هل لبنان جاهز للتعلّم من بُعد؟

بينما تشل الكورونا الجامعات

0 167

وفق تقارير الأمم المتحدة فإن حال الإغلاق لثلث سكان العالم قد عرقل انتظام التعليم لثلاثمائة مليون طالب وتلميذ على الكوكب. الملايين من الأساتذة والمدرسين، والهيئات الإدارية، وصنّاع القرار، وجدوا أنفسهم، في مشهد وُصِف بأنه “غير مسبوق”، مدفوعين دفعاً نحو التعليم أون لاين (التعليم من بُعد من خلال الشبكة)، مع الاعتراف أنهم جميعاً لم يكونوا على الأغلب مهيّأين لتعليم كهذا، أو على الأقل التحول إليه بين ليلة وضحاها، للمرة الأولى على نطاق واسع على ما نشهد الآن.

بخلاف الولايات المتحدة، حيث إقفال المؤسسات التعليمية التقليدية وإبدالها بصفوف متحركة على الأون لاين – وهو ليس بالأمر غير الاعتيادي في حالات الطوارئ من مثل الأعاصير والزلازل – فقليل جدا على مستوى العالم، وليس لبنان فقط، من كان مستعداً لوجستياً وتربوياً وإدارياً لقرارات إدارية اتخذت على عجل بالتحول مؤقتاً من نمط التعليم الكلاسيكي (محاضرات/قاعات) إلى نمط مغاير كلياً. وعليه فلبنان يختبر الآن التعليم أون لاين، على نطاق واسع، وللمرة الأولى في تاريخ التعليم العالي في لبنان الذي يعود لسنة 1866 (الجامعة الأميركية) و 1875 (جامعة القديس يوسف).

لبنان يكتشف القيمة العملية للتعليم أون لاين:

بمعزل عمّا إذا كان الأمر سيقصر أو يطول، فإن التحول المفاجئ أعلاه فرض تحدياً حقيقياً على الجامعات باتجاه العمل السريع على توسعة وتحديث تقديمات الأون لاين، في ظروف أقل ما يقال فيها أنها ليست مثالية بل صعبة، ما سيدفع البلاد كما أعتقد لإعادة النظر في كثير من مفاهيمها التربوية المسبقة، وإحدى نتائجها المزيد من التقدير والاحترام لهذا النمط من التعليم، والذي كان يُنظر إليه في الغالب على أنه نوع من الترف غير الضروري، بل إنه لاقى في حالات محددة تقييدات عدة.

وهكذا أسرعت الجامعات بحثاً عن منصّات للتواصل في وسعها تحقيق أوسع وأوثق صلة ممكنة بين الطالب وجامعته، من مثل Blackboard Collaborate, Adobe Connect, & Microsoft Teams ، بهدف الاستثمار الأفضل لمكونات التعليم الألكتروني لديهم من مثل Moodle & Blackboard،  وتطويعها لتناسب الوظائف الجامعية ومنها تحديداً: التحول نحو امتحانات – في – البيت، وما يتبعه من حرص على نوعية الامتحان، أمن الامتحانات، دقة النتائج، وسواها، من خلال برامج عملية حسنة الفاعلية والحماية على الأون لاين. أدّى التحول بالأساتذة والمشرفين لإعادة هيكلة محاضراتهم وحتى دروسهم العملية على نحو مختلف، دافعين بالطلاب أنفسهم ليتعلموا أدوات وتطبيقات جديدة من مثل: Screen recording, Voiceover, Recording Sessions Offline, Collaborate online Bulletins, etc.، وليكونوا خلاقين في تصميم مجموعة أنشطة معاً، ولاختبار تقنيات تربوية جديدة. أما النتيجة وكما هو متوقع فعمل إضافي متزايد، اهتمام بالتفاصيل، وحتى الخوف من عدم القدرة على المتابعة الصحيحة واحتمال الرسوب – فيما الغرض الأصلي ليس النجاح أو الرسوب بالمعنى الحصري الضيق، وإنما استمرارية العملية الجامعية من خلال التعلّم من بُعد.

لذلك لعله من المفيد التذكير بالنتائج التي توصلت إليها في هذا الموضوع من خلال بحث ميداني أجريته أواخر سنة 2018 ومطلع 2019 حول مدى جاهزية النظام التعليمي في لبنان، الجامعي تحديداً، لقبول التحول من التعليم التقليدي محاضرة – في – الصف، إلى نمط جديد، نمط التعلّم من بُعد، وقد كان البحث الميداني جزءاً من أطروحتي للدكتوراه (تربية، باللغة الإنجليزية). تناولتُ بالمسح الميداني، من خلال استمارتين، مدى جاهزية الطلاب لقبول التحوّل أعلاه، ومدى جاهزية أعضاء هيئات التدريس لشروط التحوّل ذاك.

جاهزية الطلاب لقبول التحوّل إلى نمط التعلّم من بُعد

تناولت الاستمارة الأولى Questionnaire 1 التي أعددتها، وبعد اختبار صدقيتها على النحو المعروف، عينة من 305 طلاب في جامعات لبنانية عدة، الجامعة الرسمية وجامعات خاصة. قاست استمارة الطلاب وعلى نحو كمي مدى جاهزية الطلاب من خلال scale questions، ألحقت بها أسئلة مفتوحة النهايات open-ended بهدف القياس الكيفي لمواقف الطلاب وأرائهم. قاربت الأسئلة جاهزية الطلاب من حيث الكفاءة الذاتية، الخبرة السابقة، الدافعية، التوقعات،  والجانب المالي (وقد أفصح الطلاب عن مخاوفهم تلك بوضوح). ثم جرى تحليل موضوعاتي  thematic analysis للإجابات. كان حوالي 80% من المجيبين بين 17 و24 سنة، من مستويات جامعية مختلفة، بكالوريوس، ماستر، ودكتوراه. ومن دون إغراق القارئ بتفاصيل ونسب تقنية، أظهر تحليل الإجابات أن أكثرية الطلاب هم على ألفة بالعمل على الحاسوب الشخصي، والإتصال بالشبكة، وأدوات التواصل، وعلى معرفة عموماً بالسوفتواير المطلوب واستعمالاته، وفي كيفية التغلب على التحديات التقنية. وعليه كان مدهشاً موقفهم الإيجابي من نمط التعلم من بعد، لجهة فوائده العملية وإنتاجيته العلمية. إلا أن ما يقلق الطلاب هو احتمال أن يحول هذا النمط من التعليم دون حصولهم على قروض مالية من المصارف أو الجامعة، علماً أن القروض تلك لا تموّل امتلاك حواسيب أو تجديدها.

جاهزية أفراد هيئات التدريس ومواقفهم:

 في دراستي الحقلية التي أشرت إليها آنفاً، تفحصت أيضاً مدى جاهزية أفراد هيئات التدريس الجامعية في لبنان من فكرة “التعلّم من بعد”، وقبل سنة كاملة من التحول القسري الجاري حالياً. وللتحقق من جاهزيتهم ومن أفكارهم الإضافية، صممت استمارة خاصة بأعضاء هيئات التدريس تكوّنت من 35 سؤالاً بهدف استكشاف الخطوات المتخذة، الخبرات السابقة، الجاهزية التربوية والتقنية، وقد ختمت الأسئلة المقفلة، بأسئلة مفتوحة لتغطي طريقة تفكير الأساتذة من الموضوع، إضافة إلى أرائهم ومواقفهم. وبعد اختبار صدقية الأسئلة وفاعليتها، جمعت ردود عينة من 121 أستاذا من جامعات لبنانية مختلفة، 69% منهم يحملون الدكتوراه، وأعمار نصفهم تقريباً فوق ال 47 سنة. تبين من الردود، وباختصار، أن أكثريتهم (79%) لم تمارس هذا اللون من التعليم والتدريس من قبل، والقلة الباقية مارست بدرجات مختلفة التعليم من بُعد. ولكن بالمقابل بدا من الإجابات أن قوة هيئة التدريس في المجموعة المفحوصة تكمن في تعودهم على استخدام تقنيات elearning ، وإدماجهم عنصر التكنولوجيا في تعليمهم؛ وغني عن القول أن جميعهم يمتلك أجهزة كومبيوتر في المنزل والمكتب، ولديهم خبرات بقدرات السوفت وير، عدا وعيهم بأهمية الشبكة والإفادة منها في تطوير عمليات التعلّم، والتركيز كما أشار معظمهم على ضرورة تعزيز الوعي ومهارات التفكير النقدي لدى المتعلّم من بّعد، مع تشديدهم، بوضوح، على ان التعليم أون لاين ليس أفضل الأنماط، بل الأفضل هو دمج الأون لاين مع تعليم وجهاً لوجه في القاعات.

موقف الأساتذة أمر إيجابي جداً، بل أكثر من نصف الطريق نحو نجاح عملية التحول (القسرية) الجارية الآن في الجامعات من تعلّم محاضرات – في -الصف إلى محاضرات ودروس عملية على الأون لاين.

توصيات لتعلّم من بُعد فعّال وناجح:

يبقى، إذاً، بعض الاقتراحات العملية، التي يمكن أخذها بعين الاعتبار من جانب أفراد هيئات التدريس والإدارات.

تتعدد أراء الخبراء في كيفية زيادة فرص تقديم تعلّم من بُعد، وظيفي، فعّال، ويحقق بنجاح الأهداف المتوقعة منه؛ وهو أمر يعتمد جزئياً على مواقف الطلاب (وقد رأيناه إيجابياً وفق الردود على استمارة الطلاب، وقبل وقت قصير من اندلاع الأزمة الأخيرة). لكن النجاح التام، نسبياً بالطبع، يعتمد بدرجة أكبر على استطاعة الأساتذة، ومساعديهم، والمؤسسات، إدارة عملية دقيقة وحساسة، من خلال تحسين نوعية ما يجري تبادله، في الاتجاهين، على الأون لاين.

لا حاجة للقول أن صفوف التعلّم من بعد تختلف عن صفوف brick- and- mortar الصفوف التقليدية التي تجري وجهاً لوجه في  قاعات التدريس. من أجل تجاوز الاختلاف ذلك، وتجاوز الألفة التي يشعر بها الطالب بإزاء نظام التعليم التقليدي، يُنصح ببعض الخطوات الآيلة إلى خلق سيستام تعلّم من بعد ناجح ومتكامل:

  • التشجيع على الحوار، دون أن يُخرج العملية عن سياقها الأصلي، بل حوار مخطط له، يشعر الطالب بحضوره الشخصي، ويطمئنه للعملية، ولكن باستمرار تحت إشراف الأستاذ، أو مساعده، وبالتوقيت الذي يراه مناسباً.
  • يمكن إدماج الطلاب في العملية الجارية على نحو ناجح من خلال استثارة دوافع تعلمية بطرق مختلفة يتقنها الأستاذ جيّداً، وتتبدّل بحسب الرصيد اي المادة موضوع الدرس. إلا أنها تعتمد عموماً على تجميع تدريجي للحوافز، النقاش، التعاون، فيديوات عامة (أو مصممة من المدرسين): مقاطع صوتية، واختبارات مع مساعدة، ثم من دونها، على نصوص منتقاة – دون نفي إمكانية تقديم محاضرة لكن شرط الاختصار الشديد بهدف عدم تشتيت تركيز المتلقي.
  • على صفوف التعلم من بُعد المستحدثة أن تخلق بيئة تعلّم نشِط وليس مجرد محاضرة أخرى ولكن على الأون لاين هذه المرّة. ويكون ذلك بتشجيع الحوارات، والتفاعل، والنقاش الحيوي، وتبادل المعرفة، وبخاصة تمكين الطالب المتلقي من الشعور بلذة اكتشافه للمعلومة، أو استخلاصه للنتائج. وهذا أفضل زاد له في الاندفاع أكثر وبسعادة في صفوف التعلّم من بُعد.
  • لجهة التفاعل، يمكن الإضاءة على ثلاثة أنواع: طالب – طالب، طالب – أستاذ، و الطالب – المحتوى. والعملية الناجحة هي التي تحسن استثمار الأنواع الثلاثة بالتبادل، والتوقيت، والوقت المناسب. وهنا يبرز من جديد الدور الحاسم للأستاذ في الإعداد لعملية التعلّم من بعد، وهو أصعب بكثير من دوره في نمط محاضرة – في – قاعة الصف.
  • تشجيع استخدام فوروم forum طلابي مفتوح وعام، منتدى، يتيح للطلاب التقدّم بيسر بأسئلتهم، وملاحظاتهم، وأفكارهم؛ وإظهار تعاونهم ومساعدة بعضهم بعضاً. ومن ذلك تحضير صفحات أو أجزاء منها للطلاب تمكنهم من لصق بوستاتهم، أو إجاباتهم حين يطلب منهم ذلك، وفي كل الأحوال إظهار أن حضورهم المرحب به، وتعزيز فاعليتهم وأشكال تعاونهم، ونقاشاتهم.
  • يفضل جعل الدروس في مقاطع محددة chunks، هو الأكثر ملاءمة في التعلّم من بُعد. أما المحاضرات الطويلة فليست بالتأكيد الطريق الأفضل لتأمين حسن اندماج الطالب في الصفوف العادية، فكيف على الأون لاين. وينصح خبراء كثيرون بأن لا تتعدى المعلومات المقدّمة من الأستاذ أو من يدير صف الأون لاين في كل مرة ال 10 – 15 دقيقة، فيديو، أو كلاماً، وذلك لتجنب شعور الطالب أنه “معزول”، أو “منقطع”.
  • جعل المجموعات صغيرة. ينصح الخبراء تقسيم الصف إلى مجموعات صغيرة، بين 4 و 6 طلاب، كما لو كانوا في مجموعة بحثية أو دراسية، فيكون في وسعهم الشعور بالراحة حيال بعضهم بعضاً، وتوقع الدعم من واحدهم للآخر، مع تعيين دقيق للمصادر والمراجع المساعدة التي يمكن بسهولة العودة إليها. ويجب إدارة العملية بانتباه، أي تخصيص موضوع أو جزء منه، في الجلسة الواحدة لكل مجموعة.
  • يجب توقع صعوبة التفاعل في البدء؛ والحل ببعض الصبر ثم المساعدة في خلق جو الثقة، من خلال الإسهام في حل المشكلات التقنية واللوجستية، وتشجيع الطلاب أن يقدّموا المساعدة بعضهم لبعض الآخر ما يمنحهم ثقة أكبر بالنفس، والتركيز على عملية بناء القدرات الذاتية لكل فرد في المجموعة ولو استغرق الأمر بعض الوقت، وتجنب الأحكام السريعة، وبخاصة السلبية في كل الأحوال.
  • كن حاضراً!!! أن يكون الأستاذ أو مساعده حاضراً في موقع الدرس الذي يجري اقتراحه والعمل عليه هي الخطوة الأكثر أهمية بين كل الخطوات. فالأساتذة الأفضل على الأون لاين، برأي الطلاب، هم الحاضرون أكثر من مرّة في أثناء إنجاز العمل أسبوعياً، حتى لا نقول يومياً، أو على الأقل حين يتوقع الطالب أن يكون أستاذه موجوداً…إلا إذا كان غياب الأستاذ أحياناً هو من طبيعة العمل نفسه، ويجب إخبار الطالب ذلك بوضوح.
Online Education Infographics with Flat Icon Set for Flyer, Poster, Web Site Like mortarboard, books, Microscope and computer. isolated vector illustration
وزّع وقتك على نحو حكيم:

كما قلنا فإن وجود الأستاذ، أو مساعده، أمر مهم جداً لنجاح الطالب في صف الأون لاين. حضوره ضروري ولكن ليس عند كل إشارة أو منشورمن الطالب. على الأستاذ تدبّر أمر حضوره، وغيابه، بطريقة منطقية. ليس سهلاً إدارة صف من ثلاثين طالياً أون لاين، ولا يتوقع منه أن يجيب كلمة كلمة، بل هو يختار وينتقي متى وكيف يتدخل، فيجيب على البوستات والأسئلة.

أدخل نصوص من وسائط التواصل Multi Media Assignments

تتعلم المجموعة على نحو أفضل حين يجري تقديم تنويع من الأنشطة والخبرات، وتشجيع الطلاب على إكمال عملهم بمختارات أو حتى مسابقات من خلال أدوات الأون لاين الرقمية ما يجعل صفوف الأونلاين أكثر ألفة وفاعلية وإمتاعاً؛ وبعضها أن يستطيع الطالب إظهار نفسه أيضاً.

بعض المواقع التي ينصح بالرجوع عليها:
  • https:/ padlet.com  “Designing classwork, quizzes, assignments, polls, etc.”
  • https:/ www.bookwidgets.com (could be linked to Microsoft)
  • https:/ socrative.com
  • https:/www.wix.com “Creating a free and easy website (website builder)
  • https:/Wordpress.com “Creating free Blogs”
وأخيراً، استخدام أنشطة على نوعين: Synchronous and Asynchronous 

أنشطة النوع الأول  synchronousتقتضي تعلّماً في زمن حقيقي مستخدماً تبادل الأراء chats ، وحلقات نقاش عبر الفيديو videoconference، بينما أنشطة التعلم الآخر يمكن تنفيذه من خلال قنوات الأونلاين من دون تفاعل زمني حقيقي real-time interaction، أو بينما الطلاب خارج المشاركة في درس حيّ على الأونلاين. إن استخاماً لتنويع مناسب ومدروس بين الأسلوبين معاً يساعد في خلق بيئات تعلّم فعّالة وممتعة. ويمكن القول أخيراً أن ليس هناك ما هو أفضل من تعلّم من بُعد يقوم على تفاعل وتبادل للمعرفة والخبرات والأفكار (والأخطاء)، في خطين، ما يحفّز في النهاية طلب التفكر والمراجعة والاستخلاص والتصميم وكتابة خلاصة في النهاية، تقرير مثلاً، التحقق مما أنجز حقاً، وهو ما يهدف إليه التعليم والتعلّم في كل الأحوال.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader