يستـند البحثُ في الهـويَّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين إلى مصادر قديمة ترقى إلى ما قبل ظهور المذهب عام 408 هـ./1017 م.
وإن كان ثمّة مراسلات جرت في تلك الـفـترة مع «الأمراء السّادة آل تنوخ» في بلاد الشّام، فإنَّ تاريخ «تنوخ» يُحيل إلى زمن مديد سابق لمرحلة ظهور الإسلام نفسه. ومن المُحقّـقات التاريخية عند المؤرّخين أنَّ الإشارة إلى «تنوخ» وردت في خريطة بطليموس نحو عام 150 م. وبالتالي، فإنَّ تضمين لائحة المصادر التاريخيَّة الموثوقة لدراسة الهويّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين كلّ ما يتعلَّق بـ «التنوخيّين» هو أمر تفرضُه المنهجيّة الأكاديمية للبحث التاريخيّ.
ويُشبه كتاب الأمير صالح بن يحيى البحـتري/التنوخي سجلّاً جُمِّع فيه التأريخ والتوثيق والتحقيق والإخبار حتى أواسط القرن الخامس عشر م. وقـد كتب محقّـقـو الكتاب في المقدّمة الفرنسية ما يعبِّر تماماً عن مقدار أهميّـتـه، ليس فـقـط في باب إلقاء الضوء على حقـب في العصر الوسيط لبلاد الشام، بل وخصوصاً لجهة تنوير الأذهان عن حقائق تاريخية لا يمكن إهمالها في مسألة الوقوف أمام الملامح الأساسيَّة التي شكّلت الأسُس الموضُوعيَّة التي أدَّت إلى رسوخ وجود «الإمارة» التي يمكن اعتبارها فيما بعد النواة الصّلبة في تأسيس كيان لبنان الوطن.
وقد برزَ بعد الأمير صالح مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب «صدق الأخبار» لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط، وكان والده من كبار تلاميذ الأمير السيّد (ق). اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ سلـفه بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَـفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع. والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام «الجَزيرَة» كلِّها.
ومن الأصُول التوثـيـقـيَّة القديمة في هذا السّياق، وثيقـة مخطوطة «على قدر عالٍ من الأهمّيّة» على حدّ قول الأمير شكيب أرسلان، تُعرَف ب«السّجلّ الأرسلانيّ». يتضمَّن هذا الإرث «سجلّات ووثائق وحججاً قديمة تؤرِّخ لنسب العائلة. وهذه الوثائق هي شواهد ثقات، إذ بُتَّ في صحّتها ومصداقيّتها من قِبل قضاة مجلس الشّرع، وذلك في معرّة النعمان وبيروت وصيدا ودمشق… تبدأ بالإثبات الأوّل في نسب الأمير منذر بن مسعود بن عون أمام قاضي معرّة النعمان محسن بن حسين الطّائيّ (سنة 141 هـ/ 758 م)، وصولاً إلى زمن الأمير شكيب أرسلان وأشقّائه…».
ويعود نسب آل أرسلان إلى تنوخ، وهم أطياف قبائل اتّخذوا من عين دارة قاعدة لهم، وذلك بأمر من أبي جعفر المنصور. ثمَّ نزح قسم منهم إلى قرى في منطقة الغرب حيث ما زالت عائلات كريمة تحفظ عراقة الأنساب إلى يومنا هذا.
يذكر الأمير شكيب أنّ السّجلّ المحفوظ يتضمّن نسب العائلة «المتسلسل منذ سنة 142 للهجرة إلى هذا العصر، مثبتاً لدى القضاة والحكّام بشهادة العلماء الأعلام عصراً فعصراً بدون انقطاع… مؤيّداً ما نقلته عن السجلّ الأرسلاني بروايات الكثيرين من مؤرِّخي لبنان… بحيث ثبت لأنه لم يقع توقيع واحد منهم في إثبات من إثباتات السجلّ إلَّا ضمن مدَّة حياته، ولم يحكم به واحدٌ من هؤلاء القضاة إلَّا ضمن مدّة قضائه ممّا يتحصَّل به ثلج اليقين بصحَّة السّجلّ وصدق رواياته». ثـم ينبِّه في أدب الكرام بإيراد هذين البيتيْن:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
يغنيك مضمونه عن النّسبِ
إنَّ الفتى من يقول: ها أنذا
ليس الفتى من يقولُ: كان أبي
يستـندُ البحث الحاضر إذاً، بشكلٍ أساسيّ، على أصُول تاريخيَّة مُعتمَدة. وبالتالي، على كثير من المراجع التي يمكن نسبتها بشكل رئيسيّ إلى مستويَيْن: الأوَّل هو مصادر أساسيّة في تاريخ لبنان العام منها ما كُتِب في القرن التاسع عشر، والثاني هو الكثير من المراجع التي صنّـفها ذوو اختصاص في التاريخ وبحوثه، وهي في كلّ حال مُدرجة في هوامش البحث.
إنَّ مقاربة موضوع «الهويَّة التاريخيَّة» لا يُمكن أن يكون عشوائيّاً بالرأي والقياس النسبيَّـيْن إهمالاً للتوثيق التّـاريخيّ الموضُوعيّ الـمُتَاح. ومناسبة هذه الملاحظة هي فائض الكلام في عصرنا الرّاهـن القائم على الاستسهال الَّذي لا تصِحُّ معه حقيقة بأيّ حال من الأحوال.
يتمثَّـل الدروز رموزَ تاريخهم بصورةٍ معلَّقةٍ على حائط غالباً ما يكون صدر البيت، في القاعة التي هي قلب الدار. ويُحتَفى بها في قاعة استقبال قصر الزعيم كما في البيوت المتلاصقة لأحياء القرية الجرديَّة. في الجبل كما في الجليل، وفي مضارب القوم على سفوح جبل السمّاق كما في دُورهم الجميلة إن هم تغرَّبوا في المهاجر البعيدة. إنها صورة قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش. ولا يهم هنا تاريخ الرجل الشّخصي فقط بقدر ما هي ملامح سيكولوجيا جماعية خبيئة في الذاكرة التاريخيَّة للجماعة. هيبة الرجل الذكورية، الشاربان الواقِفان، الكوفيَّة والعِقال فضلاً عن سِمات الغضب والشهامة والثورة. وإن تَنَوَعَ الشكلُ أحياناً، كما صقـرٌ على زندِ الرجل أو عمامة بيضاء على رأسه، فإنّ اكتمالَ المعنى تُحَقِّقُه الصورةُ إذا ما كان القائدُ فيها على فرسه العربيّة الأصيلة الصافنة أو الواقفة على قائمتيها الخلفيَّتين، والسيفُ العربيُّ في اليمين العالية، ساطعاً كما هلال فضّي منير.
ما من صورة اختصرت تاريخ جماعةٍ كمثل ما فعلته صورة الباشا الثائر. ذلك أنّ المكانة التي تبوَّأها الدروزُ على صفحات تاريخ «جزيرة الشام» صنعَتْها سيوفُهم البارقة وسواعدهم المقاتلة دفاعاً – وبتوثيق تاريخي محقَّق – عن «الأمّةِ» و»الجماعة» و»المرجع الشرعيّ» الذي كان يمدُّهم بشرعيَّة السلطة ويخوّلهم تدبير الأمور على مرَّ الحِقب التاريخيَّة وتبدُّل الدول والحكّام.
إنها «المثاغرة»، تلك المهمَّة الجليلة التي دمغت طابع الدروز التاريخي بسَمتها وما تحمله من معاني القتال والجهاد والمرابطة التي باتت مثل جذور حيَّة للشخصية الجماعية الدرزية وعنفوانها الأثيل، دون التفات إلى ما قِيل ويُقال. فقد صارت عادة عند الدروز أن «يصنعوا التاريخ وغيرهم يكتبه». ولم يتوهَّج شِعارُ «العِرض والدِّين» – كما يحتفل به الدروز – مثل ما عندهم توهَّج، في منطقِ الدفاعِ عنهما، والذبّ عن حِماهما حتى بات من الشهرةِ بمكان أن مفهوم «الموت» عند الدروز تخطّى حاجزَ الخوف والرهبة إلى طقوسِ الشوقِ والالتحام:
مُتهافِـتين على الرَّدى وشِعارهم
اليوم أفضل من غدٍ يا فانِ.
وفي ذروة التعبير عن افتخار الدروز بتاريخهم وأصل عقيدتهم، وبأبياتٍ كأنها الحواشي الذهبيَّة حول صورة سلطان، يقول الشاعرُ الشيخ نايف تلحوق بلهجةِ العشيرةِ الجبلية الشاميَّة:
ويُوم أنْ بُعث هادياً من وُلْد عدنان
حِنَّا اهتدينا وباقي الناس ضلّون
كِنا «صحابة» وكانت الناس دشمان
وأسلافنا الأنصار في بدر كانون
ويمضي في قصيدةٍ طويلةٍ مادحاً قومهُ ومفـتـخِـراً بأنهم:
أمُّوا الجزيرة ملوك وصحاب تيجان
نصر ولـــــــخم ومناذرة تـــنوخ يكـنـون
حِـــنّا سلايل مجد وملــوك وعيــــــــــان
من يوم أوجد «كُون» من كافا ونون
وينطلق كسيل نهر هادرٍ في وصف أمجاد القتال ضد «الفرنج» و»الظَّلمَة» والاستعمار الفرنسي في ملحمةٍ تراها في بعض البيوت بموازاة صورة قائد الثورة لتلخِّص بالرسم والكلمة سرَّ التماسُك الدرزي المعروفيّ في جذوره الأكثر عمقاً.
ألحَّت هذه الصُّورةُ وتلك القصيدة بما ترمـزان على حضورهما في هذا المدخل للحديث عن التراث الإسلامي في الجبل لأنّه يعطينا بلمحةٍ بالغة التعبير المدخل الواضح لجوهر التاريخ في القلب الدرزيّ. إذ أن العشيرة المعروفية منجذبةٌ إلى تاريخها بأكثر مِمّا إلى انطلاقة المستقبل. وما يُـرادُ قوله هو أنَّ لا انفصام بين هذا التاريخ العابق بغبار القتال والحرب وبين العقيدةِ التي من أجلها ومن أجل الذبّ عن حياضها ثبت الموحِّدون في ثغورهم إلى يومنا هذا في دورٍ تـتـقمّصه الحِقـب منذ ألف عام.
ولتكن إثارة السؤال، بروحٍ تائقة إلى الإيجاب نافـرة من السَّلب: لـمَ لمْ تُـثـر قضيَّة التأويل التوحيديّ لآيات القرآن الكريم إشكاليَّةً إسلامية إلاّ في القرن الأخير رغم بروزها منذ عشرة قرون؟
وفي معالجة القضايا التاريخية التي يثيرها هذا السؤال يُستعرض هنا تراث الجبل الإسلاميّ، ويـتـمّ استقصاء جذور المشاريع المشبوهة كي لا نقع في وتيرة السرد التاريخي المألوف والمثبت في كثير من المراجع الموثوقة والمتوفّرة والمذكورة في هوامش هذا البحث.
إذا ما استثنينا بعض الصراعات المحليَّة بين زعماء الإقطاع فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبين الولاة «الإقليميين» من ناحيةٍ أُخرى، لوجدنا تاريخ القبائل العربيَّة التي استوطنت «ثغور الشام» منذ القرن الثاني للهجرة وحتّى منتصف القرن الماضي تاريخاً ملتحماً بالدور الذي أوكلته أيّاها «الأُمَّةُ» في الدفاع عن ثغورها ضد الغزو الأجنبي. إنها مهمّة «المثاغرة» لصدّ الفرنجة. وقد تقلّبت الدول فوق دسْت الخلافة وتكاثرت، وتعدَّدت العصبيّات التي ادَّعت تجسيد «الجماعة» وتمثيلها. وتفتَّت – واقعاً – مفهومُ «الاُمَّة» إلى ولايات متناحرة وممالك متصارعة، بيد أنّ الطبائع السياسيَّة للدور التاريخيّ الذي التزمت به القبائل المرابِطة في الثغور ظلَّت في جوهرها مستمدَّة من السلطةِ المستندةِ من شرعيَّتها إلى تمثيل «الأُمَّة» مهما تلاعبت بها عوامل الوهن والانقسام.
لقد استمدّ الحكم الـتـنوخيّ – بفروعه – طيلة ما يُقارب ستة قرون من الزمان مقوّمات وجودِه وشرعيَّته من تلك السلطة، وسلَّم أمانة الحُكم إلى أقربائه «المعنيّين» لأنهم قاتلوا إلى جانب الذين استولوا على السلطة إيّاها فصار لهم (العثمانيّون) السلطان على المسلمين. ولمّا خَلْخل الشهابيُّون الذين استلموا دفَّة الإمارةِ هذا الارتباط، قام الدروزُ بالدور عينه الذي قام به أجدادُهم، غير أن السلطان بات «الرجل المريض»، والطامعون بميراثه لعبوا في حقـلِ الطوائف والمذاهب مُقحمين السياق كلّه في بداية النفق.
يتحدَّر الدروزُ الموحِّدون في أنسابهم من قبائل عربيَّة عريقة في أصلابها وأصيلة حتّى بات من نوافل القول «تأكيد المؤكَّد أو إثبات الثابت» . فالدروز في النَّسب عرب أقحاح لا يوجد منَ العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبيَّة منهم. وبات متواتراً في المصادر تعداد هذه الأنساب.
فمن القبائل التي استقرَّت في بلاد الشام قبل الإسلام وتحدَّر منها الدروز تيم الله أو (تيم اللات) التي هاجرت أوّلاً من الجزيرة العربية إلى وادي الفرات ثم استقرَّت في المكان المعروف اليوم بوادي التيم في جنوب لبنان. ومنها قبيلة لخم التي استقرَّت في الحيرة وإليها ينتسب الأمراء الإرسلانيّون والبحتريون التنوخيُّون الذين حكموا لبنان خلال القرون الوسطى. ومنها قبيلة طيء التي استقرّت في الأطراف الجنوبيّة من بلاد الشام، وقبيلة ربيعة النجديَّة التي ينتسب إليها بنو معن وكذلك بنو جندل الذين ينتسبون إلى قبيلة تميم. وتفتخر بعض العائلات الدرزية بنسبها العريق كآل نكد إلى بني تغلب وآل تلحوق إلى بني عزّام وهم فرع من قبيلة الأزد وآل عبد الملك إلى بني شويزان وآل ناصر الدين والقاضي إلى تنوخ… وتحتـفظ إحداها بسجلّ هو كناية عن مجموعة أوراق قديمة وحجج صادرة عن قضاة الشرع في معرَّة النعمان ودمشق وبيروت وطرابلس وصيدا تتعلَّق بنسب الإرسلانيين وأخبار اللخميّـين الذين قدموا إلى لبنان سنة 142هـ/759م. وهو سجلّ حافل بأقدم الأخبار وأوثقها عن اللخميين جدود الفرع الأرسلاني منذ الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام، اصطُلح على تسميته «السّجل الأرسلاني».
وإذا عدنا إلى المصطلح الخلدوني في «العصبية» اللاحمة لأساس الحكم وجدناها ترتكز على أُسَّيْن جوهريين هما النَّسب والدِّين. فالنسبُ عربيٌ صُراح، والدينُ توحيدٌ مستمَـدٌّ من كتاب الله العزيز ومُستظلّ رمز الدعوةِ المحمَّدية والإسلام الحنيف على ما قال الأمير شكيب:
وليس لنا غيرُ الهلالِ مِظلّةً
ينالُ لديها العزّ من هو آمِلُه
وتلك عصبيةٌ سادت وجاهدت وأرْست تقاليد الدروز وتراثهم بمُجمله على إنطواءٍ حميم يحضن عقيدتهم في التأويل بما لا يمّس وحدة «الجماعة» ويُثير حساسيّتها المذهبيَّة.
لقد كانت فاتحة السّجل التاريخي لمهمّة «المثاغرة» عندما تسلَّم العباسيُّون الخلافة وبعدت المسافة بين بغداد عاصمة العباسيين وسواحل الشام، فأكثر الرومُ من مهاجمة السواحل. كان ذلك في عهد قسطنطين الخامس كويرونيموس (741 -775م.) فأرسل أبو جعفر المنصور حوالي عام 141هـ/758م. عشائر تنوخيَّة من معرَّة النعمان إلى المناطق المحاذية لبيروت. وكانت هذه العشائر، كما يذكر السجلُّ الأرسلاني، بقيادة الأمير منذر بن مالك بن بركات بن منذر بن مسعود بن عون اللخمي التننوخي. وكان برفقته أخوه ارسلان بن مالك وأبناء اخوته حسّان بن خالد وفوارس بن عبد الملك وعبد الله بن النعمان. تبع ذلك تدفّق بعض العشائر من مناطق أُخرى لتستقـرّ في الثغور وتتحمَّل عبء المهمّة ذاتها.
يبدأ سجلُّ مآثر الدروز في جَبَلهم من أولئك الأمراء التنوخيين الأوائل الذين قدموا إليه بمهمّة سامية. فقد اشتهر الأمير منذر بن مالك بالشدّة والشجاعة، وبذلك اشتهر الأميرُ ارسلان أيضاً حتى قال فيه أحدُ معاصريه ورفاقه اسحق بن حماد النميري أنه «مِن أشجع مَنْ أدركناه من فرسان العرب الضراغم» وكان إلى ذلك عالِماً يهاب العُلماء وقد تتلمذ على الإمام أبي عمرو الأوزاعي. وقد حكى اسحق أيضاً، وكان خادم تراب الإمام الأوزاعي، أن الأمير إرسلان، لما ووري الإمام الأوزاعي التراب خاطبه قائلاً: «رحمك الله أبا عمرو فوالله لقد كنت أخافك أكثر من الذي ولاّني».
لقد كان أجداد الدروز الموحِدين آنذاك في فترةٍ سابقةٍ على التمذهب التأويلي التوحيدي الذي سيحصل لاحقاً في أوائل القرن الخامس للهجرة. تأويل لن يحولَ دون الاهتمام بالإمام الذي أثار اهتمامَ السَّلَف، لأنه ليس انقطاعاً في العقيدة عمّا سبق، وإنما هو تبحُّر في معنى الكتاب أقرب ما يكون إلى استبطانه وتثويره وسبر أغواره على ما جاء في حديثِ عبد الله: أثيروا القرآنَ فإن فيه خبرَ الأوَّلين والآخرين. وشرح شَمِرٌ فقال: تثوير القرآن قراءتُهُ ومفاتشةُ العلماءِ به في تفسيره ومعانيه. لهذا نرى أن الأمير صالح بن يحي، وبعد حوالي سبعة قرون يتلمَّس آثارَ السّلَف فـيُـبدي اهتماماً لافتاً بالإمام الأوزاعي واصفاً إيّاه بأنه كان «عظيم الشأن بالشام وأمره فيهم أعزّ من أمر السلطان… وقد جعلت له كتاباً يتضمَّن ترجمته…» ولا غروَ في ذلك، فالخلَف هنا يتقصّى آثار أستاذ السَّلَف في تراث حيّ متواصل من غير انحراف ولا تبديل.
على كل حال، فإن المعارك مع المردة ابتدأت في الفترة الأولى للوصول، منها معركة حاسمة معهم سنة 175هـ/791م انتصر فيها الأمير سعود بن أرسلان الذي كان يقطن سن الفيل.
والأمير المذكور رافق الخليفة المأمون مع فرسانه إلى مصر واشترك معه في حربه ضد الأقباط سنة 216هـ/831 م، ولشجاعته فيها ولاّه الخليفةُ العبّاسي، بالإضافة إلى إمارة الغرب التقليدية، ولاية صيدا ومقاطعة صفد. وتابع ابنه الأمير النعمان سجلّ المآثر بتصدّيه للمردة عند نهر بيروت شرقي المدينة وانتصاره عليهم فبعث له الخليفة العباسي بكتاب يمدحه ويقــرّه على ولايته كما أهداه سيفاً وشعار العباسيين الأسود.
ومن دون متابعة تسلسل الأحداث بشكل كرونولوجي معروف، فإنّـه يُمكن استقـراء السياق التاريخي لها من استخلاص مؤشّراتها بشكل عام. فشرعيَّةُ حكم الأمراء التنوخيين ظلَّت مُستمدَّة من شرعية الدول المتعاقبة على تملُّك السلطة في عواصم الإسلام التاريخية، وهي دول وقوى تنازعت السلطات وظلت محافظة على صوريّة وجود الخلافة ليُمكّنها ذلك من إدّعاء تمثيل «الأُمَّة». وعلى أساس هذا التمثيل، وبحكم الأمر الواقع، كانت الوثائق من كتبٍ ومناشير، تنظِّم حكم الإمارة وتصدر بشأن حقوق الأمراء في تولّي الاقطاعات. ولا يمنع ذلك من اعتبار هذه الوثائق ذات أهمية تاريخية بالغة، لما تُمثّله من ارتباط دور أبناء الجبل القدامى بالسياق التاريخي العام لديار الإسلام، وكثير من نصوصها أدرجهُ الأمير صالح بن يحيى في كتابه.
لذلك فإننا نجد أن البعض دأب على توثيق تلك الرسائل التاريخيَّة بما يُشبه طقساً احتفالـيّاً بعنفوان السلالة وفخرها يستمدّ روعته من النسخ الحيّ للتاريخ ذاته. وإلاّ كيف لنا أن نفسِّر ذلك الهاجس الذي حثَّ أجيالاً عديدة متعاقبة على جمع تلك الوثائق وتصديقها من قضاة الشرع في مدنٍ عدّة عبر القرون والحقب، فكانت الوثيقةُ تنتهي على سبيل المثال بما يلي: «هذا ما ثبت بين أيادي سيدنا ومولانا قاضي قضاة المسلمين مُحيي الملّة والدين أبو المعالي محمّد المذكور في أوّل النسب وفَّقه الله للحكم بما يرضاه وذلك أمام الأسياد والعدول الآتي ذكرهم غفر الله لهم. كُتب في رجب سنة خمس وتسعين وخمسماية والله سبحانه أعلم» . وعلى هذا المنوال تتمّ المصادقة على وثائق «السّجلّ الارسلاني» المُحتفى به إلى يومنا هذا إلى حدّ نسخه بخط يد أميرةٍ بالذات.
مرجع آخر يحفظ لنا هيبةَ ذلك التراث وصلتَه بالمرجعية الإسلامية العُليا عبر الوثائق والمناشير هو مخطوط الأمير صالح بن يحيى المُسمّى بعد طباعته «تاريخ بيروت» ولربما لو لم ينقرض فرعُ الأمير في السلالة لكان تاريخه بدوره يُنسخ باليد إلى يومنا هذا.
ومن طبائع الأمور، ما لم نُلقِ عليها أحكاماً تعسُّفية، أن نعتبر هذه السّجلّات وثائق إثبات هويَّة التراث الذي عاش عليه أبناء الثغور المجاهدين عبر الحقَـب والعهود. ولا بد من العودة معها إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حيث نرى أن «المعطيات التاريخيَّة تشير إلى أن المملكة التنوخيَّة التي كان يمتدُّ سلطانها من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشام غرباً إلى نجران جنوباً، كانت في وقت من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربية»، وإلى تلك الفترة يشير الشيخ نايف تلحوق في قصيدته، وفي البيت الذي ذكرناه سابقاً حين يعدّد بطون «نصر ولخم ومناذرة تنوخ» ويكمل فيقول:
الحيرة بنوها وضمنها شاد نعمانْ
قصر الخورنق والسدير هِن شادون
بذي قار هاني ساد من آل شيبان
يوماً سلفنا جيوش كسرى تَـقـفُّـون
ويتابع في أبيات ذُكرت سابقاً أن تلك القبائل اهتدت بهداية «ولد عدنان» عندما كانت الناس «دشمان» أي أعداء، ثم يقول:
عمّار والمقداد منّا وسلمان
الآيات عنهم والأحاديث يَتلُون
وحِنَّا نخاف الله وندين بإيمان
وحِنا نُطيع الله لو الناس عصيون…
وهكذا نرى تأثير السّجلات المذكورة في العنفوان الشعبي وتعلُّق «العصبية» المعروفية بتراثها، هذا التراث الذي يرتبط أيضاً بأيام الفتوحات المجيدة.
فالسجل الارسلاني يذكر أيضاً أن عون بن المنذر كان مع خالد بن الوليد عند قدومه إلى الشام، وقد اشترك في واقعة أجنادين عام 13 هـ/634 م. حيث جُرح ومات. وحضر مسعود بن عون بن المنذر واقعة اليرموك بألف وخمس مئة فارس من أصحابه وقاتل قتالاً شديداً. ثم أن أبا عبيدة بن الجرّاح أسكن هؤلاء المقاتلة في معرّة النعمان القريبة من حلب.
وما لبث الخلفاء أن أبدوا اهتماماً كبيراً بالثغور منذ أيّام معاوية، فكان لتنوخ حظوة لديه. ورأينا بعدها ما كان من أمر أبي جعفر المنصور وإرساله بعض العشائر إلى السواحل وما كان من أمر الأمير مسعود بن أرسلان مع الخليفة المأمون.
وإذا ما تتبَّعنا مجرى الأحداث بعد الضعف الذي أصاب وحدة الخلافة العباسيَّة وتفكّكها إلى دول متنازعة مع الإبقاء على رمز الخلافة، نرى أن السجلات تحوي كما ذكرنا آنفاً ما يُفـيد عن تواصل الإمارة الجبليَّة مع تلك القوى في إطار مهمّة «المثاغرة».
فها هو طغتكين مؤسِّس السلالة البورية ذات الأصل التركي والتي حكمت دمشق من سنة 1104 إلى 1154 م. يكتب إلى الأمير مجد الدولة محمد بن عدي التنوخي سنة 520هـ/1126م كتاباً يوليه الإمارة فيشتدّ ساعدُه ويبدأ بغزو الإفرنج. كذلك يكتب مجير الدين أبق ملك دمشق منشوراً إلى الأمير ناهض الدين أبي العشائر بحتر بن عضد الدولة يأمره أن يبقى على رسومه المستمرّة في القرى المعروفة به وبأجداده ويحثّه على الغزو والجهاد والمحافظة. وهذا الأمير هو الذي هزم الإفرنج في واقعة رأس التينة عند نهر الغدير جنوب بيروت سنة 549هـ/1151م وقُتل منهم خلق كثير «وترادفت غزواته عليهم حتى بلغ الشهرة العظيمة» كما يقول الشدياق.
واتَّبع الزنكيون السياسة ذاتها مع التنوخيين، فقد أرسل الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في 14 ربيع الأوّل سنة 552 هـ/1157 م «مرسوماً مطلقًأ» إلى الأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر الجميهري التنوخي يحث فيه على طاعته ومعاونته «في جهاد الكفّار» ، كما أرسل له منشوراً في 7 رجب سنة 556 هـ/1160 م. يزيد له إقطاعاً. ذلك لأن أبا العز زهر الدولة كرامة كان مِمَّن يعتمد الملك العادل نور الدين عليهم في حربه ضد الفرنجة وهو الذي كان من أقدر الأتابكة الذين حاربوهم إلى حدّ أن عدّهُ الفرنجة كما يقول رونسيمان «عدوّهم الرئيس».
ثم وقعت أسرة الأمير زهر الدولة وعشيرته في محنةٍ قاسيةٍ عندما اجتاح الفرنجةُ بيروت بعد مكيدة أرّخها الأمير صالح بن يحي في 11 شوّال سنة 569 هـ. ولمّا قدم السلطان الناصر صلاح الدين إلى خلدة في 11 جماد الأوّل سنة 583 هـ/1187م. لاسترداد بيروت من الفرنجة، لاقاه الأمير جمال الدين حجي بن الأمير زهر الدولة إلى خلدة واشترك معه في فتح المدينة. ويقول صالح بن يحيى أنه «لما فتح السلطان بيروت لمس بيده رأس حجي وقال له: قد أخذنا ثارك من الفرنج، طيِّب قلبك، أنت مستمرّ مكان أبيك واخوتك» وكتب له منشوراً.
يذكر صالح بن يحيى أيضاً مكاتبات من السلطان الملك الأفضل نور الدين علي بن الناصر بن أيوب إلى الأمير حجي، كذلك من الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كذلك من الملك الصالح نجم الدين أيّوب سلطان مصر ودمشق إلى الأمير نجم الدين محمد بن حجي بن كرامة، ومن الملك الناصر صلاح الدين يوسف سلطان حلب ودمشق إلى الأمير جمال الدين حجي بن نجم الدين بن حجي، ما يدلّ على علاقة وثيقة بسلاطين تلك الحقبة الأيوبيين من السَّلَف إلى الخلَف.
العلاقة مع المماليك
استمرّت العلاقة مع أصحاب السلطنة المُتداولة بعد سيطرة المماليك على مصر، فقد أرسل الملك المعز عز الدين أيبك زوج السلطانة شجرة الدر، أوّل السلاطين المماليك في مصر سنة 648 هـ/1250 م منشوراً إلى الأمير سعد الدين خضر بن محمد بن حجي بالرغم من أن سلطته لم تكن قد امتدّت بعد إلى بلاد الشام.
والأمر ذاته حصل بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من سقوط دمشق بأيدي المغول في ربيع الآخر سنة 658 هـ/1260 م، فقد أصدر كتبغا نائب هلاكو منشوراً يقرِّر فيه جمال الدين حجياً على اقطاعه الذي كان قد أقطعه إيّاه الملك الناصر الأيّوبي وقد خاطبه «بالأمير الأجلّ الأوحد الأعزّ المختار جمال الدين عمدة الملوك والسلاطين حجي بن محمد بن أمير الغرب أدام الله تعالى تأييده وتمكينه وتمهيده». وتسلَّم الأمير زين الدين صالح من المغول أيضاً الخِلع والهدايا.
وحفاظاً على «إصلاح الحال»، إبّان تصارع القوى الكبرى، توجَّه الأمير زين الدين صالح إلى معسكر المماليك في عين جالوت وشاركهم نصرهم التاريخي على المغول بعد أن قاتل قتال «شجاعة وفروسيَّة» فنال الحظوة أمام الملك المظفَّر قطز بعد أن أخبره المقاتلة عن بطولته.

نعود لنلقى الوتيرة ذاتها في بعث المناشير والكتب، فبعد استيلاء الظاهر بيبرس على السلطنة، أقرَّ الأمير جمال الدين حجياً على معظم اقطاعه الذي كان له بعد أن زاد عليه قرى أخرى. وقد حرص بيبرس الذي عُرف عنه مجالدته للفرنجة وصراعه الطويل معهم وانتصاراته الأسطوريّة عليهم على تعزيز مهمّة «المثاغرة»، فكان لنائبه على الشام جمال الدين أقوش النجيبي عدّة مكاتبات إلى الأمراء يحثُّهم فيها على القيام بمهمّتهم. أراد الظاهر بيبرس بذلك أماناً له من الخطر الكامن في الثغور ليفرغ إلى حروبه مع القلاع الصليبيّة في الداخل ومع التتار الذين لاحقهم حتى الأناضول. وقد بعث بنفسه مرسوماً إلى الأميرين زين الدين صالح وجمال الدين حجي بعد أن تحقَّق استحقاقهما للشكر والتكريم. ويذكر صالح بن يحيي نص المرسوم الذي يبدأ بالتوجُّه إلى «الأميرين المختارَيْن المحترمَيْن الأخصَّيْن المجاهدين… فخري القبائل والعشائر مجدَي الأمرا اختياري الدولة عمدي الملوك والسلاطين…».
وقد توطّدت العلاقة مع المماليك بعد بيبرس بعد أن شهدت تطوّراً أيّام السلطان الأشرف خليل والسلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث انضمَّت قوى الأمراء التنوخيين المُقاتِلة إلى الجيش لكي يؤلِّفوا حلـقة من حلقات الجيش المملوكي. وقد أدّى هذا الانخراط في التشكيلات العسكرية المملوكية إلى إعادة تنظيم مهمّة «المثاغرة» التاريخيَّة المستمرّة منذ ما يُقارب خمسة قرون.
يستمدّ القولُ الشعبي الدرزي «الدروز سيفُ الإسلام» جذورَهُ بالتأكيد من الفترة التنوخيِّة. وينبت جذعه سنديانةً صلبة في الأعقاب التي فاخرت بتراثها وحرصت كل الحرص – لا نصفه ولا ثلثه – على المحافظة عليه في حميميَّة أقرب ما تشابه طقساً مقدَّساً غير متنازع عليه. وإذا ما أضفنا إلى فترة حكم الإمارة التنوخيَّة تاجَها التي به أضاءت وتكرَّست حقيقةً حيَّةً في جوهر التراث التوحيدي، بما يعني هنا الثورة الإصلاحية الاجتماعية الثقافية النيِّرة التي قام بها الأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) لأدركْنا كم تتماهى الوثيقةُ التنوخيةُ في هيولى الشخصيةِ الدرزية التوحيدية ظاهراً وباطناً. وقبل الحديث عن الأسُس التي وضعها الأمير السيد(ق) للنظام الاجتماعي التوحيدي، يحسن بنا استكمال السياق التاريخي ما بعد التنوخي في خطوطه العريضة.
«الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشَّرع مَعنية…» الشّيخ الخالدي
دون الدخول في المتاهةِ التي اصطنعها المؤرّخون الموارنة للأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، يمكن التحدُّث باختصار عن التزام الأمير المعني بتراث عشيرته التزاماً ثابتاً بما لا يمنعه من أن يتملّك رؤيا ذات أبعاد حضاريَّة.
المقصود بال «متاهة» مَا أُريد لقصّة الأمير فخر الدين أن تصبح أيديولوجيا الفكرة اللبنانية الخاصّة في جدلها العنيد مع محيطها العربي، فباتت كما قصّة الشرق الذي اصطنعه المستشرقون وفق ما أرادوا للشرقِ أن يكون.
ولا يُـعتـقـد أنَّ الشيخ أحمد بن محمَّد الخالدي الصفدي مؤرِّخ الأمير فخر الدين المعاصِر له استعمل التعبير لضرورة السجع عندما قال: «الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشرع معنيَّة…» دون أن يعني ذلك حقاً. ولربّما يتمّ التأكيد على ذلك من خلال السّيرة التي ثبتها الشيخ الخالدي ذاته في تاريخه لأميره عندما كان الأخير لاجئاً في توسكانا.
فقد رفض الأمير أن يأكل «إلاّ من ذبيحة المسلمين» وعيَّن له قصَّاباً من جماعته الحاج محمد قواس باشي ليتولّى شأن الذبائح. ثم أنه أقام الصلاة جماعة في رمضان في مقرّ إقامته الذي لم يمنعه من إجهار الأذان حيث كان له مؤذن هو أحمد صبايا في بيروت مِمّا أثار حفيظة مضيفيه أكابر نابولي. ولم تمنعه الأزمة الحادّة التي نشبت معهم، عندما أراد مغادرة بلادهم والعودة إلى وطنه مهدِّداً بتفجير المركب، من المثابرة على صيام شهر رمضان وسائر أفراد عائلته.
هذا فضلاً عن اهتمامه الزائد، أثناء حكمه في إمارته، برحلة الحج السنويّة التي كان يولي عليها أميراً، أحياناً أحد أولاده بالذات.
وكان الأمير فخر الدين الكبير يحضر الصلاة في الجامع أيّام الأعياد الكبيرة ويرتِّب في حاشيته العلماء والمؤذِّنين.
وقد بنى الأمير فخر الدين الجوامع عُرف منها جامع القاع في البقاع والجامع «البرّاني» في صيدا، وفي عهده أيضاً قام الأمير مُنذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي، أثناء ولايته على بيروت من قِبل الأمير علي بن فخر الدين المعني عام 1025 هـ/1616م بإنشاء المسجد المُسمَّى باسمه والواقع في قلب العاصمة بيروت (حالياً) في الوسط التجاري للمدينة بالقرب من المنطقة المعروفة باسم باب ادريس. وأما جامع دير القمر فقد بناه تنوخيّ آخر هو فخر الدين عثمان بن معن «أمير الأشواف» كما يصفه حمزة بن سباط.

جـامـع المخـتــارة
دخلت العلاقات بين الزعماء المحليين والولاة الإقليميين إبّان الحكم العثماني مرحلة من الاضطراب والتشويش لِما شهدته من الدسائس والفِتن فيما بينهم. ولم تعد لمهمة «المثاغرة» تلك الأهمية القصوى نظراً لانشغال أوروبا بمقاومة الإندفاع العثماني إلى قلبها بعد سقوط القسطنطينيّة وتهديد أسوار فيينا. وفي كل حال نرى أن تحوُّلاً أساسيّاً طرأ على السياق التاريخي لإمارة «جبل الدروز» كما كانت تُسمَّى آنذاك وذلك بعد انتقال الحكم فيها عن طريق ما يشبه «الشورى» إلى الشهابيين.
ومن دون استرسالٍ في سرد مجريات الأحداث التي شهدت إرهاصات الصراع على حكم الإمارة بين زعماء الإقطاع ومن ثمّ تطوّره واستفحاله إلى حدِّ استنفار الحسّ الطائفي بتأثير من تدخّلات الدول الأجنبية بشكل تصاعدي، فإننا سنتوقف عند حدث يرمز إلى نقطة تحول هامة وصارخة التعبير فيما يخص مسألة التراث والصراع على هوية الجبل. لقد كان الأمير بشير الشهابي «لا يعقد محلولاً ولا يحل معقوداً إلا بعد وقوفه على رأي الشيخ بشير جنبلاط واستطلاعه وجهة فكره ومنصرَف إرادته وذلك نظراً لما كان عليه الشيخ من السؤدد والمهابة ونفوذ الكلمة وعلو الشأن». ولِما كان له من الفضل من توليته أميراً وتقديم «الدعم المالي والعسكري له لإثبات حكمه ونفوذه».
كان الشيخ بشير جنبلاط شخصية بلغت حدّ الأسطورة لِما تمتع به من «العقل والذكاء والجود والسخاء والشجاعة والفصاحة والخِلال التي أقـرّ له بها الأقران وصيّرته وحيداً في عصره وغُرَّة في جبـين دهره حتى لقَّبه اللبنانيون بعمود السماء». وكان الشيخ صاحب رؤيا نافذة في النظر إلى تاريخ عشيرته ومستقبلها في خِضّم تصارع القوى من حولها بخاصّةٍ مع بروز تأثير العامل الأجنبي (حملة نابليون على مصر) وتفاعله في الداخل. ومن الطبيعي أن يسخِّر نفوذه وثراءه واندفاعه الحيوي في خدمة بني قومه مع دعمه للأمير الحاكم. بيد أن الريبة نهشت قلب الأمير الشهابي فتطلَّع إلى إثارة الخلافات بين أقطاب العائلات الإقطاعية الدرزيَّة تمهيداً لضرب سَمِيِّه.
يقول الشدياق المؤرِّخ المعاصر للأمير بشير: «بنى الشيخ بشير جامعاً في المختارة فانكاد الأمير منه جداً واستصوب تقوية اليزبكية» وليست الحال، فيما يخصّ بناء الجامع، كما حاول أن يصوِّرَه مؤرِّخو «الغرض الطائفي»، وإنما هي نهضة تستلهم تراثها كما رأيناه في السابق. وشكْل الجامع كما هو في ذهنيَّة «عقّال» الموحِّدين لا يرتبط تحديداً بالهندسة المنطلقة إلى فضاء الفسحة الخارجية بقدر ما هو مرتبط بمفهوم «الداخل» فتبحثُ النفسُ فيها عن انسجامها في تكوير المنحنيات «العقدية» والشكل الموحي بالتواضع لقباب تنحني في خشوع كما تجسّده خلواتهم ومساجدهم المتواضعة وتكاياهم الصوفية. ويبدو أن الشيخ بشيراً أراد لجامعه أن يكون حائطاً بالمعنَيـيْن ظاهراً وباطناً، فأقامه ببذلٍ وسخاء، وكان في كل حال جزءاً من نهضةٍ عمرانية أصابت القصور والجواسق والأقنية الخ…
هكذا بنى الشيخ «جامع المختارة» عام 1230هـ/1814م. غير بعيد عن قصره، على نسق جامع الجزّار في عكا، بمحاذاة القناة المائية التي أجراها من نهر الباروك. واستُعملت خمسة عشر قنطاراً من الرصاص في بناء قـبّته ومأذنته. وأقيمت في هذا الجامع الصلوات الخمس. وقد زيَّنت مدخله أبيات من الشعر:
الا اسجدوا في مسجدٍ جاء نورُه
وأهدى الراكعين ضياء الهدى
مقـــــــــــــامٌ لدين الله أضحـى منـــوَّراً
بآيــاته الحسـنى وأطلع فــرْقـــــدا
بنــــــاهُ بشـيرُ الجــنبلاطيُّ يرتجي
من الله عفواً والثوابَ المشيَّدا
يلوح بتقوى الله جهراً فأرِّخوا
وقارٌ وأمنٌ فادخلوا البابَ سُجَّدا
وعندما انفجر صراع البشيرَيْن وخرج الأميرُ الشهابيُّ منه منتصراً، لم يتورّع عن إشفاء غُلَّة كبده «فلغم الجامع بالبارود ودكّهُ كما دُكَّ الطور فغادره أثراً بعد عَين».
جبل «الاستشراق»!
سيشهد الجبل منذ الآن فصاعداً تحوّلاً عميقاً، ليس في انحراف وجهة الدروز الموحِّدين عن تراثهم وإنما في بروز عامل التدخُّل الاستعماري الغربي آنذاك واستخدامه للعبة الطوائف الجبليّة، وبالتالي الانكباب على بذر عوامل التفـتـيت المذهبية للإجهاز على جسد «الرجل المريض» الذي صارته أمبراطورية بني عثمان. إنها قصّة معروفة مسألة الأحداث الطائفية في الجبل الحاصلة منذ ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وانفجارها عام 1860 بشكلٍ شامل، واستغلال الدول الكبرى آنذاك لعصبية الطوائف وارتكاز كل منها على طائفة مما أدّى إلى فرض حلٍّ من قِبلها على العثمانيين فيما سُمِّي ببروتوكول 1861. ما يـهـمّ هنا هو عمل الاستشراق كأداة واكبت التدخُّل الاستعماري ومهَّدت له عن طريق استخدام المعرفة عاملاً من عوامل الفعل السياسي الهادف إلى تفـتيت المجتمع وتحطيم وحدته تمهيداً لتـنفـيذ خطط السيطرة و»الانتداب».
كان المستشرق البارون سيلفستر دو ساسي عميد المستشرقين الذي كتب في عقيدة الدروز وديانتهم. يُلاحَظ أن كتابه صدر في باريس عام 1838 حين كان دو ساسي قبل ذلك بسنوات «يُستشار بانتظام حول جميع المسائل المتعلِّقة بالشرق من قبل وزير الخارجية (الفرنسي)، وفي حالات معيَّنة، من قِبل وزير الحربية أيضاً». لم يكن هاجس دو ساسي معرفياً خالصاً ليتوغَّـل في بُنية التأويل التوحيدي وارتباطها الجوهري اللطيف بتراثها الإسلامي، وإنما كان منهجه يسير «طبقاً للقواعد المعرفيّة الجوهرية المتعلّقة بالخسارة والكسب التي كان دو ساسي أوّل من وفَّـرها وطبّـقها» إذ كان الموضوع العظيم في حياة سلفستر دو ساسي هو «الحسّ المكرَّس للنفعيّة التربويّة والعقلانية» . وهكذا، كان «الحسُّ المكرَّس للنفعيَّة» يخدم آنذاك المخطَّطات الفرنسية في «استقلاب» هويّة الإمارة الجبليّة ذات الموقع الاستراتيجي الممتاز.
وبتأثير الحسّ ذاته طالَعـنا «غيز Guys» بكتابه الموسوم بتلكَ التسمية التي لم يُسمع بمثلها من قبل: «الأُمَّة الدرزية» وهو كتاب واكب مجريات الأحداث المتسارعة التي تلت الفتن الطائفية عام 1860، وكان أبرزها عقد مؤتمر باريس في 3 آب 1860، ونزول الجيش الفرنسي في بيروت في السادس عشر من الشهر ذاته، ومن ثم الاتفاق على البروتوكول الأوّل في 9 حزيران 1861 والذي عُدِّل عام 1864 والذي ينص في السطر الأول من المادة الأولى فيه على ان «يتولّى إدارة جبل لبنان متصرِّف مسيحي تعيِّنه الدَّولة العليا…».
وما لبثت ان ازدحمت حقبة «حُكْم المتصرفية» الهادئة في لبنان بوفود الإرساليات الأجنـبيَّـة التي نشطت بشكل محموم، وزرعت بذور الانتماء الطائفي بمعناه السياسي في تربة الوطن القادم. ما يهمّنا هنا هو أن التراث الثقافي لكل طائفة بات سلعة للأهداف السياسية خاصّة وان التنافس اللامتكافئ كان محموماً حول دمغ الهوية بطابع مرغوب. وفيما يتعلَّق بالدروز فقد بدأت دفقات المنشورات حول تراثهم وعقيدتهم تتدافع إلى الظهور، وبدت الرغبة الأكاديمية في المعرفة المجرَّدة وليدة المشروع الاستعماري لأنها واكبته أولاً بأوّل فكأنّها تبزغ وفقاً لرغبات الهدف السياسي الذي يتحكّم به «الحسّ المكرّس للنفعيّة» إيّاه.
الأمر ذاته حدث بعد انحسار نجم العثمانيين وفرض نظام الانتداب على دول المنطقة وانفجار ثورة سلطان باشا الأطرش ضد فرنسا عام 1925. وما لبثت أبعاد هذه الثورة أن تفاقمت بشكل خطير بعد أن أذاع الزعيم الاطرشيّ باسم «قائد جيوش الثورة الوطنيّة السوريّة العام» البيانات الأولى التي حملت شعارات «الدفاع عن الأمّة» والدعوة إلى الثورة الشاملة ووحدة البلاد وقيام حكومة شعبية وجلاء المحتلّين.
لم يكن سلطان باشا يبحث عن مصالح طائفية وإنما كان انبعاثاً لتاريخ معروفي عتيق، ورمزاً لتراث الجماعة التاريخي المتمثّل «بسيف الأمّة» الممشوق دفاعاً عن كرامتها وعزتها وشرفها. و«أمَّتُه» كانت إسلاميّة عربيّة كما تعسَّف «هنري غيز» مِن قبل وسمّاها كما شاء لها أن تكون.
لن نستطرد في سرد التأثير العميق الذي أحدثته «الثورة السورية الكبرى» بينما الحديث عن تراث الجبل اللبناني، وإنما تجدر الملاحظة بأن رموز الثورة المذكورة صارت جزءاً ساطعاً في صُلب ذاكرة التراث المعروفي أينما وُجِدوا الدروز وأينما حلّوا.
الاستشراق الصهيوني
في هذه الفترة ايضاً انتعشت ذاكرة الاستشراق ونشطت، فصدرت موجةُ جديدةُ من المنشورات الباريسية التي تتناول بالبحث تاريخ الدروز وعقائدهم. ويُمكننا هنا أن نخلص إلى النتيجة إيّاها وهي أن «المعرفة» الاستشراقية كانت وسيلة لتحقيق الأيديولوجيا، والنتيجة مزيد من فوضى المعلومات والتشويش وتعميم الأحكام التعسُّفيّة.
ومن جملة المعلومات المغلوطة أن الدرزيَّةُ دينٌ قائمٌ بذاته، والدروزُ أُمَّةُ مغايرة للإسلام لهم تراث مستقل غير مرتبط بتراث «الجماعةِ» وذاكرتها التاريخيّة. هذه هي المبادئ التي جهدت دوائر دولة إسرائيل في تعميمها بشأن الدروز.
وقبل الدروز، فقد كانت مواجهة الباحثين الصهاينة قائمة على مستوى العرب والإسلام بشكل عام. ومنذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل كان الهدف الصهيوني في جوهره، كما يعرفُ الكبيرُ والصغير، هو خلق دويلات طائفيّة تحيط بالكيان اليهودي المصطنع كحدود آمنة. «وكان قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 على أرض فلسطين مرحلةً جديدة بالنسبة للاستشراق الصهيوني بكل المعاني» . فقد أدّى إلى تغيُّر الرؤى والمناهج في مواجهة العرب والإسلام. وتصاعدت حدّة تقـنية التـفـتيت وذلك عن طريق إثارة كل ما يؤجِّج نزعة التمذهب ويصطنع اختلاق غريزة حسّ الأقليات بما يخدم التوجّهات الطائفية. ليس هذا فقط، وإنما عَمِلَ الاستشراقُ الصهيوني على التشكيك بالمقدّسات الإسلامية مثل مفهوم النبوَّة ومفهوم التنزيل وقت دأب على بعث التاريخ الباطنيّ المنسيّ لدى مختلف المذاهب فلم ينجُ من شره أحد.
هذا النهج الصهيوني هو ما ينطبق تماماً على بعض المنشورات التي صدرت في أثناء احتدام الحرب اللبنانية قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبات الاقتناع راسخاً بأنها كانت تمهيداً له عن طريق إثارة الفتن الطائفية. هنا نجد أيضاً أن الأهداف السياسية غير البريئة هي التي تقف خلف المشروع بأسره، فأيُّ حقيقة تملكها تلك المنشورات غير حقيقية الدسّ والتزييف وإثارة الشكوك؟ أم أن ذاكرتنا التاريخية صارت بدورها نِتاجاً صهيونياً صِرفاً؟
السيِّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) 820هـ./884هـ.
تُعيدنا تلك الكتابات إلى مسألة العقيدة عند الدروز الموحِّدين. ولا يعتقدنَّ أحدٌ ان انفصاماً دهريّاً ممكناً بين جسد العشيرةِ التاريخي وروحها باستطاعته التعشُّش في شخصيتها طيلة تسعة قرون. وإلا كيف لنا أن نفسِّر هذا التواصل القديم الدائم بين سيوف الموحِّدين ومصلحة «الجماعة»؟ ويُعنى بالجماعة هنا المفهوم الذي عناه النبيُّ العربيُّ الكريم صلى الله عليه وسلّم.
نعم، ارتكز الموحِّدون في عقيدتهم القرآنيَّة على إيمانهم «بإمامة التأويل» التي ميَّزت فِرق التشيُّع بأكملها، بيد انهم أغلقوا باب التفسير دون المساس بقدسيَّة الوحدة المُفترض أن تكون عليها «الجماعة». يدخل هذا عندهم في طبيعة العلاقة المعقَّـدة القائمة في جدليّة الظاهر والباطن. لقد مسخ المستشرقون والاستشراقيون حقيقة هذه الجدليَّة العميقة إلى مجرَّد موضوع «التقيَّة» و»المساترة» بمعنى الدهاء السياسي. والحقيقة أن الأمر متعلِّق بطرائق المعرفة الروحيَّة التي منها العرفان والتصوُّف واستبطان المعنى وتثوير النصّ والتحقّق الذاتي لأبعاد الإنسان الذي هو «خليفة الله» على ما جاء في القرآن الكريم ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ…﴾. لهذا تفرض العقيدة على الدروز الموحدين عدم المساس بمفاهيم الجماعة بل الانطلاق منها، من الإيمان بها، إلى أبعادها المعرفية، كل حسب قدرته وطاقته ﴿لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسْعَهَا﴾. وهذا ما يفسِّر تاريخهم وتراثهم مثلما ورد في القليل منه في هذا البحث. وبما أن السياق افترض ذكر بعض وجوه الطبقة السياسيَّة والتزامها الأثيل بمصلحة الجماعة، فقد آن الأوان للتحدث عن الشخصيَّة الروحية التي يعتبرها الدروزُ الموحِّدون الأكبر التي عاشت في بلاد الشام في العصر الوسيط.
هو الأمير السَّيِّد جمال الدين عبد الله البحتري التنوخي، ابن الأمير علم الدين سليمان بن بدر الدين محمد بن صلاح الدين يوسف بن سعد الدين خضر أمير الغرب التنوخي. ربي يتيماً مع والدته فظهرت «مخيلات الورع» وهو صغير، وكان مولده ثاني عشر ربيع الأوّل سنة عشرين وثمانمائة، أوّل ما رغب في حفظ الكتاب العزيز فختمه سريعاً ثم جرّده ثانياً ودرسه. وكان يطوف القرى في طلب العلم والحديث وهو صغير السنّ. تورّع يافعاً ما لا تصل إلى ورعه الكهول من أولى العلم. ولما ثبت جنانه وشيّد بنيانه… طرح الدنيا واشتغل بعبادة الرحمن فجرّد كتاب الله العزيز المقدَّس المطهَّر ودرسه وتلاه غيباً وداوم الدراسة فطبعت فصوله وآياته وأعشاره وسوره وسطوره في قلبه حيث لا يغيب عنه منه لفظة واحدة… ثم جمع الشروحات والتفاسير من تفسير القرآن العزيز المكرَّم الشريف. وجمع كُتُب اللغة العربية… وسيَر الملوك وأخبار الأنبياء وكتب التواريخ والفلسفة وعلم الفقه على المذاهب وكُتُب النحو وغيرها. وكان يقرأ الكتاب العزيز ويشرحه ويتكلّم في علم الفقه والحديث ويُصَحِّح الأخبار ويشيد الإسلام ويرفع للحقّ منار… ثم أنه أمر بعمارة المساجد في القرى وتجديد الجوامع وإنشاء الوقوفات، ثم انه حثَّ على القراءة الصحيحة في القرآن المكرّم وجلب الفقهاء إلى النواحي وأقام الخطب في الجوامع يوم الجمعة في كل قرية يكمل العدّة. وأطاعَتهُ الخليقةُ واقتدت بأوامره ورضت بأحكامه الخصوم، وطاعته أكابر النواحي ومشايخ البلاد، كان له تلاميذ كُثُر… وكان له يوم معلوم من أيام الجمعة يفيد أهل بلده في معاني كلام الله تَعَالَى في كتابه العزيز وقول رسوله الكريم، ثم أخبار الأنبياء وأشعار الأتقياء ومناقب الصالحين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وأخذ من أخبار «سيدي عبد الرحمن الأوزاعي الفقيه» ورسخت هيبته في قلوب أهل المعاملة الكبير والصغير والغني والفقير والأكابر والمقدّمين وعلت كلمته وقويت حجّته… وكانت تأتيه الخصوم من أقصى المعاملة، من جيرة صفد إلى أطراف حلب، إلى حدود طرابلس، إلى شوف بعلبك مع أطراف دمشق. وكانت الذمة (يقصد أهل الذمة) من اليهود والنصارى تأتي على خبره وتحضر بين يديه في اختلافٍ بينهم في أمر الدنيا.
هكذا تمضي سيرةُ الأمير السيد(ق)، فتأتي بعدها على ذكر إقامته في دمشق لسنوات غير يسيرة ثم عودته إلى عبيه ووفاة ابنه الأمير سيف الدين عبد الخالق وصبره والتزامه جانب تأدية رسالته في نشر المعرفة وإعلاء جانب الحق حتى وفاته عام 884هـ/1479م.
تكرَّست «قداسةُ» السيّد الأمير لأنّه كان التجسيد الأمثل للحياة التوحيديَّة. وهذا الأمر يحظى بإجماع «عقّال» الموحِّدين في أربع جهات بلاد الشام. وحتى يومنا هذا يبقى ضريح الإمام التنّوخي محجَّة الدروز الروحيين والزمنيين في ذلك المزار الجميل القائم في حضن الثغر التنوخيّ القديم، بقناطره الصاعدة مع انحناءةِ الإقرار كمعراجِ نفسٍ طائعةٍ لوجه ربّها الكريم، بقبَّته المتواضعة على هيبةٍ ليس مثلها هيبة سوى ما توحي به تلك السلسلة الغريبة من العابدين الزاهدين المجاهدين الذين عرفهم زمن التصوُّف الأوّل في حضارة الإسلام الأولى.
تكرَّست أيضاً طريقةُ السيّد الأمير ونهجه في حياة الموحِّدين المسلكيَّة مرجَع ثـقةٍ بإجماعٍ لم يُر مثله لا من قبل ولا من بعد. فبعد وفاة السيد بحوالي مئة وخمسين سنة كان الشيخ الفاضل محمد أبي هلال الذي عاش حياة تقى وعبادة كانت الأمثل من حيث تطابقها شبه التام مع نهج الأمير التنوخي. وهو الذي قال فيه تلميذُه وكاتبُ سيرته الشيخ أبي علي عبد الملك ابن الحاج يوسف الحلبي الشافعي إنَّ آداب الشيخ الفاضل مع شروحات الأمير قدَّس الله روحه «أنه كان واقــفاً على جليلها وحقيرها، ملتزماً حدودها، حاضاً على العمل بها وانتهاج نهجها». ويحظى الشيخ الفاضل أيضاً بإجماع «العقاّل» على وضعه في رتبةٍ تأتي بعد رتبة الأمير السّيِّد مباشرة، ودائماً فيما يتعلَّق بالكيفيَّة التي يجب أن يكون عليها مسلك التوحيد والتي وردت بمعالمها الجوهرية في سيرة الأمير السيِّد(ق).
وبعد، فكأنَّ بالدروز حسّاً عميقاً بالقدَريَّة التي تعني هنا التّسليم القلبي الصّادق بإرادة الله في السرَّاء والضرَّاء، والنيَّة عندهم هي قطب الأعمال، فإذا ما صلُحت النيَّة حَسُن المصير وإذا ما خبثت انقلب سوءُ العمل على صاحبه ﴿ولاتَ حين مَناص﴾.
فإذا ما تطلَّعنا أخيراً إلى بعض رجالات الجبل من عشيرة بني معروف في القرن الحالي لرأينا أسماء كبيرة لرجال مجاهدين مثل شكيب وعادل أرسلان، سلطان الأطرش، أمين آل ناصر الدين، علي ناصر الدين، عجاج نويهض، كمال جنبلاط وغيرهم كثُـر… ولرأيناهم أيضاً رجالاً «للأمَّةِ» بما لا يُقاس مع ما هم لطائفتهم. أَلَمْ يَبْقَ الجبل بزعامته الوطنية طيلة الحرب اللبنانية الأخيرة قلعةً من قلاع العروبة وسيفاً ساطعاً من سيوف الإسلام الحق؟ إنه الوفاء لتراثٍ أقوى من أن تزعزعه أبوابُ الجحيم وأرسخ من أن تشوِّهَه خبايا المُغرضين والعَرَضُ زائلٌ والجوهر باق ما دامت الحياة.
نُشِرت هذه الدراسة للشيخ غسّان الحلبي في مجلة «تاريخ العرب والعالم» عدد 145، 1993، في إطار أعمال «المجلس الدرزي للبحوث والإنماء» في حيـنه، ويُعاد نشرُها اليوم لأهميتها في التذكير بثوابت التاريخ والهوية.