عذوبةُ اللّسان

موهبةٌ ونعمةٌ يتألّقُ من خلالها الإنسان ش. غالب سليقة

Dhoha
0 106

الإنسان لا لحمهُ يُؤكَل ولا جِلدهُ يُلبس فماذا فيه غيرُ طيب النيّةِ وحلاوة اللّسان؟!

صحيح أنَّ عذوبة اللّسان ولطف الكلام ونعومة التّعامل عند الإنسان أطيب وأشهى من العسل، وأنها وذلك يجلب التّقدير والاحترام وحتّى الرّزق وعلوّ الشّأن.

 إذ رُوِيَ أنّ صديقين متجاورين في السكن اتّخذ كلٌّ منهما مهنة يسترزق منها. الأوّل اتّخذ مهنة بيع العسل والاتجار به مُعَلّلاً نفسه بالرّبح الوفير والغنى السّريع ولَرُبّما ظنّ أنّه من خلالها يصبح من رؤوس المجتمع وجاهةً وكرامةً حيث إنّ المال عنده عصبُ الحياة وعلى قدر مال المرء يكون احترامه وتقديره
عند الكثير من الناس. أمّا الرّجل الثاني، وحيث إنّ رأس ماله قليل، لهذا اكتفى بأن يتاجر بالخلّ لرخصه وإمكان شرائه رغم قلّة احتياج الناس إليه، ولربّما أنّ البعض لا يقتنيه.

 سبحان الله، سبحان الله، فقد ثبتَ العكس، إذ ليس نوع البضاعة هو مصير النّجاح وزيادة الأرباح، وهذا ما سنعلمه بعد تصفّح حقيقة أمريهما. فالتاجر الثاني، تاجر الخلّ، كان دؤوباً في عمله، وكان شخصاً محبوباً وتعامله مع الناس فيه لطفٌ وسلاسة، فهو متواضع وقليل المشاكل، ونادر العيوب، لذا ازدهرت تجارته وتشجّع العديد من الزبائن إلى شراء بضاعته حتى وإن كان بعضهم من قبيل التّزاور والمودّة. فازدادت أرباحه وكثُر روّاده

وظهرت معالم الغنى والبحبوحة عليه، كاقتناء المنازل الفاخرة والمزارع الواسعة. غير أنّ التاجر الأوّل، تاجر العسل، وعلى ما للعسل من فوائد صحيّة ورغبة وشهيّة في تناوله صباحاً وعشيّة وليس أيّ طعام يماثله منفعة ورغبة عند العديد من أبناء البشر… لما له من منافع غذائية وصحية. ورغم ذلك فإنّ التاجر المذكور كسَدت بضاعته وقلّ زبائنه وغدا على شفير الهاوية مصيره، فاحتار في أمره، كيف سيكمل مشواره ويحافظ على رأس ماله وكيف سيَفي ديونَه؟؟ ما العمل، وما التّدبير وخصوصاً بعد مقارنة تجارته مع تجارة صديقه وكيف سيتمكّن من ذلك، وشتّان بين هذا وذاك في المقارنة من حيث كَثرة الزبائن، والتفاوت في البيع والأرباح. «إذاَ سأذهب إلى تاجر الخلّ»، قالها تاجر العسل لنفسه، ولأقف على حقيقة أمره ونجاحه وعلوّ شأنه، وطول باعه في حقله ومضمار عمله، وحقّاً أقرّله

تألّقه في عمله، لكن ما هو سرّه وصفاته وميّزاته في ارتقائه سلّم النجاح؟!

 حال وصوله إلى بغيته، بادره بالسؤال بعد السلام عليه: يا صاحبي ويا زميلي، ليس من قبيل الحسد بل من قبيل الاستفسار وحشريّة المعرفة، والله باعث الرّزق للجميع، هَلّا أخبرتني ما سرّ نجاحك في عملك وتجارتك، رغم الفرق الشاسع والكبير بين احتياج الناس لبضاعتك وبضاعتي..؟
ضحك تاجر الخلّ بعدما هزّ برأسه مقدّراً مجيء زميله وتواضعه في سؤاله إيّاه… استوى في مجلسه ثم أجاب: أوّلاً أقول أهلاً وسهلاً بصاحبي القديم والدائم، إن شئت القبول بصحّة قصدي، فيا أخي؛ إنّ رزقنا وأرباحنا وأرواحنا هي مِنّة من الله تعالى. لكن فلنعلم معاً وإن لم يكن من إحراجٍ لك في قول الحقيقة، فيا صاحبي، عليك أن تستمع لي وتتّعظ بما سأرويه وأقوله لك: «حقيقة الحال، أنكم تبيعون العسل، لكنّ كلامكم مع الناس خَلّ

وأكثر حُموضة منه. أمّا نحن يا سيدي فالعكس تماماً، صحيح أنّنا نبيع الخلّ لكنّ كلامَنا مع الناس وعلى مسامعهم وأذواقهم عسلٌ بشهده وطعمه».
وحيث إنني اتّخذت من هذه المأثرة حكمةً للكُتّاب بعد أن سمعتها من رجلٍ عاقلٍ في بلدة الماري وقد لَفَتَني استشهاده بها لكون مضمونها يتناسب مع مسالك بعض التّجار في بلدته.

 أمّا مقصدي من إشهارها فهو لاعتباري أنّ مغزاها يؤشّر لكتابنا الجديد «الخميرة» متمنّياً أن يكون فحواه عسلٌ بِشَهده وطعْمه عند القارئ العزيز، أمّا أسلوبنا فأرجو أن يماثل أسلوب بائع الخلّ لكون عذوبة الكلام كعذوبة اللّسان سواء أكان مكتوباً أم منقولاً…

أخلاقيّات ومأثورات
يروى أن سلمان الفارسي مرّ براعي غنم، فقال له: ماذا معك من العلوم أيها الراعي؟ فأجاب: “معي خمس كلمات، فزدني منك خمساً أكمل بها علومي”.
فقال له، وماذا معك لأزيدنك؟
قال، “يا سيدي:
الأولى، لا استعمل الكذب والصدق موجود.
الثانية، لا استعمل الحرام، والحلال موجود.
الثالثة، لا أذكر عيوب الناس، والعيب فيّ.
الرابعة، لا أعصى الله، وهو يراني.
والخامسة، لا أجحد نعمة، وهو يكفيني.”
فقال له سلمان:
لقد حويت علم الأولين والآخرين،
وليس على الخمس كلمات التي معك من مزيد

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader