0 17

لا شيء، على الإطلاق، يعدلُ الرضا على الذات.
لا مديح، لا ثمن، وربما، لا كلمات.
هوذا إحساسي الدقيق وأنا أرسمُ، بالأسودِ على أبيض، صورةَ مشاعري عشيةَ صدورِ العدد 36-37 من المجلة العزيزة «الضّحى»، تشرين الثاني2021.

لقد أنجزتُ طوال أربع سنوات، وعلى أفضلِ نحوٍ ممكن، المهمةَ التي أناطها بي سماحةُ شيخِ العقل، واللجنةُ الإداريةُ المصّغرة في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وهي رئاسة تحرير «الضّحى»، التي تصدرُ عن المجلس، وتعكسُ التوجهاتِ العامة لسماحة الشيخ والمجلس، وتوجيهاتهما الوطنية والأخلاقية.

أربع سنواتٍ من التعايش، بل العيش الأسبوعي، الناجح، في كنف دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت. أسعدني في السنوات الأربع تلك سائرُ ما شاهدتهُ من إخلاص الجميع لعمله، من أعضاء المجلس، إلى مدير الدار، فالعاملات والعاملين جميعاً دون استثناء.
لم أشعر يوماً واحداً أنهنّ، أو أنهم، مجردُ موظفاتٍ أو موظفين يؤدّون أعمالاً كلّفوا بها، ثم يطوون أغلفةِ ملفاتهم، ويقفلون أبواب مكاتبهم، فتنتهي نهاراتهم وجداولُ أعمالهم في انتظار يومٍ جديدٍ رتيبٍ آخر.
لأربع سنوات، شهدتُ نهاراتٍ لا تنتهي، وأناساً أنّى طلبتهم حاضرين، لا يعرفون لفظة «لا» – كأنما صحّ فيهم عياناً وممارسةً، ما كنت أقرأهُ على الدوام:
«ما قال لا إلاّ في تشّهُدِهِ لولا التشهّد كانت لاؤه نعما»
شاهدتُ، بل شهدتُ، ما كنتُ أخجلُ أن أقارنَ سويعاتِ حضوري القليلة بساعات حضورهم التي كانت تستعصي على العدّ، ولا تحتاجهُ أصلاً.

لولا تعاون، بل تفاني، الفريق الإداري لدار طائفة الموحدين الدروز، بتوجيهات أكيدة من سماحة الشيخ، لم يكن بالإمكان – وبخاصة في الظروف شبه المستحيلة للسنتين الأخيرتين – أن تبقى «الضّحى» واقفة على قدميها، وأن تصدر كالمعتاد، وكأنما البلاد بألف خير، وهي لم تكن كذلك في حال من الأحوال. لهؤلاء جميعاً، شكري وامتناني.

إثنا عشر عدداً في أربع سنوات – إذ كان بعضها مزدوجاً – ولأسباب متصلة مباشرة بظروف الإقفال الطويل للبلاد سحابة سنتي 2020 و2021.
إثنا عشر عدداً، وأكثر من مئة وخمسين فقرة، قرأناها، كلمة كلمة، بل «درسناها» على بيدر المعرفة والمحبة، والواجب قبل كل شيء، سنبلةً سنبلة، بل حبةً حبة، فلم نترك خارج البيدر إلا القشر والزؤام، أما حبّة الحنطة فلم نلمسها، بل احتفينا بها، وبصاحبها، فأوردها – أخي خلدون، والمخرج الفنّي- أيّما موردٍ، من العناية والحرص وجمال الصورة تنضافُ إلى قوة الفكرة وديمومة أهميتها. وحين كنّا نتعب قراءةً ومراجعةً مرة واثنتين وثلاثاً، كان حرص سماحة شيخ العقل الشخصي كفيلاً بتجنّب كل وهدة، أو هفوة، فتخرج «الضّحى» إلى قرائها -أصدقائها- في أفضل مضمونٍ وصورةٍ ممكنين. وعليه لم يردنا – صدقاً – من جمهور «الضّحى» في لبنان وجبل العرب، وربما أبعد، من مرجعيات وأصحاب مسؤوليات وطنية وديبلوماسية محترمة، إلا عبارات التقريظ، لا أقول المديح – فالمرء لا يمتدحُ على قيامه بالواجب.

إثنا عشر عدداً، كانت «الضّحى» فيها، كما ديدنها على الدوام، أمينة لرسالتها في نشر ما يحثّ على الأخلاق القويمة، والإيمان الصافي الصادق، من جهة، والثقافة الرفيعة، والمعرفة الواسعة بتراثنا التوحيدي الثقافي والتاريخي والأخلاقي والعروبي والوطني من جهة ثانية. فأمطنا اللثام – بفضل كتّابنا الأفذاذ المميّزين عن قصص بطولات معروفية تقرُبُ حدّ الأساطير، وعن أسماء معروفية في دنيا النضال والثقافة ملأوا زمانهم بما يرفعُ الرأس والجبين، وبسِيرِ مشايخ، عابدين، موحّدين، متواضعين، من حق أجيالنا الطالعة أن تتعرف إلى إرثهم المعرفي، والمسلكي المنقطع النظير، كيما يكونوا مشعلاً يهدي في زمن إمّحت فيه معظم معالم الطريق، وأطفئِت فيه على الأغلبِ سُرُجُ النور؛ زمن قال فيه أبو العلاء المعري قبل ألف ومئة وثلاثين عاماً:
قد فَسُدَ الأمرُ كلّهُ، فاتركوا الإعرابَ إن الفصاحةَ اليوم لحنُ

إثنا عشر عدداً، ما كان بالإمكان أن تخرج إلى القرّاء، وبخاصة في السنتين الأخيرتين، لولا محبة أصدقاء «الضحى» المنتظرين لها، وتفاني العاملين فيها، وبخاصة مندوبيها، يحملون العدد منها كما لو كانوا يحملون تحفة، يتمسكون بها، مدركين قيمتها الأدبية والأخلاقية، لا يرمونها كيفما كان، ولا يتحدّثون عنها وعن عملهم إلا باعتباره «واجباً» يؤدّونه، ولا ينتظرون له مقابلاً أو أجراً أو ثمناً إلا عند رب العالمين، ومن سريرتهم وضمائرهم، أولاً وأخيراً.

إثنا عشر عدداً جرى تمويل صدورها المكلف، وبخاصة في السنتين الأخيرتين، حيث غاب كل إعلان، وكل دعم خارجي، بفعل أريحية بضعة رجال صالحين صادقين مؤمنين، بل استثنائيين، في مجلس الأمناء، تكفّلوا، وحدهم تقريباً، بمعظم نفقات طباعة «الضّحى» – فيما عزّت المشاركة في الأعباء ممن لم نكن نتوقع منهم ذلك.

في السنتين الأخيرتين على وجه الخصوص كنّا ومندوبونا الأوفياء، نمرّ بطرق مقطوعة، وحواجز مقفلة، وممرات محفوفة بالمخاطر، كي نحمل «الضّحى» إلى قرائها، بل أصدقائها المنتظرين، بل العاتبين – بحق – إذا تأخر صدورها أو وصولها.
كان نجاح «الضّحى» في استمرار صدورها، في ظرف لبناني مرهقٍ للحياة حتى الاستحالة – بفعل صعوبات غير عادية ليس أقلها انهيار سعر العملة الوطنية إلى الحد الأدنى، إقفال المطابع، وانتشار الوباء الخبيث – ثم استمرار صدورها في مئة وثماني عشرة صفحة، ويزيد، في أغلى أنواع الورق وأرفع أشكال الطباعة – في حين اختفت معظم الدوريات اللبنانية الورقية أو تقلّص حجمها إلى وريقات قليلات – أقرب إلى إنجاز استثنائي، كي لا نقول أكثر من ذلك؛ أمرٌ ما كان ليتحقق لولا قوةُ دفعِ «رسالة » نفسها، أولاً وأخيراً، والإيمان الوطيد بها، الذي تحوّل تضحيات وتعاون مثاليين.

وأخيراً،
«الضّحى» أكثر من وسيلة إعلام، أو إخبار، أو إعلان – ولم تكُ يوماً كذلك.
«الضّحى»، وكما أرسى المؤسسون قبل أكثر من نصف قرن: رسالةٌ، ثم واجبٌ في القيام بأعباء الرسالة.

لقد خبرتُ من قرب العدد الكبير من الأفراد المؤهلين لأن يسهموا من خلال علمهم وخبرتهم وإخلاصهم في مسيرة «الضحى»، وأن يتقدّموا بها – ورقياً وإلكترونياً – إلى أمام، لتصل شهرياً إذا أمكن إلى جمهورٍ هو في شوقٍ، وحاجةٍ، إليها.
وبسببٍ من ذلك، يجب أن تهونُ كل التضحيات – المالية على وجه الخصوص – وأقصدُ تلقائياً أصحاب الإمكانيات المادية في بيئتنا، وهم كُثُر.

وفي المضمون، يتوجب، وبناء على مسحٍ علمي، مراكمة ما لقي من موضوعات «الضّحى» قبولاً واستحساناً من قرّائها، والتعديل في ما بات عبئاً على المجلة والمهتمين بها.

وسيكون، بالتأكيد، في طليعة ما يجبُ حفظه سياسة «» الحكيمة، في النأي بنفسها عن الصراعات السياسية، وجعلِ الجهد كلّهُ موقوفاً على التأصيل المعرفي والأخلاقي والتاريخي والثقافي الحقيقي، بعامة؛ وتجديد التزامها، كما الجماعة المعروفية أبداً، بالقضايا الوطنية والعروبية والإسلامية المنفتحة والمحقّة – وفي مقدّمها قضية الشعب الفلسطيني.

 

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader