0 26

استخدمَ الأميرُ السيِّدُ مصطلح «سياسة» في معرِض توضيح واجبات الَّذي يُولَّى – لثباتِه في الفضل – مسؤوليَّة الحفاظ على السَّالكِين في مدارج الطَّاعة وفق شروط سلوكٍ من شأنه أن يُثمِرَ في الرُّوح اتّزاناً لطبائع الخيْر. وهذا الاتّزانُ هو «بيتُ الدِّين» ولا بيت للدِّين سواه.

ينطبقُ القصدُ الرّوحاني للمفهُوم على التّفسير اللغويّ ل»السّياسة» وهو: القيامُ على الشَّيءِ بما يُصلحُه. وإصلاحُ «الأخْيار» يوجبُ معرفةً تُحقِّقُ في ذاتِ القائم بالأمر الاتِّزان اللطيف، وإلَّا كيف لمن لم يفلِح في إضاءةِ سراج قلبه أن يضيءَ قلبَ ساعٍ في الخيْر إلى نبْع النُّور!

يُـنـبِّهُ الأميرُ السيِّدُ على وجود «تفرُّعات» في أنواع السّياسة، وهذا مردّهُ إلى تنوُّعِ «أهل الإجابة بمقدار القوى والاستطاعات». وهذا أمرٌ بالغ الدقَّة، وخطير، بحيثُ لا يُمكنُ مقاربة الكُلّ في المستوى الواحد من «السّياسة»، لذلك بيَّن الأميرُ الجليل أنَّ للسياسةِ «أشراط» وامتداداً للفروع من أصُولها.

ينعكسُ المعنى الجوهريّ لفِعلِ «القيام على الشَّيءِ بما يُصلحُه» على المعنى العام لـ «السّياسة» التي يتوجَّب على «مشيخةِ العقل» أن تنتهجها. لقد وجدنا أنفسَنا، منذ خمس عشرة سنة، في دارٍ تذوَّقت مرارة التّعطيل طوال نحو ثلاثين عاما من أثر الحرب وتعذُّر الاتّفاق على كيفيَّة إعادة النهوض بمؤسَّسات «البيت الدّاخلي». وكان قانون عام 2006 القائم على مبدأ انتخاب النُّخَب والفعاليَّات الاجتماعيَّة في كلّ الحقول، والمرتبط بالقوانين الماليَّة الرسميَّة لجهة التنظيم مع استقلال تام بالشؤون الداخليَّة.

كانت المهمَّة الأساس، بدعمٍ من القيادة السياسيَّة الرّشيدة، وعدد من الأفاضل وذوي المروءة، متعلّقة بمسألة النّهوض عبر الإشراف على تثبيت أركان التنظيم العام للجسم الوظيفي، ولجان المجلس وأنظمتها الداخليَّة، وتوحيد الأوقاف عبر إعادة تنظيم الملفَّات، واستحداث القاعدة المعلوماتيَّة، والخوض في دعاوى قانونيَّة لمسائل شائكة عالقة منذ عقود، والتمهيد لإنجاز ما يجدر إنجازه على قاعدة التخطيط والدرس وتحقيق المصلحة والنّفع العام.

وفي أقلّ من سنة، باتت الدّار مقصدَ قادة روحيّين وسياسيّين وفعاليَّات إجتماعيَّة من كافّة الأرجاء ومن بلاد الاغتراب، وسفراء دول ورؤساء مؤسَّسات إسلاميَّة ودوليَّة. وكانت مدار الأحاديث في الوضع الداخلي اللبناني والاقليمي بشكلٍ عام، وبالطبع أسئلة عن المعروفيّين في إطار ثقافي لائق، وعن موقف المشيخة والدروز عموماً في هذا الأمر الرّاهن او ذاك.

لذلك، كان للمشيخة أن تقف على أسُس ثابتة في «السّياسة» بمعناها السّليم من دون خوضٍ على الاطلاق في يوميَّاتها السّجاليَّة، بل ثباتٌ مترسّخ على المبادئ والقيَم الوطنيَّة المستمدَّة من عمق التّاريخ ومن ثوابت بني معروف وأصالتهم وأخلاقهم وأعرافهم، ومن الخطوط الأساسيَّة المتَّفق عليها بين القادة الروحيّين حفاظاً على العيش الواحد في الوطن الواحد. وهذا يتطلَّب ثقافة الحوار والتفاهُم وحسن الاستماع والحرص البالغ على تجنُّب الانزلاق في الأمور العرَضيَّة والمسائل التي لا يجب أن تدخُل في «مشاغل» المشيخة.

يبقى شأنُ «البيت الداخلي» الَّذي يتطلَّب «سياسةً» قائمة على ما ذكره الأمير السيِّد استمداداً من الأصول، وهي باختصار قائمة على قواعد «المسالمة والتآلف…» والانكباب في السّعي إلى نيْل الفضائل، والحرص الزائد على اجتناب كلّ ما من شأنه أن يُفسدَ الودّ. والحِلمُ، الَّذي هو قاعدة جوهريَّة في نظام النّـفس العاقلة، يسع الكلّ في كنف العائلة الواحدة التي يجب أن تضعَ المسائل الكبرى للمصلحة العامَّة خارج إطار الاختلافات العرَضيَّة في واقع «السياسة» بمعناها المتداول يوميّا امتثالًا للتحذير الحيوي القائل بأنَّ «الاختلاف يورث الفشل».

يا حبَّذا لو أنَّ كلَّ المسائل المذكورة تخضع لحوار عقلانيّ هادئ، في إطار نُخبة عاقلة مثـقّـفة تضع أمامها التراكُم الموثَّق الذي تمّ إنجازه خلال السنوات الماضية، فضلا عمّا هو موثَّق في المراحل السابقة في الماضي القريب والبعيد، لأنَّها مسائل لا يمكن معالجتها بالمواقف الآنـيَّة، بل بقدرة العقل الحكيم على إيفاء الأمور حقّها بحسن التّدبير و»حسن السّياسة»، وهو بالمناسبة تعبير ذكره الأمير السيّد في أشرف قصد.

﴿ وَقُـلِ اعْـمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُم ورَسُولُهُ والمُؤمِنُون﴾، صدق الله العليّ العظيم.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader