0 65

كلمة سواء

إستسقاء

الناس قلقون لبوادر القحط الذي يضرب بلاد الشام ولبنان. بعض كبار السن يؤكدون أنهم لا يتذكرون أن سنة كهذه مرت عليهم، وأن انحباس المطر بلغ هذا الحد المخيف، إذ لم يكن معدل الأمطار حتى منتصف شهر شباط قد تجاوز الـ 35 في المئة من المعدل السنوي. نبع الباروك الذي يسقي معظم بلدات الجبل، بل تذهب بعض مياهه إلى الساحل، لا يتجاوز تدفق مياهه الثلث من المعدل المعتاد. في البقاع، فاجأ انحباس المطر المزارعين الذين اضطروا لري سهول القمح على أمل أن ينقذوا ما يمكن إنقاذه من الموسم.
حقيقة الأمر هو أن القحط ليس خاصاً بلبنان أو بسوريا، بل هو أصاب معظم بلدان المشرق من السعودية إلى الاردن إلى مصر إلى العراق. لهذا، فقد تداعى الناس في كل هذه الأماكن إلى صلاة الاستسقاء، وأصدر رؤساء الدول والملوك نداءات طلبوا فيها من الناس أن يبادروا إلى صلاة الاستسقاء. وبالفعل، أقيمت الصلوات في كل مكان وصُعِّدت الأدعية إلى السماء متوسلة نزول المطر، لكنّ الطقس الجاف وانحباس الأمطار مستمران.
قرأنا في بعض المصادر أن الناس كانت في الماضي إذا توجهت إلى صلاة استسقاء تنظف أسطح المنازل، لأنها كانت تعتقد بأن السماء لا بدّ سترسل المطر بعد التوجه بالطلب الصادق المقرون بالدعاء والاستغفار من الله تعالى. وقد يكون ذلك من قوة إيمان أهل السلف وثقتهم برحمة المولى، وقد يكون أيضاً جزءاً من التوسل بمعنى أن تنظيف الأسطح استعداداً للمطر كان نفسه فرعاً من صلاة الاستسقاء، ويجوز لنا أن نظن أنهم كانوا اهل فطرة سليمة، وأن توسلهم استمطاراً للغيث كان توسلاً صادقاً ونابعاً من حرارة الفؤاد وخشوع الجوارح. وقد كان أهل ذلك الزمان في معظمهم فلاحين يعيشون حياة بساطة من الارض، وكان المطر بالنسبة لهم مسألة حيوية يتعلق بها بقاؤهم وكفاف العيش، كما أن تمسكهم بالسلوك القويم في حد ذاته كان جالباً للبركة وللرحمة والخير.
نستذكر تلك الأيام، ثم نتأمل هذا الغم الذي هبط على أهل الدنيا بصورة غير مسبوقة في فترة قصيرة جداً من تاريخهم الطويل. وها هي الطبيعة، يد الله الخفية، تقرع أبواب القلوب الموصدة، وليس أبلغ من نوائب الطبيعة تذكرة وعبرة لبني آدم لأنهم اعتادوا على أن ينظروا إلى الأرض والزرع والرزق باعتبارها كلها أموراً مسلماً بها، فلا يدخل في روعهم أنه من الممكن للطبيعة أن تغضب، وأن تمنع خيرها وماءَها عن العالمين.
لكن الله تعالى يحذرنا في كتابه العزيز بالآية الكريمة: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} (الأعراف: 58)، والإشارة الإلهية هنا هي إلى البلد الذي يخبث أي تكثر فيه الخبائث والمعاصي والمظالم، كما هي حالنا اليوم، هذا البلد لا يخرج نباته إلا نكداً، أي قهراً، كأنّ الأرض تمانع في أن تعطي، وكأنّ النبات يأنف أن يخرج ثماره، والغمام يشيح عن البشر ويأبى أن يرسل مطره على الذين يكفرون بنعمة الله ويرمون كتابه وراء ظهورهم ويفسقون ويظلمون.
يقول جل من قائل ايضاً في ما يشبه كشفاً منه يغيب ما هو آتٍ: } ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ (الروم: 41)، والقرآن الكريم يتحدث هنا عن كل أنواع الفساد في الطبيعة من تبدل المناخ إلى التلوث إلى فساد الطينة البشرية إلى الأوبئة والحروب والمجاعات، وكلها مصائب لم تأتِ من فراغ، بل زرعها الناس وسقوها بماء المظالم والمعاصي، فهبت في وجههم مثل هشيم من نار. ولا ننسى أن كل هذه المعضلات التي تهدد اليوم جو الأرض وتهدد الحضارة نفسها ظهرت كلها في وقت قصير لا يزيد على قرن، ومثل هذا الزمن قصير جداً إذا قيس بآلاف السنين التي عاشها الإنسان على هذه الأرض بدرجة كبيرة من الاستقرار والاستمرارية. فهل أن ظهور كل هذه المصاعب وكل تلك البلايا بهذه الصورة المفاجئة من قبيل الصدفة، أم أنها الثمن الذي ندفعه لقاء السير في طريق المادية الأنانية والتمرد على القيم والفضائل والشرائع والأديان؟
يذكر الحكيم لاوتسه، وهو من أعظم حكماء الصين القديمة، أنه بعد كل حرب تنزل على الناس سنوات قحط عجاف، أي أنه يربط بين الحرب وما يكتنفها من قتل ومظالم وبين غضب السماء وانحباس الخير. إن العزة الإلهية تحاسب على موت الأبرياء وتحاسب على انفلات الغرائز والأحقاد والظلم واستباحة الكرامات، وهي تثأر للأطفال وللأبرياء، ولكل من تنال منه الحرب الهمجية بأذى أو بنكبة في أهله أو بيته أو رزقه أو كرامته كإنسان. فما بالنا وما يحدث الآن في كل ناحية من نواحي عالمنا العربي، وما بالنا وهذا الفساد العام وهذا الانفلات المخيف لشهوة المال والتكبر في الأرض، وهذا التدهور في شعور التراحم والغيرة الإنسانية؟
صلاة الاستسقاء سنّة متّبعة ولا شك، لكنها مثل كل صلاة يجب أن تصدر عن قلب مؤمن، لأن “الأعمال بالنيات” كما جاء في الحديث الشريف، ولا يكفي لأهل هذا الزمن أن يصلوا طلباً للمطر إذا كانوا غارقين حتى رؤوسهم في الغفلات والمعاصي. وقد ذكر الله تعالى هؤلاء الناس في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وعنى بهم أولئك الذين يهرعون إلى التوبة والاستغفار عندما تصيبهم شدة، ولكن لا يلبثون أن يعودوا إلى ما كانوا عليه بمجرد أن يذهب الله تعالى عنهم ما كانوا يشكون منه.
وقد جاء في سورة يونس قوله تعالى: }وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ (يونس:12)
وقال تعالى يصف دعاء الغافل بقوله أيضاً }وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ{ (فصلت: 51).

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader