الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

معرض رُؤى محدَّبة

لا زالت أصداءُ معرَض رُؤىً مُحدَّبَة وأسلوبُه الفنّي للفنّانةِ هناء عبد الخالق تتوالى عبرَ مقالاتٍ نقديّةٍ ورُؤى تحليليّةٍ جديدة. وهو معرَض استندَ إلى فكرةِ المرايا المُحدَّبة الّتي تجعلُ المُتلقي يرى الوَهمَ والحقيقةَ معاً، يُدرِكُ الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد، فالصُّورةُ قد تتضخَّم أو تتقلَّص إبداعيّاً حسب زاويةِ المشاهدة.

وقد كتبَ الفنّانُ القدير حسن جوني سابقاً عن المعرَض:
«د. هناء عرَفت كيف يكون معرَضها مرايا لذواتِنا المُنقَّبة عن كلِّ جديد، نُثبِت به قدرتَنا على خَلق ما يدور في سريرتنا، نحن الباحثون معها عن الجمال والكمال».

أمّا النّاقد أحمد بزون فيرى أنّ:
«بينَ المرايا المُحدَّبة والرُّؤى المُحدَّبَة مسافةٌ شعريّةٌ في التَّسمية، ومفارقةٌ تشكيليّةٌ في بناء المشهد الرِّيفي أو المدني، الخاضع للّعبة الِّتي ابتكرتها الفنّانة هناء عبد الخالق. فمجرّدُ التَّفكير في هذا الموضوع يُعتَبَر خوضاً في هدفٍ مهمّ، هو تقريبُ الفنّ من الحياة المعاصرة… ومن خلال هذا الأسلوب تشدُّ الفنّانةُ الانتباهَ إلى تحويلِ المشهد من واقعيّة فسحات الطَّبيعة أو شوارع المدينة ورومانسيّتها، نحو تعبيريّةٍ تسلبُ المشاهدَ وتَجتذبُ اهتمامه. فالشَّكلُ الدَّائري لبعض اللَّوحات بحدّ ذاتِه نبعُ حركة، وكَسرٌ للشَّكل التَّقليدي للّوحة، كما أنّ الانحناءاتِ القوسيّة تجعلُ الأبنيةَ والأبراجَ تنتقِل من شكلِها الجامد إلى مساحةٍ تضُجُّ بالألوان والأفكار والأحلام».

توالت أعمالُ الفنّانة عبد الخالق بهذا الأسلوب، خاصّةً بعد انفجار مرفأ بيروت، لتُصبِحَ الدَّائرةُ مساحةً مُلهِمة تحتضنُ الأشكالَ الهاربةَ من الدَّمار وتحملُ في طيّاتها الكثيرَ من الرَّمزيّة والتَّأمّل. وتُؤكّدُ الفنّانةُ أنّ المهمَّ في أعمالها هو التَّعبيرُ العميقُ والرُّؤيةُ الفلسفيّةُ الجماليّة، لا الرِّسالةُ المباشِرة.

واليوم، يُضيء النَّاقد خالد البغدادي عبرَ مقالٍ عن تجربةِ الفنّانة في جريدة القاهرة.

 

هناء عبد الخالق
رُؤى مُحدَّبَة ..!!
كتب د/ خالد البغدادي
«(المرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الوَهمَ والحقيقةَ معاً.. ترى الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد..!!)»

لعلّ تلك العبارة الَّتي ذكرتْها الفنّانة هناء عبد الخالق في التَّعليقِ على أحد معارضها تكون هي المدخلَ الصَّحيحَ للدُّخول إلى عالمها وفَهم أعمالها الفنيّة، فهي دائماً ما تبحث عن زاويةِ رؤيةٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ للوصول إلى حالةٍ من الدَّهشة والجاذبيّة البصريّة.

الحقيقة أنّها عضوٌ فاعلٌ في المشهدِ الثَّقافيّ اللُّبناني، فهي باحثةٌ وفنّانةٌ تشكيليّة، وأستاذةٌ جامعيّة، وعضوٌ في نقابةِ الفنّانين التَّشكيليّين اللُّبنانيّين، وأمينُ سرِّ جمعيّةِ الفنّانين اللُّبنانيّين للرَّسم والنَّحت منذ عام 2019 وحتّى الآن. كما شاركت في العديد من المعارض الفرديّة والجماعيّة في دولٍ عربيّةٍ وأوروبيّة مثل: مصر، الأردن، باريس، وغيرها.

ولها العديدُ من المقالات والدِّراسات المنشورة في الصُّحف اللُّبنانيّة والعربيّة، منها: بحث بعنوان «مفهوم التَّلقّي وإشكاليّة التَّربية الفنيّة.. لبنان نموذجاً – الثَّقافة التَّشكيليّة تخرج من الشَّرنقة إلى عالم التَّواصل»، ومقال عن فنّ التجهيز: إشكاليّة العلاقة بين المبدع والمتلقِّي، وموضوع بحثي بعنوان «الإنسانيّة بديلاً عن النَّسويّة في الفنّ والحياة».

 

مِرآةٌ مُحدَّبَة
عندما يسيطرُ حُبُّ الفنِّ على ذاكرةِ الإنسان، فإنَّه يسرقُه من ذاتِه ومن عالمِه، ويضعُه في سياقٍ إنسانيٍّ مختلفٍ ومُغاير، لأنَّ للفنِّ طاقةً تأثيريّةً روحيّةً وأثيريّةً تُسيطر على وعيِ الفنّان. فعندما تُناديكَ فكرةٌ ما وتسيطرُ عليك حتّى تأخذَك بعيداً عن هذا العالم، وتضعكَ في عالمٍ موازٍ ربّما لا يُدرِكُه الآخرون ويُدرِكُه أنتَ وحدَك، حتّى يستغرقَك ويملأَك، وهنا تتحوَّل (هواية) الفنِّ إلى (غواية) لا تستطيعُ الانفكاكَ منها ..!!
والفنّانُ بطبيعتِه هو أكثرُ المخلوقاتِ حساسيّةً في التَّفاعلِ والتَّعامُل مع مفرداتِ الكونِ المُحيط؛ حيث يُدرِك عقلُه التَّفاصيلَ، ويرصُد بصرُه المتغيِّرات، وتستشرِف بصيرتُه التَّحوّلاتِ الثَّقافيّة / والاجتماعيّة / والأيديولوجيّة حتّى قبلَ حدوثِها أحياناً ..!!

لذا فهي دائمةُ البحثِ والتَّجريبِ في بناءِ تكوينٍ فنّيٍّ جديد. إنَّه نوعٌ من التَّفكيرِ العقلي والتَّفكيرِ البصري. وفي هذا السّياق جاءت تجربتُها الفنّيّة الَّتي حملت عنوان (رُؤى مُحدَّبَة)، فالمرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الأشياءَ بشكلٍ مُغاير، إنّها تجعلكَ ترى الحقيقةَ والوهمَ معاً. فزاويةُ الرُّؤيةِ المختلفةُ والمُغايرةُ وغيرُ التَّقليديّة هي الَّتي يبحثُ عنها كلُّ فنّانٍ طوالَ حياتِه الفنّيّة، والفنّانُ الَّذي يصلُ إلى هذه الرُّؤيةِ الجديدةِ والمُغايرة يكونُ قد حصلَ على شيءٍ ثمين. الفنّانُ الحقيقيُّ هو بالضّرورة فنّانٌ متأمِّل، لكنَّه يتأمَّلُ بعقلِه وروحِه أكثرَ ممّا يتأمّلُ بعينَيه ..!!

في محاولةٍ منها للإعلانِ أنّها لم تعُد تُقيِّدُ نفسَها برسمِ الأشكالِ والرّموز أو المفرداتِ الطَّبيعيّة الَّتي حولنا، بل تحرَّرت من تلك الزّاوية الضَّيّقة الَّتي يَحبِسُ البعضُ أنفسَهم فيها، والخروج من فكرة (المُحاكاة) لظواهرِ الطّبيعة إلى فكرةِ التّعبير والانطلاقِ في رحابةٍ وفضاء الفنّ. كما نُلاحِظ أنّ اللَّونَ يلعبُ الدَّورَ الرّئيسَ في بناءِ أعمالِها الفنّيّة، وفي طريقةِ تفكيرِها بصريّاً وتشكيليّاً، حيث تصلُ إلى حالةٍ من الغنائيّةِ اللَّونيّة ..!!
كما واصلت تجاربَها الفنّيّة والبصريّة في معرَض (أحلامٌ في زمنٍ هارب)، وأيضاً في تجربة (المرأة والمنطاد)، وهي تجربةٌ نوعيّة في محاولةٍ لرؤيةِ الأشياء بشكلٍ مختلف: إمّا من منظورِ عينِ الطَّائر الَّذي ينظرُ من أعلى إلى أسفلَ بزاويةٍ حادّةٍ للرُّؤية، أو من منظورِ الشَّخصِ الواقفِ على الأرض ويتطلّعُ ببصرِه إلى السّماء في زاويةِ رؤيةٍ مُنفَرِجةٍ من أسفلَ إلى أعلى. كما تتعامَل مع شكلِ ومفهومِ المرأة في أعمالِها الفنّيّة من خلالِ بُعدٍ إنسانيّ، لا من خلالِ الحضورِ الجسدي، فهي فكرةٌ ومعنى أكثر من كونِها مادّةً حسّيّةً للإثارة ..!!

ثمّ وصلت في تفكيرِها البصري إلى فكرةِ الدَّائرة الَّتي تمثِّل الكونَ كلَّه، فالكونُ والكواكبُ والمجرّاتُ وكلُّ شيءٍ حولَنا يتحرّكُ في دوائر. فالدَّائرةُ هي الشَّكلُ الهندسيّ المُكتمل، حيث كلُّ نقطةٍ فيها تُمثِّلُ نقطةَ بدايةٍ ونقطةَ نهايةٍ أيضاً. ومن يتأمَّل في أعمالِها سيجد خطّاً فكريّاً / وفنّيّاً متَّصلاً ومُتواصِلاً، وبحثاً بصريّاً / تشكيليّاً متوالِياً، حيث تحوَّلت (المرآة المُحدَّبة) إلى (دائرة).. والدائرةُ تحوَّلت إلى (منطاد) ..!!

 

 

فَنُّ التَّجهيز في الفَراغ
ولأنَّها مُتفاعلةٌ مع هُمومِ وقضايا وطنِها، نجدُها دائماً حاضرةً في كلِّ ما يمرُّ به من منعطفاتٍ ومنحنيات. وما كان لها أن تَصمُت بعدَ تفجيرِ مرفأ بيروت، هذا التَّفجيرُ المُدوّي الذي كاد أن يُوديَ بالمدينةِ كلِّها، المدينةِ الَّتي تمثِّل درّةَ المتوسِّط. فصرخت بألوانِها ولوحاتِها، وعبَّرت بخطوطِها عن هذا الكمِّ الهائلِ من الألمِ والمحنة. فماذا يمتلكُ الفنّانُ في النّهاية غيرَ فرشاته وألوانِه وروحِه المُتّقدة الَّتي تتفاعلُ مع الألم وتحوِّلُه إلى محبّةٍ وهِبةٍ للخلاص؟
ورغم أنّها بالأساس مُصوِّرة، وتمثِّلُ اللّوحةُ الفنّيّةُ العمودَ الفقريَّ في مشروعِها البصري، إلّا أنّ لها العديدَ من التّجارب الفنّيّة المتميّزة في مجالِ التَّجهيز في الفراغ (Installation)، الَّذي كتبت فيه العديدَ من الدّراسات، وأصدرت كتاباً مُتخصِّصاً في هذا النّوع من الفنّ.

ولعلَّ أبرزَ أعمالِها في هذا السّياق جاءَ العملُ المُعَنون (صرخة ضدّ الحرب)، وهو عملٌ نوعيٌّ ضخم، عبارة عن تجهيزٍ في الفراغ على امتداد 21 متراً، مُكوَّن من عدّة أقفاصِ حَبسٍ كبيرة، سُجِنَت فيها بقايا قذائف ومخلّفات حربيّة، وأجزاء وأشلاء من الحرب الأهليّة جُمِعَت من أكثرَ من مكان، لتصرخ ضدَّ العنف والموت والدّمار، وللتَّنديد والتَّحذير من الحرب الَّتي يخسرُ فيها الجميع ولا يربحُ فيها أحد.

وبعدَ انفجارِ مرفأ بيروت جاءَ عملُها النَّوعيّ الجديد بعنوان (متاهة وطن)، وهو تفكيرٌ مُجسَّم ثلاثيّ الأبعاد، حيث قامت بصلبِ خريطةِ لبنان على الصَّليب بدلاً من السيّد المسيح، في دلالةٍ رمزيّةٍ واضحة.. وكأنّها صرخةٌ للأملِ والخلاص والتَّحذير في آنٍ واحد. ومن يتأمّل خريطةَ لبنان جيّداً سيكتشف أنّها تُمثِّل من الجانب (البروفيل) وكأنَّها وجهُ إنسانٍ يصرخُ بكلِّ قوّةٍ في الفراغِ المطلق. إنّ أعمالَها الفنّيّة سلسلةٌ من التّجاربِ الفنّيّة والإنسانيّة في الحُلم والضّوء.

الفَقرُ والمَوتُ يَدوران في دائِرَةٍ مُبهَمة
هذا العملُ الفنّي هو رَدّةُ فعلٍ مُؤلِمة، تتأرجَحُ بين الواقعيّة والعبثيّة.
فالواقعيّةُ تتجسّدُ بالفَقرِ المُثبَّت بالهِجرةِ غيرِ الشّرعيّة،
والعبثيّةُ في تشتّتِ عائلةٍ برؤيةِ مرآةٍ مُحدَّبةٍ مُهشَّمةِ الأجزاء، مُتناثِرةٍ في أرجاءِ اللّوحة ..!!

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي