مرستي

مرستي

جانب-من-قرية-مرستي
0 174

مرستي بين الأمس واليوم

ثغرة مرستي طريق القوافل لها تاريخ طويل
مخفر عثماني وعواصف ثلجية تقطع الطريق

موقع مرستي الحصين جعلها ملجأ الزعماء في الشدائد
وطريق المسافرين والبضائع والثوار بين صيدا والشام

بحيرات جمع الأمطار أحيت زراعة الفاكهة
وتربية النحل تدرّ عسلاً طيباً ودخلاً إضافياً

مـرستي قرية من قرى الشوف في محافظة جبل لبنان، تقـع على هضبة متدرّجة في سفح جبل مـرسـتي وتجمعها حدود مشتركة مع معاصر الشوف والخريبة شمالاً، وبعذران غـرباً، وجباع الشوف جنوباً، وصغبين وعيـن زبدة في البقاع الغربي شرقاً. مناخها بارد في فصل الشتاء بسبب ارتفاعها ما بين 1250 و1300 م عن سطح البحر. وبسبب ذلك فإن شتاء القرية يتخلله تساقط الثلوج التي تكسو جبل مرستي بحلة بيضاء في فصل الشتاء وتأخذ القرية نصيبها أيضاً وقد تتسبب كثافة الثلج أحياناً في قطع الطرقات منها وإليها عدة أيام، لكن مناخ القرية معتدل في فصل الصيف بسبب ارتفاعها وكثافة الأشجار الحرجية وأشجار البساتين المثمرة. تقع مرستي ضمن قرى محميّة أرز الشوف، وهي تحتضن معالم وآثاراً تاريخية عدة لكن أبرز معالمها الحاضرة ساحتها ومبنى العين الذي يتوسطها ويرتفع فـوقه تمثال للمعلّم كمال جنبلاط، أُنشـئ في العام 1978.

نمو سكاني
في بـداية القرن السادس عشر، أجرت الدولة العثمانية إحصاء لسكان القرية لغرض جباية الضرائب، وقد بلـغ عـدد سكان القرية حسب ذلك الإحصاء 39 شخصاً من الذكور، من سن 15 سنة حتى 60 سنة، وهؤلاء هم المكلّفون بدفع الضرائب. ولـم تُحصَ النساء والشيوخ والأطفال. ومن خلال إحصاء أجرته مديرية الشوفين في عهد المتصرّفية سنة 1910م، كان عـدد سكان مرستي (232) نسمة، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، منهم 104 من الذكور و 111 من النساء و 17 شخصاً من المهاجرين إلى المغتربات الأميركية في الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين. بالطبع الأمر اللافت هو ما يبدو من ضآلة عدد سكان القرية في مراحل تاريخية غير بعيدة وربما كان ذلك بسبب تعمد بعض الأهالي ولا سيما الشبان منهم التغيب عن الإحصاء خوف التجنيد وفي الوقت نفسه لاجتناب الضرائب المرهقة. أمّـا الآن فيبـلغ عـدد سكان مرستي حوالي ألفي نسمـة وعـدد الناخبين حسب لوائح الشطب الصادرة عن وزارة الداخلية 1,137 ناخب. أمّـا عائلاتها فهي: الدبيسي، زيدان، بشنق، أبوعلي، الحلواني، كنعان، عبد القادر، عـزّام، حمـزة والقاضي.
تبعد مرستي عن العاصمة بيروت نحو 70 كلم ويمكن الوصول إليها عبر طريق الدامور-كفرحيم- دير القمر- بقعاتا الشوف مروراً بالمختارة وصعوداً نحو الخريبة فمرستي. ويمكن أيضاً سلوك طريق كفرحيم– بعقلين عبر ديردوريت ثم أخذ طريق بقعاتا المختارة الخريبة المبين آنفاً.

أصل التسمية
تعـود تسمية مرستي Mristi إلى اللغة الفينيقيّـة، وتعني نعجـة صغيرة (شاة) والنسبة إليها إرث من جذر (يرش)، يقابلها في العربية ورث. ورد هذا الإسم في التوراة سـفر ميخا، وهي مدينة النبي ميخا2. عرفت خلال حكم الإمارة التنوخية بإسم المريستة3، ممّـا يؤكد وجودها قرية آهلة بالسكان منـذ بـداية تواجد التنوخيين واستقرارهم في هذا الجبل وهي مـن قرى الشوف الأعلى وكان يطلق على هذه المنطقة الشوف الحيطي، وعلى منطقة الشوف: جبل الشوف، جبل الـدروز، بـلاد الـدروز، شـوف إبن معن، والشوف التابع صيـدا المحروسة. وخلال العصر الوسيط، وأثنـاء وجود الإفرنج الصليبيين واحتلالهم لبلادنا، كانت قرية مرستي وقرى عديدة في الشوف وجـزّين تابعة لقطاع الفرسان التوتونيين، الذين كانوا تابعين بدورهم إلى سـنيوريّـة صيدا4، وخلال العهـد الشهـابي العثمـاني كانت مرستي تابعـة لعهـدة آل جنبلاط.

ثغرة مرستي
شكلت قرية مرستي منذ القدم صلة وصل بين بلاد الشوف ووادي التّيـم، ومحطّة على طريق برية رئيسية كانت تنطلق من صيدا نحو الشوف وصولاً إلى البقاع ثم دمشق. وكانت تلك الطريق تمـرّ عبـر ممـرّ جبلي كان يسمى «ثغـرة مرسـتي» وهو منخفض منبسط على سطح جبل مرستي يشرف على سهل البقاع شرقاً، وعلى منطقة الشوف غرباً وتمـرّ في وسطه طريق المسافرين الرئيسية التي تنطلق من صيدا إلى دمشق عبر جبال الشوف ثم سهل البقاع. كان القوافـل والمارة والمكارون تتخذ الطريق نقطة استراحة من عناء السير بينما أقام العثمانيون فيها مركزاً عسكرياً لأغراض مراقبة حركة السفر ونقل البضائع وقد استمرّ المركز حتى نهاية عهد المتصرّفية. وعلى هذه الطريق نفسها كانت المارّة والمكارون والقوافل يتعرضون للعذاب والمعاناة أثناء العواصف الثلجية التي كانت تضرب المنطقة في فصل الشتاء. وكان أهالي مرستي في حال تأهب دائم لتلبية نـداءات الإستغاثة من المسافرين وكانوا غالباً ما يحضرونهم إلى منازلهم في القرية ويقدّمون لهم الطعام والتدفئة والمنامة والعلف لمواشيهم، وكان هؤلاء يمكثون في مرستي أياماً عديدة بانتظار انقشاع العاصفة وعودة الطريق إلى حال تسمح بمتابعة السير.
فـي سنة 1400م، سلك هـذه الطريق سلطان المماليك فـرج بن برقوق مـع حاشيته ومرافقيه، أثناء عودته من دمشـق إلى مصر. وفي سنة 1436م، سلكها أيضاً الأمير صالح بن يحيى التنوخي أثناء عودته من دمشق إلى عبيـه5.

طريق الثوار
وخـلال العهد العثماني كان أهالي الشوف وغيرهم يسلكون هذه الطريق إلى جبل حوران في سوريا ذهاباً وإياباً للهجرة وإحضار الحنطة وإرسال النجدات الحربية لسكان الجبل الذين كانوا عموماً من الذين هاجروا من لبنان وتربطهم بأهله علاقات قربى وعصبية، وبقيت هذه الطريق تستخدم من قبل المارة والمكارين، حتى بعـد الحـرب العالميّة الثانيـة.
في سنة 1958، عندما قاد الزعيم كمال جنبلاط إنتفاضة مسلّحة ضـد حكم رئيس الجمهورية كميل شمعون، كان الثّـوار يسلكون هذه الطريق إلى سوريا وقرية دير العشائر الحدودية، لإحضار الأسلحة والذخائر، كما سلكها مجاهدو الجبل الذين حضروا من سوريا لدعم أخوانهم والزعيم كمال جنبلاط في الانتفاضـة المسلحة.
وخلال العهد الشهابي العثماني، هاجرت أسر عديدة من لبنان إلى جبل حوران، واستقرّت هناك بصورة نهائية، وبـدأ حصول زواج بين هذه الأسـر وأقاربهم في لبنان. فكانوا يحضرون العروس من جبل حوران إلى ثغرة مرستي، ويكون أهل العريس بإنتظارهم في الثغرة، يمضون ساعات في الثغرة يرقصون الدبكة ويتناولون الطعام والحلويات، ثـم يعود كل إلى بلده. إستمر هذا التقليد لسنوات عديدة، وتوقّف مـع بداية الحرب العالمية الأولى.6

العيــن
العيــن

حـارات مـرسـتي
كانت قرية مرستي تتألّف من حارتين. «الحارة الفوقا» والتي تنتشر بيوتها حـول الساحة، وتمـرّ وسطها طريق المارة الرئيسية، مـن معاصر الشوف والخريبة إلى جباع الشوف ونيحا، وعلى العكس، و«الحارة التحتا» تحيط بيوتها بالساحة التحتا التي يطلق عليها (ساحة الجامع)، حيث كان يوجد جامع في هذه الساحة وهو أمر كان قائماً في العديد من القرى في ظل الحكم العثماني، وكان سلاطين بني عثمان المتمسكون بأهداب الشرع يحرصون على التزام رعاياهم فرائض الإسلام ولا سيما الصلاة وصلاة الجماعة وكانوا لذلك يحرصون على بناء الجوامع في القرى حتى النائية منها مثل مرستي. ففي سنة 1537م تلقى كل ولاة الدولة العثمانية أمراً صادراً عن السلطان العثماني يقضي بإلـزام كل قرية ببناء جامع، وإلتزام الولاة تأديـة صلاة الجمعة مع المؤمنين7.
أمّـا البيوت في مرستي، فقد بـدأ تطوّر بنائها في نهاية القرن التاسع عشر بسبب الهجرة وتحويل الأموال من المغتربين، وبقيـت أسطح المنازل ترابية نـظراً إلى صعوبة إيصال مواد البناء (الحديد والترابة) إليها. لكن منذ حصول زلزال سنة 1956، وبعـد أن وصلت طريق السيارات حينذاك إلى المرج الشرقي قرب مرستي، بـدأ تـرميم المنازل القديمة وبناء منازل بشكل هندسي حديث. وخلال العشرين سنـة الأخيرة، بــدأ تجميـل الأبنية وتلبيسها بالحجـر المنحـوت والمبـوّز، والقناطـر الحجـرية، والحـديد المطروق، وأسـطح القرميد..

الــزراعــة
كانت قرية مرستي كغيرها من قرى الجبل تعيش على الزراعة وعلى تربية دود القـزّ لإنتاج شرانـق الحرير، وتربيـة المواشي، وكان السكان بعد الانتهاء من الحصاد ومواسم الغلال يخزنون المـؤن وحطب التدفئة لفصل الشتاء والذي كما يستذكر العديد من المسنين كان يأتي أكثر قساوة من اليوم ربما بسبب التغير المناخي، وكانت الثلوج تضطر السكان لملازمة بيوتهم لأيام وأحياناً لأسابيع فكان لا بدّ بالتالي لكل منزل من أن يكون مجهزاً بالمؤن وحطب التدفئة وربما بصيدلية أعشاب صغيرة إتقاء للرشح ولمعالجة بعض الحالات البسيطة.
لكن الزراعة أهملت تدريجياً بسبب الإنتقال إلى العمل الوظيفي، في بعض المؤسسات الرسمية والخاصة، والمؤسسات العسكرية، وتعاطي بعض المهـن، واضطرّت أسـر عديدة من مرستي للنزوح إلى المدن، والهجرة إلى بلدان الإغتراب، بهدف كسب الرزق وتعليم الأولاد. وقد أصبحت الوظائف حالياً المـورد الأساسي لمعيشة الآهلين، مع العلم أنه لا يـزال هناك بعض المزارعين في مرستي يهتمّون بالزراعـة وإنتاج بعض الفواكه والخـضار. وخلال السنوات العشر الأخيرة حصل نوع من النهضة في النشاط الزراعي وعاد قسم من السكان إلى الاستثمار في استصلاح الأرض وبساتين الفاكهة، وقد شجعهم على ذلك إنشاء بحيرات مخصصة لتجميع مياه الأمطار في فصل الشتاء، وهذه المياه تستخدم في ريّ المزروعات خلال فصل الصيف وفق نظام تشارك معين. وقد استخدمت البحيرات أحياناً في نشاطات سياحية وبيئيّة مختلفة بما في ذلك مراقبة الحيوانات والطيور المحلية والعابرة. لكن رغم هذه الصحوة الزراعية، فإن إنتاج الأرض ما زال يمثل مصدر دخل إضافياً ولا يوجد في الحقيقة من هو معتمد كلياً في عيشه على العمل الزراعي كما كانت الحال من قبل. أمّـا زراعة القمح فقـد أهملت نهائياً، وأصبحت الأراضي السليخ أرضـاً بـوراً، ولـم يعـد من وجود للبيادر.
قــال أحــدهــم:
بيــــدركـــن كـل مـــــن زارو بيـــــرجــــع دوخـــــان حمـــــارو
صــار البيـدر بيـدر شــوك والمــــورج طـــــارو حـجـــــــــارو

بحيرات تجمع الأمطار أدت إلى تنشيط القطاع الزراعي
بحيرات تجمع الأمطار أدت إلى تنشيط القطاع الزراعي

العـلاقـات الإجتمـاعيّـة في مـرســتي
تميّـز أهالي مرستي خلال تاريخهم الطويل، بالرجولة والشجاعة وإغاثـة الملهوف وكـرم الضيافة، وكانت للضيافة بشكل خاص مكانة الصدارة في عادات السكان الذين كانوا حريصين على عقد أواصر الصداقة والتزاور مع أبناء القرى والبلدات القريبة والبعيدة. ونمت في مرستي علاقات بين العائلات. والجيرة كانت تتميز بالتعاضد والتعاون في أمور الحياة مثل «استقراض» الخبز أو «الدسـت» وهو الوعاء النحاسي الكبير المستخدم في الطبخ والطناجر والصدور النحاسية، وحتى الخميرة و«روبـة» اللبن كان يتم تبادلها أحياناً بين الناس الذين كانوا أشبه بأسرة واحدة.. وكان إذا تعرّض أحـد في القرية لمكروه أو مصيبـة يهب الجميع للإطمئنان عليه وعرض المساعدة والمواساة، كما إن مناسبات الأفراح والأتراح كانت تفرض المساهمة والتعاون من قبل الآخرين. هـذه المناسبات تجمع شمل الآهلين. وللمآتم كما هو معروف حرمتها وآدابها إذ يحرص الناس على مشاركة أهل الفقيد مصابهم مع غيرهم من أبناء القرى الذين قد يتوافدون من أماكن بعيدة لأداء واجب التعزية، ومازالت لهذه العادات التضامنية وظيفة أساسية في مجتمع الجبل هي تجديد روابط القربى والنسب وتأكيد اللحمة «العشائرية» بين بني معروف وهي لحمة تظهر في أحلى صورها في الملمات وعندما يلوح في الأفق أي خطر على الوجود أو تهديد للأرض والعرض.
ومن أشكال هذه الروابط التضامنية «العـونـة» وهي المساعدة الجماعية التي يسديها أهـالي مرستي لبعضهم بعضاً عندما يحتاج أي منهم للقيام بأعمال تتطلّب أيـادي كثيرة لإنجازها. وفي «العونـة» تتجلّى روح التعاون التي تفرضها عليهم الحياة الجبلية الزراعية. هـذه الأعمال، أورثت إطاراً فعالاً لتبادل الخدمـات والمساعدات والتضامن وحسـن الجوار. وهي من العادات المتأصّلة والمتوارثـة في مجتمعنا الجبلي.
لكن ورغم أجواء المودّة والتعاون فإن هناك دوماً في القرية ما قد يؤدي إلى تعكير الأجواء ولا يوجد في الحقيقة سبب لبروز النزاعات بين أهل القرية مثل الخلاف على الأرض العزيزة بالنسبة لأهل الجبل. والخلافات على الأراضي الزراعية قد تنشب بسهولة بسبب تداخل الأراضي وعدم وضوح تخومها، وقد ينشب الخلاف على سقاية المزروعات، أو بسبب الميراث، ولا ننسى خلافات الحَمَاة والكنّة التي قد تنتقل بسهولة إلى عائلتي الزوجين بسبب انتصار كل عائلة لأحد منهما. لكن كما إن في المدينة قوى أمنية وفرق تدخل فإن للقرية أيضاً فرقة التدخل الخاصة بها وهي لا تضم رجال أمن بل قد تضم بالدرجة الأولى المختار وبعض الوجهاء الذين لهم «مونة» وهؤلاء يلقون بثقلهم لتهدئة المشاعر والدعوة إلى التعقل ولعن الشيطان وهم غالباً ما يفلحون في عقد المصالحـة وإعادة مياه العشرة والقربى إلى مجاريها.
أمّـا الخلافات السياسية فهي متجذّرة بين السكان، وقد لا تظهر علناً لكنها كامنة غالباً مثل النار تحت الرماد يمكن لاي ريح مفاجئة أن توقدها، وقد كان أهالي مرستي كسائر أهالي قرى الجبل، منقسمين إلى حزبيتين، الحزبية القيسية والحزبية اليمنية. لكن معركة عين دارة سنة 1711م أدت إلى القضاء على الحزب اليمني فتشتت أنصاره وهاجر معظمهم إلى جبل الدروز في سوريا، وأنفرد القيسيون بزعامة آل شهاب بحكم الجبل. بعـد ذلـك، عمد الشهابيون ابتداء من عهد الأمير ملحم الشهابي (1729-1754م) إلى افتعال إنقسام جديد بين حزبيتين جديدتين هما الحزبية الجنبلاطية والحزبية اليزبكية، وكان هدفهم إضعاف شوكة الأمراء الدروز والحؤول دون اتحادهم فيخلو لهم بذلك حكم الجبل، وبالفعل انقسم سكان الجبل بين مؤيد للحزب الجنبلاطي ومؤيد للحزب اليزبكي وأطلقت على هذه الحزبيات إسم (الغرضيّة)، لكنها كانت ولاءات عشائرية وبعيدة كل البعد عـن رابطة الحزب بمفهومها الحديث.
كانت الغرضية تفعل فعلها بين السكان، في أجواء مشحونة بالميول السياسية، وكان يحصل تحـزّب بين العائلات والأفراد، بسبب مرشّح للإنتخابات ، ممّـا يؤدي إلى حصول شجار وتقاتل بالعصي والحجارة والسكاكين. وفي هذه الحالات فإن منطق القبيلة أو العشيرة يغلب على لحمة القرية التي تجد نفسها أحياناً منقسمة ومتناحرة حول أمور لا تغني ولا تسمن من جوع. لكن العصبية المتأصلة في أبناء الريف يظهرونها أحياناً في صورة ولاء سياسي وأحياناً في صورة ولاء حزبي أو ولاء لشخص. وإبن القرية معروف بميله للنكاية بجاره والتشفي منه عندما يحقق حزبه إنجازاً أو انتصاراً انتخابياً مثلاً وهـذا ما عبّـر عنه الأديب سعيد تقي الدين بقوله: (غريب كيف يتثقّف الواحـد منّا، ويدرس ويطالع ويغترب، ويخالط المتمدنين من البشر ثـمّ هـو إن إنكفأ إلى قريته، عـاد يمارس بين ربعه السلوك القروي بذهنية القـرن الماضي وعقلية العهد العثماني).8 واستمـرّ التحـزّب للجنبلاطية واليزبكيـة في مرستي حتى بـداية أحـداث سنة 1975.

بوسطة شاهين
في الماضي لم تكن هناك في مرستي طرقات ولا سيارات، كان أهالي القرية ينتقلون سيراً على الأقدام أو يستخدمون ظهور الحيوانات (الخيل والبغال والحمير) كوسائل للنقـل. وفي سنة 1920، إقتنى السيد شاهين عابد من المختارة سيارة «فورد أبو دعسـة» فكان الركاب يأتون من مرستي والقرى المجاورة، إلى المختارة ليستقلّوا السيارة إلى بيروت. وفي سنة 1935، استبدل السيد شاهين سيارته الفورد بحافلة لنقل الركاب كانت تسمى بلغة أهل القرية «البوسـطة».9 وكانت البوسطة تبيت في قرية باتر وتنقل الركاب من القرى التي كانت على خط سيرها إلى بيروت، وكان القادمون من مرستي ينتظرونها في عماّطور، ثم تمّ بعد ذلك تسيير حافلات ركاب أخرى من عماطور ونيحا وبعذران فأصبح أهالي مرستي يحضرون إلى بعذران أو الخريبة للإنتقال بالبوسطة إلى بيروت. وفي سنة 1965، إقتنى السادة زيدان أحمد زيدان وقاسم أحمد زيدان من مرستي، ونجيم نجيم من معاصر الشوف، بوسطة كانت تنقـل الركاب يوميّاً من مرستي والخريبة والمعاصر إلى بيروت وعلى العكس. واستمرت البوسطة في الخدمة لمدة عشر سنوات وتوقفت سنة 1975، بسبب انـدلاع الحرب الأهلية، أمّـا الآن فقد أصبح معظم السكان يملكون سياراتهم الخاصة وذهبت بالتالي أيام البوسطة ومسامراتها.

مزرعة الشاوية على مدخل مرستي
مزرعة الشاوية على مدخل مرستي

آلام الحـرب الأولى
وقعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وعانى أهالي مرستي وأهالي الشوف من هذه الحرب الشيء الكثير إذ قامت الدول الحليفة، ومنها بريطانيا وفرنسا، بحصار بحري على الشواطىء، ومنعت وصول المواد الغذائية المنقولة بحراً، وتوقف ورود الأموال المرسلة من المغتربين إلى ذويهم، الأمر الذي ضاعف من اشتداد الأزمة. كما فرضت السلطات العثمانية نظام التجنيد الإجباري (سفربرلك). وحددت رسم الإعفاء 44 ليرة ذهبية عثمانية. ومنع الأتراك نقل الحبوب لتوفيرها لجيوشهم، كما أقدمـوا على استبدال العملات الفضية والذهبية بالعملات الورقية. فهبطت قيمة النّقد وارتفعت الأسعار إرتفاعاً فاحشاً وأصبح يباع رطل الخبز بليرة ذهبية عثمانية. وفي ربيع سنة 1915، اجتاح الجراد منطقة الشوف، فأصاب مرستي من أضراره الشيء الكثير إذ التهمت أسرابه كل ما هو أخضر من الأشجار والنبات، وقضى على المواسم والغلال، فهاجرت عائلات عـديدة من مرستي إلى جبل الدروز في سوريا لتأمين معيشتها. وبعـد إنتهاء الحرب عـادت أسر إلى مرستي بينما استقر البقية في سوريا بصورة نهائية.

مـلجـأ الثـوّار والفـارّين
شكّلت قرية مرستي وشاويتها10 وجبلها موقعاً حصيناً وملاذاً للثوار والفارين من وجـه الحكام، كما إنها كانت ملجأ آمناً للمشايخ الجنبلاطية في الأحداث العصيبة، وحين تتـعذّر مقاومة الأمير الشهابي أو والي صيدا، سبب ذلك هو الموقع الحصين للقرية وإشرافها على معظم الشوفين واتصالها بقرى الخريبة والمعاصر فالباروك من جهـة، وبالخريبة بعذران حيث قصر آل جنبلاط، وعماطور حيث الثقل السياسي للجنبلاطيين. لذلك اضطرّ أولاد الشيخ قاسم جنبلاط سنة 1794، للإنسحاب إلى مرستي والتحصّن في شاويتها، عندما اشتدّ الضغط عليهم من أولاد الأمير يوسف الشهابي ومدبّرهم جرجس باز، ووالي صيدا أحمـد باشا الجزّار، في الصّراع الذي كان محتدماً بين القطبين الشهابيين، الأمير بشير قاسم الشهابي، وأولاد الأمير يوسف. وكانت مرستي المحطّة المتقدّمة لتصعّد وادي التيم والإختفاء فيـه، وكذلك الشيخ حسن جنبلاط عندما أخرجه الضغط الأمني والسياسي من منطقة الشوف كان جبل مرستي هذه المرّة أيضاً، ملاذاً آمنـاً له.
في عهد الإنتداب الفرنسي، وفي بداية عهد الإستقلال كان الثوّار يلجأون إلى مرستي للإختباء في منازلها وفي جبلها، هرباً من العساكر التي كانت تلاحقهم. أو للإستراحة من عناء السير أثناء ذهابهم إلى البقاع وسوريا والأردن وفلسطين، وأثناء عودتهم منها. وقـد عانى أهالي مرستي أشـدّ أنواع القهر والعذاب من قبل رجال الجندرمة، بسبب لجوء الثوار إليها، وأيوائهم وتقديم المساعدة لهم. وكان رجال الجندرمة يحضرون إلى مرستي في كل مـرّة مجموعات، ثلآثين أو اربعين عسكرياً يقومون بتفتيش المنازل وتوقيف الأشخاص ويفرضون على الآهلين غرامات مالية، وتقديم الطعام والمنامة لهم والعلف لخيولهم.

آثار القرية والينابيع
تـزخـر قريـة مرستي بالمعالم الأثرية والطبيعية منها: «عين الغابـة» و«عين التحتي» والسنديان الروماني و«عين ياقوتة» والمعصرة والجسر القديم والبرك الزراعية وتمثال للمعلّم كمال جنبلاط و«نبع جعيتي» الواقع على حدود الأراضي بين مرستي وجباع.

عيـن الغابـة: هي العين الرئيسية لقرية مرستي وكان أبناء القرية ينقلون منها الماء إلى منازلهم، للشرب والإستعمال المنزلي وسقاية المواشي، والفائض منها يجمع في صهريج يستخدم لري المزورعات. وتقسم مياه الري بين المزارعين كل بحسب ملكيته. وقد جـرى تجـديد بناء العين سنة 1812م، من قبل الشيخ بشير جنبلاط (1775-1825)، وأرّخ بناءها الشاعر نقولا الترك بأبيات شعرية محفورة على بلاطة ومثبتة داخل قنطرة العين، لم تزل موجودة حتّى تاريخـه. وفي سنة 1952، تمّ جـرّ مياه العين إلى ساحة القرية في مرستي وبناء خزّان مع مصبّ للمياه وقنطرة هندسية. ونظراً إلى عذوبة مياه هـذه العين وجمال موقعها، كان الأمير بشير الشهابي الثاني، والشيخ بشير جنبلاط، وبعد ذلك الشيخ سعيد جنبلاط، يقومون برحلات صيد إلى مرستي مع الأصدقاء والمرافقين، فتحمل الأسلحة والفرش وأدوات الطهي والضيافة، والخيام والشوادر والصواوين وتنصب قرب العين، (لم تزل المحلة يطلق عليها جلّ الصيوان)، يصطادون في كل مرّة مئات الطيور من أنواع الحجال وغيرها والحيوانات البريّة ويمضون في مرستي أيّاماً عديدة.
في أمسيات الربيع والصيف كانت الصبايا يذهبن إلى العين، حاملات الجرار الفخاريـة على أكتافهن لإحضار المياه، وهـنّ بأبهى زينتهن. وكان الشبّان يتابعون الصبايا وأحياناً يعجبون بإحداهن مما يـؤدّي إلى الخطوبة والـزّواج. ودروب العين في القرى اللبنانية لهـا شهرتها، تـروى عنها قصص وحكايات.
قال الشاعـر عبدالله العريضي:
وبـاقـة صبايـا بـلــيلـة القمــرة يحكـــــوا الحكــــايـا عـ طـــريــــــــق العـــين
وعـكتـافـهـن تتـغـنّـج الجــــــرّة وتـقــــــــــول الـلـــــــه يجـمــــــع القــلبــــــــين

” أين حقول القمح؟ ماذا حصل للبيادر؟
هجرة السكان إلى المدن أقفلت التكميلية  “

مرستي تحت الثلج
مرستي تحت الثلج

تاريخ مدرسة
كان تعليم الأولاد في الماضي يتـمّ في «مدرسة السنديانة» حيث يكلّف شخص يجيـد القراءة والكتابة بتعليم الأولاد القراءة والكتابة والحساب وحفظ بعض النصوص الدينية.
في سنة 1927، افتتـح أهالي مرستي مدرسة خاصة لتعليم أولادهم، وفي العام التالي صدر مرسوم عن حاكم لبنان الكبير، المفوض السامي الفرنسي،للترخيص لهذه المدرسة، نشر المرسوم في الجريدة الرسمية الرقم 2139 تاريخ 6/2/1928، كان الطلاب يجلسون على أرض الغرفة، وكل طالب يصطحب جلد خروف للجلوس عليه. كان يطلق على المدرّس لقب «معلّـم» شـأن كل صاحب مهنة في ذلك الحين. وكان «المعلم» يتقاضى أجره من أهالي الطلاب، ويتناول طعام الغداء والعشاء في منازل الأهالي يومياً ومداورة بالإضافة إلى هدايا من المؤونة، مثل التين المجفف والزبيب ودبس العنب والعسل وغير ذلك. ويعتبر متعلّماً، مـن كان يجيد القراءة والكتابة، ويعرف الأقلام الأربعة وهي: الجمع والطرح وحفظ جدول الضرب والقسمة. وكان بعض الرجال يتباهى بوضع أقلام الحبر في جيب السترة الأمامية كي تظهـر للعيـان.
في سنة 1948، أصبحت المدرسة (مدرسة رسميّة)، تابعة لوزارة التربية الوطنية. جهّزت بطاولات ومقاعد خشبية لجلوس التلامذة، ولوح أسود يكتب عليه بالطبشور، وطاولة وكرسي للمعلّم، الذي أصبح يطلق عليه لقب «الأستاذ».
في سنة 1960، إفتتحت جمعيّة رعاية الطفل، التي كانت ترأسها السيدة زهيّة سلمان مدرسة في مرستي لتعليم الأطفال عهد بإدارتها والتعليم فيها إلى الشيخة أم حكمت زرافه توفيق بشنق وكانت تعلّم الصبيان والبنات واستمرت في هذا العمل نحو عشرين سنة.
في سنة 1985، أصبحت مدرسة مرستي الرسمية مدرسة تكميلية، تمنح الشهادة المتوسطة (البريفيه)، بعـد أن تـمّ إنشاء بناء جديد، وتجهيزه بجميع المسلتزمات، والجهاز التعليمي اللازم. لكن هذه المدرسة أقفلت مؤخراً من قبل وزارة التربية، بسبب عدم وجود العدد الكافي من الطلاب، وبات الآهلون يرسلون أولادهم الى المدارس الرسمية والخاصّة في المختاره وبقعاتا وبعقلين وغيرها. سبب نهاية هذا الصرح التعليمي هو الهجرة ونزوح قسم كبير من الأهالي منذ ستينات القرن الماضي إلى بيروت طلباً للعمل وبالطبع فقد لجأ هؤلاء النازحون إلى تعليم أولادهم في المدن والكثير منهم ذهب إلى الجامعات وعاد إلى القرية بالإجازات الجامعية وبشهادات الماجستير والدكتوراه.
البــلـديّــة
أُنشئَت البلدية في مرستي سنة 1973، وبـدأت بتنفيذ بعض المشاريع الضرورية حسب ميزانيتها المتواضعة. وبما أن مرستي كانت تعاني من وجود الحفر الصحّية، خاصة القريبة من الطرقات العامة، قامت البلدية في سنة 1973، بتنفيذ أوّل خط للصرف الصحّي يمتـد من الساحة إلى أسفل القرية ويصبّ في قعر الوادي. لكـن أعمال البلدية توقّفت سنة 1976، بسبب إندلاع الحرب الأهلية.
وفي سنة 1983، تأسست الإدارة المدنية في الجبل، وعيّنت لجنة في مرستي قامت بتنفيذ أقسام من مشروع الصرف الصحي، بتمويل من الإدارة المدنية، وتبرعات جُمعت من أهالي مرستي.
في سنة 1998، وفي الدورات الإنتخابية البلدية التي تـلت، أنتخب الدكتور ناصر زيدان رئيساً للمجلس البلدي، ونائباً للرئيس الأستاذ صبحي الدبيسي، وبعده الشيخ غسّان الدبيسي. قامت البلدية بتنفيذ مشاريع عـديدة، ومنها الأقسام المتبقية من مشروع الصرف الصحي، وبعـد ذلك تـمّ إنشاء محطة تكريـر بتمويل من وكالة التنمية الأميركية، ووضعت المحطة باستلام مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان.
إن مجمـوع الأعمال والإصلاحات التي أنجزتها البلدية في مرستي، خـلال السنوات العشر الأخيرة، دفعت بقـريتنا إلى طريق التقدم، وقد أصبحت من القـرى النّـاميـة الراقيـة مـع العلم أن عـدد سكان مرستي في إزدياد، والتمـدد العمراني يزيـد من مساحة القرية سنة بعـد سنة، لذلك يطلب من المجلس البلدي مضاعفة الجهود لتلبيـة حاجـة الآهلين.
كـذلك إن مختار مرستي الشيخ نـزيـه بشـنق، يقـوم بالأعمال والخدمات المطلوبـة للآهليـن، بجهـد ونشاط، مـجّانـاً من دون أجــر.

اقتصاد منزلي
تتميز مرستي بإنتاج مـواد غذائية بلديّـة في المنازل، مثل الكشك والمربيّات والكومبوت والأعشاب والشّرابات والمقطّرات وغيرها، بالإضافة إلى إنتاج الفواكه والخضار وعسل النحل، للإستهلاك المحلّي والبيع في الأسواق.
إن محميّة أرز الشوف تعمل للحفاظ على أسلوب العيش الريفي بالتواصل مع المجتمع المحلّي. ولتعريف زائر المحميّة على تراث وتقاليد المجتمع الريفي اللبناني، من خلال تقديم تراثه الغذائي، قامت المحمية منذ سبع سنوات بإنشاء مشغل في مرستي لصناعة بعض المواد الغذائية الريفية، تـمّ تجهيزه بكافة المعدّات اللازمة، من طناجر وكركات ومنصّات ورفوف وطاولات، جميعها من مادة الستانلس. ووضعت قواعد لصنع المنتجات من خلال تدريب السيدات على استخدام المواد الأولية بمعايير ومكاييل موحّدة في عملية التحويل وذلك بتمويل من البنك الدولي، وتنفيذ مجلس الإنماء والإعمار. وتعرض المنتجات على مداخل المحميّة لبيعها.
ومـن المؤسسات المحـليّة في مرستي: الإتّحـاد النسائي التقدّمي، منظمة الشباب التقدمي، تجمّـع أبناء مرستي، فريق مرستي الرياضي، والمستوصف الصحي، وقد تمّ مؤخراً إطلاق التعاونية الزراعية والنـادي الريـاضي للبلدة.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader