصاً في ظل وجود احتلال شرس أثبتت كل التجارب معه أنه لا يكترث إلا لمصلحته الخاصة وأنه على استعداد دائم للدوس على من يتعاون معه، قبل الدوس على من يناوئه، في سبيل تحقيق أهدافه التي تتلخص حصراً بتطبيق العقيدة الصهيونية التي لا تترك إلى جانبها متسعاً من المكان لأي من المكونات الأخرى.

وهذا يطرح المخاطر المركزية عند بعض الجهات الدرزية في السويداء التي لم تتأخر عن امتطاء الحصان الإسرائيلي رغم معرفتها (أو عدم معرفتها ربما) أنها سوف تُسقط عنه عاجلاً أم آجلاً، ورغم أن الخيارات التي يقدمها سلوك هذا المسار لا تعدو كونها خيارات انتحارية لا طائل منها إلا بث الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن السوري الواحد.

 

الانتهاكات والتجاوزات في السويداء

 

إن الرهان من بعض أبناء السويداء على مشروع الدويلة الدرزية التي سبق أن رفضها قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش في عشرينيات القرن الماضي، هو وصفة جاهزة للاستسلام والتبعية، في إطار «دولتي» غير قابل للحياة ليس بسبب هويته السياسية المشبوهة فحسب، بل أيضاً بسبب عدم توفر مقومات عيشه إلا من القوت الإسرائيلي، وهو القوت المسموم والمؤقت الذي يمكن أن يُقطع في أي لحظة من اللحظات، ودون سابق إنذار.
لعل الاختيار الإرادي للعمل مع إسرائيل هو قمة العمى السياسي في لحظة الالتهاب الدرزي. وعلى الرغم من قسوة الدرب الوطني ووعورته، وضرورة تصويبه كمنطلق حتمي لا تراجع عنه للمرحلة الجديدة؛ إلا أنّ أشواكه تبقى أقل قسوة من الخيار الإسرائيلي المجرّب يومياً في غزة والضفة الغربية والقدس والخليل ورام الله وكل أرجاء فلسطين، وهو مثبت بالصوت والصورة.

إلى أهل السويداء الأبطال، لا تسلكوا إلا طريق وطنكم، مهما كان شاقاً، وابتعدوا عن الخيارات الانفعالية التي سوف تستغلكم لتحقيق المشاريع والمآرب الخاصة. لا تتخلوا عن هويتكم العربية كما كنتم دائماً في طليعة العرب الأقحاح.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي