مقام عين الزَّمان في السّويداء

من خراب مُقيم إلى مركز خدمات اجتماعيّة وطبيّة

صورة لمقام عين الزَّمان في السّويداء.
0 36

كان موقع مبنى عين الزمان الذي يحمل اسم دار طائفة الموحّدين الدّروز حاليّاً في السويداء عبارة عن رسوم لخرائب دير مُهْملة عفا عليها الزّمن، بسبب الخراب الذي كان يعمّ معظم حواضر الجبل وعدم تجرّؤ الناس في ذلك الزمن الذي غلبت فيه البداوة وتقاليد الغزو على إقامة حياة حضريّة فيه، وبما أنَّ المكان كان يقع على أطراف العمران القديم للمدينة فقد كان الدروز الذين أعادوا التوطّن الحضري فيها يعقدون فيه اجتماعاتهم العامة في أوقات الأزمات والحروب حيث تتوافر أمكنة واسعة لمرابط الخيول.

وقد تمّ ترميم المكان ترميماً أوّلِيّاً كمكان له قدسية مُعتبَرة أيام الشيخ حسن جربوع (1860 ــ 1929). كما افتتحَ الشيخ حسن فيه مدرسة مذهبية لتعليم الكتاب الكريم والحساب وقواعد اللغة العربيّة والنّحو، وأرسل الرسائل للأهالي في قرى الجبل يدعوهم فيها لإرسال أولادهم للتعلّم فيها، وكان من بين خرّيجي تلك المدرسة مشايخ أعلام منهم الشيخ أبو حسين محمّد الحنّاوي وأبوشبلي يحيى الحنّاوي وأبو محمّد نصر الدين رزق وأبو حمد محسن الملحم وسعيد قرقوط (ولهذا الشيخ قصيدة رثاء مشهورة بالشيخ حسن جربوع) والشيخ أبو حسن يحيى جربوع، وغيرهم…

خلال الثورة السورية الكبرى عام 1925ــ 1927 أقدم الفرنسيون على قصف المكان فتهدّم الجزء الشمالي منه فأعيد ترميمه برعاية الشيخ حسين جربوع (المتوفّى عام 2012) واستمر توسيعه والعمل فيه كموقع مُقدّس وتمَّ الاتفاق آنذاك بين مشايخ العقل الثلاثة وبمباركة من الشيخ أبو حسين محمّد الحنّاوي على أن يكون مقام عين الزمان بناءً مكتملاً جامعاً لمشايخ العقل الثلاثة في المقام وحصل ذلك لمدة عدة سنين حتى عام 2011 عام وفاة الشيخ أحمد الهجري.

بعد وفاة الشيخ حسين أحمد جربوع عام (2012) دعا خليفته الشيخ يوسف جربوع كُلّاً من شيخي العقل الهجري والحنّاوي لعقد اجتماعات لمتابعة العمل في مكتب مشيخة العقل في عين الزّمان ولم يزل على هذا النهج يدعو لوحدة عمل مشايخ العقل في محافظة السويداء…

واردات ونفقات دار الطائفة المالية

تأتي الواردات من صناديق الأوقاف وهي: مقامات عين الزمان والمُقداد شمال المدينة إلى الغرب من حديقة الفيحاء، ومار الياس ومن أجور العقارات الوقفيّة من محلّات مياه عين التربة وحسنات الوفاة عام 2017 ، يُضاف إليها تبرّعات من الأهل والأخوان في الجولان وفلسطين المُحتلّة.

توسّع الإنفاق بتوسّع التوظيف بسبب مأسسة الدار في عهد الشيخ يوسف جربوع حيث بلغ عدد الموظفين نحو 25 موظّفا وموظّفة ومن وجوه الإنفاق ما يلي:

  1. محروقات وبنزين ووقود وكهرباء.
  2. مصاريف بيت الجنازة.
  3. ترميم دور عبادة ومجالس.
  4. الإنفاق على الخدمات الصّحيّة والتعليميّة لمستحقّيها.
  5. مصاريف لجنة العمل الخيري، وهي عبارة عن أجور جولات ميدانيّة وتنزيل وتحميل سلال المساعدات الغذائية.
  6. مساعدات شهريّة على شكل رواتب لأسر تستحقّ المساعدة.
  7. ومصاريف تجهيز المكاتب الصحيّة من عزل وأثاث عيادات وأجهزة طبّية وصيدليّة ومصاريف إنارة ومياه وهاتف لدار الطائفة ومصاريف وقود وسيارات وتدفئة ومساعدات للهلال الأحمر في بلدات سهوة بلاطة والعفينة.

ويرى شيخ العقل الشيخ يوسف جربوع أنّه لا بدّ من تطوير المرحلة السابقة إلى المأسسة، الجادّة بحيث تمّ تنظيم الموضوع المالي بشكل مهني عبر نظام محاسبة ماليّة على الكومبيوتر، ويتألّف القسم المالي من مدير ومحاسب وأمين صندوق كما تمّ التعاقد مع شركة محاسبة مُعترف بها لتدقيق الحسابات تقوم بتقديم تقرير مالي سنوي.

وفي ظلّ الأوضاع الرّاهنة تقوم المؤسسة الدينية بمهام لرفع الأعباء عن أهلنا المتضرّرين من الأزمة السوريّة التي فاقمت من حالات الفقر والبطالة والغلاء وهذا حوّل الطبقة الوسطى المكتفية ذاتيا إلى فئات معوزة تحتاج إلى المساعدة(1).

العمل الخيري

تمّ تأليف لجنة العمل الخيري في مقام عين الزمان وتُعنى هذه اللجنة بتوزيع المعونات الخيريّة المقدّمة من جانب المنظّمات الدوليّة بالتعاون مع اللجنة الفرعية للإغاثة والهلال الأحمر وتقوم اللجنة بتقديم مساعدات غذائية لـ 3،600 أسرة استناداً لدراسة أوضاعها على الواقع بإشراف فريق من المتطوّعين لدراسة ظروف الأسر المستحقّة، وهذا ساهم مساهمة كبيرة بتخفيف أعباء الحياة عن تلك الأسر.

المكتب الصحّي

أُنشئ المكتب الصحّي في دار طائفة الموحّدين في عين الزمان للإشراف على عمل العيادات في المركز وتسيير عملها وقد تطوّر العمل إلى مجموعة عيادات مجّانية، تخصّصية من: قلبية، وأطفال، وعظميّة، وأذن أنف حنجرة، وعصبيّة، وسكّري. ويتعاون في ذلك أطبّاء متطوّعون مجّانيّاً (عددهم 35) طبيباً وطبيبة ويراجع المركز الصحّي أسبوعيّاً نحو 500 مراجع يتلقَّوْن فحوصاً وأدوية مجّانية بحسب المتوفّر منها ويقوم الأطبّاء بإجراء عمليات جراحيّة على شكل مساعدات كُلِّيَّة أو جزئيّة بالتنسيق مع المشافي الخاصّة والعامّة (وفي المشفى العام يتمّ زرع مفصل مجّاني لمن يلزمه ذلك). ويوجد في المركز قسم علاج فيزيائي مجّاني وصيدلية تقدم الدواء مجّاناً.

«ونساعد في دفع كُلَف التحاليل في المخابر بخصم 50 إلى 20% ونساعد في شراء أجهزة طبيّة للمرضى (أحذية ونظارات طبّيّة وبمساعدة 50% أو75% أو كاملة) وسمّاعات أذنية وأجهزة ضغط وسكري من تبرّعات اغترابيّة ومحليّة ودعم من شركات ومستودعات أدوية متعاونة..».

وقد تبرّعت مفوّضيّة اللاجئين للمركز الصحّي في عين الزمان بجهاز إيكو دوبلر ملوّن مجّاناً (قلبية ونسائية وبطن وجهاز تخطيط قلب وتعقيم أسطوانات أوكسجين وجهاز معالجة فيزيائيّة مجّانيّة يتمّ العمل عليه من قبل مختصّين).

ويتمّ دفع مساعدات ماليّة لمن تثبت حاجته لذلك إذْ بلغت تلك المساعدات المُقدّمة عبر الهلال الأحمر لعدد من قرى المحافظة عام 2017 ما قدره 23،521،900 ل.س. (منها بلدات سهوة بلاطة والعفينة وذيبين).

التّعليم والثّقافة

يقوم القسم المالي بتقديم مساعدات ماليّة شهريّة لـ 200 طالب جامعي تتراوح قيمة كل منها بين الخمسة والعشرة آلاف وحتّى 15 ألفاً من الليرات السوريّة.

تعزيزاً لدور مشيخة العقل في المجال الثقافي تمّ إنشاء مكتبة تتّسع لـ 7500 كتاب مع قاعة محاضرات تتسع لـ 120 شخصاً مجهّزة بوسائل إيضاح وهي قيد الإنجاز وسيتمّ عبرها إقامة محاضرات دينية وعلميّة وتاريخيّة «ونعمل على وضع برنامج منهجي للعمل فيها». وهكذا فقد تمّ تأمين نقلة نوعيّة لتحويل
مرجعيّة الطائفة إلى مؤسّسة للعمل تحت إشراف «مشيخة العقل الثلاثيّة».

قسم الإغاثة
في مقابلة معه؛ مسؤول قسم الإغاثة الأستاذ باسل نصر كان الحوار التالي:
متى بدأتم العمل بهذا القسم؟
العمل قائم هنا منذ العام 2007 وقد تطوّر قسمنا من قسم بسيط كان يخدم نحو 150 أسرة، أمّا اليوم فإنّ الأسر المستفيدة من مساعداتنا بشكل دوري يبلغ عددها 3600 أسرة.
ماذا تقدمون للأسر المستفيدة؟
نقدّم معونات غذائيّة: زيت ورز وبقوليّات وطحين و6 قناني زيت سعة 1 ليتر و 5 كغ سكر و 5 كغ برغل و 5 كغ عدس و 1 كغ ملح ورُبّ بندورة وأحيانا سمنة وحفاظات للأطفال والعجزة وألبسة أطفال وسلال نظافة شخصية ومنزليّة ومنظفات كلّ 6 ــ7 أشهر. ويتمّ هذا عن طريق المنظمات الدوليّة بالتنسيق مع لجنة الإغاثة الفرعية التي يرأسها المحافظ.
ما المعيار الذي تعتمدونه لتقديم المساعدات؟
لدينا فريق من المتطوّعين مجّاناً مؤلّف من 30 شابّاً وشابّة يقومون بإجراء مسح اجتماعي وحساب آلية الاستحقاق.  وعلى هذا الأساس يتمّ التوزيع أسبوعيّاً لـ 300 أسرة مستحقّة بمواعيد ثابتة، وأجور النقل يتحمل كلفتها وقف مدينة السويداء وجميع مواد الإغاثة يتم تدوينها وفق محاضر نظاميّة.
مشغل الخياطة
لدينا في الدار مشغل خياطة يعمل عليه عاملات يُفَصِّلن ألبسة للعمل الخيري منها: المنديل والتّنورة للشّيخات، والسّروال والجبّة للمشايخ. وفي المشغل
7 ماكينات صناعية منها ما هو للدّرزة أو للحبكة أو للخياطة.
المكتب الإعلامي

قابَلَت الضّحى مدير المكتب الإعلامي الأستاذ رشاد أبو سعدة وكان اللقاء التالي:

متى أُحْدِث المكتب الإعلامي لدار الطائفة؟
أُحدث المكتب الإعلامي بقرار من سماحة الشيخ يوسف جربوع لتغطية أنباء فعاليات مشيخة العقل وليكون صلة وصل مع المجتمع المحلّي والإعلام الرّسمي وغير الرّسمي لإيضاح عمل مشيخة العقل الاجتماعي والخيري والإعلامي والثقافي، حيث تمّ إحداث موقع على شبكة التواصل باسم «نور التوحيد» ويجري العمل حاليّاً على تجهيز محتواه كما أُحدثت صفحة على موقع التواصل Facebook باسم دار طائفة الـ «مسلمين الموحّدين الدروز في سورية» مهمّتها نشر الأخبار والنشاطات اليوميّة لذوي السماحة مشايخ العقل ونشر البيانات الرسميّة التي تصدر عن دار الطائفة تجاه المتغيرات الرّاهنة. كما يُعنى المكتب الإعلامي بتصوير وإخراج مقابلات مشيخة العقل مع القنوات الفضائيّة وكلماتهم في المناسبات الرّسمية. ويتمّ حاليّاً التحضير لإصدار نشرة مطبوعة دوريّة ذات محتوى معرفي وتوجيهي لتغطية أخبار وتقارير المشيخة.

برنامج التكافل الاجتماعي
بالتعاون مع عدد من سيّدات المجتمع منهنّ السيّدة مها جانبيه وسها بدر وسهى أبو الفضل وميساء معروف وديانا الفقيه ورُلى أبوعبيد وميساء جربوع وجمانة سري الدين تمّ أنشاء برنامج تكافل اجتماعي يُعنى بتمكين المرأة وتوفير فرص عمل لها داخل وخارج البيت كما يقدّم البرنامج مساعدات ماليّة لطلاب وطالبات جامعيين شهريّاً. ويعتمد هذا البرنامج كُليّاً على تبرّعات المحسنين بإدارة مجموعة سيّدات بإشراف مشيخة العقل. ومن مجالات النشاط: أعمال الصّنارة والحياكة والخياطة بهدف تدريب السيّدات على النشاط الذاتي وتوفير دخل إضافي للأسرة ويكفل البرنامج تصريف المنتجات.
في مقابلة مع السيّدة مها جانبيه مديرة مشروع برنامج التكافل الاجتماعي؛ كانت المحادثة التالية:
ما تعريفكم للعمل الذي تقومون به؟
نحن نعمل في مجال مشروع مستقل إداريّاً يتبع مشيخة العقل في مدينة السويداء.
متى بدأتم العمل به، وما المهمة المُناطة ببرنامجكم؟
بدأنا منذ نحو ثلاث سنوات، لغاية خيريّة، وبمبادرة تطوّعية من سيّدات مجتمع من مدينة السويداء (9 متطوّعات) بهدف تمكين المرأة وتقديم العون والمساعدة للأسر المحتاجة، ونقدّم مساعدات نقديّة وعينيّة، كالألبسة والأغذية في الأعياد والمناسبات حيث نقوم بتوزيع سلال غذائية تحتوي على حبوب وزيوت ولحم دجاج ولحوم حمراء. كما يُعنى المشروع بتعليم الطلاب، لدينا 156 طالباً وطالبة يتلقَّوْن مِنَحاً شهريّة منهم من يدرس الطِّب والهندسات والمعاهد.  وتتراوح مساعداتنا بين 5،000 ل.س.، و25،000 ل.س. لكل طالب.
هل تقومون بعمل إنتاجي في إطار مشروعكم هذا؟
نعم لدينا ورشات عمل إنتاجيّة صغيرة تنشَط المرأة فيها، حيث يوجد لدينا معمل ألبان وأجبان (نَسْتَجِرّ يوميّاً طنّأً ونصف الطن من الحليب لتصنيع الألبان والسّمنة البلديّة) عائدها المالي لتعليم الطلّاب الجامعيين المحتاجين للمنح الشهرية.التي تتراوح بين خمسة إلى خمسة وعشرين ألف ليرة سورية شهريّاً حسب اختصاص الطالب وحاجته.وقد بلغ عدد الطلّاب الذين يتلقَّوْن منحنا 220 طالباً وطالبة. بمبلغ 1،087،000ل.س. كما تم توزيع 300 مريول مدرسي لتلاميذ التّعليم الأساسي و120 بنطال للمرحلة الثانوية وكانت كلفة مدفوعات شهرَيّ أيلول وتشرين الأوّل  من اللّباس المدرسي مبلغ 881،100 ل.س. كما ندير ورشات صنع مؤنة منزلية منها: المكدوس (بلغ الإنتاج طنّاً ونصف الطن) و300 كغ من دبس الفليفلة وتوضيب البازلاء، والفول والزيتون والمخلّلات وغيرها، ومن منتجات مطبخنا: الخبز على الصاج والسنبوسكية، ومناسف عربية بهدف تشغيل سيّدات وفتيات ندفع لهنّ أجراً لسدّ احتياجاتهنّ.
وبهذا يشهد مطبخنا (مطبخ التكافل) ازدهاراً بتلبيته لكافة الطلبات وبتنوع المأكولات التي ينجزها (منسف عربي وأوزي وفريكة وكبسة ومندي وغيرها (بمساهمة الشيف لؤي إبراهيم جانبيه). وقد شاركنا في حملة إغاثة الريف الشرقي الذي نُكِب بهجوم الدواعش وبلغت قيمة مساعداتنا هناك 740،000 ل.س.
هل من مصادر دعم لبرنامجكم؟
بالإضافة إلى عائد مشروعاتنا؛ تصلنا تبرّعات وهِبات من المتبرّعين كما نقيم بين حين وآخر مناسبات خيريّة (إفطار، غداء خيري …)،

خاتمة: ممّا سلف عرضه نستنتج أنّ فعاليّة جديدة نشأت في مقام عين الزمان في السويداء الذي تحوّل إلى دار طائفة للموحّدين الدروز تُقَدَّمُ من خلالها خدمات اجتماعية وماديّة وصحّية للمواطنين طالبي المساعدة عموماً، ولنا وطيد الأمل في توحيد نشاط ولَمّ شمل مشايخ العقل الثلاثة في هذا الحقل المُشْترَك خدمة لمصالح مجتمع محافظة السويداء عامة ومن أجل الوطن السوري بوجه الإجمال والله وليّ التوفيق.

مقام عين الزمان من الداخل.
 مشايخ العقل من آل جربوع، رعاة وقف السويداء من راشيّا (لبنان) إلى جبل حوران

قَدِمَ آل جربوع إلى الجبل في موجة نزوح فريق من العائلات المعروفيّة المعروفة بالكفارقة (أو الرّياشنة؛ نسبة إلى كفرقوق في راشيّا) إلى جبل حوران في مطلع القرن التاسع عشر. نزلوا بادئ الأمر في إزرع على حافة سهل حوران الشماليّة الشرقيّة من جهة اللّجاة على الطريق إلى الجبل، وفيما بعد انتقلوا إلى السويداء، التي كانت تُحْكَم آنذاك بزعامة شيخ مشايخ الدروز من آل الحمدان.

واستناداً إلى يحيى حسين عمار صاحب الأصول والأنساب فإنّ «آل جربوع عائلة معروفيّة تُراثية نامية جمهورهم الحالي في مدينة السويداء في موقع اجتماعي جيّد، ومنهم طائفة كبيرة في القَصيم في العربية السعودية على مذهب السُّنَّة وينتسبون إلى بني يربوع التميمييّن، والذين قدم منهم إلى لبنان أيّام الفتح العربي الإسلامي نزلوا أوّلاً في وادي التَّيم؛ ومن ثمّ أخذوا بدعوة التّوحيد، وعُرِفوا في قرية الكْنَيْسة من أعمال راشيا وكانوا من مَيسورِيّ الحال كَثيري الأملاك.

في حدود العام 1465م على أثر خراب الكْنَيْسة نتيجة تنازعٍ (طائفي) ضارٍ بين أهلها وجيرانهم البقاعيين ارتحلوا عنها إلى كفر قوق القريبة حيث مكثوا فيها نحو مئتين وخمسين عاماً ومن ثمّ نزحوا إلى إزرع الحورانيّة فالسويداء»(2) ومن المرجّح أنّ وصولهم للسويداء كان في مطلع القرن التاسع عشر.

وأمّا سعيد الصّغير فإنّه يذكر في كتابه «بنو معروف في التاريخ» أنّ أصل آل جربوع من جزيرة «جربة» في تونس وفي زمن غير معروف استقروا في «كفر قوق» من ديار راشيّا، وهذه رواية يقول بها آل جربوع أنفسهم(2).

التنازع مع الشيخ الحمداني
عام 1861 وبسبب من فاعليّة رجال الأسرة ونشاطهم الاجتماعي المناوئ لإقطاع الزعامة الحمدانية الأولى في الجبل عمد الشيخ يوسف الحمدان المُتَغلب على زعامة قريبه الشيخ يحيى الحمدان في السويداء إلى ترحيلهم منها(3)، فنزحوا مُكْرَهين ونزلوا في خربة نبطيّة رومانية تدعى «الصَّوْخَر» (شمال قرية أم الرمّان، جنوب السويداء نحو 25 كيلومتراً)، في منطقة نفوذ الزعيم الدرزي الشيخ إسماعيل الأطرش الذي جعل من القريّا معقلاً له، وكان آنئذٍ ينافس الشيخ الحمداني على قيادة الدروز، وقد رحّب إسماعيل بآل جربوع.كحلفاء له ساخطين على زعامة آل الحمدان.
في الصّوخر تنافس الجرابعة مع آل العبد الله أقارب اسماعيل، الذين يسكنون حوط القريبة شرق الصّوخر، ولمّا كان إسماعيل يخطّط لإقصاء آل الحمدان عن الزعامة الأولى في الجبل ويرى في آل جربوع قوة مُعِينَة له في تنفيذ مشروعه ذاك فقد توافق معهم على الانتقال من الصّوخر إلى قرية كناكر(4) القريبة من السويداء ناحية الجنوب الغربي منها ببضعة كيلومترات، حيث يسهل منها عليهم التّواصل مع أصدقائهم من وجهاء عائلات السويداء الناشطين إلى جانبهم ضدّ الزعامة الحمدانية داخل المدينة (وكان حمد النّجم جربوع عميد الأسرة يتحلّى بمزايا الحنكة السياسية والشجاعة التي جعلت منه وجيهاً مرموقاً في مجتمع السويداء وزعيماً أجمعت عليه قيادات العامية الثانية فيما بعد في عشيّة العقد التاسع من القرن التاسع عشر)(5).
وقد نجح مخطّط إسماعيل بفضل حنكته السياسية وشجاعته وثقة الدروز بجدارة قيادته وبعشيرته الكبيرة وتحالفاته الواسعة في إزاحة آل الحمدان عن زعامة الجبل كلّيّاَ (حتى بعد وفاته عام 1869) إذ حلّ ابنه إبراهيم محلّهم في السويداء. وعاد آل جربوع منتصرين إلى أملاكهم واستقرّوا بعدها في السويداء على أثر إقصاء خصمهم اللّدود الشيخ واكد الحمدان منها نحو مطلع سبعينيّات القرن التاسع عشر (وكان واكد قد حل محل قريبه يوسف في زعامة الدروز).

 

آل جربوع ومشيخة العقل
واستنادا لباحثين كتبوا في هذا الموضوع ولرواية آل جربوع أنفسهم فإنّ أوّل مجلس عبادة (جامع) أنشىء في السويداء للموحّدين الدروز كان المجلس الشرقي بالتعاون مع أهل المدينة وكان المكان عبارة عن بناء أثري تمّ ترميمه نحو العام 1805 (كان بالأصل معبداً نبطياً للإله «ذو الشرى» رئيس آلهة الأنباط» وقد تمثّل به مشايخ المدينة بعامّتهم وأبرزهم آل جربوع ورضوان وأبو عسلي ونعيم وعِزّي وسنيح واشتي وقطيش والبدعيش والجرماني وغيرهم. وكان رئيسه الروحي (سائس المجلس) الشيخ سليمان جربوع(6) ونظراً لتقوى المشايخ الروحيين من آل جربوع فإنّ بعضهم قد دُفِن به ومنهم الشيخ سليمان جربوع والشيخ أبوحسين أحمد جربوع الأوّل المتوفّى عام ١٨٥٨م والشيخ أبوحسن وهبي جربوع المُتَوفّى عام 1888م وهناك شيخان آخران من الأسرة هما الشيخ أبو سلمان يوسف جربوع والشيخ أبو إبراهيم محمّد جربوع» مدفونان في المكان نفسه(7).
وعندما دخل الجنرال العثماني سامي باشا الفاروقي السويداء عام 1910 أهان المكان (المجلس الشرقي) ولم يحترم قدسيّته كمقرّ عبادة بادئ الأمر ومن ثمّ عمل منه مسجداً لجنوده، وكان الشيخ حسين طربيه الأوّل قد احتجّ برسالة لسامي باشا على تلك المظالم التي تتنافى ورعاية حقوق رعايا السّلطنة العثمانية ولم يزره في معسكره فما كان من سامي باشا إلّا أن قَدِمَ بنفسه برفقة مفتي الحملة وسأل الشيخ حسين عن سبب عدم زيارته له، فقال له الشيخ طربيه: «العلماء يزارون ولا يزورون، فدهش سامي باشا لجرأته وأمر مُفْتيه أن يسائله في الدين فكانت أجوبته محطّ إعجاب المفتي وقائده(8)، ممّا جعله يحترمه ويقدّره ومن ثمّ أُعيد المجلس للموحّدين كسابق عهده. في عام 1911 من قبل العثمانيين أنفسهم.

 

قصّة المجلس الغربي

كانت أحداث انتفاضة العاميّة التي نشبت ضد المشايخ ملّاك الأراضي الإقطاعيين من آل الأطرش في السويداء والمقرن القبلي قد انعكست على العلاقة بين آل جربوع ممثّلين بزعيمهم القويّ حمد النّجم جربوع الذي أصبح زعيماً للعاميّة في الجبل والشيخ إبراهيم بن إسماعيل الأطرش (عميد الأطارشة) الذي أصبح قائمّقاماً على الجبل من قبل العثمانييّن وكان هذا قد قرّب الشيخ حسين طربيه على حساب المشايخ من آل جربوع بحجّة أنّ الشيخ طربيه «كان مستوعباً علوم الشريعة الإسلامية وفقهها والأحاديث النبويّة والكتب السماويّة…» فعيّنه سائساً للمجلس الشرقي. ويرى المحامي الكاتب والمثقف ماجد الأطرش (وهو أحد أحفاد إبراهيم) أنّ المعضلة التي خُلقت بإصرار إبراهيم الأطرش (جدّه) على تعيين الشيخ حسين طربيه في مشيخة المجلس الشرقي قد حلّها المغفور له شبلي الأطرش عام 1896بعد تعيينه قائمّقام الجبل وشيخاً لمشايخه بعد وفاة أخيه إبراهيم (المتوفّى عام 1893)، (كان شبلي على خصومة مع أخيه غير الشقيق إبراهيم وكان أكثر تفهّماً لمطالب العاميّة رغم انتقاداته لها كما كان ميّالاً لعامة الدروز)(9) وذلك أنّ شبلي كان قد امتلك داراً كبيرة في السويداء كانت هي الأخرى بقايا كنيسة قديمة وقد رمّمها وأعاد بناءها وحوّلها لدار سكن ومن ثمّ تنازل عنها لتكون مقرّاً لدار عبادة أي مجلساً لأهالي السويداء لإقامة شعائرهم الدينية على أن يتولّى هذا المجلس الذي عُرِفَ فيما بعد بالمجلس الغربي «الشيوخ الأتقياء الأصفياء من آل جربوع»(10) وكان من قام بهذه المهمّة في المجلس حينها شيخ العقل الشيخ حسن بن الشيخ وهبة جربوع المتوفّى عام 1929 (ممّا يجدر ذكره أنّ لقب شيخ العقل لم يكن معروفاً لدى الموحّدين الدروز قبل عام 1917م(11) وممّن دُفن في ذلك المجلس كان شيخ العقل حسن بن الشيخ وهبة سنة 1929 وشيخ العقل الشيخ سعيد وهو أخٌ للشيخ حسن،1930 والشيخ أحمد الثاني 1965 والشيخ يحيى بن الشيخ حسن وشيخ العقل الشيخ حسين بن أحمد الثاني ٢٠١٢م(12).

(جزء من دراسة موثقة طويلة للأستاذ ابراهيم العاقل أختصرت لتتناسب مع مقتضيات النشر في الضّحى ) – رئيس التحرير.


المراجع:
  1. مقابلة مع سماحة شيخ العقل الشيخ يوسف جربوع، تشرين الأول 2018.
  2. يحيى حسين عمّار، الأصول والأنساب، دار الضّحى للنشر، ص 46ــ 47.
  3. مقابلة مع السيّد أبو أدهم حسن جربوع (حفيد حمد النجم جربوع زعيم العاميّة) صيف 2018.
  4. نايف فارس جربوع، دراسات في الثورة العاميّة في جبل العرب، ج1، ط1، دمشق، دار العلم، 1991، ص72.
  5. عبد الله حنّا، العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران، ط1،1990، دار الأهالي، دمشق، ص 135ــ 136.
  6. محمّد طربيه، موسوعة الجبل، العقيدة والمجتمع، ط1، السويداء، دار الكرم، 2017، ص165.
  7. نايف فارس جربوع، دراسات في الثورة العامية، م.س، ص 58.
  8. مقابلة مع السادة سماحة شيخ العقل يوسف جربوع وآخرون من العائلة، تشرين الأول العام 2018.ـ.
  9. مقابلة مع الكاتب والأديب الباحث محمّد طربيه. ه تشرين الأول 2018.
  10. ماكس فون أوبنهايم، الدروز، ترجمة محمود كبيبو، دار الورّاق، لندن، 2006، ص 113ــ 114.
  11. محمّد طربيه، موسوعة الجبل، م.س، ص 295ــ 296.
  12. حسن أمين البعيني، مشيخة عقل الموحّدين الدروز في لبنان وسورية وفلسطين، دار معن، 2015، ص33. وص 185.
تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader