“قيم ما بعد كورونا: التَّضامن وروح ركّاب السفينة”

المُلتقى السابع لمُنتدى تعزيز السَّلْم في المجتمعات المسلمة

0 80

تابعنا باهتمام، وكالعادة، حضور الملتقى السابع لمنتدى تعزيز السَّلم الذي عُقد لهذه السنة افتراضيَّاً عبر تقنية الاتصال المرئي عن بعد، في الفترة الممتدة من 7 إلى 9 كانون الأول 2020، تحت عنوان «قيم ما بعد كورونا: التضامن وروح ركاب السفينة»، برعاية من سموّ الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي، وبمتابعة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، وبرئاسة معالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السَّلم في المجتمعات المسلمة ورئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي (2).

وقد حظي الملتقى بمشاركة وزراء وممثلي حكومات ومنظمات دولية وسفراء وقادة دينيين وشخصيات رفيعة المستوى ومئات المفكرين والأكاديميين والباحثين ورجال الدين وممثلي منظمات المجتمع المدني والشباب، وبمتابعة الآلاف من المشاهدين لجلساته وأعماله عبر منصته الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي.

ناقشنا على مدى ثلاثة أيام العديد من الموضوعات التي تشغل الوعي الكوني في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البشرية، والتي تتسبب بالقلق الكبير على كل المستويات النفسية والمعنوية والمادية للأفراد والمجتمعات والدول، ودعا المشاركون إلى العمل على صياغة مشروع اتفاقية تحت مسمى «الميثاق العالمي للتضامن الإنساني» مع العمل على عرضه على هيئة الأمم المتحدة لضمان تحقيق قيم عالم ما بعد «كورونا» ودرءاً لعودة المجتمع الإنساني إلى ما كان عليه قبل «كوفيد – 19»، وأوصوا بإنشاء صندوق دولي موحد للطوارئ والكوارث والأزمات، كما دَعَوْا المجتمع الدولي والدول الغنية إلى التضامن مع الدول الفقيرة وإشراكها في ثمرات البحوث العلمية، وإلى توزيع اللقاحات على الجميع بلا احتكار ولا استغلال، وتشجيع المبادرة والابتكار في مجال تكنولوجيا الصحة العامة والتطبيب في الدول الفقيرة والنامية التي أظهر بعضها مؤهلات غير متوقعة في تدارك نقص الوسائل والمعدات.

وأشاد البيان الختامي للملتقى بتضحيات الطواقم الطبية وتفانيها في إنقاذ الأرواح وعلاج مرضى هذا الوباء والعناية بهم، وبجهود كل العاملين أفراداً ومؤسسات في مكافحة هذه الآفة، كما أشاد بجهود منتدى تعزيز السلم في مد الجسور مع العقلاء والحكماء من كل الأديان والمذاهب والمشارب، وثمَّن مساعي القائمين عليه العلمية والعملية لتوحيد الجهود وتصحيح الوجهة على أرضية القيم الإنسانية المشتركة لما فيه خير الناس جميعاً، كما أشاد بما تضمنته «وثيقة مكة المكرَّمة» من مضامين سامية تهدف إلى بناء جسور المحبة والوئام الإنساني، ونشر ثقافة التعايش والتسامح والتصدي لخطابات التحريض والعنف والكراهية، ودعا إلى عقد شراكات بين صناع القرار ورجال الفكر والدين لإشاعة خطاب السلم والمحبة والأخوَّة الإنسانية، والوقوف في وجه خطاب التطرف والتحريض.
وحثَّ المجتمع المدني على مواصلة جهود التعبير عن الشكر والامتنان والوفاء لمن هم في الصفوف الأمامية في مواجهة الوباء وابتكار المزيد من المواقف الاجتماعية والتعبيرات الرمزية المستوحاة من ثقافة المجتمع، وتأكيد أهمية مواصلة كافة الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية حتى تنجلي الغمة وتنكشف الأزمة.

وتدارس المشاركون بالملتقى طبيعة وأبعاد الأزمة العالمية المترتبة على وباء «كوفيد – 19» المستجد ومساءلَتها للتوجهات القيمية للإنسانية ودورَ قيم التراحم والتضامن والتعاون وإشاعة السكينة في مواجهة هذا الوضع والتخفيف من آثاره وتداعياته، مسلطين الضوءَ على النقلة النوعية والقوة الاقتراحية التي يمثلها «حلف الفضول الجديد» الذي أُطلق في الملتقى السادس (السابق) في أبو ظبي، لكونه يؤسّس لنموذج متوازن من التسامح والحرية المسؤولة والمواطنة الإيجابية والاقتصاد المتضامن، بحيث يمكن أن يكون هو نموذج العقد الاجتماعي الجديد الذي ترنو إليه البشرية وتتطلع إليه.

كما تطرق المشاركون إلى القضايا الفقهية المستجدة التي أثارتها هذه الأزمة على جميع الصعد من منظور «فِقْه الطوارئ» المركَّب من الدليل الشرعي والواقع، بحثاً عن التيسير والرخص الشرعية لقيام موجبها، وإلى الحاجة لتعزيز دور الدولة الوطنية وتقوية التعاون الدولي لتجاوز مفارقات العولمة. وتدارس المشاركون نماذج إيجابية في التعامل مع الجائحة بروح التضامن والتعاون في مجالات مختلفة كتطوير اللقاح، وممارسة الشعائر الدينية مع الحفاظ على سلامة المصلِّين، ومساعدة الاقتصادات الضعيفة. وخصصت الجلسة العلمية الأخيرة لآفاق عالم ما بعد «كورونا»، الذي يستلهم «روح ركاب السفينة» في وعيهم بالمسؤولية المشتركة التي تمليها وحدة المصير.

وقد خلص المشاركون، بعد تبادل وجهات النظر في القضايا المدروسة، مستحضرين خصوصية الظرفية العالمية وانفتاح مآلات المجتمع الإنساني على كل الاحتمالات المرجوة والمخوفة، إلى نتائج تم تضمينها وتفصيلها بالبيان الختامي، وقد شملت «طبيعة الأزمة المتولدة عن وباء كوفيد 19 المستجد، دروس هذه الأزمة والعبر المستخلصة منها، مبادئ وقيم روح ركاب السفينة، المقتضيات العملية لـ«روح ركاب السفينة»، إذ تقتضي روح «ركاب السفينة» الدعوة إلى هبّة ضمير عالمية تعيد لقيم التعاون والتضامن والتراحم فاعليتها، وتقدّم مفهوماً جديداً للإنسانية يتجاوز المفهوم المحايد لحقوق الإنسان المتمثل في المساواة ليرتقي إلى إيجابية قيم الفضيلة التي تُشعر الآخر بدفء المحبة والأخوة، إذ إنّ هذه الأزمة أذكت جذوة التضامن بين البشر، ولدول تسامت عن حسابات السياسة والعلاقات الدولية لترقى في استراتيجياتها إلى سقف التعاطف والترابط الإنساني.


المراجع:

1- رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي، أمين عام مؤسسة العرفان التوحيدية.

2- المرجع: صحيفة الاتحاد الإماراتية، 10 كانون الأوَّل 2020.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader