وحدةُ أبناءِ الجبل أقوى من مشاريع الفتنة

0 41

  في مُقدَّمة محاضرتِه التي ألقاها في لندن الباحث السوسيولوجي العريق فؤاد إسحاق الخوري (وقد نقلتُها إلى العربية تحت عنوان «جوانب من التركيب الاجتماعي الدرزي»)، يقول: «بدا الدروز تاريخيّاً في صورة تميّزت – باستثناءات قليلة جداً – بتماسك داخلي واضح وبشعور قوي بهويّتهم الإثنية. وبالفعل شدّد كل الذين كتبوا عن الدروز، قديماً أو راهناً، على وحدتهم وتضامنهم الداخليين. فقد كان لـ «لويه برييه»، و «فيليب حتّي»، الذي عاش بين الدروز يافعاً، و «غابرييل بن دور»، و «تشارلز تشرشل» الذي كان شاهد عيان للصدامات الطائفيّة في جبل لبنان بين 1842 و1860، والراحل «حنّا بطاطو» في كتابه الأخير عن سوريا، كان لهم جميعاً الملاحظة نفسها في ما خص وحدة الدروز وتضامنهم. وخلال حرب لبنان الأهلية الطويلة (1975-1990) انقسمت أو تقاتلت في لبنان، بطريقة أو بأخرى، كلّ طائفة، كلّ حزب سياسي، كلّ تنظيم ميليشياوي، عدا الدروز. فقد كانوا مُوَحَّدين كُلِّيّاً طيلة ذلك النزاع الأهلي. والتضامن لم يقتصر على دروز لبنان فقط، وإنّما امتد خارج الحدود ليشمل دروز سوريا وفلسطين.»*

  لهذا السبب الداخلي قبل سواه، بدا ما حدث مطلع تموز 2019 في «البساتين» – قبرشمون، والذي سقط بنتيجته الشهيدان رامي سلمان وسامر أبو فرّاج وعدد من الجرحى، وقبل ذلك في الشويفات في خلال انتخابات أيّار 2016، والتي سقط من جرّائها الشهيد علاء أبو فرج، أمرين مستهجنين، ومن خارج التقليد الدرزي العريق في الوحدة، وفي حلّ كلّ الخلافات الدرزية بالعقل والحكمة وبالطريقة المُتَعارف عليها.

  كانت الحادثتان اختراقاً خطيراً لسلام داخلي تامّ عاشه جبل لبنان الجنوبي منذ منتصف القرن الماضي، منذ نهاية ثورة 1958، التي افتتحت من جهة أولى حقبة من التنمية الشاملة التي ميّزت مرحلة ما بعد الثورة، وبخاصة في عهد اللواء فؤاد شهاب (1958-1964)، وكرّست من جهة ثانية وِفاقاً وطنيّاً لبنانيّاً قام على التوازن الداخلي، والنأي بلبنان عن سياسة الأحلاف والمحاور العربية والإقليمية.

  طوال خمسين سنة ونيّف، مرّت العواصف السياسية والعسكرية العاتية بالمنطقة ولبنان، فلم تَنَل في شيء من وحدة الجبل التامة. فهو كان مُوحَّداً خلف البرنامج الإصلاحي للحركة الوطنية اللبنانية 75-76، الذي قاده المُعَلّم كمال جنبلاط ، وجوهره الخروج نهائيّاً من دوّامة النظام السياسي الطائفي في لبنان، والدخول في نظام سياسي اقتصادي جديد قوامه التوازن السياسي والدولة المدنية وتنمية الأطراف والمناطق المُهَمّشة.
وهو كان موحداً طوال حقبة 1983-1989، كأشد ما تكون عليه الوحدة، في مواجهة الاحتلال الإسرئيلي واتفاقية 17 أيّار، ومفاعيلهما السياسية، وعلى قاعدة البيان الشهير لسماحة شيخ العقل المغفور له محمّد أبو شقرا، والمغفور له الأمير مجيد أرسلان، والزّعيم وليد جنبلاط، الذي أعلن المقاومة المدنية الشاملة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى انسحابه من الجبل سنة 1984. وبفعل وحدة الجبل الصامد المقاوم،وبطولات المقاومة الوطنية اللبنانية، والمقاومة الإسلامية على وجه الخصوص، وبفعل وحدة اللُّبنانيين مسلمين ومسيحيين، أمكن إخراج الإسرئيلي وإسقاط الاتفاقية المقيّدة لاستقلال لبنان وعروبته، وصولاً إلى التحرير الناجز في 25 أيّار سنة 2000.

  في كل الحالات تلك، وطوال خمسين سنة، كان الجبل يعيش ما يشبه الجزيرة الآمنة وسط الاضطراب الذي أصاب الوطن والإقليم، بل إنَّ الانتخابات النيابية الدورية كانت تتسم في الجبل بالحدّ الأدنى من التنافس، ما نزع من قاموس أهل الجبل مفردات العداوة والكراهية والخصومة الحادّة.

  ما الذي حدث إذاً منذ انتخابات أيّار 2016، إلى تمّوز 2019، وقاد مع الأسف إلى الحادثتين الأليمتين في الشويفات والبساتين – قبرشمون. ما حدث، باختصار، هو أنّ وحدة الجبل، وما فيه من توازنات وتفاهمات وقبول واحترام متبادلَيْن، تعرضت (منذ 2016) لضغوط خارجية شديدة لم يقوَ الداخل الطّري والهش على ردّها أو دفع مفاعيلها وأذيَّتها. وقد تعرّض لبنان بأكمله، قبل الجبل، للاهتزاز الشديد نفسه. فانعدمت تفاهمات الأطراف المحلِّييِّن، وتقطّعت الجسور بينها، وتحوّل التنافس إلى «قتال»، والخصومة التقليدية إلى عداوة، وغدا المقياس والعنوان «أنا، وليكن من بعدي الطوفان».

  أمّا السبب الحاسم – وليس الوحيد – وراء ذلك كلّه فقد كان قانون الانتخابات الذي أُقِرَّ عشية انتخابات 2016، والذي قام على أساس الصّوت الفردي التفضيلي المُرَجِّح – أما النسبية فكانت الغطاء والحجّة. أطلق قانون «الصوت الفردي التفضيلي المُرَجِّح» العنان للغرائز، كل الغرائز: من الأنا الفردية الفاقعة إلى الاصطفاف الطائفي المُدَمِّر. وهكذا فرض القانون الجديد على السياسيين قتالاً فردياً لا هَوادة فيه، وفرض على المواطنين اصطفافاً لم يسبق له مثيل. خرجت كلّ الأصوات المستقلَّة، المُعْتدلة، الخارجة على طوائفها، من السباق الانتخابي. لا صوت يعلو الآن على الصوت الطائفي الصّريح حتى منتهى الشرِّ والقُبح.

  بات الخطاب الطائفي الصّريح، وإثارة العصبيّات المذهبية، أقرب الطرق للفَوْز بأصوات الناخبين. وبدل أن ينتهي مفعول الخطاب الطائفي بنهاية الانتخابات، استَعرَ أوارُه على نحو أكثر قوّة في الحقبة التي تلت، طمعاً بأرباح سريعة أخرى توفّرها الشّعبويّة الانتحاريّة. لم يتأخّر أصحاب الخطاب ذاك في الاندفاع به في كلّ اتجاه، وفي استخدام مفردات وصور ممجوجة من ماض كريه لا يريد أحد أن يتذكّره. جلب هذا الخطاب المُثير للعصبيّات والغرائز التوتّر في أرجاء الوطن كافّة: من بعلبك إلى بشرّي إلى طرابلس… فالجبل، وعلى نحوٍ لا يُسَرُّ بها لبناني واحد الآن، إنطلاقاً من رغبة واعية في أن لا نتذكر إلّا ما يوحّد اللبنانيين ويجمعهم، على نقيض كل خطاب طائفي يستخدم لإحداث الفرقة بين اللبنانيين، بين الأديان والمذاهب المختلفة، بل داخل كل دين ومذهب.

  وعليه، لم يكن مُستَغرَباً أن يقود الخطاب الطائفي التحريضي إلى ما قاد إليه من مشروع فتنة داخلية في كل منطقة لبنانية، وأن يوصل البلاد والعباد إلى ما أوصلهما إليه. ومع الأسف الشديد كان قدر الجبل من جديد أن يدفع الثمن من دماء بنيه الزكيّة، ومعه لبنان بأكمله.
  ومع ذلك، كان أبناء الجبل، ومعهم غالبية اللبنانيين، في مستوى التحدّي التاريخي الذي فُرِض عليهم. فقد تخطَّوْا خطر الفتنة الداخلية، وفخّ إعادة الانقسام والاقتتال بين أبنائه من الطوائف كافة؛ بل بادروا، أكثر من ذلك، ومن مُنطَلق مسؤوليتهم الوطنية العميقة إلى تسفيه خطاب الفتنة بتجديد عقد العيش الواحد بينهم زمن المصالحة التاريخية التي انبرى لها المثلث الرحمات المغفور له الكاردينال صفير، ولاقاه بالإخلاص نفسه وليد جنبلاط والقادة السياسيّون في الجبل، فأُسقط في يد من يريد بالجبل ولبنان شرّاً: وبدل أن يكون الخطاب الطائفي التحريضي مناسبة للاقتتال الداخلي والموت من جديد، تحوّل ببركة الخيّرين كافَّة وبحكمة القيادات السياسية العاقلة إلى مناسبة لتجديد الثقة بين أبناء البيت الواحد وتجديد الحرص على العيش الواحد ونبذ كل خطاب طائفي أو تقسيمي.

  نعم، تجاوز لبنان، مع الجبل، الفخ – الفتنة. فسلامة لبنان من سلامة الجبل، وسلامة الجبل من سلامة لبنان، وهو العنوان البارز لرسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في العدد السابق من (وحدة الجبل، وحدة لبنان). لكنّ إسهام سماحة شيخ العقل لم يتوقّف عند حدود النداء الفردي، بل كانت دعوته المباركة إلى قمَّة روحية لبنانية جامعة للتباحث وإعلاء الصوت وإظهار الموقف الروحي الواحد دفعاً للفتنة وتجديداً لمواثيق العيش الواحد بين اللبنانيين. فكان انعقاد القمَّة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز حدثاً بارزاً، بل الحدث الأبرز، في مواجهة مشروع الفتنة وتجديد الانقسام بين أبناء الجبل واللبنانيين بعامّة. وكان الخطاب الافتتاحي لسماحته وثيقة وطنية روحية – سياسية جامعة، تلقَّفها بكلِّ الترحيب والتأييد القادة الروحيّون المجتمعون وشكَّلت الأساس في البيان الختامي للقمّة. وعلى هدي من القمة الروحية، وببركة النوايا الخيّرة للقادة الروحيين جميعاً، اكتمل التصدي للفتنة، ووأدها، بقمة سياسية وطنية جامعة انعقدت في القصر الجمهوري في بعبدا بدعوة من فخامة الرئيس عون، ومشاركة الرئيسين برِّي والحريري، ووليد جنبلاط وطلال أرسلان، فأرست الأرضيّة لمعالجة ذيول ما حدث من خلال ما أسمي بالمصارحة والمصالحة.

  نعم، هُزم مشروع الفتنة، المشروع التقسيمي الشيطاني الباعث من جديد لصور الاقتتال والموت ونبش بعض ذكريات الماضي البَشع – يوم كان الجبل ولبنان مجرد ألعوبة في الصراعات الإقليميّة، ولم يكن للبنانييِّن في أيَّة لحظة القدرة على ردّ التدخلات الخارجية. لكن اللبنانييِّن، وبخاصّة أبناء الجبل من طوائفه كافة، كانوا أكثر وعياً من أي يوم مضى، ووحدتهم كانت أكثر صلابة من كلّ المؤامرات الشيطانية الخبيثة. وقد تمكنوا، بفضل وعيهم ووحدتهم، وبحماية مؤسستهم العسكرية والأمنية، من وأد الفتنة قبل أن تنتشر، ومن إطفاء النار التي أشعلت غيلة وأريد لها أن تحرق الجبل والعيش الواحد المشترك، بل وتحرق لبنان، كياناً وتجربة ديمقراطية تعدّدية غنية، من خلال إظهاره ساحة ملتهبة على الدوام يستحيل العيش فيه ويستحيل من ثمّة تحوّله إلى وطن مستقل.
  نعم، هُزمت الفتنة، واللبنانيّون باتوا من الوعي ما يردعهم أن يكونوا، الآن وفي المستقبل، وقوداً لأية فتنة أُخرى.


* «الموحدون الدروز: الواقع والتصورات، أوراق بحثية»، مؤسسة التراث الدرزي، لندن-بيروت، 2019.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader