تحدّيات صفقةُ القرن

0 9

يبدو أنّ محدّدات العقل السياسي العربي: القبيلةُ والغنيمةُ والعقيدةُ كما نظّر لها محمّد عابد الجابري صحيحة ومعقولة تاريخيًّا في إطار التّراكمات التاريخيّة والأحداث التي لا زالت تغذّي هذا العقل في الفعل والسياسة وتشكيل العلاقات داخل المكان وخارجه.

فبالنظر إلى السياسة أصبحت بنية العقل العربي منغلقة وثابتة في الميل للقواعد السياسية القائمة على التحالفات القبَلية والمذهبية والطائفية، والتوجّه نحو المكاسب والغنائم من خلال رؤية الفاعل السياسي للسياسة العالمية والنظام العالمي الذي ترسمه أمريكا في إرادة الأقوى وتحديده وفق منافع وغايات استراتيجية، تُبقي على التفوّق من جهة وتترك الكيانات العربية في تبعية دائمة للغرب من جهة أُخرى.

في مخطّطات سايكس بيكو الثابتة وتعميم الفكرة على الجميع في دخول الوطن العربي للحداثة والتغيير عبر القطع مع الفكر السياسي التقليدي ونزعة العداء للكيان الصهيوني وللغرب لا بدّ للعقل العربي أن يستوعب مُقتضيات العصر ومستجدّاته والقبول بحل المشاكل والأزمات العالقة بالتنازل وبالشروط المُملاة. لابدّ أن يحتوي العقل على المبادئ والحقائق والذكريات والآمال للمستقبل: في تطلّعات الجماهير العريضة التي تؤرّخ للحدث بالذاكرة والتذكّر، والتي ستلعنه في التاريخ على الفعل السياسي والفاعل الذي قبل الصفقة نتيجة ضيق الأفق في قضية مركزية في الصراع على الارض والوجود.
العقل العربي الذي يتغنّى بالماضي والتاريخ ويتحايل ويتمايل بالمكاسب والمغانم لن يحصل من صفقة ترامب – كوشنر – نتنياهو إلّا على تصفية لقضيّة ليست قوميّة فقط وإنما عالمية وإنسانية من الدرجة الأولى.

في صفقة القرن، التي من أهم بنودها ضمّ كلّ المستوطنات، ضم الضفّة الغربية للكيان الصهيوني، والقدس غير المقسّمة عاصمة له، والدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح لا حدود لها، وغَور الأردن خاضع لسيادة الكيان الصهيوني، ودولة الكيان هي للشعب اليهودي. فالتصريحات العربية هنا وهناك،جميعها، تنطوي على التناقض بين القول والفعل، بين الرفض والإذعان، بين المشاركة والتفرُّج. فالأهداف واضحة لأن الغنيمة التي لا تاتي إلَّا عبر القوّة وغلبة المنتصر، وغنيمة البلدان في مساعدات مالية لاستمالة العرب بالإغراء الاقتصادي ستصبح فلسطين غنيمة اقتصادية، وهذا تعبيرعن فَهم العقل السياسي الإسرائيلي والغربي للعقل العربي. فهو، أي العقل الإسرائيلي، من شدَّة الذكاء لم يفاوض وإن فاوض فبدون تنازلات منه..

صفقة القرن قديمة بلباس جديد، كانت فاتحتها اتفاقية أوسلو وعرّاب الصفقة كوشنر الذي جال الدول العربية وجمع المعطيات الكثيرة عن رغبة الأطراف بقبولها في إنهاء الصراع الذي رسم معالم المنطقة منذ زمن بعيد، ولا زالت قضية فلسطين حاضرة وباقية في نهاية غير محسومة.

في صفقة القرن والشقّ الاقتصادي غير منفصل عن الشق السياسي، ففلسطين أرض عربية، دولة للفلسطينيين، أمّا تهويد الأرض وسلب الإنسان الفلسطيني حق العودة وتنمية وطنه بدون الحاجة للمساعدات الغربية وخنق الإرادة إنَّما هو تصفية القضية بأدوات عربية. فأين معيار القبيلة ودور القرابة الذي ينبغي أن تشد الناس إلى بعضهم بعضاً في المجال السياسي والاجتماعي؟ هل يُعقل أن يساوم العقل السياسي العربي على فلسطين؟
العقل العربي يعلوه الصَّدأ، يقوم أساسا على الاعتقاد وليس
على البرهان وليس عقلاً جدَلياً، عقل جماعة وليس عقل فرد، يتأسّس على رموز مخيالية تؤسّس الاعتقاد وليس الجدل والبرهان، لا يستقر على مبادئ خالصة، فهو عقل تبريري وتقريري، يسكنه التناقض، ويستبق الوقائع والأحداث وفق ما يرسمه الآخر من مخططات، ولا يقرأ ردود الأفعال ومشاعر الملايين من الناس الذين يعتبرون قضيّة فلسطين قضيتهم.

ربما لصفقة القرن أتباع ومريدون في الوطن العربي، لكن هؤلاء يجب الا يرضوا ضياع حقوق الشعب الفلسطيني في ارضه، ان لم يكن من موقع سياسي، فمن موقع اللحمة العاطفية ورابطة الدم داخل الجماعة الوطنية الواحدة. كما أنه من المعروف أنّ العقيدة سواء كانت على شكل دين أو أيديولوجيا أن تحرّك الأفراد والجماعات وتؤطرهم داخل ما يشبه القبيلة الروحية وتشدهم بعضاً إلى بعض لدفع الضّرر وإنصاف المظلوم، والشدّة على المعتدي والرّحمة بين الاشقّاء والأخوة.
في ضوء ما تقدم يبدو أنّ محدّدات العقل السياسي العربي مفكّكة بفعل التغيير الذي أصاب بنية هذا العقل. فهل هذه المحددات صادقة ويمكن تعميمها أم إننا بحاجة إلى مُحدّدات جديدة في عالم سياسي تغيرت فيه الأيديولوجيات ؟.

إنّ العقل السياسي العربي وليد ترسّبات الفعل التقليدي ووليد الصراعات والنزاعات على الفكرة ووليد الصراعات على السلطة ووليد الجدل السياسي مع الاخر. والمجتمعات هي التي تخوض تجارب، ويخوض عقلها هذه التجارب ويعيش مخاضاً في ولادة رؤية جديدة في السياسة تقود المجتمعات إلى العدل والحق وترغم الآخر أن يحترم منطق الشعوب من باب المصالح المتبادَلة. وصفقة القرن هي برنامج أو خطّة محفوفة بالمخاطر من كل الانواع، هي عرس بدون عريس، وحفل زفاف بدون أصحابه، وهي صفقة تسعى إلى إزالة الحواجز وتؤسّس إلى علاقات جديدة تتضمن في المحصلة خطر تصفية القضية الفلسطينيّة من منظور أحادي في السياسة الخارجية الأمريكية. إنّها في المحصلة تصفية للقضية الفلسطينية، على الشعوب العربية والفلسطينيين، وبالأخص: دفنها

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader