ما هو مطلوبٌ الآن:

التكافُلُ الاجتماعيّ و“نَخْوَةُ الخَيْر”

0 115

لطالما عَصفت رياحُ الأزمات الصّعبة في أرجاء الكيان الوطني لِعِللٍ تُصيبُ النّظامَ السياسيّ فيه، وليس أوَّلها اضطراب العلاقات وتناقض الأدوار في مراحل مختلفة بين مكوِّناته، كما ليس آخرها الفجوة المُتفاقمة على الدوام في قلب الإدارة نتيجة إهمال الأخذ الصارم بمبادئ الفصل بين السلطات والتَّفعيل الحيويّ الدائم لأجهزة الرقابة والتفتيش والمساءلة.

اليوم، تتبدَّى الأزمة عن تصدّعات مَشهودة تُصيبُ الأسُس التي يجبُ أن تكون راسخةً للاستقرار الاجتماعي حيث إنَّ مؤشّرات الزلزال الاقتصادي لامَسَت الخطوط الحمراء وأكَّدت الحقيقة القاسية بإمكان تجاوزها إلى انهيار لا يَعْرِفُ أحدٌ بالغ مداه. وأقسى من ذلك ما تُرْهِصُ به التداعيات وأكثرُها تأثيراً مخيفاً هو الانهيار الفعلي للثّـقة عند فئاتٍ واسعة من الشعب بالأداء السياسيّ والإداري والمالي وما إلى ذلك من مؤسَّساتٍ.

لا مجالَ في أوقات الضِّيق المصيريَّة إلَّا في الحَثّ على روح المسؤوليَّة في كلّ المستويات. والمسؤوليَّة لا يرقى بجوهرها المعنويّ والإدراكيّ بل والأخلاقيّ إلَّا الالتزام الحكيم الرَّشيد والواعي السَّديد بمقتضيات الواجب الوطنيّ والإنسانيّ بل والضَّميريّ عبر المبادرة فوراً، كلٌّ في نطاقِه، إلى المساعدة في تحقيق التكافل الاجتماعيّ إلى أقصى حدود إمكاناته. ثمَّةَ أوضاع طارئة لا يُمكن أن تُعالَج بانتظار أن يُلْهَمَ من لهم شأن في الوضع الحكومي إلى الصَّواب، بل المُعَوَّل عليه في هذا الوقت، في أوساط مجتمعنا، هو التفاعُل الإيجابي الخلَّاق لكلِّ فعاليَّة اجتماعيَّة شخصيَّة وبلديَّة ووطنيَّة عامَّة قادرة على العطاء أو المبادرة إليه عبر خطط ميدانيَّة فوريَّة واقعيَّة ومدروسة وفعَّالة، مع البيئات المحليَّة والأوساط الواقعة تحت وطأة الصُّعوبات الاقتصاديَّة، للقيام بما يتوجَّب علينا جميعاً القيام به، وهو الخدمة النزيهة، والمساعدة وفق الإمكان، ودعم كلّ الآليَّات الناتجة في هذا المجال لرفع الأعباء، وتخفيف وطأة الأزمة وما يُمكن أن يتولَّد عنها عن مجتمعنا.
ونرى، ولله الحمد، خُطواتٍ لها شأنها في هذا القصد، من قيادات ومؤسَّسات وحتى أفراد، والمطلوب الدَّفع نحو دورة متكاملة في كلِّ البنى الاجتماعيَّة التي لها دورها من دون أدنى شكّ، من الجمعيَّات في كافَّة المناطق، إلى المجالس، إلى الأندية والرَّوابط العائليَّة وما شاكلها. إنَّ الأمرَ الطارئ يعلو فوق كلِّ غرضيَّة، فالخيْر لا نسبة له إلَّا الخيْر عينه. والواجب أن يرتبط كلّ نشاط لكلِّ مبادرةٍ خَيِّرة بالنزاهة والمصداقيَّة العمليَّة والقصْدُ المُخْلِص هو خشبة خلاصٍ مهما قَست الظروف واشتدَّت العواصف.

إنَّ السَّعي في هذا السَّبيل هو أمرٌ مُبارَك، مرتبطٌ بكلِّ قِيَم الخير والمعروف والشهامة والمروءة التي طالما كانت ذخيرة الموحِّدين في كلِّ الأزمنة. إنَّ مجتمعنا، خصوصاً في الأوساط المتعثِّرة اليوم، بحاجةٍ إلى نور هذا الأمل عبر النتائج العمليَّة لـ «نَخْوَة الخير». وكم تعظُم بَرَكةُ هذه الحركة أمام ما يُضادُّها من التباسات وشائعات. إنَّ النقـدَ السليم هو نقد يتوخَّى الخيْر الأفضل، لكنَّه إذا بُنِيَ على افتراءات وأغاليط وظنون وأحقاد فإنَّه لا يعدو كونه معاول هدمٍ في زمن كالح. ولا يجب في كلِّ حال أن يكون هذا الخِيار عند البعض عائقاً أمام أيّ عملٍ إيجابيّ بنَّاء خَيِّر. ولا أمرَ أفضل أمام الله تعالى يوم الحق من العمل الصالح في سبُل الخيْر.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader