لَرُبَّما يلزمُك حجرٌ لِيَقظتِك

0 103

 

لَرُبَّما يلزمُك حجرٌ لِيَقظتِك

أحدُ رجال الأعمال الكبار والمُتخَم بالمالِ والمُمتلكات يسيرُ يوماً بسيارته الفارهة والباهظة الثمن، وإذ بحجرٍ يضربُ مؤخِّرةَ سيارتِه، فأوقفها ونزل مسرعاً ليتفقّد الضّرر الذي أصابها ومن فَعل ذلك؟
نظرَ يميناً ويساراً فإذا بولدٍ يقف إلى جانب الطريق، والظاهر أنَّه لَرُبَّما كان هو الذي رمى بالحجر إلى السيّارة، فأمسكه دافعاً إيّاه إلى جانب الحائط ثم رفع قبضة يده ليصفع وجهه مردِّدًا وقائلاً : يا لك من ولدٍ أزعر، لماذا قذفت سيّارتي بهذا الحجر، ألا تعلم أنّه سيكلِّفك أنت ووالدك مبلغاً كبيراً من المال..؟
انهمرت الدموع من عينيّ ذاك الصّبي، لكنّه تجاسر وقال: سيدي لا أدري ما العمل، لقد مرّ وقتٌ طويلٌ وأنا أحاول لفت انتباه أيِّ شخصٍ يمرّ من هنا لكن لم يكترث أحدٌ لي، ولم يتوقَّف أيّ شخص ليسألني ما بك وكيف أساعدك، ثم نظر وأشار بيده إلى الناحية الأخرى من الطريق وإذا بولدٍ صغير مرميّ على الأرض ثم تابع كلامه قائلاً : إنَّه أخي وهو لا يستطيع السّير فهو مشلول، وبينما كنت أقوده وهو جالسٌ على كرسيّه اختّل توازنه فإذا به يهوي في الحفرة من جانب الطريق، وأنا صغيرٌ وليس بمقدوري أن أرفعه مع أنني حاولت كثيراً. فهل من فضلك أن تساعدني وإنّي مستعدٌّ لأجلب لك ثمن ما تضرّر من سيارتك من والدي.
الرجل الثّري صاحب السيارة، وكأنَّه استفاق من غفلة بعد أن أصابته نوبة من التفكير والتأنيب لذاته مردّداً قائلاً بينه وبين خالقه: أحمده على عدم تَسرُّعي بضرب الولد وإهانته، ثم أسرع إلى الولد المشلول الساقط في الحفرة فأجلسه ووضعه في الكرسي ثم أخذ منديلاً من جيبه ليمسح جراحه والتراب الذي تعفّر به وجهه.

الولد الذي ضرب الحجر نظر نحو الرجل وقال: سيدي لا تَلُمني من جديد وإنني ذاهب إلى والدي كي أجلب لك ما تريد، وأرجو أن تنتظرني هنا إذ يلزمني بعض الوقت. هزّ الرجل برأسه مطوَّلاً وأجاب: أنا الذي سأعتذر منك يا بُنيّ، ثم قبّل وجنتيه قائلاً: سامحك الله، سامحك الله وإنني سأبقي سيارتي هكذا حتى إذا نظرت إليها أتذكّر خَطَئِي وأقول عسى ألّا يُضطرَّ شخصٌ آخر يرميني بحجر كي أنظر إلى حاله..
هنا أقول: أليست هذه العبرة تماثل حال الحِراك أو «الثورة كما يقولون» في وقتنا الرّاهن من ضرب للحجارة سواء أكانت للمسؤولين أم إلى سيّاراتهم أو حصارهم أو قطع الطّرقات أو رفع العياط أو الصّياح في وجههم؟ لكن المؤسف أنَّنا لم نرَ رجلاً أو زعيماً يماثل ذلك الرّجل، فيتوقَّف ثم يُضمِّد الجراح ويعتذر عمّا اقترفته يداه أو طمعه.

حقاًّ إنَّه بعد مشاهدتنا، وعبر التلفاز، لهؤلاء الشباب والشابات وجهدهم وعزيمتهم وتعرّضهم للمطر والإهانات من قبل السلطات العسكريّة، ورغم ذلك فهم صامدون مستمرّون في مواقعهم ومواقفهم كي تتحقّق مطالبهم وأقلُّها لقمة عيشهم، أمّا جشع المسؤولين السياسيين والمقاولين السّارقين، وحتى التجّار الكبار اللاّعبين بالدولار وسواه لإفقار الشّعب وجعل مصيره ومساره في مهبّ الرّياح ناسين ومتناسين، بل ضاربين عرض الحائط غير آبهين لصراخ هذه الفئة الكبيرة من شعبهم، فهمّهم الأوَّل فيما بينهم أن يُقالَ: فلانٌ يملك ملياراً وآخر يملك ثلاثة وذاك خمسة وهذا بنظرهم غاية الذكاء والمقدرة…
أخيراً لهذا الشعب المقهور والمُذَلّ، ونحن منهم، نقول: ما لكم غير الصّبر والثّبات ورمي الحجارة، وفي النهاية لا يصحّ إلاّ الصّحيح، والله تعالى حاضرٌ ناظرٌ ولكل ليلٍ نهاية.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader