طارق آل ناصر الدين

للمؤلفَين د. ندى حسن فياض ونزيه فياض(1)

0 3

الشعرُ حياةٌ لحياة، ظِلٌ أزليٌّ يحمي شمس الرؤيا، ويحوِّل صحراء اللغة إلى واحات. هكذا تحت عنوان: أنا والشعر، في مُقَدَّمة كتاب: «شهاداتٌ فيه ومختاراتٌ من شعره» كتب الشاعر طارق آل ناصر الدين مُفصحاً عن ذاته الأدبية بصدق، بما لا يستطيع غيره إدراكه أو التعبير عنه بنقاء «لم يجدني الشعر ضالاً فهداني أو يتيماً فآوى، بل كان قَدري أن أُولد في (بيت الشعر).. والدي نديم الأديب، والعالم اللُّغَوي، والجدّ أمين من كبار شعراء النهضة وعلمائها، ربياني طفلاً وزرعا في طفولتي جناحين: العربية والعروبة»: شاعر غزير الإنتاج، يكتب الشعر بجميع أنواعه الموزونة والحرّة، ويكتب المحكية، والزجل والنثر، إلّا أنه كان يربأ بنفسه في آن تقديم تنازل لشاعر أو رشوةٍ لناقدٍ أو هوية جديدة لمحتل. كان يرى أن الشاعر لا يستطيع تطوير نفسه وشعره وفكره وثقافته خارج انتمائه، وخارج هموم أمته، ولذلك كان يقاوم الحداثة الوافدة بالحداثة المقيمة، ويقاوم التغريب بالتعريب!!
عشق المنابر والخطابة والغناء كما يقول: «لأنّه من أمةٍ ما زال قرآنها يُرتّل ترتيلا، وما زال جرسُ كنيستها يَسْبقها إلى الصلاة». آمن بالحداثة إيمانه بالشعر نفسه، بدأ كتابة شعر التفعيلة (الحر) منذ الستينيّات. وحين بدأت الهجمة الثقافية الغربية تحاول تدمير اللغة والهوية، رَجَعَ إلى التراث راضياً مرضياً، فالمهم كما يقول: أن تبقى اللغة ليجري تحديثُها، والحداثة عنده تبدأ بالذات قبل الموضوع، وهي تُعمِّق الانتماء ولا تستبدله، ولا تعني استيراد الأعمال الأدبية الأجنبية وترجمتها، وتسمية ما نفعله أدباً حديثاً، ما زال الشعر عنده أقصى ما تصل إليه اللغة، وما زالت اللغة أقصى ما يصل إليه الوجدان.

نبذة عن الشاعر طارق آل ناصر الدين
الشاعر طارق آل ناصر الدين

الولادة والنشأة
وُلِد في كفر متى من جبل لبنان عام 1943، وينتسب إلى عائلة الأمراء التنوخيين. تلقّى علومه الابتدائية والمتوسطة في مدرسة «الداودية» في «اْعبيه» وأكمل دراسته الثانوية في كلية المقاصد، بيروت. في الثانية عشرة من عمره ترأس الجمعية الخطابية في المدرسة الداودية، نظراً إلى تفوقه اللافت في الخطابة، والأدب والشعر. وفاز عام دخوله كلية المقاصد بالمرتبة الأولى في مباريات الشعر والخطابة.

الأنشطة الوطنية والأدبية
من بوابة «فاطمة» في أقاصي الجنوب، إلى «وادي خالد» في أبعد شمال الوطن، وقف الشاعر طارق آل ناصر الدين على منابر المقاتلين والصامدين داعيةً متطوعاً من أجل وحدة الوطن وعروبته وسلامه الداخلي… مئات الأمسيات الشعرية، مئات المحاضرات والندوات والمهرجانات… وأكثر من مرّة تعرّض الشاعر لمحاولات اغتيال.

مؤلفات الشاعر
له ستة دواوين شعرية مطبوعة هي:
1- العائد من كلّ الأشياء.
2- قصائد مؤمنة.
3- تابعوا موتنا.
4- أماكن الروح.
5- حبٌ وحب.

أنشطة متنوّعة
‌أ- مستشار ثقافي للمؤتمر الشعبي اللبناني.
‌ب- مستشار الحركة الثقافية في لبنان.
‌ج- مستشار في منتدى «شهريار» الثقافي.
‌د- رئيس «جمعية أبناء العربية».
‌ه- من مؤسسي «بيت الشعر».
ولكي نعرف جيداً قيمة شعر طارق آل ناصر الدين، ومكانَتَهُ بين الشعراء، فهو كما وصفه أمين عام اتحاد الكتّاب اللبنانيين د. وجيه فانوس: يتعملق شعراً بموضوعات وقضايا ورؤًى وفنون بناءٍ وتشكّلٍ بين ما يمكن اعتباره من الأساسيات العامة العظمى في العيش الإنسانيّ، وبين ما يمكن النظر إليه على أنه من الخصوصيات المرتبطة بالحضور الذاتي، بيد أن كل هذا لا يصدر في شعر هذا الشاعر إلّا بعمق رؤيوي، جمالي إبداعي، ولغةٍ صافيةٍ رائعة تراعي مناحي المعاصرة، ولا تخون جذور الأصالة، أدخل الشعر في نسيج السياسة الوطنية والقومية في آن:

صُوفيُّ شعرٍ بِرُوحِ الحَرْفِ ممتزِجُ مصنَّفٌ فيه من أَهلِ الكفايات

في شمولية شعره من الوطني إلى العاطفي إلى الاجتماعي ما جعل منه حالةً ناضجة في موسم المحل الشعري… هذا الممسك بالقلم، بالريشة بالوتر، بالإزميل، يتعاطى الكلمة خلقاً، لوناً، نغماً نحتاً يسكب في عروقها نسغ دمه:

عَرَفَتْهُ أَرضُ الشام فهو منارُ والشعرُ من فمِهِ حُلَى وشِفارُ
فإذا أَرادَ سَبَا الحِسَانَ قريضُهُ أو ثارَ شَبَّتْ في الحروفِ النارُ
هذا أمير الشعر، مِنبرنا له ولشعره فلتخشع الأبصار

جَمَعَ الفكر والفلسفة في شعره، شأنه شأن المصلحين الكبار، متناولاً مشاكل الفردِ والمجتمع والدولة، ولم يترك حالةً ظالمة إلا وتدخَّل بشعره الحر، لأنه يعتبر ذاته معنياً بقضايا التحرر:

من أين جئنا من التاريخ من غدنا من طُهر أمٍ ومن إبداع أجدادِ
وَجَوَّعُونا وما جاعَتْ إرادتنا خبزُ الكرامة قد يُغني عن الزادِ
هي العروبة آختنا على قَسَم وَرِثْتُهُ من أبي إرثاً لأولادي
والدَعْشُ والفَحْشُ والبَطْشُ المُبرمَجُ هل من صُنعِ رَبِّكِ أو من ربِّ أَحقادِ
فلا عليُّ يَرْضاهُ ولا عُمَرُ سيفانِ للحق ما كانا بأضداد
لبنانُ ماذا جَرَى ماذا أرى، وغداً ماذا أقولُ لأبنائي وأحفادي
فَكَيْفَ يحكمُ لبنانَ الفسادُ وقد أعطى العروبة يوماً خَيْرَ روَّادِ
اليازجيان والشدياقُ أعمدةٌ حَمَتْ رسالةَ أهلِ الضادِ بالضادِ

في أوائل الخمسينيات دخل جمال عبد الناصر إلى حياة الشاعر طارق آل ناصر الدين، مُلهِماً ومثالاً فأصبح وما زال مِحور قصائده الوطنية، يومها صرّح: أن فلسطين والوحدة والتقدم والعدالة أصبحت كل أحلامه:

الثورة الأم مُذْ أعطيتها اللقبا لم تَنْسَلِخْ عنكَ يا إبناً لها وأبا
أَلَذُّ من عُمْرِكَ الدامي نهايتهُ وقد كَتَبْتَ بها أَغلى الذي كُتِبا
لمن تَرَكْتَ ملاييناً، على غدِها حَفَرْتَ قلبَكَ مجروحاً ومضطربا
ويسترد صَلِيلُ السيفِ نشوتَهُ وتُبْصِرُ النجمَ من أقدامِكَ اقتربا
صَلُّوا على القبر يُنبِتُ أَلفَ عاصِفةٍ ويستحيلُ به دمعُ الأسى لهبا
أين الشعاراتُ؟ أين المالئون بها الدنيا، لَكَم زوَّروا التاريخ والكُتبا
فلا اليسارُ يساراً في مصائبنا ولا اليمين يلبي الحق إن طُلِبا…

تقرَأُهُ، تُحِسُّ به في أعلى شجرة الإبداع، خُلِق عبقريَّ فنٍ، تتسقَّطُ عليه الرؤى صوراً من نقاء الروح، تغزلُها النفس قطراتٍ من مسك وعَنْبَر، لأنّ الشعر لديه لا يحتملُ، خصوصاً في الغزليات والوطنيات إلّا التصديق مع المُصدِّقين، إنّه أمير شعراء العروبة، حقّاً، يجري ومن الصعب أن يُجرى معه.

قرأْتُكَ شاعراً… أدباً وفكراً فأدهشني تَفَوُّقَكَ الكبيرُ
فَأَنْتَ بِمُلْهَمٍ سَطَعَتْ رُؤاهُ فمـا لَكَ طارقٌ أحَدٌ نَظِيرُ
على سَنَنِ الأُلَى بَدَعُوا فَصَاغوا قلائدَ (1) نَسْجُها ذَهَبٌ نَثِيرُ (2)
أميرُ أَصَالةٍ وَوَفًا وَصِدْقٍ فَضَائِلُ زَانَها عِلْمٌ غَزيرُ
لَكَ الرَجَحُ المُعَلَّى بغِيرِ فَنّ تَدَارَسَهُ (3) وَأَنْتَ به خَبيرُ
فَأَرْقَى ما يُرى الإنسانُ حُرًّا له حُلُمٌ وَعَقْلٌ مُسْتَنيرُ

 

الشاعر سعيد عقل

ومن أجمل وأروع ما كتب، قصيدتهُ: «دمعة على البردوني» في الثامن من أيلول عام 2011 في ذكرى الشاعر سعيد عقل، قصيدة وقف لها الحاضرون، وصفقوا طويلاً، نقتطف منها هذه الأبيات:

جَفَّتْ ليالٍ لنا ظلَّتْ لياليها… مخضرةً ترتوي منها وترويها
وكلَّما خَمَدَ الحِمرُ العتيقُ بنا توهج الجمرُ في فينيق ماضيها
يا للحبيبةِ كم أحبابها رحلوا وراسياتٌ كما الدنيا رواسيها
غاوون هِمنا بوديان الجمال وما قلناهُ نِلْناهُ، واختالَ الغوى تيها
يا زَحْلُ شبنا وما تِبْنا، ومن عَلَقتْ عليه جَمْرَةُ شِعْرٍ كَيفَ يطفيها
فذكريات الصِبا صارت أماكنُنا ودندناتُ الهوى صارتْ مقاهيها
جئنا إليها بشكوانا وقد سَمِعَتْ وكم غَفِلْنا، ولم نسمع شكاويها
هي المدينةُ ظَلَّ النهرُ يحملها حتى تلاشتْ وَحَلَّتْ روحُهُ فيها
فزحْلَةُ الحسنُ، رَبُّ الحُسْنِ توَّجها مليكةً والبوادي من جواريها
إيماءةٌ.. فملوكُ الأرضِ زاحفةٌ وهي التي أحْصَنَتْ، سبحانَ باريها
وزحلةُ اللغةُ الفُصحى وما نَطَقَتْ إلا وطأطأ شعري في معانيها
تأتي القوافي إليها وهي طائِعَةٌ وكيف لا، وقوافيها دواليها
فيها معالِفَةٌ دان الزمانُ لهم فيها السعيد غَوى فيها ليغويها
همُ النجومُ وليلُ الوحي مُنبسطٌ هُمُ الكلامُ متى السُمّار ترويها
يا بُحتريُّ تأكَّدْ إنّها فلكُ عالٍ، وأنَّ سماءً رُكِّبَتْ فيه
قِيلَ العجائبُ سَبْعٌ مَنْ يُصَنِّفُها وزحلةُ أينَ؟ إن الله بانيها
هنا أسُودٌ وغزلانٌ تعيش معاً وتستقي الحُبَّ من يُنبوع ساقيها
فالحبُّ مهنتها والشعرُ مهنتنا بالروح بالدم ها جئنا نلاقيها
وليس يحمي حماها غير عاشقها فإن تهاونَ، فالعذراءُ تحميها

 


المراجع:

1. قصائد لا تُنسى لنفاستها.
2. تَدَارَسَهُ: تتدارسُهُ.
3. المنثور “كلامه درٌ نثير.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader