0 128

ملك المودة والصفاء

اللبنانيون بكل فئاتهم سيذكرون الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود كصديق صدوق للبنان، رجل تفرّد بأخلاقه العربية الأصيلة وصدقه مع الجرأة والقوة في الحكم والقيام بأمانة الأمة والبلاد. صحف العالم كلها أبَّنته في صفحاتها الأولى مشدّدة على الدور الكبير الذي لعبه في نقل المملكة إلى عصر الحداثة والتقدّم الاقتصادي والإصلاح وترشيد الإدارة الحكومية. وفي خانة الإصلاحات التاريخية للملك عبد الله إنصافه للمرأة السعودية بإدخالها لأول مرة في مجلس الشورى وهو أعلى مؤسسة تمثيلية في البلاد يعضد الملك في رسم السياسات ويقترح ما يعتقد فائدته من قوانين وتشريعات.
إستكمل الملك الراحل مؤسسات الدولة السعودية فأنشأ المجلس الاقتصادي الأعلى وعزّز دور مؤسسات التنمية الاقتصادية واستحدث الجديد منها بهدف الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما اهتم اهتماماً خاصاً بالمناطق السعودية وبالتنمية المتوازنة في المملكة وركّز على الشباب وعلى التعليم، فأنشأ عشرات الجامعات ومراكز البحوث وأطلق الاستثمار السعودي الكثيف في الطاقة المتجدّدة ولاسيما الشمسية وعزّز سياسات إرسال الشباب السعوديين لنيل أعلى التخصصات العلمية والتقنية في الجامعات الدولية. في عهده، وصل الاقتصاد السعودي إلى درجة من النمو والتأثير العالمي حتمت دعوة المملكة السعودية لتكون دولة عضواً في مجموعة العشرين التي تمثّل أكبر اقتصادات العالم، فأصبحت المملكة بذلك مشاركة ولها كلمتها المسموعة في إدارة الوضع الاقتصادي والمالي في العالم.
إتبع المغفور له عبد الله بن عبد العزيز سياسة مصالحة بين دول الخليج ونجح في معالجة التباينات في ما بينها، الأمر الذي عزّز الوحدة الخليجية وقدرة مجلس التعاون الخليجي على ان يكون منسجماً في مواقفه من القضايا الإقليمية والدولية، كما اتبع سياسة دعم القضايا العربية فوقف إلى جانب لبنان في الملمات وخصوصاً بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري ثم قدّم دعماً كبيراً للبنان بعد حرب تموز سواء على شكل وديعة مالية بملياري دولار لدعم احتياط البنك المركزي أم على شكل مساهمات مباشرة في إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي ثم كانت هبة الثلاثة مليارات دولار للجيش والمؤسسات الأمنية شاهداً جديداً على حب الملك عبد الله وتقديره للبنان.
وكان للملك عبد الله موقف مشهود في دعم الدولة المصرية عندما قام مع دولة الإمارات العربية والكويت بتقديم مساعدات فورية بنحو 12 مليار دولار لمساعدة مصر على معالجة أوضاع مالية ملحة، مع الإعراب عن استعداد المملكة لتقديم المزيد في المستقبل في سبيل مساعدة مصر وشعبها على تجاوز الظروف الصعبة ومن قبيل التضامن العربي الذي يعتبر ان هناك مصيراً واحداً يربط بين العرب جميعاً وخصوصاً بين مصر ودول الخليج، وبين مصر والعرب جميعاً. هذه الأدوار المهمة والدعم السعودي الثابت لقضية فلسطين، جعلا من المملكة السعودية في عهد الملك عبد الله محور استقطاب وجمع وعامل مهم في قوة العرب وقدرتهم على مجابهة التحديات الكثيرة التي تواجه حاضرهم ومستقبلهم.
على صعيد خاص، فإن الموحدين الدروز في لبنان سيذكرون بالكثير من الوفاء والإمتنان روابط المودة والصداقة التي حافظ عليها الملك الراحل مع قادة الجماعة المعروفية العربية منذ أن كان قائداً للحرس الوطني، فقد كانت تربطه صداقة قوية بالشهيد كمال جنبلاط الذي كان أثناء زياراته للمملكة السعودية يزوره ويتبادل معه الرأي في شؤون لبنان والمنطقة، وقد استمرت علاقة المودة والتقارب عبر الزعيم وليد جنبلاط الذي يحتفظ بمودة خاصة للمملكة ويحرص كلما لزم الأمر على زيارتها والتشاور مع قادتها في الشؤون المصيرية التي تتعلق بلبنان والمنطقة.
وما بين الموحدين الدروز والمملكة السعودية في الأساس هو الانتماء العربي الواحد الأصيل، والموحدون الدروز كما هو معروف عرب أقحاح وفدوا في معظمهم من الجزيرة العربية ولعبوا تاريخياً دوراً حاسماً في حماية ثغور الدولة الإسلامية وحافظوا على هذا الدور لمدة زادت على الألف عام، وعضد الكثير من المثقفين والمفكرين والمهنيين من بني معروف المملكة عند قيامها وخدموها بإخلاص، وبصورة عامة يشعر الموحدون الدروز أنهم في قيمهم الإسلامية العربية المحافظة وتمسكم بأوامر الدين الحنيف ونواهيه إنما هم أقرب ما يكون في مجتمع اليوم إلى قيم وأخلاق أهل الجزيرة وقيم المجتمع السعودي بادية وحضراً.
رحمك الله أيها الملك الصالح الصديق نتذكرك بقلوب مسلمة لله تعالى، وندعوه سبحانه أن يضمك في فسيح جنانه، وأن يسدّد خطى خلفكم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في قيادة المملكة ونصرة فلسطين والعرب والمسلمين. وهو سميع الدعاء.

دروس من وزير شاب

سجّل وزير الصحة وائل أبو فاعور سابقة لافتة في القيام بالحكم وأمر الناس في لبنان. قرّر أن الدولة التي تكلف المواطنين أكثر من 85 % من ميزانية البلد السنوية لها وظائف وأعمال وأنها موجودة ويتقاضى موظفوها الرواتب والعلاوات ويتمتعون بالإجازات من أجل غرض معين.
في وزارة الصحة وجد الوزير أن الغرض من الوزارة هو حماية صحة المواطنين ثم وجد أن ذلك يقتضي التأكد من مطابقة غذائهم للحدّ الأدنى من مواصفات السلامة وخلوه من البكتيريات والفطريات السامة والأوساخ وغير ذلك مما قد تأنفه النفوس.
قرّر الوزير إذاً أن يرسل قواته من المراقبين إلى الجبهة، والجبهة هي السوق وألوف المطاعم والملاحم ومصانع الألبان والأجبان ومستودعات الأسماك واللحوم وإهراءات الحبوب وغيرها. ما وجده مراقبو الوزير وما اطلع عليه هو من خلال الجولات والتقارير يكاد يشيب له شعر الولدان فعلاً.. كشفت الحملة التي شنّها بلا هوادة عن واقع مخيف فاق بالفعل أسوأ التوقعات. كان الناس يعتقدون أن عدم التزام قواعد النظافة والصحة هو عيب في المؤسسات الصغيرة أو الهامشية التي لا تملك الحوافز للإتقان والعناية بالجودة ومواصفات السلامة وربما لا تمتلك الخبرة لذلك، لكن الناس فوجئت بأن أكبر المخالفين كانت لهم أسماء لماعة، ماركات تجارية منتشرة في طول البلاد وعرضها وهؤلاء المخالفون بسبب ضخامة شركاتهم وشبكاتهم قادرون بالتالي على التسبب بقدر من الضرر لصحة الناس أكبر بكثير مما يسببه بائع المناقيش أو سندويش البسطرما. ظهرت أزمة الغذاء باعتبارها واقعاً شاملاً وصناعة منفلتة من كل ضابط بل صناعة ومؤسسات تضع هي قوانينها ومواصفاتها من دون حسيب أو رقيب. أما المستهلك فعليه أن يبقى مطمئناً طالما أنه يشتري من مؤسسة لها إسم كبير وفروع ويافطات ملونة ومضاءة في الليالي.
دخل الوزير أبو فاعور منطقة محرمة بكل معنى الكلمة، منطقة مرصودة بالنفوذ وشبكات المصالح لكنه دخل مع ذلك ومن دون إستئذان، ولأنه يعرف قوة مافيا الغذاء فإن الوزير المقاتل قرّر بسرعة أن يخرج من ترسانة الدولة سلاح دمار شاملاً إسمه الإعلام، أو إعلام تسمية الأشياء بأسمائها، فبدأ يعلن على الملأ أسماء المؤسسات المخالفة وطبيعة كل مخالفة، وبث الوزير الرعب في أرباب الفساد وأوقظ في الوقت نفسه اهتمام الناس الذين ملّوا في الماضي البيانات والإدانات العمومية، فتحوّل هؤلاء إلى شركاء متطوعين في الحملة فكانوا يتابعون بيانات الوزير بمقاطعة فورية وعفوية لمنتجات الشركة المذنبة وتحوّل الناس بذلك إلى جيش جرار غير رسمي في حملة وزير الصحة.
لذلك، وبسبب الوزير أبو فاعور زادت ولا شك مبيعات حبوب تهدئة الأعصاب وأمضى كثيرون من المتاجرين بغذاء الناس ليالي بيضاء لم يذوقوا فيها طعم النوم، وقد كانوا على الأرجح، وحتى وقت قريب، يظنون أنفسهم من أصحاب الحصانات والإمتيازات فهم مؤسسات مهمة للاقتصاد ويجب بالتالي مراعاة مصالحهم. أما المواطن فدوره أن يقبل بالموجود والسلام.
قدّم وزير الصحة للجميع درساً مهماً لم يكن في الحسبان، وهو أن الدولة نائمة لكنها ليست ميتة. ولأنها نائمة فإنه من الممكن إيقاظها. تجار الغذاء ظنّوها ميتة أو أنهم يتصرفون في لبنان باعتبار أن الدولة ميتة أو باعتبار أنه ليست هناك دولة في الأصل. وفي أي مجتمع يدخل في روع العموم أن الدولة لا وجود لها فإن النتيجة هي ما رأيناه. الناس ببساطة سيأكلون بعضهم بعضاً، والتعبير الأصح أن الناس سيأكل القوي منهم (هنا التاجر والمتحكم بالغذاء) الضعيف وهو هنا المستهلك الأعزل. ولا توجد في لبنان كما اتضح، مناعة إلا لمن رحم ربي، أما الشركات الكبيرة فهي أول من يبدأ التفنُّن في الغش لأن عندها التكنولوجيا والخبرة أكثر من غيرها، ولا يمكن وصف الحالة المذهلة لتدهور غذاء اللبنانيين إلا بهذه الأسباب أي عدم وجود أي رادع خارجي وبالطبع عدم وجود رادع ذاتي يتعلق بالضمير المهني والإستقامة واستطابة الحلال.
الدولة اللبنانية ليست ميتة، وهي تملك، كما برهن وزير الصحة، أنياباً ومخالب ويمكن لأي وزارة أو ذراع من أذرعة الدولة إذا حزمت أمرها أن تعيد الناس إلى حظيرة القانون وقواعد الإنصاف والتوازن في لعبة الأخذ والعطاء. وما فعله أبو فاعور هو ببساطة أنه أوقظ الدولة النائمة وأمر المنتسبين إليها في وزارته بأن يتصرفوا كدولة أي كأصحاب سلطة وليس كمسلّط عليهم، وإذا بالدولة المتثاقلة المأكولة هيبتها تقفز على رجليها فجأة كمن مسته صدمة كهربائية وترفع السوط (وليس الصوت) وتلاحق وتسمي وتعاقب. مشهد أمتع الناس فعلاً وأراحهم، لكنه مشهد يأمل المواطن المثقل بالخيبات أن يتعمم في وزارات ومؤسسات حكومية أخرى، فلا يمرّ ما نشهده اليوم في وزارة الصحة، بعد لأي، كما يمر حلم ليلة الصيف.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader