روحُ عالَمٍ بِلا روح

0 25

  لم يخطئ البعض حين قال قبل مئة وخمسين عاماً، أنّ الدين هو «روحُ عالمٍ بلا روح»، أو «قلبُ عالمٍ بلا قلب». كانت ومضة صحيحة، على نحو موضوعيّ وشاعري في آن، أظهرت أن للدين المكان الواسع الرّاسخ في هذا العالم، من دون افتعال أو اصطناع. كان الأمرُ تاريخياً دائماً كذلك، واستمر كذلك حتى زمننا نحن، حين ازدادت المعارف، وتنوعت الثقافات، وتشعبّت العلوم والصناعات في كل اتجاه، ولم يستطع واحد منها مع ذلك أن ينتزع من الدين مكانته العميقة الراسخة في قلوب البشر وعقولهم وضمائرهم.

  كان الله – جلّ جلاله – الخالق والمُدبّر لهذا الكون، في كلّ المراحل، هو المضمون الحقيقي لكلّ اختبار ديني، في كل الجماعات والحضارات، ولكن بمقدار استعدادها لقبول كلمة الله. ولا يخفى أنّ في الأمر حكمة عظيمة، إذ لا يخاطب الحق الناس إلّا بمقدار ما يعقلون ويفهمون ويدركون. هو لا يخاطبهم، ولا يُظهر صورته لهم، إلّا في المُستوى الذي هم فيه، أو بلغوه. ولأن معرفة الله، والإيمان به، هي: «من الأمور الغريزية التي في طبيعة الخليقة أجمع»، وفق تعبير إخوان الصفا، لذلك، عرفت الجماعات البشرية الله دائماً في مستوى معارفها ومداركها، وصولاً إلى المعرفة الأخيرة المتصفة بالتوحيد والتنزيه الكاملين، أي الحق في صورةٍ هي الأقرب للحق، وهو المضمون الأخير لأديان التّوحيد، وللاختبار التّوحيدي العِرفاني في ذروته الحكميّة والإشراقية.

  مُجملُ القول، أنّ ذلك، وبالمعنى المَعرفي العميق، هو ما تفعله مجلة الضّحى منذ عقود، وفي زمن صعب جداً. هي تحاول أن تبقي شُعلة الإيمان مُضاءة في زمن غير مُناسب، وفي عالم بات عقلُه في جَيبه، وخارطة طريقه في غرائزه. هي محاولة في إبقاء بوصلة البشر، وفي مجتمعنا على الأقل، مُتّجهةً الوِجْهة الصحيحة. محاولةٌ، رغم طوفان الشرّ والفساد الطاغي، في التّمسك بما تبقّى من خشبة خلاص: في الاختبار الدّيني عموماً، والاختبار العرفاني على وجه الخصوص؛ وترجمة ذلك في مسلك توحيدي أخلاقي إنساني يستمدّ مضمونه من شرع الله في كلّ دين، وفي كل زمان ومكان. وكما أن لا قيمة لعلم لا يتحوّل عملاً يفيد صاحبه، كما خَلْق الله جميعاً، كذلك لا معنى في إيمان لا يتحوّل علامة مُضيئة على الطريق تهدي صاحبها قبل كلّ شيء، إلاّ أنّها تتحوّل دليلاً أيضاً لكلِّ سالك وعابر في هذه الدنيا الفانية. أمّا مقدار نجاح ما نفعله، فمسألة ثانية، فيما الأولى النِّيّةُ الحسَنة المُتّجهة نحو الخير، ولا شيءَ غير الخير. ونستذكرُ هنا كلمة الإمام علي بن أبي طالب الثّاقبة: «لا تستوحشنّ طريق الحقّ ولو قلّ سالكوه».

  إنَّ قارئ هذا العدد، 28، من الضّحى سيجدُ كما نعتقد الكثير من الفِقرات والتّحقيقات التي تَصبّ مباشرة في مجرى فِكرةِ الضّحى الأصليّة وجوهرِ رسالتها التي ما انفكّت تحملُها وترفعُها رغم صعوبات الزّمان والمكان.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader