واقع الكهرباء في لبنان

واقع الكهرباء في لبنان

معمل-الزوق
0 154

أزمة الكهرباء المستمرة في لبنان
«تكهرب» الحياة الاقتصادية والسياسية

التقنين الجائر للكهرباء يضاعف تكلفة الطاقة للمؤسسات
ويعرقل الإنتاج ويضعف تنافسية المنتجات والخدمات اللبنانية

45% من طاقتنا الكهربائية مهدورة أو مسروقة
ولبنان البلد العربي الأول في هدر الكهرباء

20 مليار دولار خسائر قطاع الكهرباء في 20 عاماً
والخسارة السنوية قفزت إلى ملياري دولار سنة 2012

الوزير الراحل جورج فرام سعى الى وقف المهزلة
فاضطرته مافيا الكهرباء لترك الحكومة

ظلمة-ترهق-الاقتصاد
ظلمة-ترهق-الاقتصاد

تتعاظم العوامل المؤثرة على الحركة الاقتصادية في لبنان، وتأخذ معظمها مندرجات سلبية تشدُّ العربة الى الوراء، رغم أن الطرقات التي تسلكها هذه الحركة بإتجاه تحقيق غايتها وعِرة بالأساس، وهي ليست مفروشة بالورود والياسمين.
فالمسالك التشريعية التي تحكم النشاط الاقتصادي صعبة، وفيها الكثير من القساوة من جرّاء التركيبة المُعقَّدة للبرلمان اللبناني المُشكَّل من خليط سياسي وطائفي متنوع، على الرغم من اعتماد لبنان نظام الاقتصاد الحر، أو ما يُعرف بـ “إقتصاد السوق” المُكرَّس بالدستور في البند(و) من مقدمته، كما أن المتاعب المُتأتية من الصعوبات الجغرافية والديمغرافية واسعة جداً، خصوصاً لناحية وجود معظم الحركة الاقتصادية في مناطق محددة، لاسيما في المُدن الكبرى، وفي المنطقة الساحلية، ناهيك عن التمرّكز الذي يغلب عليه الطابع الطائفي لبعض هذه الحركة. والجغرافيا الداخلية اللبنانية، والمحيطة بلبنان، تفرض أيضاً عوامل مؤثرة على الاقتصاد، وتنعكس عليه ايضاً وايضاً تقلبات المناخ الذي يختلف كثيراً بين الساحل والجبل والداخل في سهل البقاع.
وإذا كان الامن هو المُعضلة الاقوى التي تواجه حركة نمو الاقتصاد اللبناني، إلاَّ أن موضوع الاخفاق الكهربائي الذي يفرض التقنين لساعاتٍ طويلة، أصبح عاملاً سلبياً واسع التأثير على الاقتصاد، يُكبِّل حركته على الرغم من المقومات الموضوعية الايجابية التي تنبسط امام النشاط الانتاجي جرّاء المهارة الشخصية العالية للبنانيين، ولتوافر بعض القيِم المضافة التي تتوافر كمحفزات للاقتصاد، ومنها خصوصاً البيئة العلمية الكفوءة، والقدرات الادارية، والحاضنة التشريعية المقبولة.

اولاً: واقع الكهرباء في لبنان
تعرَّف لبنان على الطاقة الكهربائية من خلال نشاط القطاع الخاص، وتولَّت الشركات الخاصة الانتاج، حيث بدأت العمل بالطرق البدائية في سنة 1925 في بيروت، ثم في طرابلس، ومن بعدهما انتقلت الى المدن اللبنانية الأخرى، بعد حصولها على الإذن من السلطات الرسمية المختصَّة، وفقاً لنطاق جغرافي حددته الدولة، يتضمَّن الانتاج والتوزيع.
في سنة 1954، استردَّت الدولة اللبنانية الامتيازات الممنوحة من الشركات بالتراضي، ولاسيما امتياز “التوزيع العام للطاقة في مدينة بيروت وضواحيها”، وامتياز “انشاء واستثمار شبكة توزيع الطاقة الكهربائية تحت التوتر العالي”، وامتياز “انشاء واستثمار مصنع كهربائي في نبع الصفا” . 1
في 10/7/1964، أُنشئت مؤسسة كهرباء لبنان، وحُددت مهامها
بـ “انتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية على كافة الاراضي اللبنانية”، وقد منحت هذه المؤسسة امتيازات لإدارة القطاع في بعض المناطق، منها كهرباء زحلة، وكهرباء قاديشا، وكهرباء عاليه.
تملك المؤسسة حصرية الانتاج من سبعة معامل حرارية تعمل على الفيول والديزل والغاز، في الذوق والجية وصور وبعلبك والزهراني ودير عمار والحريشة. الطاقة الانتاجية المفترضة لهذه المعامل هي 2038 ميغاواط، ولكنها فعلياً تنتج 1685 ميغاواط كحدٍ أقصى . 2
كما تملك المؤسسة ثلاثة معامل انتاج على الطاقة المائية، وهي معامل الليطاني، ومعامل شركة نهر البارد، ومعامل نبع الصفا، والقدرة الانتاجية الدفترية لهذه المعامل 220,6 ميغاواط، ولكنها فعلياً لا تنتج تلك الكمية.
وتدير المؤسسة شبكة واسعة من خطوط النقل الرئيسية، تبلغ أطوالها نحو 1615 كلم، منها 1336 كلم هوائي، و279 كلم تحت الأرض، ولكنها في الوقت ذاته تحتاج الى وصلات اضافية، خصوصاً وصلة المنصورية الهامة، التي مازالت متوقفة نظراً للخلاف حولها، والذي أخذت طابع المزايدة السياسية، رغم أن الرئيس رفيق الحريري اقترح تمديدها تحت الارض منذ سنة 2004.
تقدّر حاجة لبنان للطاقة حالياً بـ 2250 ميغاواط، مع معدل نمو سنوي في الاستهلاك يقدَّر بنحو 3 في المئة، مما يوصِل حاجة لبنان الى 2500 ميغاواط في حدود سنة 2020، علماً أن الخطة التي أقرّتها الحكومة في ايلول 2011، وصادق عليها مجلس النواب، لحظت توسيع الانتاج الى 700 ميغاواط اضافية، بكلفة 1200 مليون دولار، ولم يُنفذ من هذه الخطة أي شيء حتى اليوم، بإستثناء استئجار باخرتين تركيتين تُنتجان اقل من 200 ميغاواط.

” ما هو سرّ الفشل المستمر منذ 20 عاماً
في وقف النزف المستمر وإصلاح القطاع “

ثانياً: مشاكل قطاع الكهرباء
من المفيد الإشارة الى أنه ومنذ سنة 1992، أي بُعيد انتهاء الحرب الاهلية، كان وزير الطاقة – المسؤول فعلياً عن ملف الكهرباء- ينتمي الى فريق سياسي معين، وعند تشكيل كل حكومة جديدة كان لافتاً تمسُّك هذا الفريق بطلب تولي هذه الوزارة، وقد أُقصي الوزير الراحل جورج افرام عنها سنة 1993 لأنه لا ينتمي الى هذا الفريق، وبسبب رفضه شراء معامل انتاج قديمة، أُثيرت حولها الشبهات، ولاسيما في بعلبك ودير عمار.

وبموجب تقنين التيار الكهربائي تحصل معظم المناطق اللبنانية على 16 ساعة يومياً، ما عدا بيروت التي لحظ لها مجلس الوزراء تغذية على مدى 21 ساعة في اليوم، إلا أن برنامج التقنين الذي توزعه مؤسسة كهرباء لبنان لا يلتزم هذه المدة، جرّاء المشاكل الناتجة عن الاعطال المُتكررة، وعدم قدرة الشبكة على تحمّل زيادة الاستهلاك في مناطق عديدة من جرّاء تزايد عمليات السرقة. كل ذلك يؤدي الى فوضى عارمة في برنامج التغذية، ويسبب ارباكاً كبيراً لدى المواطنين، ولدى القوى الانتاجية في القطاعات الصناعية والسياحية والزراعية والتجارية والخدماتية.
ينتج لبنان حوالي 72 في المئة من حاجته (تقديرات 2012)، ورغم هذا النقص الكارثي بالمقاييس العالمية للتنمية، تخسر مؤسسة كهرباء لبنان 45 في المئة من هذه الطاقة المُنتجة عن طريق الهدر. ولبنان هو الاول بين الدول العربية في هدر الطاقة الكهربائية يليه اليمن بنسبة هدر 28,3 في المئة، بينما لا يتعدى الهدر في المملكة العربية السعودية الـ 16 في المئة 3، رغم المسافات الطويلة لخطوط النقل الهوائية فيها، والتي تعتبر المُسبب الرئيسي للهدر الفني للطاقة. ولكن لبنان لا يعاني من الهدر الفني للطاقة التي تقدر بـ 15 في المئة فقط، بل من الهدر الناتج عن سرقة 25 في المئة من الطاقة المُنتجة، وعدم تحصيل 5 في المئة من الفواتير الصادرة، رغم تلزيم الصيانة والجباية التي قامت بها مؤسسة كهرباء لبنان لشركات خاصة ابتداءً من سنة 2010.
إن النسبة المرتفعة من الهدر للطاقة في لبنان، تكلّف الدولة مبالغ طائلة، لأنها تتحمل تكاليف العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، لكونها قطاعاً عاماً، وبالتالي فإنها دفعت اكثر من 20 مليار دولار خسائر منذ سنة 1993 حتى نهاية سنة 2012، وقد بلغت قيمة ما دفعته الدولة ثمن محروقات وضرائب واستئجار بواخر وخدمة دين لصالح كهرباء لبنان في سنة 2012 ، 3408 مليارات ليرة لبنانية، أي ما يوازي 5,5 في المئة من الناتج الوطني الاجمالي، ويشكِّلُ هذا الأمر ارهاقاً كبيراً للإقتصاد الوطني الذي يعاني من إنكماش مخيف من جرّاء ارتدادات الأزمة السورية.
إضافة الى مشاكل العجز في موازنة مؤسسة كهرباء لبنان، وتدني مستوى الانتاجية، فهناك رُزمة من التحديات تُفرض على الدولة، منها موضوع العاملين “المياومين”، ويبلغ عددهم اكثر من 1800 عامل، فلم تحلّ مشاكلهم الوظيفية حتى الآن، وهي عالقة بين الشركات المتعهِّدة للصيانة والجباية، وبين دوائر لجنة المال والموازنة النيابية، التي لم تُقِر تفاصيل مستقبلهم وحقوقهم حتى اليوم، على الرغم من القرار الذي صدر بمعالجة وضعهم القانوني وتثبيتهم.
ويبرز الأداء السيئ للسلطات المولجة معالجة الخلل في ملف الكهرباء من خلال الاضطراب الواسع الذي يسود مقاربات الاستفادة من الطاقة البديلة، لاسيما موضوع انتاج الطاقة من الشمس والهواء، حيث لبنان لديه فُرص مثالية يمكن الإستفادة منها، ولكن لا توجد خطة جدية من قبل وزارة الطاقة في هذا المجال، الا أن الوزارة قامت بعمل توفيري متواضع، حيث اشترت كميات كبيرة من المصابيح(اللمبات) التي توفّر الطاقة، ووزَّعتها مجاناً على المنازل، وفقاً لبرنامج تبديل، رافقه العديد من الملاحظات والتساؤلات.

روح-الطرافة-اللبنانية--يافطة-مضاءة-ترحب-بعودة-التيار
روح-الطرافة-اللبنانية–يافطة-مضاءة-ترحب-بعودة-التيار

ثالثاً: آثار اقتصادية فادحة
إنعكس عدم توفّر الطاقة الكهربائية بشكلٍ كافٍ ويلات كبيرة جداً على الاقتصاد اللبناني، وخسائر ميزان المدفوعات والميزان التجاري اللبناني، من جرّاء هذا الخلل. ففاتورة شراء المولدات زادت العجز، كما أن كلفة الفاتورة النفطية الناتجة عن توسع استخدام المولدات الكهربائية الخاصة زادت بوتيرة عالية، ويُقدَّر ما يصرفه اللبنانيون على استخدام كهرباء المولدات الخاصة بما تصرفه الدولة على القطاع، أي ما يوازي ملياري دولار سنوياً، ويشكلُ الامر عبئاً ثقيلاً على اقتصاد لا يتعدى ناتجه الاجمالي الـ 40 مليار دولار أميركي.
1. آثار الأزمة على القطاع الصناعي
كان شعار ثورة اكتوبر العظمى التي حصلت في روسيا في سنة 1917: “السلام وتأمين الكهرباء لعموم البلاد”. فالكهرباء ضرورة لكافة نواحي الحياة، وخصوصاً للقطاع الصناعي. والصناعة الحديثة تحتاج في كل مفاصلها الى الطاقة الكهربائية لتشغيل الآلات، وللنقل والانارة، وتوليد الحرارة المرتفعة التي تحتاجها الصناعات المعدنية الثقيلة، وبقدر ما تتوافر الكهرباء بكميات وافية وبأسعار رخيصة، بقدر ما يكون الامر ملائماً لتحفيز الصناعة الحديثة، وتحقيق انتاجية عالية، وطرح سِلع تنافسية في الاسواق.
إن عدم توافر الكهرباء بشكل دائم في لبنان ينعكس سلباً على الصناعة اللبنانية، ويقدّر البنك الدولي الخسائر السنوية للصناعة اللبنانية بسبب انقطاع الكهرباء بنحو 400 مليون دولار، والقيمة المضافة التي تتكبّدها عملية الانتاج الصناعي من جرّاء هذا الانقطاع بـ 23 في المئة من كلفة الانتاج 4، لأن تأمين الطاقة عن طريق المولدات غالٍ بسبب غلاء المواد الاولية النفطية لعدم توافرها في لبنان، وهي تأتي عن طريق الاستيراد المُكلف. وهذا الامر ينعكس زيادة على كلفة إنتاج السلع اللبنانية، وبالتالي خفض قدرتها التنافسية في الاسواق المحلية والخارجية. وتُقدَّر خسارة القطاع الصناعي من اليد العاملة بـ 30 ألف وظيفة من اصل 140 ألفاً يعملون في هذا القطاع 5.
وتراجعت حصة الصادرات الصناعية من مجمل الصادرات اللبنانية، علماً أن الميزان التجاري لسنة 2012 سجّل إرتفاع أرقام الصادرات الصناعية من لبنان، ولكن الأمر حصل من جرّاء احتساب قيمة صادرات المازوت من لبنان الى سوريا في سلة الصادرات الصناعية، علماً أن بعض الصناعات الخفيفة
– ولاسيما الغذائية منها – استفادت من الاوضاع الناشئة من جراء زيادة الاستهلاك بسبب تواجد اعداد كبيرة من النازحين السوريين على الاراضي اللبنانية، وكذلك زيادة التصدير الى سوريا بسبب تعطُّل الانتاج الصناعي السوري، وهذا لا يعتبر مؤشراً مهماً، لأنه موضوع استثنائي، ولأن تضرر القطاع في جوانب أخرى من جراء الاحداث السورية، كان اكبر من الفوائد التي تحققت.
2. إنعكاسات الأزمة على الزراعة
على الرغم من الإهمال الذي يلاقيه القطاع الزراعي اللبناني من الجهات الحكومية، فإن حوالي 40 في المئة من اللبنانيين، يعتمدون كلياً، أو جزئياً، على ايرادات القطاع وما يتفرَّع عنه من صناعات غذائية، علماً أن الزراعة لا تستحوذ على اكثر من 6 في المئة من الناتج الوطني الاجمالي، وإن دلَّ الامر على شيء، فإنما يدلُ على الخلل الواسع في توزُّع الثروة في لبنان.
انخفضت الصادرات الزراعية اللبنانية بنسبة 37 في المئة من جراء الازمة السورية، لأن هذه الصادرات كانت تعتمد بشكلٍ رئيسي على الاراضي السورية للعبور الى الاسواق الخارجية، وهو ما سبب بعض الكساد في انواع من المُنتجات اللبنانية، رغم زيادة الاستهلاك المحلي. ومع ذلك، وبسبب الإهمال المزمن الذي تعاني منه الزراعة، ومنه أزمة الكهرباء، فإن لبنان الغني بموارده الطبيعية والمائية والبشرية يستورد من المنتوجات الزراعية والغذائية المُتفرعة منها، عشرة اضعاف ما يُصدِّر من تلك السلع.
تجدر الإشارة إلى أن تكلفة انتاج الكهرباء من المولدات الخاصة زادت خلال السنوات القليلة الماضية بنسبة 100 في المئة، وذلك بسبب ارتفاع كلفة المحروقات التي تحتاجها المولدات، وباتت تكلفة المحروقات تشكل 60 الى 70 في المئة 6 من كلفة الانتاج، خصوصاً في زراعة الخضروات التي تحتاج الى كميات كبيرة من مياه الري، التي بدورها تحتاج الى الكهرباء لإستخراجها من الطبقات الجوفية أو من الانهر، لاسيما في البقاع، الذي يُعد المنتج الأهم للزراعة اللبنانية.
لقد افقدت كلفة الكهرباء المرتفعة القطاع الزراعي اللبناني قدرته التنافسية بين المنتوجات الزراعية في الدول المجاورة. فبالإضافةً الى حاجة المزارع الى الكهرباء لتأمين مياه الري، فإنه يحتاج الطاقة الكهربائية لتأمين النقل وللتبريد والتوضيب، والتدفئة، والتخزين، ولتحويل المنتجات الى منتجات غذائية صالحة للإستهلاك، وفي كل ذلك يعتبر الشح الكهربائي في لبنان عاملاً مُهبِّطاً لنمو الزراعة، وسبباً أساسياً لتخلفها، وعدم مواكبتها للمتطلبات العصرية للتنمية.

” رغم التكلفة الهائلة للأزمة لا توجد لدى لبنان خطة للإستثمار في مصادر الطاقة المتجددة “

لبنان-يمكنه-استثمار-طاقة-الرياح-لإنتاج-الطقة-الكهربائية
لبنان-يمكنه-استثمار-طاقة-الرياح-لإنتاج-الطقة-الكهربائية

3. تراجع القطاع السياحي
واجه النشاط السياحي هبوطاً كبيراً في السنتين 2012 و 2013، واضطرَّت أكثر من 500 مؤسسة سياحية الى الاقفال، وسجّل لبنان اكبر نسبة تراجع للعائدات السياحية – اذا استثنينا الدول التي تشهد حروباً – بحيث بلغ التراجع 17,5 في المئة في سنة 2012، وفقاً لتقديرات منظمة السياحة العالمية. 7
كان السبب الأهم في سنة 2013 ، اضافة الى استمرار انقطاع التيار الكهربائي، عدم قدوم المغتربين اللبنانيين بأعداد كبيرة الى لبنان جرّاء اهتزاز الوضع الأمني، والانقطاع شبه الشامل الذي حصل مع السيّاح العرب – وخصوصاً الخليجيين – بسبب تحذيرات دولهم من خطر القدوم الى لبنان، اضافة الى انقطاع طريق سوريا أمام السيّاح الذين يأتون بسياراتهم عن طريق البر، ومنهم الأردنيون بشكل خاص.
امَّا الانعكاسات السلبية على قطاع السياحة، المُتأتية من انقطاع التيار الكهربائي، وكلفة التيار العالية، فهي كبيرةٌ وتشمل أكثر من مجال.
تدفع المؤسسات السياحية، ولاسيما الفنادق والمطاعم، فاتورتي كهرباء، الأولى لمؤسسة كهرباء لبنان، والثانية لأصحاب المولدات الخاصة، أو كمصاريف للمولدات التابعة لهذه المؤسسات، مما يُشكلُ عبئاً ثقيلاً عليها ويتسبب في ارتفاع اسعار السلع السياحية، من طعام وايواء وترفيه، ويُقلّص من فرص اقامة الأعراس والمناسبات الفنية الأخرى. وتقدّر الأوساط المتابعة الكلفة الاضافية لفاتورة الكهرباء في المرافق السياحية، بما لا يقلّ عن 23 في المئة من الكلفة الاجمالية للتشغيل.
أضف إلى ذلك تأثير انقطاع الكهرباء على قرى الاصطياف الجبلية، من خلال العتمة الموحشة في الليل، وعدم انتظام وسائل التكييف في حرّ الصيف، وهو ما يؤثر على جودة المنتج السياحي ويضعف الحركة الليلية للسيّاح.
4. أزمة حياة يومية وخدمات
مما لا شك فيه بأن الحياة العادية للمواطن اللبناني ترزح تحت كابوس من المشقات المُتعبة والمربكة والمُقلقة، من جراء التقنين القاسي للتيار الكهربائي، ويتحمّل المواطنون فاتورة باهظة من جرّاء اقتناء وتشغيل المولدات، أو الاشتراك في شبكة المولدات الخاصة التي انشأها بعض المُستثمرين في كافة المناطق اللبنانية، وهؤلاء يفرضون رسوماً شهرية باهظة على المشتركين، وهذا على الرغم من التدخل المتواضع الذي تمارسه وزارة الطاقة في عملية تحديد قيمة الاشتراكات، التي غالباً ما لا يتقيّد بها اصحاب المولدات، لأسباب واهية.
تُقدَّر فاتورة الكهرباء التي يدفعها رب المنزل العادي لأصحاب المولدات فقط، ما بين 165 و 175 ألف ليرة لبنانية شهرياً 8، وكمية هذه الطاقة من المولدات لا تُمكنه من القيام بالأعمال المنزلية الكاملة، بل عادةً ما تقتصر على الإضاءة، وتشغيل التلفاز والأجهزة الالكترونية فقط.
وتتأثر الحياة العامة وقطاع الخدمات الى حدٍ كبير بإنقطاع الكهرباء، على الرغم من وجود جزء كبير من قطاع الخدمات في مدينة بيروت التي تعيش ما يشبه الجنة الكهربائية. فتأمين المياه العامة يحتاج الى الكهرباء، وتضطر المؤسسات العامة والبلديات لتأمين مولدات خاصة لهذه الغاية، مما يرفع الكلفة على المواطنين، وعلى قطاع الخدمات والقطاع التجاري.
أخيراً: لعلّ من المفيد التذكير بما قد يعرفه الجميع، وهو أنه لا يمكن للإقتصاد اللبناني أن يتعافى في قطاعاته المتنوعة – الصناعية والزراعية والسياحية – من دون توفير الطاقة الكهربائية بكميات كافية، وبأسعار مدروسة ومُلائمة.
إن الاحتجاج بالظروف الأمنية والسياسية لتبرير الاخفاقات المستمرة لإدارة قطاع الكهرباء هو تهرُّب من المسؤولية، إذ أن هناك أخطاءً ونواحي تقصير يجب على الدولة تحديدها والعمل على معالجتها بكل جدية، ولا بدّ بصورة خاصة من الإسراع في تنفيذ خطة الحكومة بشأن إصلاح وإعادة تنظيم قطاع الكهرباء التي أقرتها في صيف 2011، ولم ينفذ منها شيء رغم مرور اكثر من سنتين على إقرارها.
إن الظروف الامنية والسياسية المُعقدة، لم تَحُل دون قيام القطاع الخاص بتأمين النقص في كمية الطاقة المطلوبة من خلال المولدات.
إن أمام لبنان فرصاً حقيقية لتجاوز أزمة الكهرباء، ولاسيما من خلال الهبات والقروض المُيسَّرة، أو من خلال خطة مدروسة لإقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال فتح المجال أمام هذا الأخير للإستثمار في انتاج وتوزيع الطاقة، من دون أن يكون الأمر خصخصة كاملة قد لا تتحملها ظروف لبنان. في غضون ذلك سيبقى انقطاع الكهرباء العامل الأهم في “كهربة” الحياة الاقتصادية والمعيشية، وحتى السياسية في لبنان.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader