لم يكد دمع لبنان المنساب على المنازل المهدّمة بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه يبحث عن يد تمسح آلامه بفعل محبةٍ، تبعث فيه أمل الخلاص في آلام جلجلته، حتى كانت زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر التي استمرت ثلاثة أيام، من ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥ إلى ٢ كانون الأول ٢٠٢٥.
ثلاثة أيام تحمل في شكلها ومضمونها دلالات عدّة. فالحبر الأعظم بما ومن بمثّل، كأنّه يعلنها رعاية من الثالوث الأقدس للبنان، وكأنّه يقول في اليوم الثالث، يوم الثلاثاء، حيث الصلاة الصامتة على أرواح شهداء انفجار مرفأ بيروت والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية، إنّ للبنان قيامة، وإنّ لبنان قام حقّا قام!
زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر للبنان ليست مجرد زيارة بروتوكولية، أو جولة على دول الانتشار المسيحي في الشرق، أو للرعية المسيحية بشكل خاص، بل هي زيارةُ الأمل لكلّ بيت لبنانيّ، وزيارةُ المحبة لكلّ قلب أمٍّ وزوجة وابن وابنة وأب وأخ يبكون شوق الأحبة، وزيارةُ السلامِ لكلّ روحٍ تتوجّع، وزيارة الرعاية لكلّ من قال «أنا لبنانيّ» بعد أن أصبح اللبناني في مواجهة العواصف التي تضرب المنطقة أشبه بيتيم ينتظر على قارعة الطريق أن يستيقظ أبواه من سكرات الموت، ويُعلناه كائناً قابلاً للحياة، والرغد، والفرح، والنمو، والمحبة، والسلام.
هذه الزيارة تعلن أنّ لبنان دوماً في قلب كلّ حدث، زمنيّ كان أم روحيّ، وتؤكد أنّ لبنان ليس بالمنسيّ…
هكذا هي هذه الزيارة المباركة التي أكّدت على الشراكة الروحية بين أطياف المجتمع اللبنانيّ كافة، وَصَلَّت للجميع من دون تفرقة أو تمييز.
هذه الشراكة الروحية كانت الكلمة الموضوع التي أطّرت لقاءات الحبر الأعظم بالمرجعيات الروحية بشكل خاص، والدعوة إلى الحوار البنّاء بين اللبنانيين، وتدعيم دور لبنان كمنصة تلاقٍ وتفاهمٍ بين الأديان. وهي المحور الذي انطلقت منه كذلك كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى الذي شدد في استقباله الحبر الأعظم على أنّ النور لا بدّ أن يغلب الظلام، وأن لبنان لا بدّ أن يبقى متمسكاً بالشراكة الروحية بين أبنائه، حيث الوحدة ضمن التمايز والتنوّع- الشراكة الحقيقية التي تُبنى الأوطان على قاعدتها الأخلاقية ومفادها أنّ كل عائلة روحية تحمل مسؤولية الحفاظ على عائلتها الشريكة في الوطن.
من هنا، وضع صاحب السماحة زيارة البابا لاوون الرابع عشر في باب الدعوة «إلى ما هو أسمى»، الدعوة إلى فتح أبواب الرحمة والمحبة، الرحمة الإسلامية والمحبة المسيحية. وكأنّه بذلك يقول، في لبنان، إنّ الإسلام يعانق المسيحية، ويتكاملان، إذ لا رحمة من دون محبة، ولا محبة من دون رحمة. ولبنان لا يحيا في محبة بلا رحمة، ولا في رحمة بلا محبة. وصوت يبقى المحبة- كما عبّر صاحب السماحة- أقوى من أصوات الحروب والفتن.
«فلبنان يمكن أن يكون النموذج الأرقى للتنوّع في الوحدة، إذا ما أحسّنا فهمه، واستفدنا من غنى مكوّناته، وإذا ما احترمنا خصوصية بعضنا بعضاً… نحن على يقين بأنّ وطننا لا يُبنى إلاّ على قاعدة أخلاقية ذهبية تقضي بأن تُُحافظ كل عائلة روحيّة على شريكتها في الوطن، وبأنّ اجتماعنا معاً، مسلمين ومسيحيين، قادرٌ على إحداث بارقة أمل في هذا الجو القاتم من حولنا… .»
وبهذا اليقين الذي يؤكد هذه الوحدة التي يراها صاحب السماحة في الإنسان، والأديان، وقلب لبنان -جبل لبنان الذي قام بتآلف أبنائه، وعضدهم لبعضهم، وعزم إرادتهم، على الرغم من الصعوبات التي عرفها جبل لبنان عبر تاريخه- بهذا اليقين، وفي اللقاء الخاص الذي جمع بينهما، توجّه صاحب السماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى لصاحب الغبطة البابا لاوون الرابع عشر، مؤكداً على الشراكة الروحية، وأهميتها في خضم المآسي الإنسانية التي تعصف بالمنطقة من غزة إلى سوريا ولبنان، وعلى دور الحبر الأعظم الحيوي والأساس في تدعيم السلام، ونصرة الإنسان.
كما شدّد سماحة شيخ العقل على هوية لبنان «التنوّع»، الذي فيه – والقول هنا لسماحته- «غنًى ورحمة».
وكأن سماحته بقوله هذا يصِلنا بقول الله في كتابه الحكيم: «جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات.١٣) حيث يتجلّى لبنان بهذا التمايز الغنيّ والألفة، التي لم تبددها الأحداث المختلفة، بل تتجلّى في وقوف اللبنانيين جنباً إلى جنب عند كل مفصل رغم الاختلافات.
من ناحية أخرى، وفي تأكيد على هذه الرؤية عند صاحب السماحة بما ومن يمثّل، عرّج سماحته في كلامه للحبر الأعظم على هذه العلاقة التاريخية بين الموحدين في جبل لبنان والمسيحيين، وقد أرسوا ركائز العيش المشترك يوم كان الموحدون أمراء الجبل ووَفَوا أمانةَ روما، وعندما وقعوا المصالحة بعد الحرب الأهلية ورَعُوها على المستوى السياسيّ والشعبيّ، في ترجمة تصبّ في «المصالحة» التي دعا إليها الحبر الأعظم.
بل ورأى سماحة شيخ العقل الشيخ الدكتور سامي أبي المنى أنّ هذه المصالحة إنّما تقوى وتنمو وتستمر بتحويلها من مصالحة روحية وشراكة، إلى شراكة وطنية واقتصادية تنموية، تخدم كلّ محتاج، وتثبّت اللبنانيّ في أرضه.
زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر ليست محطة عابرة، بل محطة فيصل أعادت للبنانيين عبقاً من أريج حريّة يتوقون إليها، وبرداً من سلام يشتاقون إليه، وأملاً من أمنٍ يتوقون له، و«مسحةً» من يدٍ بركةٍ تنقلُ لبنان من عهدٍ إلى عهد لا كفر فيه بل إيمان بوحدة الإنسان، حيث الصلاة حب يصدق فيها القلب…
«صلاتنا الحبُّ» عنوان لأبيات اختارها سماحته لتختصر رؤية مشيخة العقل والموحدين، وتكون هدية للحبر الأعظم بريشة من ذهب على جلد غزال…
صلاتنا الحب
صلاتُنا الحبُّ، إن نصدُقْ به، ارتفعتْ
بنا إلى رحمةٍ، لم تُخطِئِ الهَدفـا
أفي الكنيسةِ، أم في مسجدٍ صَدحتْ
أم لحنُها في خلوةِ التوحيد قد عُزِفا
لا فرقَ كيفَ عَلَتْ أو أين قد رُفعتْ
وأيُّ قلبٍ بها قد فاضَ مُرتجِفــا
كلُّ القلوب تلاقـتْ عند خالِقهـا
أمّا الخلاصُ فبالإخلاصِ قـد قُطِفا
كلُّ المذاهبِ نحوَ الحقِّ ذاهبــةٌ
فلنَتّـقِ اللهَ في إنسانِنـا، وكفـى
