قراءة في كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»

للمؤلفَين د. ندى حسن فياض ونزيه فياض(1)

0 5
قراءة في كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»

د.عبد الله سعيد (2)

يقول مثل قديم، ثلاثةٌ لا يموتون أبداً: واحدٌ زرع شجرةً، وواحدٌ خلّف ولداً، وشخصٌ ألّف كتاباً. من هذا المنطلق أحيا المؤلفان الماضي الريفي، عبر قرية بشتفين، بكل تفاصيله؛ الزراعية والحرفية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، حتى الدقيقة منها. فتُعجب لسير أحداث وحياة بلدة ريفية منسية في جبل لبنان تقع على كتف جسر القاضي الأثري، ووادي نهر الدامور، كعقدة مواصلات هامة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
إنّ الكتابة في التاريخ الاقتصادي الاجتماعي، تعني أنك تؤرخ لصالح وحدة المجتمع بكل عناصره وفئاته، وبكل تفاعلاته الجغرافية والحضارية والسياسية والنفسية والثقافية. وتعني أنّك أخذت جانب منهج التأريخ العلمي الذي يرصد حراك المجتمعات البشرية وفقاً لقوانين تطورها الطبيعية بمعزل عن ميول ونزعات الباحثين والدارسين… فالتاريخ الاجتماعي الاقتصادي هو تأريخ توحيدي تطوّري، بينما التأريخ السياسي الطوائفي، هو تأريخ تفتيتي تصادمي يحمل، غالباً، في طياته بذور الإقتتال والضغينة.
إن ما قام به المؤلفان هو قمة الإلتزام بمنهج البحث التاريخي العلمي للتاريخ الاجتماعي من حيث العودة إلى الوثيقة الأصلية والمقابلات الشفوية الحيّة المعاصرة للحدث، التي لا تقلّ أهمية عن الوثيقة المكتوبة في القراءة العلمية للتاريخ وأحداثه… كما أنهما قاما بالمهمة التأريخية بأفضل ما يكون من حيث ربط الجغرافية بالتاريخ، واتباع التسلسل التاريخي السليم في كل فرع من فروع التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والإداري لبلدة بشتفين.
إنه كتابٌ يسجّل تاريخ كل شخص في القرية صغيراً كان أم كهلاً أو شيخاً، شاباً أو فتاة أو إمرأة، عاملاً أم تاجراً أم شاعراً وأديباً وموظفاً وضابطاً، أم سفيراً أو مدرساً ومدرّسة، وطالباً وطالبة. ويخصص حيزاً هاماً لمكانة المرأة البشتفينية في الأسرة والمنزل والعمل الزراعي والحرفي والصناعي، والتعليم والتمريض والطب والوظيفة الخاصة والعامة، إلى جانب ممارستها حق الملكية الخاصة وتصرّفها الحر بحيازتها الشخصية بيعاً وشراءً وإرثاً.
من هنا، فالكتاب هو كناية عن دراسة ميدانية، ومسحٍ اجتماعي اقتصادي كاملٍ لقرية بشتفين الشوفية كمحاولة جريئة لالتقاط صورة حية للقرية اللبنانية المكافحة في صمودها أمام غضب الطبيعة، وإهمال السلطات المتعاقبة منذ عهد المتصرفية حتى الآن. فالكتاب أشبه بلوحة فنيّة بيانيّة لطبيعة ومعالم بشتفين الجغرافية وأراضيها الزراعية والمشاعية والحرجية وينابيعها ومياهها، وأحياءِها وطرقاتها المنبسطة والوعرة.
إنّه دراسة علميّة قيّمة لسكّانها وتحركاتهم ونشاطهم، ولمؤسساتهم الإدارية المحلية من شيخ الصلح والمختار إلى رئيس البلدية وأعمال المجالس البلدية المتعاقبة. كما أساليب أعمالهم الزراعية، والمهنية والصناعية، وتحرّكاتهم السكانية المحليّة والاغترابية، ونشاطاتهم الثقافية والأدبية والحزبية والكشفية.
فهكذا خلّد المؤلفان من خلال كتابهما هذا، بلدة بشتفين، حيث يمكن لكل شخص فيها أو قريب من أهلها، أن يعتزّ بصدور هكذا كتاب خالداً أبداً عن قريته، فهو طال الجميع بدون استثناء من خلال الحديث عن مجمل نشاطات القرية، وانضواء معظم أهاليها أفراداً وجماعات في تلك النشاطات.
وأخيراً، إن كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»، لا يمكنه أن يشيخَ أو يموت، فهو يصلحُ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، ولكلّ عصرٍ أو جيلٍ جديد يريد الإطّلاع على تراث الأجداد وأنماطِ معيشتهم السابقة، وتطوّر ثقافتهم في الوجود والحياة، والعمل والتفكير. إنه حقاً كتابٌ يُقرأ بإمعان، وفي كل مرة تقرأه تستفيد من معلوماته وكأنك تقرأه للمرّة الأولى.


المراجع:

1. مداخلة أُلقيت بمناسبة حفل توقيع كتاب “بشتفين في صفحات من تاريخها” في دار بلدة بشتفين بتاريخ 18/9/2020.
2. أستاذ متقاعد في الجامعة اللبنانية وعميد سابق لكلية السياحة فيها، له مجموعة مؤلفات وأبحاث في التاريخ الريفي الاقتصادي والاجتماعي.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader