مأثرة الشيخ سعيد هزّاع غانم

كيف يعامل الدّروز يتامى البدو بإحسان

0 52

كان آل غانم من العائلات التي هجرت لبنان في أعقاب النّصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوطّنت في خربة المشنّف الواقعة على أقصى الكتف الشرقي من مرتفعات جبل حوران المطلة بشموخ إلى الشرق على سهوب بادية الشام المترامية قبالة قممها..
وفي ذات عام من ذلك الزمن الذي يعود إلى نحو مئة سنةٍ ونيِّف؛ كان الشيخ سعيد هزاع غانم وهو أحد أهالي تلك القرية ذات الشتاء القارس البرودة (على ارتفاع 1530 م فوق سطح البحر) يتجوّل في الاراضي الواقعة إلى الغرب من المشنّف، كان همّه جمع ما يمكنه من فروع الأشجار اليابسة والحطب يخزنها للتدفئة في فصل الشتاء.

عند مرور الشيخ هزّاع بجانب رسوم هي بقايا مخيّم ومَراح لبدو مُرتَحلين (موقع كان البدو ينصبون فيه خيامهم ويأوون مواشيهم فيه)، سمع الشيخ الدّرزي أنينًا وبكاءً لأطفال صغار، فأخذته الدّهشة إذ لا أثر ظاهرًا لسكان ما. فتوجّه نحو جهة الصوت، وهو يتلفّت حوله حذرًا، اقترب أكثر، شاهد أطمارًا من قماش رثٍّ ملقًى على ما يبدو أنه أجساد آدمية لأطفال صغار، كان البكاء والأنين الموجع يصدر من تحت الأطمار. ترجّل الرجل عن دابته، واقترب متوجّسًا يتحرّى المكان، رفع الغطاء وإذ بثلاثة أطفال شبه عراة، ولد وابنتان؛ كان ذووهم قد ترحّلوا إلى الحماد الاردنيّة جنوبًا وتركوهم في المراح المهجور.

كان الصغار قد أصيبوا بمرض الجُدَرِي، ومن عادة البدو في تلك الأيّام أن يتركوا المريض الميؤوس من شفائه أكان كبيرًا أم صغيراً في المراح ويهربون بعيدًا خوفًا من العدوى، بعد أن يضعوا لهم ماءً وزادًا، وقد يعهدون بالمريض إذا كان عزيزًا إلى إحدى العجائز لتعنى بأمره ريثما يشفى أو يموت.
كان الصغار بحال متردّية من المرض والهُزال. لم يتريّث الشيخ، بل ترك كلّ ما جمعه من حطب وشيح أرضًا، ولفّ الصّغار بالأطمار، حملهم في عينتي خُرْجْ على الدّابّة وعاد إلى القرية مُسرعًا قبل أن يدركه غروب الشمس في تلك البريّة الموحشة التي قارب أن يدهمها الليل الجبليّ القارس البرد.
وصل الشيخ إلى القرية عند الغروب، ولم يَخْفَ أمره على الجيران القلائل الذين سكنوا القرية حديثًا. لاقته زوجته قائلة: ما هذا، ومن أين أتيت بهم؟، فسرد لها القصة وطلب منها أن تؤمّن للصغار مكانًا مناسبًا في زاوية من الغرفة التي تؤويهم. بحيث لا يكونون على مقربة من ولديهما الصغيرين.
فرشت السيدة للصغار فراشًا مدّدتهم عليه بعدما استعانت بالجيران الذين قدّموا لها ما يلزم من ملابس من حاجات صغارهم لستر عريهم، وأوقدت نارًا لتدفئة الأجساد النّاحلة التي هدّها المرض الوبيل، لكنّ بعض الجيران تخوّفوا من العدوى بعد أن لاحظوا نوع المرض الذي كان يرعب الناس في ذلك الزّمن حيث لا أدوية ناجعة في تلك الفترة.

اصرّ الشيخ سعيد على رعاية الأطفال ومداواتهم ولم يكن هناك من علاج متوفّر سوى النظافة القصوى وغَلْيِ الملابس والقَطِران وزهر الكبريت ورُقى الكتاب الكريم، ولم يلبث الصّغار طويلا حتى رُدَّت العافية إليهم على الرّغم من قلّة الموارد التي كانت تحاصر حياة الناس في بيئة يغلب عليها طابع الحرب وتكاد تكون منقطعة عن الحضارة في ذلك الزمن. مرت أعوام على قصّة الصغار،
وكانوا قد كبروا؛ فالولد بلغ نحو الرابعة عشرة، (كان الشيخ سعيد قد أسماه “زعل”) وحمّله كنية العائلة (زعل غانم) وذلك لشدّة (زعله) من ذويه الذين تركوه والطفلتين فريسة للوحوش والموت لمحتّم لولا أن تداركهم الله برحمته على يده، (اسم “زعل” هو اسم بدوي شائع)، وأعمار البنتين ضحاء وغبون 12 و11 سنة.

مع كرور الأيام تناقلت الرّكبان أخبار قصّة الشيخ سعيد وإنقاذه صغار البدو عبر البوادي، فوصل ذووهم بعد أن علموا بذلك إلى المشنّف. استقبلهم الشيخ سعيد غانم وكانت الديار قد عُمّرَت، والقرية توسّعت، وصارت أكثر أمنا ومنعة، فأنزلهم في مضافته. وبعد مداولة، تمّ التأكّد من وقائع المكان يوم الرحيل عنه ومن علامات العرافة والتحقّق من صلة الصغار بنسب ذويهم، أدرك الشيخ مطلب ضيوفه، فدعا وجهاء أهل القرية ليشهدوا على الفصل في حادثة ندرت مثيلاتها بين بدو وحضر، وبعد مداولة مع أقاربه من آل غانم قال الشيخ سعيد لضيوفه: ” نحن قمنا بواجبنا بما يرضي وجه الله، وما تمليه علينا قيمنا الأخلاقيّة وديننا… بما يخصّ البنتين هما عرضكم، وهما لكم، ومن حقكم ويمكنكم أن تأخذونهما معكم.

أمّا الولد “زعل”، فقد أصبح غُلامًا لديه قدر من الوعي، لذا فله حرّيّة الاختيار، إن أراد الذهاب معكم فبرعاية الله وله الحق بذلك، وإن أراد البقاء بيننا فهو مرحّبٌ به إذ أصبح من أهل البيت”.
وبعد سؤال زعل رأيه في الذهاب مع قومه أو البقاء بين الغوانم قال موجّهًا كلامه الى أهله: ” إنّكم تركتمونا للوحوش في العراء شبه عُراة، أمّا أبي؛ وأشار إلى الشيخ سعيد، فهو الذي أنقذنا وكسانا وأطعمنا وربّانا…”.
بموقفه هذا قرر زعل البقاء بين الأهل في المشنّف، ورضي آل البصيبص ذووه بقراره، ورحلوا حاملين الفتاتين، وبقي زعل في القرية والقليل من ناسها يعرف أنّه زعل البصيبص، بل هو عندهم “زعل غانم”، وعاش عمرًا مديدًا بلغ ستّة وثمانين عامًا، قضاها مع أبناء القرية التي نمت وتوسّعت حتّى أصبحت بلدة ومركز ناحية، وكان مُكَرّمًا كأيّ فرد من أهاليها، وتوفِّي في أوائل سبعينيّات القرن الماضي حيث كان في زيارة لعشيرته.

وعند وفاته ذهب الشيخ المرحوم حسن بن سعيد غانم ابن الشيخ سعيد هزاع غانم إلى عشيرة زعل (البصيبص) برفقة فريق من آل غانم، عزّاهم وشهد بما كان لزعل من صفات ومزايا طيّبة حيث كان مثالًا في حسن المسلك. أمّا ذووه فقد أجابوا بأن صفات زعل ومزاياه هي من زرع آل غانم وطيبهم… وشكروا لهم إنقاذهم للصغار في الماضي، وقد نظم أحد شعراء الجبل هذه القصيدة يصف الحالة كما تخيّلها، يقول:

قــــال الذي بِمْشاهَدِ الحال محــــزونْ

سَعيد بــــنْ هـــزاع المْكنَّـــا بِغانـمْ

بالبرّ رُحنـــا نِقطعِ السّهلْ وحْزونْ(1)

غَــــرْبِ المشنـفْ مَنْبت الشيحْ دايم

أَمْـــــرٍ جرى لَيْعَوّمِ القلب بِغبـُونْ(2)

 لــولا العزيمــة مـا اسْعَفتني القَوايمْ

عَيِّل(3) مْلَـوَّع بالحيــــاة شبه مدفون

 مَـــرمي مــع بنتيـن شبـه الحطايــم

ثـــلاثـةٍ للــرّيـــحْ والـبـــردْ يبـــكـون

 بديـــرةٍ قَـفْرة بـــها الـوحشْ حـــايم

يــــــابُعْد اَهَلْهم يـوم راحوايصرَخون

 فَرْش وغَطا أرض وسما مع سَقايم

وياويل أُمْ وْلادهـــا ما ينـــامـــــــون للطّيــر ويَّا الـــذّيب يغدوا غنـــــايم
حَمّـــــلْتهم بـالحال والدّمــــع مَـهتون  وْضَــمّيتـهم بـالقلـب ضمّ الحمــايـم
واَنـــــا لَحُبِّ الخيـر فاعـــل وممنون

 واَنـا لَــزِيم الحـــق عنـــد اللّزايـــم

 بــــالدار نــحمي كل قاصد ومغبون  نْعَذِّي الدَّخيل اِنْ كان بالـــدَّم عايــم
يـــوم الجمع ما بين طاعن ومطعـون إنْ مـــا حميتي الجـــار كوني هدايم
سَــــــوَّيتهم بَاهْلي وْوِلْـدي والعيـــون بايّام قَشْرَهْ، جُوعْ حَـــربٍ عظايـــم
عاشوا، شفـــاهم ربِّيْ حـــاكم الكــون واْكْسوا خَــوافـي رِيْشْهُـم والقـوايـم
مـــاهمَّني رفــــاقٍ عـليَّ يـــلومــــون رَبّيتـهم مــن خيــر رب الـعــوالـــم
مـــــن بعد مَـــرِّ سنين جونا يطلبـون قُــوْم البْصِيبِـص وِلْــدْهم للتّــــمايـم
اَعطيتهم بنتيـــن وضحا مـــع غْبـون وقلت لْـزَعَل خَلَّك علــى ما يـلايــم
قال زَعلْ والقــــول مــا يقبلْ ظْنــُون ما انتـم هَلِـيْ، أهلي دروز الغوانــم
سعيد غانم والدي يَا اللي تْنبُّـون (4) البْصيبص رماني رمي مثل السوايم
حُبّ الوفا أدعا زعل شبه مَرهــــون

للـــدّار وَاهْل الــدار ســيفٍ يْــقـاوم

وهكذا لم تزل هذه الحادثة أقصوصة خالدة في تراث الجبل الاجتماعي يتداولها الناس في مضافاتهم وبيوتهم …


(1) الحزون: المرتفعات.
(2) الغبون: الخسائر وما يترتب عليها من أحزان.
(3) عَيِّل: الطفل الصغير في لهجة البدو.
(4) تنبُّون: تخاطبون، لهجة بدويّة من نًبّأ، وهي لهجة يتقنها دروز الجبل.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader