0 174

بعد محنة قاسية عاش فيها شريداً ومطارداً

إبراهيم هنانو
في جبل العرب

عرض سلطان باشا على الزعيم المطارد البقاء في الجبل لكنه آثر السفر إلى الأردن وفلسطين لمقابلة الأمير عبد الله

أظهر هنانو صلابة في متابعة النضال ضد الفرنسيين لكنه اصطدم بالواقع الدولي الذي فرض على المنطقة

رشيد طليع والي حلب في سوريا الاستقلال وإبراهيم هنانو يقودان مقاومة الشمال السوري لطلائع الاحتلال الفرنسي الذي استهدف إسقاط عهد فيصل الأول

أحد الفصول المطوية في تاريخ النضال الوطني السوري هو ذاك الذي سطّره مناضل عنيد وصلب هو الزعيم السوري الكردي الأصل إبراهيم هنانو، وهو فصل حافل بأعمال المقاومة العسكرية للقوات الفرنسية التي كانت قد دخلت سوريا على أنقاض العهد الفيصلي الذي لم يترك له أن يعمّر طويلاً. فعلى الرغم من كل ذلك، إختار هنانو معاكسة التيار والثبات في ميدان معركة غير متكافئة على الرغم من علمه بصعوبة الموقف وإحساسه المتزايد بأن المصالح الدولية التي نشأت على أنقاض الخلافة العثمانية لم تعد في صالح الاستقلال السوري. ومن أبرز التطورات التي ساعدت في إجهاض المقاومة الوطنية السورية كان التوافق التركي -الفرنسي الذي تمّ بعد ضم لواء الإسكندرون إلى تركيا وانقلاب كمال أتاتورك على الحركة الوطنية السورية نتيجة لذلك. أما في الأردن، فقد تبيّن لأولاد الشريف حسين فيصل الأول وعبد الله أن المنطقة قد قسمت فعلاً بموجب اتفاق دولي يفوق طاقة الحركة العربية الناشئة، وقد ارتأى الزعيمان على سبيل الواقعية السياسية التكيّف مع الوضع الجديد ونالا نتيجة لذلك عرشي العراق ومملكة شرق الأردن. وقد صدم هنانو بالطبع لتبدل المواقف ولعدم حماس الأمير عبد الله بن الحسين، وهو السياسي المحنك، مدّ ثواره بالمساعدات، وقد كان الأمير الهاشمي ملماً جيداً بالمتغيّرات التي نجمت عن انهيار الدولة العثمانية وسيطرة الدول الأوروبية على معظم ممتلكات الخلافة وتقاسمها في ما بينها.
وما زاد في الصدمة السياسية لإبراهيم هنانو، المحنة الشخصية التي عاشها بعد انهيار مقاومة الفرنسيين في الشمال السوري وتشتيت الثوار ونكوص العديد منهم أمام ضغط الفرنسيين وقوتهم الساحقة، وقد ضاق الخناق على الزعيم هنانو نفسه عندما وجد نفسه مطارداً ولم يعد له من خيار سوى السعي إلى مغادرة سوريا باتجاه الأردن. في هذا المقال نعرض للظروف القاسية والمخاطر الكبيرة التي عاشها الزعيم إبراهيم هنانو في طريقه من منطقة حلب إلى المنفى الأردني، وقد ذاق المناضل الصلب الأهوال في تلك المسيرة التي قادته أولاً إلى جبل العرب، حيث أمكنه أن يلتقط أنفاسه ويطمئن إلى سلامته في حياض العشيرة المعروفية وقائدها سلطان باشا والعديد من أبطالها الذين أكرموا وفادته، وبذلوا كل ما في وسعهم لحمايته ثم لتأمين وصوله إلى شرق الأردن.
فكيف بلغ إبراهيم هنانو نقطة التسليم بحتمية مغادرة سوريا، وكيف جاز البوادي وعايش الأخطار في سبيل بلوغ منفاه، وما هي تفاصيل إقامته في جبل العرب ومقابلته مع سلطان باشا؟

وُلِدَ إبراهيم هنانو سنة 1869، في قرية كان يسكنها خليط من العرب السنّة والدروز، ومن الأكراد السنّة…، تلك هي قرية كفر تخاريم، من قرى ديار حلب آنذاك ــ تتبع محافظة إدلب حالياً ــ وهو يتحدّر من أصل كردي، ويتبع لعشيرة البرازيّة. كان جد الأسرة قد قَدِمَ من ديار ماردين التي تقع ضمن الأراضي التركية حالياً، واستوطن كفر تخاريم التابعة لقضاء حارم، غربي مدينة حلب، منذ نحو ثلاثة قرون.
أنهى التلميذ إبراهيم مرحلة الدراسة الابتدائية في بلدة حارم، وفي مدينة حلب نال الشهادة الثانوية، ثم سافر إلى الآستانة ليتابع تعليمه الجامعي في عاصمة الامبراطورية العثمانية آنذاك، وبعد تخرّجه، شَغَلَ منصب القائمّقام في أحد الأقضية من بلاد ديار بكر في جنوب الأناضول إبّان الفترة الأخيرة من الحكم العثماني، وهذا منحه خبرة عملية في الناس والإدارة، إذ جمع بين الوعي السياسي العميق، وفهم الأدب، والمعرفة بشؤون الزراعة…
كان إبراهيم هنانو واحداً من أولئك الثوار الوطنيين الذين دخلوا التاريخ، بإخلاصهم للقضية الوطنية التي من أجلها يناضلون، فعندما أُعْلِن استقلال البلاد بإسم” سوريا”، بحدودها الطبيعية، اختاره أبناء مدينة حلب ليكون ممثلاً لهم في المؤتمر السوري الأوّل الذي اجتمع في دمشق، كان ذلك في شهر آب من سنة 1919. وقد شارك الرّجل، حامل الإجازة في الحقوق، بنشاط في أعمال دورتي المؤتمر المذكور عامي 1919 و 1920.
كان تقسيم بلاد الشام بحسب اتفاقية سايكس ــ بيكو، يأخذ سبيله إلى التنفيذ، وكان ذلك الوضع المُريب يرتّب على حكومة الملك فيصل بن الحسين في دمشق أن تتحرّك بسرعة لمواجهة احتلال فرنسي وشيك الحدوث، لذا فقد عُيّن المناضل العروبي، والضابط السابق في الجيش العثماني، رشيد باشا طليع ــ وهو من جديدة الشوف في جبل لبنان ــ والياً على حلب، وعُيّن إبراهيم هنانو مديراً لمكتبه، وتعاون الرجلان في مهمة الإعداد لمقاومة الاحتلال الفرنسي الوشيك وعمل هنانو بتشجيع من رشيد طليع على تشكيل زُمَر صغيرة من الثوار، لتكون سهلة الحركة وسريعة التنقّل، بهدف عرقلة حركة قوّات الزحف الفرنسي.

ثورة شمال سوريا على الفرنسيين
ولم يلبث أن وقع الاحتلال بعد معركة ميسلون في تمّوز 1920، وقامت جماعات هنانو من الثوّار بدورها المرجوّ منها، الأمر الذي فرض على المحتلّين حشد المزيد من قواتهم بقيادة الجنرال” دي لاموت” لاحتلال حلب في الثالث والعشرين من تموز 1920. على أثر ذلك غادر هنانو حلب إلى بلدته كفر تخاريم، ومن ثمّ اتّخذ من جبال الزاوية معقلاً لثوّاره، ثمّ سافر إلى تركيا بهدف تأمين إمدادها الثوار بالسلاح، ونجح سعيُه حينها، فقد كان الأتراك آنذاك في حالة حرب مع الإنكليز والفرنسيين ضد اتفاقية سايكس ــ بيكو، التي هدفت إلى تجزئة بلادهم أيضاً، وقام بتوزيع السلاح على جماعات المجاهدين الذين يعملون بقيادته، كما عمل على إعادة تنظيمهم بحيث توزّعوا على شكل فرق تقاتل ضمن مناطق تواجدها.
وحدثت مع الفرنسيين “معارك طاحنة” أشهرها معركة مخفر الحمام لكن الأتراك ما لبثوا أن تخلوا عن مساعدة ثوار شمال سوريا بعد أن عقدوا صفقة مع فرنسا تمكنوا بموجبها من اقتطاع جزء كبير من الشمال السوري.
وبتأثير من السياسة الأتاتوركيّة، انسحب الأتراك السوريون، أنصار تركيا من القتال، لكن مقاومة المحتل لم تتوقّف رغم الصّلح التركي مع فرنسا، واستمرّ الزّعيم هنانو ومن معه من الثوّار يقاتلون القوات الفرنسية، حيث اشتبكوا معها في مواقع عدة أهمها موقعة مزرعة السيجري وموقعة كفر تخاريم في كانون الأوّل 1920، وتمكّن الثوار من تكبيد القوات الفرنسية خسائر كبيرة في الرجال والعتاد.، وأظهرت تلك النجاحات القتالية صوابيّة رأي كل من رشيد طليع ــ الذي سيلمع نجمه في ما بعد في الثورة السورية الكبرى ــ ورفيقه في الجهاد إبراهيم هنانو في اختيارهما لقوات من الثوّار قليلة العدد، وسريعة الحركة، وتتمتع بمعنوية عالية في مواجهة جيش حديث مجهّز بمعدّات ثقيلة.
عرض الفرنسيون على هنانو تسليمه منصب رئاسة حكومة حلب، لكنّ الرجل رفض القبول بتقسيم البلاد، وقد ردّ الفرنسيون بتشديد الضغط على هنانو ومجموعاته خصوصاً بعد القضاء على ثورة الشيخ صالح العلي في جبال العلويين، وتمكّن الفرنسيون من تشتيت شمل الثوار وأضعفوا بذلك موقف إبراهيم هنانو، الذي اضطرّ إلى اللجوء ذات مرّة إلى بيت المجاهد عمر عز الدين، وهو من الموحدين الدروز ومن قرية كفتين.

في الطريق إلى جبل الدروز
ترافق تشتت صفوف الثوار مع نقاش تناول الخطوة التالية بعد تلاشي قوة المتمردين. إذ اتجه فريق منهم نحو الأراضي التركية، بينما فضل قسم آخر، كان هنانو منهم، التوجه نحو الأردن. لكن خيار هنانو ورفاقه كان محفوفاً بمخاطر أكبر لأن اللجوء إلى تركيا كان سهلاً في منطقة الشمال السوري، بينما كان الوصول إلى الأردن مهمة شاقة محفوفة بمخاطر بسبب بُعْد الطريق عبر البادية السورية، وعدم وجود مواقع طبيعية تؤمّن الحماية للثوّار في تحرُّكهم عبر أرض مكشوفة، وفوق هذا وذاك عدم الاطمئنان لولاء العشائر التي تسكن البادية. وكان كل ذلك من العوامل التي تسهّل على الفرنسيين مطاردة الثوار والقضاء عليهم.
افترق هنانو عن إخوانه أصحاب خيار اللجوء إلى تركيا وانحدر بجماعته إلى المناطق الوعرة في قضاء معرّة النّعمان، واتّجهوا شرقاً في السهول، يكمنون في النهار، ويسيرون في الليل، وهكذا حتى أصبحوا شرق السّلميّة، وكانوا نحو ثمانين مسلّحاً أكثرهم من المشاة وكان دليلهم المجاهد هزّاع أيّوب، الخبير بطرق البادية، يقطعها ماشياً على قدميه. لم يطل الأمر قبل أن يدرك الجمع من يبلغهم أنهم مطوقون من قبل القوات الفرنسية وبقوات دعم من البادية عند قرية “عنز”، إحدى قرى السلمية، فقد وفدت إليهم سيّارة تقلّ الشيخ سلطان الطيّار من زعماء العشائر في البادية السورية، يحمل رسالة لهنانو من الكابتن فوزي القاوقجي، الضابط في الجيش الفرنسي حينذاك، يبلغه فيها أنّه وَمَنْ معه، مطوّقون بالقوّات الفرنسية، وبقوّات دعم من قبائل البادية التي تتبع لتلك القوّات، وأن لا نجاة له ولرفاقه الثوار منها، ويعرض عليه الدخول في مفاوضات على الاستسلام، مقابل التعهّد بضمان حياته وحياة من معه من المجاهدين، واعتبارهم كأسرى، إلى أن يصدر العفو عنهم من المندوب السامي الفرنسي. لكن هنانو كعادته فضّل أخذ الطريق الصعب، فرفض العرض وحثّ مع جماعته السير في البادية محاولاً الابتعاد ما أمكن عن مطاردة الفرنسيين. إلا أن هؤلاء أدركوا الثوار بعد يوم واضطر هنانو للانسحاب مع فرسه في مجاهل القفر السوري الوعرة والجافة. وقد أيقن المناضل العنيد بعد أن أنهكه التنقل ومطاردة السلطة الفرنسية استحالة عبور الصحراء السوريّة باتّجاه الأردن، خصوصاً بعد أن فقد الاتصال بدليله، المجاهد هزّاع أيّوب الذي لم يعد يُعرف له مصير.
وبسبب معاناته وحصانه الأصيل من إرهاق السفر والعطش والجوع، قرر هنانو أن يعرج على مضارب بعض البدو لعله يجد لديهم ملاذاً، لكنه سرعان ما سيشعر بالندم إذ ساورته الشكوك في نوايا زعيم عشيرة الخالدية وطريقة تعامله معه، وقد اضطر هنانو بعد ذلك لأن يدفع إلى الأخير بمعظم الليرات الذهبية التي كان يحملها تحت كمره لكي يخلي سبيله بعد أن بات أشبه بمعتقل في مضاربه في انتظار صفقة كان ربما يدبرها مكراً به وغدراً.
بعد تلك المغامرة ترك هنانو مضارب العشيرة واتجه بجواده غرباً، ووصل إلى مدينة حمص التي دخلها متنكراً من جهة الشرق وتوغّل في حي الخالدية، وهو حيّ يغلب الفقر على ساكنيه، وعزم على أن يطرق باباً من أبواب ذلك الحي، كان يريد إيداع حصانه مقابل أجر، ثمّ يمضي إلى المسجد يقضي فيه نهاره مُصَلّياً ومن ثمّ ينام في إحدى زوايا باحته، إلى أن يجنّ الليل، فينسلّ إلى دار صديقه، وزميله، عضو المؤتمر السوري إبّان العهد الفيصلي، عمر الأتاسي، ليتدبّر معه مسألة وصوله سرّاً إلى الأردنّ.
تفرّسَ في الأبواب التي كان يمرّ أمامها، اختار باباً ذا خصائص، يُعَبّرُ عن بساطة أهل تلك الدار التي يتصدّرها، طَرَقَهُ في حمأة ذلك اليوم القائظ، فتح له شابٌّ في مقتبل العمر، وسأله:
أيمكن أن تتفضّل بربط هذا الحصان في ظِلٍّ عندكم لقاء أجر، ريثما أذهب إلى المدينة أقضي فيها حاجتي وأعود؟.
قال الشاب: أهلاً وسهلاً بالعم، إنّ في استطاعتك أنت وجوادك أن تجد لدينا مكاناً للراحة والمبيت، فهلّا دخلت أوّلاً، واسترحت من عناء السفر، فالوقت الآن وقت قيلولة، ونحن في هاجرة النهار…، تفضّل يا عم وادخل، فأنت في دارك وبين أهلك”!، تشجّع هنانو من كلام الشاب، فترجّل. ناول الشاب عنان الحصان، فقاده بدوره إلى مربط في صحن الدار، ثمّ عاد سريعاً حيث أدخله غرفة فقيرة الأثاث، لكنّها نظيفة ظليلة، فرش له حصيراً، ووسائد، ولكنه انتبه إلى ما به من وسخ، فبادره:
ــ مارأيك يا عم بحمّام بارد في عتبة هذه الغرفة لتنظّف جسمك؟، وسآتيك بثياب تلقي بها عنك هذه الأثواب الوسخة، قال هذا، ومضى دون أن يترك له مجالاً للاعتراض، ونقل له إلى العتبة صفائح من الماء البارد، كانت امرأة قد انتشلتها من بئر في باحة من الدار، عرف في ما بعد أنّها امرأة أخي الشاب.
إغتسل، ولبس ثياباً نظيفة منذ زمن خاله دهراً، وجلس آمناً، ثمّ طلب من الشاب أن يذهب بدينار ممّا كان معه، ليأتي له ببعضه غداء من السوق، وعليقاً للجواد، فلبّى الطلب مخلصاً. نام بعدها نوماً عميقاً …
عند الأصيل فُتِح َ باب الدّار، ودخل رجل يرتدي قنبازاً وكفّيّة وعقالاً، أدرك هنانو أنّه صاحب البيت، ويبدو أنّ امرأته لوّحت له من المطبخ المقابل لباب الدّار، اتّجه صوبها، ولم يلبث أن عاد ووقف إلى جانب الجواد، وتفرّس به، ثمّ نقله إلى مكان ظليل من الدّار، بناء على رغبة هنانو بحجّة حمايته من حرّ ذلك اليوم القائظ، وحقيقة الأمر أنّه ــ أي هنانو ــ أراد إبعاده عن العيون كي لا يُرى من خارج الدار كلّما فُتِح بابها، لكنّ الرجل رجع إلى زوجته ودار بينهما همس استمرّ دقائق، ثم أقبل إلى الغرفة حيث يجلس هنانو، حيّاه وجلس، وبادره بالسؤال:” ضيفنا من أي ديرة؟”، قال هنانو:”من ديرة المعرّة، سُرقت لي أغنام، فركبت في أثرها، لعلّي أجدها، ولكن خاب أملي وسلبني قُطّاع الطرق ملابسي، وها قد رماني القدر في داركم”!.
ــ ولكن جوادك أيّها الصّديق هو جواد الزعيم إبراهيم هنانو، عليه تنطبق كل الأوصاف التي رآها البدو، والجنود الذين طاردوا عصابته وطاردوه شخصيّاً في البادية، فهلّا صدقتني القول وطمأنتني عن سلامة الزعيم؟
كان الصدق والتلهّف واضحين في لهجة الرجل وفي عينيه، ولكنه شعر أنّ عليه أن يستوثق من الرجل بحقيقة موقفه منه، فسأله:
ــ ومن أين عرفت أنّ الجواد حصان هنانو؟
قال: أنا جنباز ــ أي سمسار ــ خيل، وإسمي أنيس أحمد الدّقس، قضّيت عمري كلّه في هذه المهنة، والناس كلّهم يلهجون اليوم بقصّة الزعيم هنانو، وجواده الأصيل الذي أنقذه من كل خيول البادية التي طاردته فرسانها، طمعاً بالجائزة التي وَعدت بها فرنسا شيوخ العشائر، أو أيّ اًمن يقبض عليه، والألسن تلهج بالدّعاء للّه أن يحفظ الزعيم، فلا يهلك جوعاً وعطشاً في الصحراء القاحلة، وألّا يقع بيد الفرنسيين، أعدائه وأعداء البلاد كلّها، فهلّا أخبرتني إن كان هذا حصانه، وهلّا طمأنتني عنه؟.
ــ طِب نفساً، وقرّ عيناً، فهذا حقّاً هو حصان هنانو، وأنا رفيقه الذي نجوت معه في الطراد، وهو في مكان أمين، وحرز حريز، لا خوف عليه إن شاء الله، وقد أوفدني إلى حمص بمهمّة، أنا في سبيل إنجازها له، فهل أنت مستعد لمساعدتي؟
ــ قال المضيف: إنّ روحي فداء الزعيم هنانو، وبيتي وزوجتي وأخي وكلّ أسرتي، فهلّا حدّثتني عن مهمّتك؟، أنا رهن إشارتك.
إغرورقت عينا هنانو بالدموع لتأثّره بصدق لهجة الرجل، ولإحساسه بعميق إخلاصه، وأدرك أنّ في وطنه شعباً طيّباً، وأنّ مضيفه مثال حي على أصالته، لقد شفت أقوال هذا الرجل النبيل ما لَقِيَهُ من شيخ بني خالد، الذي كان سلوكه معه أبعد ما يكون عن شِيَم العرب.
لم يجد هنانو بُدّاً، بعد ما لقيه من إكرام الرجل الحمصيّ له، وصدقه، وتعبيره عن الحرص على سلامته، من أن يبوح بحقيقته لمضيفه، فاعترف له بأنّه إبراهيم هنانو، فهمّ الرجل بتقبيل قدميه من شدّة الفرح، وهنانو يبعده عن ذلك، وطلب منه بعد ذلك أن يُسهّل اتّصاله بعُمَر الأتاسي، ليؤمّن له وصوله إلى شرق الأردن، عن طريق جبل الدروز.
ــ ما لنا وهؤلاء الأفنديّة الذّوات، قال الدقس كمن يعرف واقع الحال في مدينته، مضيفاً: أنا الفقير، جنباز الخيل، مستعدٌّ أن أبذل روحي في سبيل وصولك إلى المكان الأمين الذي يكفل سلامتك، ولست أريد أن يعلم أحد غيري بوجودك هنا، وسأقوم من هذه الساعة بإعداد العدّة لسفرك إلى شرق الأردن عبر الطريق الأمينة، وسيكون سفرنا من هنا إلى دمشق، وعبر الطريق العامّة، ولكن عليّ أن أغيّر لك ملامح الحصان، وأن أجد لك الزيّ المناسب الذي لا يلفت النّظر، ولا يثير الشكوك، فإذا وصلنا دمشق، ضمنت لك وصولك إلى جبل الدروز، فهل أنت ضامن في الجبل من يساعدك على الوصول إلى شرق الأردن؟
قال هنانو: نعم، لي فيه من أثق بوطنيّته وإخلاصه وقدرته على العمل.
قال الدّقس: حسناً، سأعدّ العدّة، وليس أمامي غير تغيير أوصاف جوادك الذي أصبح أشهر من داحس والغبراء، والأبجر والخضراء في قصص العرب، ولكنّني أنا الجنباز سأغيّر معالمه وأبدّل أوصافه، وأجعل منه جواداً آخر، لا يمكن لأعظم خبير في الخيل أن يعرفه.
في اليوم التالي، جاء الجنباز بأصباغ، وبمقص للشعر، وأخذ يتلاعب بمظهر الحصان، قصّ بعضاً من شعر لبدته، وقصّ شعر ذيله، وصبغ الغرّة بين ناصيته، والبياض في أرجله، وقصّ وصبغ حتّى لتظنّه إذا ما رأيته حصاناً غيره، ثم ّذهب إلى السوق ببعض نقود من هنانو، وأتاه بلباس كامل لزِي آغوات عكّار، وأبلغه أنّه استأجر رهوانة لعشرة أيّام، وأنهما سينطلقان معاً في الأصيل إلى دمشق، بحيث يكون مسيرهما في الليل، ومن ثمّ يستريحان في النهار تحت ستار الحرّ في شهر تمّوز، إلى أن يصلا غايتهما، دمشق.
قطعا أوّل مرحلة من الطريق، حيث بلغا بلدة ” حسياء”، وفيها قضيا النهار ثم تابعا طريقهما، فبلغا قبيل الصباح قرية “جوبر” ومكثا فيها حتى الأصيل، وكان اليوم يوم أحد، عَبَرا حيّ القصّاع، كان يومها مكتظاً بالناس، عَبَراه دون أن يثيرا شبهة، ووصلا حي الخراب، حيث نزلا فيه ــ هو حارة الجزماتيّة اليوم، إحدى حارات حي الميدان ــ وكان أهل الميدان من أشد المتعاطفين والمتواصلين مع الثورة السورية الكبرى، التي كانت بؤرتها في جبل الدروز آنذاك. وقد كانت خطّة الدقس أن يصل بصاحبه إلى خان ترتاده قوافل جبل الدروز. وفي ذلك الخان التقى هنانو صدفة برفيق جهاده هزاّع أيوب، الذي كان على علاقة وطيدة بمجاهدي الدروز، عندها أمّن الدقس على ضيفه، ودّعه وقفل عائداً إلى حمص، أمّا هنانو فتابع طريقه إلى جبل الدروز مبتعداً عن الطرق المألوفة التي يراقبها الفرنسيون، فعبر قرى غوطة دمشق الظليلة متجنّباً الطّرق الرّئيسية باتجاه الجنوب الشرقي، إلى قرية الهيجانة، وحلّ ضيفاً على الوجيه حسين إيبش الذي رحّب به، لكنه ــ أي إيبش ــ اعتذر عن توفير الحماية له بسبب دوريات الجيش الفرنسي التي تتجوّل في المنطقة بشكل متواصل، فأوضح هنانو له بأنّه يريد الوصول إلى جبل الدروز، وإلى قرية الخالدية بالتحديد، قاصداً شيخها المجاهد حسين عز الدين، فما كان من الإيبش إلّا أنْ أرسل معه فارساً من رجاله رافقه إلى الخالدية، وأرشده إلى مضافة حسين عز الدين حيث يريد، ثم عاد إلى حيث أتى.

حلّ هنانو ضيفاً على شيخ قرية الثعلة المجاهد نجم عزّ الدّين الحلبي وبقي في داره محروساً إلى أن قرّر التوجّه لزيارة سلطان باشا في «القرَيّا»

الجنرال غورو يستعرض الجيش الفرنسي بعد احتلال دمشق
الجنرال غورو يستعرض الجيش الفرنسي بعد احتلال دمشق

هنانو نوّه بدعم الموحدين الدروز في الجبل الأعلى لثورته وتضحياتهم الكبيرة بالأرواح والأموال، وعلى الأخص الموقف المشرف لآل قصّاب باشا، وآل النجار، وآل عز الدين، وغيرهم من الأسر المجاهدة في الجبل الأعلى..

الجماهير تحيط بالمجاهد إبراهيم هنانو بعد تبرئته من قبل المجلس العرفي الفرنسي
الجماهير تحيط بالمجاهد إبراهيم هنانو بعد تبرئته من قبل المجلس العرفي الفرنسي

 

هنانو في جبل الدروز
يذكر المجاهد علي سيف الدين القنطار في مخطوطة له تتناول تلك الحادثة، فيقول:”وصل هنانو إلى الخالدية متخفّياً بُعّيد منتصف الليل، ومن عادة بني معروف آنذاك أن يبتنوا المضافة في ركن جانبي من الملك الخاص – بحيث يكون بابها مفتوحاً إلى الطريق العام- لتسهيل دخول الضيوف. وبينما كان المجاهد أبو يوسف حسين عز الدين نائماً في مضافته، أحسّ بوقع أقدام تقترب، فَلَقّمَ بندقيّته، ومدّها إلى جانبه، وتظاهر بالنوم، وقال لنفسه:”إذا كان القادم حرامياً بيكون قَدَرو ساقو لَموتو، وإذا كان ضيفاً أهلاً وسهلاً به…”.
كان باب المضافة مغلقاً غير مقفل ــ فليس من اللائق إقفال باب المضافة عند الدروز، حتى ولو كان صاحب البيت غائباً، وعندها تُتْرك ضلفة من الباب مفتوحة، والأخرى مغلقة لاستقبال أي ضيف، حتى في غياب المُضيف ــ، طَرق هنانو الباب بهدوء، وعندما لم يُفتح له، فتحه بنفسه على حذر، ودخل، أغلق الباب خلفه على مهل ثمّ أسند له ظهره وتنفّس آمناً، لحظتئذٍ أدرك أبو يوسف أنّ الرجل طالب استجارة يبحث عن مأمن، ولابدّ أنّه قد وصل غايته.
تقدّم طارق الليل من قنديل الكاز في ركن المضافة، وقوّى الضوء الخافت في رأس ذبالته فأضاء المكان، ثم تقدم باتجاه أباريق القهوة وتلمّس الغلّاية، وجد في قهوتها بقيّة دفء، سكب لنفسه ثلاثة فناجين منها، وأشعل سيجارة، وجلس.
نحّى حسين عز الدين بارودته جانباً تحت اللحاف، ونهض من فراشه، قائلاً للطارق:” أهلاً وسهلاً بك يا ضيف، اطمئن عِدّك ببيتك، أنا رايح للبيت أجيب لك عشاء.”.
قاطعه الضيف:”كثّر الله خيرك، أنا تعبان ونعسان، ومالي نفس على الأكل، أريد أن أنام إذا تكرّمت، والصبح إن شاء الله نأكل اللي فيه النصيب”.
نزل أبو يوسف حسين عند رغبة ضيفه، فمدّ له فراشاً ولحافاً ووسائد في المضافة،ــ كانت المضافات في جبل الدروز بمثابة فنادق ومطاعم مجّانية، إذ لم يكن من فنادق في الجبل آنذاك، وكانوا يعتبرون الضيافة المأجورة عاراً ــ .
مع الفجر نهض الشيخ حسين كعادته مبكراً، صرّف أمور رزقه، وأشرف على إطلاق مواشيه مع رعاتها، وأعدّ القهوة المرّة لزائريه المنتظَرين، فتقديم القهوة المرّة للزائرين والضِّيفين أوّل واجبات المضيف، ــ كان هذا نمط حياة المشايخ والوجهاء آنذاك.
مع شروق الشمس كان الضيف قد نهض من نومه مطمئنّاً بعد عناء يومه السابق، حيّاه مضيفه، وأرشده إلى غرفة صغيرة مُعدّة للضيوف القادمين من دروب بعيدة فاغتسل، ولم يلبث أن عاد منتعشاً ، فتناول قهوة الصباح من يد المضيف، ولم يطل الوقت حتى جيء بالفطور، أكلا معاً، ولم يسأله عن نفسه أي سؤال، أمّا هو فلم يبُح بسرّه.
أَوعزَ صاحب البيت بتحضير وليمة واجب للضيف، والتقليد يقضي بدعوة وجهاء الضيعة لمشاركة الضيف في تناول الطعام، وذلك هو شكل من أشكال تكريم الضيوف بغض النظر عن كونهم معروفين أم لا.
في ذلك الحين، صدف وجود ضيف آخر في الخالدية قادماً من جبل السمّاق، من ديار حلب، وهو ضيف على أخيه حسين الحلبي، المقيم في القرية ــ ممّا يجدر ذكره أنّ أعداداً كبيرة من العائلات التي تنتمي للموحدين الدروز، ومنهم آل عز الدين، قد تمّ تهجيرهم من ديار حلب سنة 1811م إثر فتنة طائفية ” وحملة إبادة همجية شنّها عليهم (طوبال التركي) أحد الولاة العثمانيين المتطرّفين، فنزح منهم نحو ستمائة عائلة إلى لبنان ثم إلى جبل حوران”، يذكر هذا نايف جربوع في كتابه”دراسات في العامّية”، وكانت تلك الحملة الهمجية ضد الموحّدين الدروز في الديار الحلبية متأثّرة بالحركة الوهّابية التي هاجم أتباعها بلاد الشام والعراق في العهد العثماني في ذلك الوقت، ومعظم تلك الأسر لم يزل يحمل كنية “الحلبي” إلى يومنا هذا، ولم تزل الصّلات مستمرّة إلى الآن بين المُهَجَّرين، وبين من تبقّى من أقاربهم في تلك الدّيار ــ كان الضيف وإسمه” علي” مدعُوّاً مع أخيه حسين إلى الوليمة، وحالما دخل المضافة، فقد عرف الضيف. خاطبه باحترام جَمّ” كيفك يا زعيم، ألف الحمد لله على سلامتك” لَفَتَ هذا الخطاب الحارّ انتباه الحاضرين، وخصوصاً المُضيف، وما أن أخذ الضيف “علي” مكانه بين الحضور، حتّى أشار إليه أبو يوسف حسين إشارة خفيّة ثمّ خرج وإيّاه خارج المضافة، وسأله همساً:” مين هو يالزعيم اللي سلّمت عليه بها الحرارة يا علي؟”.
ــ سؤالك يدلّ على إنّك مش عارف ضيفك ياعمّي!.
ــ بالحقيقة أنا ما سألتو، وهو ما عرّف عن نفسو.
ــ ياعمّي أبو يوسف، ضيفك هو الزعيم إبراهيم هنانو، زعيم ثورة الشمال، والفرنساويي عم يلاحقوه.!
أدرك أبو يوسف عِظَمَ مسؤوليته تجاه ضيفه غير العادي، وقال لعلي:” الحمد للّه أَللي كرّمناه كَرَم ضيافة، لاكرم وجاهة، ومن دون أن نعرفه”.
بعد الغداء انصرف المدعوّون، ولم يبقَ في المضافة إلّا الضيف مع مضيفه، عندها باح هنانو بحقيقته، وأنّ الفرنسيين يطاردونه فطمأنه أبو يوسف:” أنت عندنا يا زعيم أمنع من عقاب الجو، فلا تحسب أيّ حساب، أنت بين أهلك وعشيرتك، ونحن أصلنا من عندكم، من جبل السمّاق”.
إطمأنّ هنانو إلى حسين عز الدين، وشعر أنّه في مأمن بعد الذي عاناه من متاعب، وطلب منه أن يسهّل له الوصول إلى السويداء، إلى بيت المجاهد علي عبيد، ومن هناك سيمضي إلى الأردنّ.
لم يكن أمام المضيف إلّا أن يلبّي مطلب ضيفه، فكلّف جادو الحلبي، وهو أحد أفضل من يثق بهم من رجال قريته، الخالديّة، أوصاه بمرافقته في الطريق، باتا ليلة قبل وصولهما السويداء في قرية بريكة، في بيت المجاهد وهبي الحلبي، وفي مساء اليوم التالي، وصلا بيت المجاهد علي عبيد في السويداء، يصف هنانو وصوله إلى بيت علي عبيد فيقول” قصدته واثقاً من إخلاصه رغم عدم معرفتي به من قبل، وهو شخصيّة وطنيّة في الجبل، لمّا بلغت داره استقبلني ولده نايف، ورحّب بي ترحيباً حارّاً كضيف، وأنزلني في غرفة الضّيافة، ثمّ ذهب يدعو أباه من مضافة أحد أصدقائه..”، عندما جاء علي عبيد من زيارته، رحّب به أكثر، فقد عرف ضيفه، وفاجأه بسؤاله:” ألست في حضرة القائد المجاهد إبراهيم هنانو؟” قال هنانو نعم يا أبا نايف، ولكن كيف عرفتني؟” قال:” كان هزّاع أيّوب ضيفي هنا منذ بضعة أيّام، وقد ضاع منكم صبيحة يوم هوجمتم في البادية، إذْ رحلتم وخلّفتموه مستغرقاً في النوم، ولم يستطع اللحاق بكم، بسبب تعرّضكم للهجوم، وجَدَّ وَحْدَهُ يقطع البادية، حتّى جاءني هنا، وحدّثني عنكم، وسألته عن أوصافكم، فلمّا وقعت عيناي عليكم الآن، عرفت أنّ ضيفي هو إبراهيم هنانو.
احتفى علي عبيد بضيفه وأكرمه، غير أنّ الحذر من رقابة الفرنسيين المشدّدة على دارته في السويداء، أوجب أن ينتقل هنانو ليلاً إلى قرية الثّعَلَة غرباً بنحو بضعة عشر كيلو متراً. في تلك القرية حلّ هنانو ضيفاً على شيخها المجاهد نجم عزّ الدّين الحلبي، الذي رحّب به غاية الترحيب، وبقي في داره محروساً أيّاماً عدة، قبل أن يتابع طريقه إلى سلطان باشا في “القرَيّا”.

فارس قصاب أحد مجاهدي ثورة هنانوa
فارس قصاب أحد مجاهدي ثورة هنانوa
رشيد بيك طليع
رشيد بيك طليع
الملك عبد الله الأول أدرك الواقع الدولي الجديد فلم يستجب لدعوة هنانو إلى استمرارالثورة على المنتدب الفرنسي
الملك عبد الله الأول أدرك الواقع الدولي الجديد فلم يستجب لدعوة هنانو إلى استمرارالثورة على المنتدب الفرنسي
المجاهد هزاع أيوب لعب دوراً مهما في ثورة الشمال خصوصا على صعيد تأمين الاتصالات بين هنانو وبين المقاتلين على مختلف الجبهات
المجاهد هزاع أيوب لعب دوراً مهما في ثورة الشمال خصوصا على صعيد تأمين الاتصالات بين هنانو وبين المقاتلين على مختلف الجبهات

هنانو في ضيافة سلطان باشا الأطرش
يقول سلطان باشا في “أحداث الثورة السوريّة الكبرى”: “وفي أثناء تلك الفترة التي كنّا نعيش فيها تلك الأوضاع السيّئة ونتلمّس طريق الخلاص منها، قدم إلى الجبل إبراهيم هنانو، كانت فرنسا قد شكّلت ما سُمّي
بـ “حكومة جبل الدروز”، وحُدّد لتلك الدولة علم خاص بها ويوم استقلال في الخامس من نيسان.وقد أعلنّا استنكارنا لهذا الاستقلال المحلّي، وتجزئة بقيّة أرجاء الوطن إلى دويلات…”، ويذكر سلطان بأن فرنسا كانت تعمل لإفشال تلك الحكومة المحلّية بهدف” بسط نفوذها الشامل على الجبل، وإقامة حكم فرنسي مباشر فيه…”.
يصف سلطان لقاءه بهنانو بأنّه كان مفيداً للغاية، وأنه أطلعه خلال تلك الفترة القصيرة التي مكثها عنده في القريّا على وقائع ثورته في الشمال، ووصف له أهمّ معاركها، وكيفية اتصالها بثورة الشيخ صالح العلي التي نشبت في جبل العلويين. كما حدّثه عن الظروف الصعبة التي حالت دون نجاح ثورته واستمرارها في تلك الجهات، وبأنه ــ أي هنانو ــ أشاد ببطولة إخواننا دروز الجبل الأعلى، وبتعاونهم الصادق معه، وتضحياتهم الكبيرة بالأرواح والأموال، ونَوَّهَ بالمواقف النبيلة والمشرّفة لآل قصّاب باشا، وآل النجار، وآل عز الدين، وغيرهم من الأسر المجاهدة المعروفة في الجبل الأعلى.
ويذكر سلطان بأن هنانو أبدى له إعجابه بالموقف الجريء لرشيد طليع، وتقديمه المساعدات القيّمة له ولقادة ثورته، على الرغم من مراقبة الفرنسيين الشديدة له، وتتبّعهم لحركاته بصفته والياً على حلب منذ العهد الفيصلي.
كما يقول سلطان:” تأثّرت بأحاديث هذا الرجل المقدام، وأُعجبت بصراحته، وعظيم تقديره، ووفائه لكل من شارك بثورته من الأفراد والجماعات، فقد أحاطني علماً بأخبار الحركات التي قامت ضد الفرنسيين في أنطاكيا ودير الزور، والجزيرة الفراتية وتلكلخ”.
في هذه الفقرة ممّا يُعتبر مذكّرات سلطان باشا عن الثورة السوريّة الكبرى، وفي الصفحة 65، نستشعر عمق معاناة الرجلين الثائرين، الضيف والمضيف، هنانو وسلطان، وتلك كانت خلاصة لقائهما قبل افتراقهما، يلخّصها سلطان فيقول:” ومع أنه كان متفائلاً بالعودة إلى ميادين الجهاد، مُظهراً رغبته بالتعاون المجدي الفعّال معنا، إذا ما تهيّأت ظروف مناسبة لاستئناف الكفاح، فقد أبدى لي أسفه وردّد مراراً وهو يتأوّه هذا القول:”لن يتحقّق لنا نصر مُؤزّر على المستعمرين مادمنا نقول أكثر مما نفعل، ومادمنا لا نراعي مشاعر جميع المواطنين التي تستوجب من شيوخنا الكبار رفع شعار “الدين للّه والوطن للجميع”.
وفي النهاية، يقول سلطان:”حاولت أن أقنع ضيفنا بالبقاء في ديارنا، مبدياً له استعدادي التام لتحمّل جميع المسؤوليّات المترتّبة على ذلك، ولكنه اعتذر وأصرّ على الرّحيل إلى شرق الأردن، فأرسلت معه عندئذ ثلاثة رجال لمرافقته إلى بيت حمد البربور في أم ّ الرمّان”.
يذكر زيد سلمان النجم في كتابه “أحداث منسيّة وأبطال مجهولون” عن الأستاذ جاد الله عز الدين، أسماء أولئك الفرسان الذين كلّفهم سلطان بمرافقة هنانو إلى أم الرمّان، وهم: جادو الحلبي وسلمان الحلبي وجاد الله شلهوب، ومن هناك، بعد أن أمضى أيّاماً في قرية أم الرمّان معزّزاً مُكرّماً، سار هنانو بحراسة فرسان من أم الرّمّان، لهم خبرة بطرق البادية، فوصلوا به آمناً إلى عمّان.

إبراهيم هنانو في إمارة شرق الأردن
وفي ما يتعلّق بوصول هنانو إلى الأردنّ، يكتب منير الرّيّس عن لسان هنانو الذي يقول: ” واجتمعت هناك بإخواني أحرار الشام اللاجئين، وعرفت منهم أنّ الأمير عبد الله بن الحسين خيّب ظنّهم به وبوالده (الشريف حسين) وأسرته، لذلك ضاعت كلّ الآمال التي بنيناها حول مساعدة سوريا في محنتها”.
لم يكتفِ هنانو بما سمعه من أحرار الشام في عمّان، بل أصرّ على مقابلة الأمير الهاشمي على انفراد، وفي تلك المقابلة شدّد هنانو على أن الفرصة سانحة لتنظيم ثورة في جنوب سوريا تطرق أبواب العاصمة دمشق، وغوطتها، بالاعتماد على مساعدة إمارة شرق الأردن. لكن الأمير عبد الله المعروف بذكائه وإلمامه بالوضع الإقليمي رأى أن مشروع هنانو لم يعد سهلاً بعد أن استتب الأمر للفرنسيين وتشتت شمل جيوش الدولة العربية وتفرقت صفوف الثوار، لذلك فقد اعتذر بلطف عن دعم الفكرة.
قبل ذلك كان سلطان باشا الأطرش ورفاقه قد سعوا لإعلان دعمهم المطلق للملك فيصل الاول على أمل تشجيعه على مقاومة المخطط الفرنسي البريطاني والصمود في وجه الفرنسيين ومشروع الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. ويذكر سلطان في كتاب “أحداث الثورة السورية الكبرى” (ص 57) بأنّه كان في بلدته القريّا عندما وردت إلى جبل الدروز أخبار زحف الجيش الفرنسي إلى دمشق، فما كان منه إلّا أن دعا إلى اجتماع لبحث الموقف، وقد تقرّر في ذلك الاجتماع الاستعداد للدفاع عن استقلال البلاد، وانطلقت باتجاه دمشق حملة من المشاة والفرسان، تعدادها نحو ثلاثة آلاف مقاتل، وفي قرية المزرعة “السّجن سابقاً” باتوا ليلتهم، هناك، ووصل إليهم نبأ دخول الجيش الفرنسي دمشق وانسحاب الملك فيصل وحاشيته منها، فشكّل سلطان وفداً من حمد البربور، وصيّاح الأطرش وعبد الله العبد الله، كانت مهمته الاتّصال بفيصل ودراسة الموقف معه، ودعوته إلى الجبل من أجل متابعة الكفاح ضد الفرنسيين، وقد تمّ اختيار نحو خمسين فارساً من أشدّ فرسان الجبل، وأصلبهم مجابهة في ميادين القتال، ليكونوا حرساً للملك في حال قبوله الفكرة، واستحسانه الاقتراح، ولكنّه غادر البلاد عن طريق درعا، وتوجّه بالقطار إلى فلسطين، قبل أن يتمكّن الوفد من مقابلته، ومع ذلك فقد لحق به حمد البربور وعبد الله العبد الله وحاولا الاتّصال به في حيفا، فقيل لهما أنّه على متن الباخرة المسافرة إلى أوروبّا، فلحقا به إلى الباخرة، وعرضا عليه دعوتنا، إلّا أنّ جوابه كان بما معناه أنّ الأوان قد فات” (انتهى كلام سلطان باشا).
وهكذا، فإنّ حقيقة هذه الأحداث لا يمكن أن تخفى على هنانو، ولابد أن تكون الأحاديث بينه وبين سلطان عند استضافته له قد تطرّقت إليها.
خرج هنانو من اجتماعه بالأمير عبد الله محبطاً، إذ رأى في موقف الأمير أنه لم يعد هناك أي أمل في إيقاد نار الثورة مجدداً ضد الفرنسيين، لذلك فقد عزم على مغادرة الأردن وطلب من إخوانه السوريين هناك، أن يتدبّروا له جواز سفر أردنياً، يستطيع بواسطته أن يغادر البلاد العربية إلى الغرب للتّداوي، ففعلوا، وذهب إثر ذلك إلى فلسطين في طريقه إلى الغرب، لكن الإنكليز الذين كانوا يرصدونه، ويعتبرون وجوده غير مرغوب فيه في الأراضي الأردنيّة، قبضوا عليه في القدس، وسلّموه إلى أعدائه الفرنسيين، الذين نقلوه إلى السّجن العسكري في حلب. وقد نقل منير الرّيّس هذه الوقائع عن لسان هنانو نفسه.
وهكذا لم يُوَفّق الزعيم الثائر إبراهيم هنانو في مساعيه لاستئناف الثورة على الفرنسيين بعد مغادرته جبل الدروز وعدم قبوله نصيحة سلطان بالبقاء في الجبل، إذ جرت اتّصالات بين السلطات الفرنسيّة والبريطانية لتسليمه لفرنسا، وفقاً لاتفاقية بين الدولتين اللتين اقتسمتا السيطرة على بلاد الشام، وكان الشيخ كامل القصّاب قد حصل على إذن بإسم هنانو لدخوله فلسطين من دون معارضة.
سافر القصّاب وهنانو إلى القدس ــ التي كانت عاصمة لدولة فلسطين تحت السيطرة البريطانية ــ رغم تنبيه الأمير عبد الله له بعدم السفر إليها، وحذّره من غدر الإنكليز. وفي فندق “مُرْقُس” في باب العمود في القدس قَدِمَ إلى هنانو مدير الشرطة الإنكليزي وأخذه إلى سجن المسكوبية، يوم 13 آب، ومن ثمّ قام الإنكليز بتسفيره من القدس، وسلّموه للسلطات الفرنسيّة على الحدود السورية، حيث ساقوه إلى بيروت مُكبّلاً، ثمّ وصلوا به إلى حلب، وزجّوا به في سجن “خان اسطنبول العسكري”.
في حلب قدّم الفرنسيّون الزعيم السجين إلى محكمة عسكرية، أمام مجلس عرفي، وقد وُجّهت إليه تهم السلب وقطع الطرق والقتل، وهنا تطوّع عدد من كبار المحامين للدفاع عنه، منهم فتح الله الصقّال، المحامي المعروف آنذاك، وهو أحد خرّيجي جامعة السوربون في باريس. وفي النهاية، ثبت بالدليل القاطع أن إبراهيم هنانو لم يكن كما وُصِف واتُّهِم من قبل الفرنسيين، قاتلاً وقاطع طرق، بل كان مناضلاً وطنيّاً، دافع عن كرامة شعبه وحقه في الحرّية والاستقلال. وهو لم يظهر في المعارك التي خاضها ضد الفرنسيين أية مخالفة لقواعد الحرب، بل حافظ على هيبة أعدائه وكرامتهم ما استطاع،. مثال على ذلك أن رئيس المحكمة العسكرية، الفرنسي، سأله أثناء المحاكمة عن عدد أفراد عصابته في إحدى معاركه ضد الجيش الفرنسي، وكان النصر فيها للمجاهدين، فأجاب هنانو بعد تَفَكُّر، بأنّهم أكثر من ألف مسلّح، وبعد أن تعدّدت جلسات المحاكمة، وكرّر رئيسها السؤال نفسه في جلسة أُخرى، سكت هنانو، ولمّا أصرّ رئيس المحكمة على سؤاله، أجابه الزّعيم هنانو أنّ عدد المجاهدين كان بضع مئات، فانتفض رئيس المحكمة غضباً، واتّهم هنانو بالكذب، لأنّ جوابه في هذه المرّة يناقض جوابه في المرّة السابقة، فوقف هنانو وصاح برئيس المحكمة: “أنا لا أُتّهم بالكذب! ولكنّك سألتني عن عدد قوّاتي في معركة هُزِمَ فيها الجيش الفرنسي، وهو ألوف مؤلّفة، فأردت أن أحفظ كرامة فرنسا أمام المستمعين، لذلك قلت إنّ عدد قوّاتي أكثر من ألف مُسَلّح…ثمّ أحرجتني اليوم بالسؤال نفسه، فأردت أيضاً أن أبقي لفرنسا كرامة جيشها، فقلت إنّ عدد المجاهدين كان بضع مئات، أمّا وأنت تتّهمني بالكذب، فإنّني أقول صادقاً إنّ عدد المجاهدين الذين هزموا الحملة الفرنسيّة لم يكن أكثر من ستّين مسلّحاً!”، فوجم رئيس المحكمة، وأخفض رأسه، وتابع سير المحاكمة.
استغرقت محاكمة إبراهيم هنانو مدّة طويلة، كان الحكّام العسكريون هم الخصم والحَكَم، وكانت شهادة المجاهدَيْن الدرزيين عمر عز الدين من قرية كفتين، وعلي قصّاب من معرّة الإخوان ــ من قرى الجبل الأعلى ــ إلى جانب شهادة أحمد المدرّس، في صالح هنانو، وقد برّأته المحكمة من التّهم المنسوبة إليه، وخرج الزّعيم من السجن رافع الرأس ، فخوراً بجهاده من أجل حرّية وطنه، ولمّا تقدّم من الضابط الفرنسي، رئيس المحكمة، ليشكره على خلاصة الحكم، قال له الضابط: “لا تشكرني أنا، بل إشكر القانون الفرنسي، ومبادئ الثورة الفرنسية التي برّأتك بعد أن ثبت للمحكمة أنك مجاهد تدافع عن حرّيّة بلدك، ولست شقيّاً خارجاً عن القانون. ولو تُرِك الأمر لي، لأمرت بإعدامك”.
لكن هنانو الذي لم يربح معركة المواجهة المسلّحة ضد المحتل الفرنسي، ربح حبّ شعبه له، فاحترمه السوريون عامّة، ومواطنوه الحلبيّون خاصة، وتولّى زعامة الحركة الوطنية في حلب، وكان نصيراً للثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش، سنة 1925م، ولمّا دعيت البلاد سنة 1928 لانتخاب جمعية تأسيسية، ووضع الدستور السوري، انتُخب هنانو عن حلب، واختير رئيساً لِلَجنة الدستور في الجمعية التأسيسية، فأتمّ وضعه، وكان دستورسنة 1936.
وإلى جانب إبراهيم هنانو، ناضلت شقيقته، زكيّة هنانو، وقد أطلق عليها بحق لقب” المجاهدة” إذْ كرّست حياتها في سبيل وطنها، وفي سبيل المبادئ التي ناضل من أجلها شقيقها إبراهيم، فَضَحّت بكل ما تملكه لدعم الثورة، وشراء السلاح والذخائر للثوّار، كما كانت تجتمع سرّاً مع الشخصيّات الوطنية لتوحيد كلمة الثورة، وقامت بدور همزة الوصل بين شقيقها والزعماء الوطنيين، بالإضافة إلى قيادتها المظاهرات النسائية ضد الاحتلال الفرنسي، حيث كانت تتعرّض لإطلاق النار والتعذيب، كل هذا جعل من زكيّة هنانو مثالاً أعلى للمرأة السورية والعربية عموماً.
وكلمة حق يجب قولها، إنّ المجاهد إبراهيم هنانو ظل وفيّاً لوطنه، مخلصاً لمبادئه إلى آخر يوم في حياته الغنية بالجهاد، وهو عندما أحسّ بدنوّ أجَله صبيحة يوم الخميس الواقع في الثاني من تشرين الثاني من سنة 1935، قال لمن حوله:” قولوا لأُخوتي: الوطن بين أيديهم”.
هكذا توفّي هنانو، تاركاً عبَقاً طيّباً من ذكريات جهاده على صفحات التاريخ، وأحاديث متداولة في ذاكرة الأحفاد من بني معروف، في محافظة السويداء، تخبرك بأن الزعيم المجاهد إبراهيم هنانو مرّ من هنا.

هنري غورو الذي قاتل الثوار في سوريا بعد تعيينه قائداً للقوات الفرنسية في الشرق وممثلاً للسلطة الفرنسية المنتدبة

هنري غورو الذي قاتل الثوار في سوريا بعد تعيينه قائدا للقوات الفرنسية في الشرق وممثلا للسطلة الفرنسية المنتدبة
هنري غورو الذي قاتل الثوار في سوريا بعد تعيينه قائدا للقوات الفرنسية في الشرق وممثلا للسطلة الفرنسية المنتدبة

 

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader