لطالما أَسَرَت صورةُ الكونِ المَخلوق بإرادةٍ إِلَهيّة، وبحكمةٍ عقلية عُلْوية، خيالَ أجيالٍ عديدة من الفلاسفة والمُفكِّرين واللّاهوتيين عبر العصور، لا سيّما كما تتراءى في مُحاوَرة «تيماوس» (Timaeus – Τίμαιος)، التي سعَى أفلاطون من خلالها إلى الردّ على الأسئلة الفلسفية التي سادَت قبل عصر سقراط، حول نشأة الكون وأصل العالم المادي المحسوس، بحقائق ميتافيزيقية متناغمة وموحَّدة، آلفت ما بين العناصرَ التقليدية الأربعة، الماء والهواء والأرض والنار، كما تصوّرها الفلاسفة طاليس (Thales) وأنكسيمندر (Anaximander)، وأنكسمينيس (Anaximenes)، وهراقليطس (Heraclitus) وجمعها معاً إمبيدوقليس (Empedocles)، لكنّها بحد ذاتها مؤلّفة مِن أشكالٍ رياضيّاتية هندسية تُحدّد كينوناتها مُثّلثات متشابهاتٍ وغير متشابهات، وهذا بالطبع تأثُّراً بالفكر الفيثاغوري. ولذلك شكَّلت مُحاوَرة «تيماوس» مُنطلقاً أساسياً لعِلْم «الكونيات» و»نشوء الكون» وحتى عِلْم الذرّة!.
الـ «ديميورج» والبُعد الأخلاقي الديني
يُوضِح أفلاطون في هذه المُحاوَرة سرَّ النظامَ والجَمال والتناغُم والتناسُب في الكون، فهو بالنسبة إليه تُحفةُ «صانعٍ» إِلَهي، و»أبٍ» عَقلانيّ، يسمّيه الـ «ديميورج» (Demiurge – dēmiurgós – δημιουργός)، الذي أَوجدَ الكون (Cosmos) «الحي» صورةً عن نموذج أزلي لا متغيِّر (منطوٍ فيه كما تشير محاورات أخرى ووفق تفسير الأفلاطونيين الجدد لاحقاً)، وعمّم فيه نظاماً رياضياتيّاً ونفْساً كونية وأوجد «الزمن» بحركة الكون الوليد. وهذا «الديميورج» عاقلٌ للمُثُل الأُوَل ومحرِّكٌ لكلّ قِوَى الكون دونَه وفق مبدأ «غائي» (teleological) عقلاني. وهو بالتالي «خيرٌ أسمى» عُلْوي لا مثالبَ فيه (في انتقادٍ واضح لمفهوم الآلهة الإغريق الوثنيين، وعلى رأسهم زيوس، الذين تملأهم الغيرة والحسد والكراهية والشّر والتنافس). ولأنّه خيرٌ سعَى إلى أن يكون الكون الذي أوجدَه «بديعاً وجميلاً بقدر ما أمكنه»، متَّخذاً نموذجاً له عالَم المعقولات، المُثُل الأزلية، لا المحسوسات، ظلالها المادية على الأرض.
تنطوي مُحاورة «تيماوس» بالتالي على بُعدٍ أخلاقي وديني. وقد اعتبر الباحثون أنّ هذه المُحاورة هي ذروة الإنجازات الفكرية والفلسفية لأفلاطون (ولذلك حرَصَ الرسّامُ الإيطالي رافاييل على رسم أفلاطون في لوحته الشهيرة «مدرسة أثينا» مُمسِكاً بكتابه «تيماوس») بل نقطة مِفصَليّة في تاريخ الفلسفة، وهي تُثبِت أنّ الغاية القصوى لجميع أعمال أفلاطون دينية!
لوحة «مدرسة أثينا»
تبدأ مُحاورة «تيماوس» مع أربع شخصيات: سقراط وتيماوس وكريتياس (Critias) وهيرموكراتيس (Hermocrates)، حيث يسعى الثلاثة إلى الردّ على خطابٍ لسقراط ألقاه قبل يومٍ من وحي «الجمهورية». فوصل الدور إلى تيماوس فاستهلّ خطابَه مستَعرِضاً المبادئ الميتافيزيقية التي سيستند إليها في سَرْدِه عن نشوء الكون المُفضِي إلى خلق الإنسان. فبدأ بالحديث عن شخصية «الصَّانِع» ذلك الوسيط الإِلَهي العاقل «نوس» (العقل الكوني وهو المبدأ الذي تحدَّث عنه الفيلسوف أنكساغوراس Anaxagoras) وكذلك عن النموذج الأزلي (المُثُل). وقد وجد شارحِو نصوص أفلاطون صعوبةً في استجلاء حقيقة موقفه من «الديميورج» وهو فوق المُثُل وصورها في مُحاورة «تيماوس» حيث يقول: «إنّ صانِع وأب الكون يصعُب اكتشافه وحتى عند التمكُّن مِن ذلك مِن المُتعذِّر توضيحه لجميع البشر». وعندئذ أكّد أنّه فقط يطرح سرداً مُرجَّحاً أو مُحتملاً (eikos) عن طبيعة الكون «فأنا السَّارِد فَانٍ وأنتُم المُستَمِعون فَانون». وهنا يشدِّد الباحثون على وجوب ألَّا تُقرأ مُحاوَرة «تيماوس» حرفياً بل مَجازياً، إذ ثمة إشارات في مُحاوَراته الأخرى (ومنها «بارمينيدس» Parmenides) إلى أنّ «الديميورج» هو أيضاً مخلوق و»وسيط للواحد» للمباشرة بهذه المهمة، وهو ما سادَ لدى الأفلاطونيين منذ تلامذة أكاديميته وصولاً إلى فلاسفة «الأفلاطونية المُحدَّثة» وعلى الأخص أفلوطين (Plotinus).
وتنتظم المُحاورة في ثلاث مراحل: الأولى تتحدَّث عن إنجازات «الديميورج»، ومن ثم عن تأثيرات «الضرورة»، وأخيراً عن الحقيقة السيكولوجية للإنسان.
ويتحدّث تيماوس بعدها عن الحكمة الغائية من وراء خَلْق الكون، فالكونُ خيّرٌ لأنّ مصدره «الخير الأسمى»، أي «الصَّانِع»، وهو كائنٌ حَي «لأنّه مهيَّأ للعقل»، وهو فريدٌ لأنّه على مِثَال نموذجٍ أعلى. وجسدُ الكون كروي مؤلّف من نار (للرؤية)، وأرض (للّمس) (لكن في ما بين هذَين العنصرَين هناك واسطة عُنصرَي الهواء والماء بالتناسُب لتدمُج في ما بينهما في كُلٍّ مُوحَّدٍ ومتناغِم). والأجرام السماوية مقدَّسة، وتتحرّك في أفلاكٍ مختلفة كعلاماتٍ للوقت، وكذلك النجوم الثابتة كدلالةٍ على الليل النهار، وحركة القمر مقدّرة للشهر القمري وحركة الشمس للسنة. وقد وُجِدَ الزمنُ بحدّ ذاته بفضل هذه الحركة السماوية بصفتها «صورة للأزلية».
ويقول «أوجدَ «الصَّانِعُ» الشمسَ، والقمرَ، والكواكبَ لكي يستحدث الزمن. وهذه الكواكب تُدعَى «سيَّارة» وتحرس الزمن… والناسُ يجهلون واقع أنّ الزمن هو حقّاً حركة تلك الأجسام السَّيّارة».
وبالتالي تؤكّد مُحاورة «تيماوس» بداية الكون في زمنٍ، وكذلك بداية الزمن بحدّ ذاته ببداية الكون وحركته (ويبدو الكون صورة متحرِّكة عن عالم المُثُل وكذلك الزمن هو صورة متحرِّكة عنه أيضاً أشبه بساعةٍ سماوية).
«إنّ هذا الكونَ البديع المُتناغِم بتناظُرٍ هندسي هو تحفةٌ لعقلٍ كوني لولاه لَمَا كان ثمة وجودٌ ولا نظام» «مُحاورة تيماوس ببُعدها الهندسي الرُّوحاني هي مُنطَلقٌ لعِلم الكونيّات وعِلم الذرّة».
ومن ثم ينتقل إلى خَلْق «نَفْس الكون» بتناسُبٍ متناغِم، وقواها الإدراكية بالنسبة إلى «ما هو كائن» أو عالَم المُثُل العقلية، وما هو سيكون أو عالَم «الصيرورة» الفاني. والأَنفُس الفردية جزءٌ من هذه النفس الكونية تستوطن أجساداً مادية. ويقول أفلاطون إنّه بالتربية والتعليم المناسبَين تسترجع النَفْسُ ذكرى مصدرها العُلْوي، وإنّ الجسدَ وأعضاءه قد صُمِّموا لدعم هذا الهدف الأرقى، ويأخذ تيماوس مِثالاً على ذلك تصميم العينَين وآلية الرؤية. ليُلمِح إلى أنّه في ذلك التناغُم بين النفس الفرديّة ونفس الكون تكمن الفضيلة والسعادة.
ويُؤكّد تيماوس أنّ هناك فارقاً بين «ما هو كائنٌ دائماً ولا صيرورة له وما يكون أو يصير ولم يكن أبداً». ويُوضِح برابطٍ إبستمولوجي أنّ الأول يتم استيعابه بـ «الفَهم» (noèsis) و»التفكير العقلاني» (logos)، أمّا الثاني فعبر «الرأي والقياس» (doxa) الذي يعتمد على «الإدراك الحِسِّي»، وهو ما أشار إليه أفلاطون في «الجمهورية» بتمييزه بين الصور أو المُثُل العليا وعالم المحسوسات أي عالم الصيرورة بعد وجود الكون. ولم يُشِر تيماوس إلى الصور أو المُثُل إلَّا في وقتٍ لاحق من المُحاورة في إجابةٍ على ما سَبَق وجود المحسوسات.
وهذا البسط الميتافيزيقي وبُعده الإبستمولوجي يُمهِّدان لنظريّته في نشوء الكون المادي على أيدي «الصَّانِع»، «الخير الأسمى» لغايةٍ علوية.
الذرّات الهندسية
في الجزء الثاني الرئيسي من مُحاوَرة «تيماوس»، ينتقل أفلاطون إلى السؤال الفلسفي القديم: ممّ صُنِعَ الكون؟ وقد جاءت إجابته بمثابة تآلُفْ بين مختلف الأفكار الفلسفية التي سَبَقته.. بل تعلوها وترتقي فوقها لتُحلِّلها بأشكالٍ رياضياتيّة هندسية. يتحدَّث أفلاطون كيف بدأ «الصَّانِعُ» بإنشاء العناصر الأربعة للوجود المادي (النار الهواء الماء الأرض) لتكون لَبِنات البناء الرئيسية للكون. وكلٌّ من هذه العناصر يتألّف من جُزيئات أوّلية هي أشكالٌ هندسية منتظمة تملك أوجهاً تتألّف بدورها من نوعَين فحسب من المثلّثات ذوات الزوايا القائمة – وهما «المثلث المتساوي الأضلاع» (equilateral)، ويتألّف بدوره من مثلّثات «مختلفة الأضلاع» (scalene)، و«المثلث المتساوي السَّاقَيْن» (isosceles)، وإنّما هذان النوعان من المثلّثات هي بمثابة ذرّات الكون أو الجواهر البسيطة للوجود المادي. ونظراً إلى تشابُه هذه المثلّثات في عناصر النار والهواء والماء فيمكن أن تتحوَّل إلى بعضها البعض في حين أنّ الأرض التي تتألّف عناصرها من مثلّثات «متساوية السَّاقَيْن» فحسب لا تخضع لهذا التحويل. والتبايُن والتفاعُل ما بين هذه العناصر هو الذي يُسبِّب الحركة في هذا العالَم المادي الكروي الإحاطة.
إذاً، وبشكلٍ أكثر تفصيلاً، تتألّف الأجسامُ جميعاً من جزيئات هي أشكالٌ هندسية ذات عُمقٍ ثلاثي الأبعاد وبالتالي لها أسطح. وكُلُّ سطحٍ محدَّد بخطوطٍ مستقيمة مقسَّمة إلى مثلّثات، كلُّ مثلّثٍ منها ينقسم إلى مثلّثات قائمة الزاوية، هي إمّا مثلّثات «متساوية السَّاقَيْن» مع زاويتَين قائمتَين 45 درجة، أو مثلثات «متساوية الأضلاع» ترتسم من مثلّثات «مختلفة الأضلاع». وهناك نوعٌ واحد فقط من المثلّث «المتساوي السَّاقَيْن» القائم الزاوية (isosceles right triangle) وهو مثلّث بزاويا º45-º45-º90 درجة، في حين أنّ هناك أنواعاً لامتناهية من أشكال مثلّثات «مختلفة الأضلاع» لعلّ أتمّها هو الذي يبلغ طول وتره (hypotenuse) ضعف طول الضلع الأقصر، وزوايا هذا المثلّث هي º30-º60-º90 درجة. أمّا المربّع فيتألّف من مثلّثات «متساوية السَّاقَيْن» فحسب.
وبذلك تتكوّن جُزيئياتُ العناصر الأربعة الذرّية من تلك الأوجه. فعلى سبيل المثال جُزَيء عنصر النار هو ذو شكلٌ هندسي هَرَمِي «رُباعِي السُّطوح أو الأوجه» tetrahedron، وجُزيء عنصر الهواء هو ذو شكلٌ «ثُماني الأوجه» octahedron، وجُزيء عنصر الماء هو ذو شكلٌ «عشريني الأوجه» icosahedron (أي له 20 وجهاً)، أمّا الأرضُ فشكلُ جُزيء عنصرها هو «مكعّب» cube (ذو ستة أوجه مربّعة متساوية). وهناك شكلٌ هندسيٌّ أفلاطوني خامس هو «ذو اثنا عشر وجهاً» (dodecahedron)، وأوجهه ليست مثلّثات بل أشكال خُماسية الأضلع، ويُمثِّل شكلَ الكون لأنّه أقرب ما يكون إلى شكل الدائرة، أكمل وأقدس الأشكال في الفكر الأفلاطوني. وهنا كما سبق القول فإنّ التحوُّل بين العناصر لا يحصل إلَّا على مستوى المثلّثات «المتساوية الأضلاع» وهي عناصر النار والهواء والماء، أمّا الأرض التي شكلُ عنصرها «مكعّب» فلا تحوُّل فيها إلى العناصر الأخرى.
وبذلك تختلف «النظريةُ الذرّية» عند أفلاطون، التي تستوحي الأُسسَ الرياضيّاتية الفيثاغورية للكون في ذرّاتها الهندسية، عن نظرية ديموقريطس (Democritus) المستَنِدة إلى ذرّاتٍ مادية مختلفة الأشكال والأحجام.
الهندسة الفيثاغورية المقدَّسة
لقد جاء أفلاطون ليضع على خطى فيثاغورس أُسساً رياضيّاتية هندسية تُوازِي أرقامه كأساسٍ لوجود الكون المحسوس. ولذلك نفهم عبارتَه الشهيرة فوق باب أكاديميته: «لا يدخل أكاديميتي مَنْ لا يعرف الهندسة» (γεωμέτρητος μηδεὶς ε ἰσίτω) باعتبار الهندسة والرياضيات من العلوم المقدَّسة التي تُفضِي إلى معرفة حقائق الوجود ولا سيّما من ناحية ما يُسمَّى «الأشكال الهندسية الأفلاطونية» (Plato Solids) التي تُشكِّل لَبِنات العناصر الأربعة الرئيسية التي يتكوَّن منها العالم المادي. وذَكَرَت بعض المصادر ومنها الفيلسوف الأفلاطوني المُحدّث بروكلوس (Proclus) أنّ الأشكال الهندسية الأفلاطونية إنّما تعود في الأساس إلى مُكتَشِفها فيثاغورس. وفي هذا السياق تذكُر بعض المصادر الكلاسيكية أنّ ثمة كتاباً تأثَّر به أفلاطون في تأليف «تيماوس» وَضَعه الفيلسوفُ فيلولاوس (Philolaus) وهو حول فيثاغورس، وقد حصل عليه أفلاطون من حاكم سيراكوزا في صقلية، الذي كان قد اشتراه من فيلولاوس.
كيمياء وفيزياء ومعادلات رؤيوية
ما لفتَ العلماءَ المعاصرين حقاً هو تحدُّثُ أفلاطون عن إمكانية تحوُّل الجُزيئات المكوِّنة للعناصر الأربعة (عناصر إمبيدوقليس) فيما بينها وتلاقي زوايا المثلّثات في أوجهها الهندسية واتحادها بما يشبه الروابط الكيميائية بين الذرّات والجُزيئات، وهو ما اعتبروه أولَ نظرية للتفاعُل الكيميائي في التاريخ، لا سيّما وأنّ هذه الهندسة الذرّية هي على المستوى الجُزيئي والذرّي وما دون الذرّي. وقد كُتِبَت هذه المعادلات الأفلاطونية برمزيةٍ كيميائية تتماثل مع علم الكيمياء المُعاصر، بل أيضاً مع علم الفيزياء النظرية. فعلى سبيل المثال جاء الاكتشافُ الحديث (في العام 2014) لجُزيء الـ «بوروسفيرين» (Borospherene) السُّباعي الأوجه شبه الكروي وتركيبته الجُزيئية البديعة المؤلّفة من 48 مُثلّثاً تُشكِّلها 40 ذرّة «بورون» (Boron) مُتَحابِكة في تناظُرٍ مُثلّثاتي ليُعيد الذاكرة إلى الهندسة الذرّية «الرؤيوية» لأفلاطون في «تيماوس».
بل إنّ عِلم «الديناميكيا» الحديث يؤكد مصداقية هذه النظرية الأفلاطونية، فالشكلُ الهَرَمِي في «تيماوس» نُسِبَ إلى النار بسبب صغره وزواياه الحادّة وبالتالي حركيّته العالية، أمّا المكعّب فنُسِبَ إلى الأرض لأنّه مناسب للسطح المستقرّ وثقله. ونُسِبَ الشكل الهندسي الثلاثي الأبعاد «الثُماني السُّطوح» (octahedron) إلى الهواء بسبب حركيّته الأكثر خفّة، في حين بَقِيَ للماء الشكل «العشريني الأوجه» الأكثر انسياباً في لغةٍ تُشابِهُ، فيزيائياً وكيميائياً، علومَ الفيزياء النظرية الحديثة، من حيث عالَم ما دون الذرّة القابل للتجزئة والتحوُّل.
البُعد الرُّوحاني للتنظير الهندسي الأفلاطوني
اغتنمَ أفلاطون «التحليل الهندسي» لتوضيح الفَرَضِية الفلسفية والإثبات الجَدَلي المنطقي، فالفَرَضية الهندسية تبدأ بافتراض ما يتعيّن برهانه ومن ثم الإثبات أنّ الافتراض يؤدِّي إلى حقيقة راسخة لا خاطئة، وأفضل ما يتجلَّى ذلك في استجواب سقراط للعَبْد في اختبار المربّع الشهير في مُحاوَرة «مينون» (Meno) في محاكاةٍ للأبعاد الهندسية لعالَم المُثُل.
ولماذا اعتمد أفلاطون التنظيرَ الهندسي الرياضياتي للحقائق فلأنّ الرياضيات تستمدّ موضوعاتها من التصوُّرات الذهنية لقضايا مجرّدة مجالها فحسب التصوُّر العقلي المُبدع المحض، في حين أنّ العلوم التجريبية ترتكز على وصف الأشياء الحسيّة. والعقلانية الأفلاطونية ترى في استنادها إلى الحقائق الهندسية الرياضياتية والمجرّدة أنّ مبادئ المعرفة فطرية. فها هي مبادئ الرياضيات قائمة في العقل أي متأصِّلة في النفس، قَبْليّاً أو بَدْهيّاً (a priori) من غير تعليم ولا استدلال تجريبي (a posteriori). فالخط المستقيم والمثلث والمستطيل والدائرة والمربّع هي تصوُّرات رياضياتيّة هندسية بَدْهيّة، والنفسُ في تصوُّراتها الهندسية تُحلِّق في عالم التجريد إلى مَراقٍ فيثاغورية عُليا حيث تلوح لها هناك ظِلالُ المُثُل الأفلاطونية.
وبذلك بَدَت الرياضيات الأفلاطونية «أشرف العلوم» لأنّها علم عقلي محض مستقلّ عن الأمور الحِسّية، وبناء فكري تجريدي يرتكز إلى فَرَضيات لا تحتاج في إثبات صدقيّتها سوى إلى الخلو من أي تناقض داخلي. إنّه ذلك البُعد الهندسي الذي ينتقل بالحقائق إلى عالم المُثُل الرُّوحاني الأفلاطوني.
وفي القرن السابع عشر، سعى الفيلسوف هنري مور (Henry More)، زميل العالم التجريبي الشهير إسحق نيوتن (Isaac Newton) في جامعة كامبريدج، إلى أن يُضفي بُعداً هندسياً على العالم الأفلاطوني المثالي الرُّوحاني، بل أن يُضفي على العالم الهندسي الرياضياتي بُعداً روحانياً أفلاطونياً. فهو اعتبر من وحي أفلاطون أنّ «العالم الرُّوحاني» (Spiritual Realm) يتمدّد هندسياً في «بُعدٍ رابع» (4 dimension) أطلق عليه تسمية Spissitude.
ومن وحي هذه المُحاوَرة، قال العالِمُ الفيزيائي ألبرت أينشتاين (Albert Einstein): «إنّ قناعتي الوجدانية العميقة هي بوجود قوة عقلانية متعالية ومتفوِّقة تتبدَّى في هذا الكون البديع بأدقّ تفاصيله ونظامه والغاية من وجوده». وهذا ما أشار إليه الكاتب والعالِم الأميركي لنكولن بارنيت (Lincoln Barnett) حينما أكّد أنّ هذه الدقّة الرياضيّاتية لحركات الكون ونظامه هي التي تتيح للعلماء وضع معادلاتهم ونظرياتهم. ويقول إنّ النظريات العلمية المعاصرة أخذت تنحو منحى أفلاطون في هذه التصوُّرات الحسابية للكون، وأنّ مفاهيم مثل الجاذبية والكهرومغناطيسية والطاقة وعالَم الذرّة وحتى النيوترون والإلكترون إنّما هي أيضاً بُنَى نظرية، وابتكارات فكرية ومجازات اضطرَّ العقلُ البشري لتصوُّرها كي تساعده على رسم صورة للحقيقة خلف مظاهر الأشياء.
خاتمة
إنّ الأصلَ الخيِّر الغائي للوجود واضِحٌ في مُحاوَرة «تيماوس» ميتافيزيقياً وإبستمولوجياً، لا سيّما حينما يُحَثُّ أفلاطون الإنسانَ في عبارةٍ، ربّما تُشكِّل زُبْدَة المُحاوَرة، لكي يُكرِّس كلّ اهتمامه وتفكيره للحفاظ على ذلك الخير في نَفْسه الخالدة والعقلانية تناغُماً مع «الخير الأسمى»، وبذلك يُحقِّق «الحياة الأرقى التي يُتيحها الإلهُ للبشر».
ونستخلص من المُحاوَرة أنّ هذا الكونَ البديع المتناغِم والمتوازِن بدقّةٍ رياضيّاتية وتناظُرٍ هندسي إنّما هو تحفةٌ لعقلٍ كوني لولاه لَمَا كان ثمة وجودٌ للكون وللنظام فيه ولاستَحالَ إلى فوضى وتلاشَى. وقد أكّدَ أفلاطون على لسان تيماوس أنّه من خلال فَهْم هذا التناغُم في الكون يمكن للإنسان أن يصل إلى تناغُمه الفردي داخل نفسه، ويعكس الحقائق العُلْوية في مرآة نفسه، وهذا هو الخير بعينه. وأشار أفلاطون في هذا السياق إلى سرّ رؤية العين الشّحمانية: «لقد خَلَقَ الإِلَهُ لنا العينَ والبصرَ لغاية أنْ نُشاهِد جَمال إبداعِه في السموات ونعكسه في ذواتنا…» ونتيَقَّن من الصورة التي «تعكس تمامَها» في بُعدِه الميتافيزيقي أشبه بانعكاسٍ على مرآة!
المراجع
Timaeus, by Plato, translator Benjamin Jowett (Project Gutenberg).
Broadie, S., 2012, Nature & Divinity in Plato’s Timaeus, Cambridge: Cambridge University Press.
“On the Metaphysics of the Image in Plato’s Timaeus,” Monist, 50: 341–368 – 1966.
Patterson, R., 1985, Image & Reaility in Plato’s Metaphysics, Indianapolis: Hackett Publishing Co., 1985.
Carone, G. R., 2005, Plato’s Cosmology and its Ethical Dimensions, Cambridge: Cambridge University Press.
Gill, C., 1979, “Plato’s Atlantis Story and the Birth of Fiction,” Philosophy and Literature, 3: 64–78.
Hackforth, R., 1965, “Plato’s Theism,” in Studies in Plato’s Metaphysics, R. E. Allen (ed.), London and New York: Routledge and Kegan Paul.
Lee, E. N., 1976, “Reason and Rotation: Circular Movement as the Model of Mind (Noûs) in the Later Plato,” in Facets of Plato’s Philosophy, W. H. Werkmeister (ed.), Assen: Van Gorcum.
Barnett, Lincoln. The Universe & Doctor Einstein. New York, Bantam Books 1975: pp. 109-115. .