السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

تصحيح الرواتب والأجور:
دَوَرانٌ في الحَلَقةِ المُفْرَغَة

بين ضغط الشارع وضغط الموازنة، تعود أزمة الرواتب والأجور في لبنان إلى الواجهة، محملةً بقرارات حكومية تُعطي بيد لتأخذ باليد الأخرى. فهل بات تصحيح الأجور مجرد عملية حسابية ترقيعية، أم أنه يحتاج إلى جراحة إصلاحية بنيوية تنقذ ما تبقى من رمق اقتصادي؟

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في جلسته المنعقدة يوم الإثنين 16 شباط 2026، منح موظفي القطاع العام بكافة أسلاكهم، والمتعاقدين منهم والمتقاعدين، زيادةً تعادل ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين. هذا القرار أثار موجة اعتراضات شملت مروحة واسعة من السياسيين وأصحاب الرأي والمواطنين، كما لم يلقَ موافقة الجهات المعنية به من موظفي ومتقاعدي القطاع العام، بشقيه العسكري والمدني.

تمويل الزيادات: الحلول الأسهل والأكثر إيلاماً لا تُعد هذه الخطوة سابقةً للحكومة الحالية في اللجوء إلى جيوب المواطنين عبر فرض رسوم على المحروقات؛ فقد سبق أن أقرت إجراءً مشابهاً في 19 أيار/مايو 2025، قبل أن يوقفه مجلس شورى الدولة في 16 تموز/يوليو من العام نفسه بناءً على طعون قانونية. وقد لاقى قرار الإبطال حينها ترحيباً شعبياً واسعاً، واعتُبر تطوراً قانونياً مهماً لوقف العبء الإضافي واستنزاف المواطنين في ظل الظروف الخانقة.

وإذا كان يتوجب على وزارة المالية، ومن خلفها الحكومة مجتمعة، ألا تُقدم على زيادات عشوائية للرواتب والأجور، فيتوجب عليها بالمقدار عينه ألا تعتمد أكثر مصادر التمويل سهولةً وإجحافاً. ونعني بذلك فرض رسم جديد على صفيحة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة، بالإضافة إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، خاصةً وأن قرار الطعن بالرسوم السابقة لم يمضِ عليه سوى بضعة أشهر.

وتجدر الإشارة هنا إلى “الأثر التضخمي” الحتمي لهذه الإجراءات؛ إذ إن رفع كلفة المحروقات والضرائب سينعكس مباشرة على أسعار النقل والسلع والخدمات، مما يؤدي إلى تآكل جزء كبير من الزيادة الممنوحة، ويعيد إنتاج الحلقة المفرغة ذاتها بين زيادة الرواتب وارتفاع الأسعار، من دون معالجة جذرية لاختلالات السوق.

غياب الرؤية: تساؤلات مشروعة برسم الحكومة أمام هذا التخبط الحكومي في معالجة أزمة تصحيح الرواتب، لا بد من طرح مجموعة من التساؤلات والملاحظات حول تقاعس الحكومة، منذ تشكيلها، عن المبادرة إلى وضع خطة منصفة وعادلة تراعي حقوق الموظفين وتوازنات المالية العامة في آنٍ معاً:

  • أزمة مزمنة لا طارئة: إن مسألة تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام ليست مستجدة، بل هي من عُمق الأزمة وتُعد مؤشراً دالاً على تعقدها. وعليه، فإن أي إرجاء لمعالجتها ضمن إطار إصلاحي متكامل سيُطيل أمد الأزمة ويُفاقم تداعياتها.
  • غياب الرؤية الشاملة: إن افتقار الحكومة لرؤية اقتصادية تستند إلى أهداف واضحة، وموزعة ضمن إطار زمني مرحلي يضمن تنفيذها، يُعد خللاً بنيوياً يُضعف فاعلية أي سياسات عامة للنهوض.
  • حتمية الإصلاح الإداري: إن أي معالجة جدية تستوجب ربط الرواتب بإصلاح إداري يعيد هيكلة المؤسسات المترهلة ويرفع الإنتاجية، ليتحول تصحيح الأجور من عبء مالي إلى استثمار في الكفاءة.
  • شروط الصندوق الدولي: إن التفاوض مع صندوق النقد الدولي كمدخل لاستعادة الثقة لا يُبرر التبنّي التلقائي الأعمى لتوصياته؛ فالتجارب أثبتت أن بعض برامجه عمّقت الاختلالات في دول أخرى، مما يتطلب مقاربة تفاوضية واعية تحمي الاستقرار الاجتماعي.
  • استحالة التنمية بلا قدرة شرائية: يظل النمو الاقتصادي بعيد المنال ما دامت مداخيل شريحة أساسية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى للمعيشة، مما يقوض ديناميات الاقتصاد الكلي.
  • اختلال معايير العدالة: تعكس الرواتب المرتفعة التي أُقرت لصالح “الهيئات الناظمة” اختلالاً واضحاً في معايير العدالة داخل القطاع العام. ولا يبدو تبرير ذلك بـ”استقطاب الكفاءات” مقنعاً، خاصة لجهات ذات طابع استشاري غير ملزم.
  • الأملاك البحرية والهدر: تُظهر الحكومة تساهلاً ملحوظاً في تحصيل الرسوم على الأملاك البحرية، مما يحرم الخزينة من موارد تُقدر بـ 250 إلى 500 مليون دولار سنوياً. ويجب ألا يقتصر الأمر على التحصيل، بل وضع سياسة متكاملة لإدارة الأملاك العامة وتسوية أوضاعها وفق القيمة السوقية.
  • غياب العدالة الضريبية: تُقصر الحكومة في تحديث النظام الضريبي لتكريس “الضريبة التصاعدية” التي تستهدف الثروات والمداخيل المرتفعة، وتستمر في الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي ترهق الفئات الأكثر هشاشة.
  • التهرب الضريبي: تفتقر السلطة التنفيذية إلى خطة واضحة لمكافحة التهرب الضريبي، مما يتطلب تحديث أنظمة الجباية، وتسهيل وسائل الدفع، وتشديد الرقابة وتفعيل المساءلة.
  • انعدام الشفافية داخل الحكومة: أظهرت مناقشات مجلس الوزراء أن وزارة المالية لم تلتزم بتزويد الوزراء بدراسة كلفة الزيادة وتوزيعها قبل 48 ساعة من الجلسة، مما حال دون مناقشتها وفقاً للأصول المتبعة.

الخلاصة: الإصلاح البنيوي أو الانهيار المستمر إن تصحيح الرواتب والأجور هو حق مشروع لموظفي القطاع العام والمتقاعدين، غير أن تكريسه بصورة عادلة ومستدامة يقتضي التخلي عن منطق المعالجات الظرفية (الترقيعية) واعتماد منطق الإصلاح البنيوي.

المسألة لا تتوقف عند حدود إضافة أرقام على جداول الرواتب، بل تتعداها إلى ضرورة إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، عبر سياسة مالية عادلة، إدارة رشيدة للموارد، ورؤية اقتصادية واضحة المعالم. ومن دون ذلك، ستبقى القرارات المالية تدور في حلقة مفرغة بين ضغط الشارع، وضغط الموازنة، وتآكل القدرة الشرائية، فيما يبقى النهوض الاقتصادي الموعود مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

قراءة في تقلبات أسعار الذهب

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار الذهب ارتفاعات حادّة، غير أنها المرة الأولى التي يُسجل فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وبوتيرة متسارعة تحبس الأنفاس. فقد ارتفع سعر الذهب بنسبة 10.18% خلال الشهر المنصرم، بعد أن ارتفع بنسبة 73.59% خلال عام 2025، منها 45.07% في الأشهر الستة الأخيرة. مع العلم أن نسبة الارتفاع في شهر كانون الثاني/يناير 2026، كانت ستكون أعلى لولا الانخفاض الذي شهدته أسعار الذهب في الأيام الأخيرة منه.

وبقدر ما بدا هذا الارتفاع الأخير مستغربًا في سرعته وحدته، بدا الانخفاض اللاحق متوقعًا، وإن لم يكن متوقعًا في توقيته، ولا سيما في خضم الفوضى التي سيطرت على أسواق الذهب، وهيستيريا الطلب على المعدن الأصفر وغيره من المعادن الثمينة. وعلى الرغم من التراجع الذي شهدته الأسعار في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، لا يزال الذهب يُتداول عند مستويات غير مسبوقة، فيما تواصل البنوك المركزية العالمية شراءه بوتيرة ثابتة دون إبطاء.

تاريخياً، سُجلت أولى القفزات الكبرى في أسعار الذهب عام 1973، عقب حرب تشرين بين العرب وإسرائيل، وما رافقها من حظر إمدادات النفط إلى الدول الغربية؛ حيث بلغ سعر الأونصة نحو 123.5 دولارًا، ما أدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة من “الركود التضخمي”، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى التعامل مع الذهب بوصفه مخزنًا للقيمة، لا مجرد بديل نقدي للدولار الأميركي، وذلك جراء انكشاف هشاشة العملات الورقية.

أما القفزة الثانية لأسعار الذهب، فقد تمت في كانون الثاني/يناير 1980، حين وصل سعر أونصة الذهب إلى 668 دولارًا، بعد أن كان بـ 243.66 دولارًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1978، وذلك على خلفية سلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى، شملت الثورة الإسلامية في إيران، وأزمة الرهائن الأميركيين، والغزو السوفياتي لأفغانستان.

أدت هذه التطورات التي شهدها العالم بين عامي 1978 و1980، إلى تصاعد الطلب على الذهب وبلوغ أسعاره ذروتها التاريخية آنذاك، قبل أن يضع الاحتياطي الفيدرالي حدًا لهذا الارتفاع من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي لأسعار الذهب على مدى عقدين تقريبًا.



وفي عام 2008، عادت أسعار الذهب لتشهد تقلبات حادة، فبعد أن لامس سعر الأونصة الـ 1000 دولار في آذار/مارس، تراجع إلى نحو 728 دولارًا في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على وقع أزمة الرهن العقاري التي تسببت في انهيار المصارف الكبرى، وفي مقدمتها مصرف “ليمان براذرز”، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011.

وفي حين استمرت تقلبات أسعار الذهب، غير أن الاتجاه العام للأسعار ظل تصاعديًا، ليبلغ سعر الأونصة 1826 دولارًا في آب/أغسطس 2012، قبل أن يتكبد الذهب في نيسان/أبريل 2013 أكبر خسارة سنوية بلغت نحو 28%. ومن ثم بلغ سعر الأونصة في كانون الأول/ديسمبر نحو 1200 دولار، منهيًا بذلك دورة صعود استمرت لخمس سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الذهب انخفضت في بداية أزمة الرهن العقاري، بدلاً من ارتفاعها، ويكمن السبب في أنه غالباً ما يندفع المستثمرون نحو تسييل كل ما يمكن تسييله، ولا سيما الذهب، لتغطية الخسائر المستجدة وتلبية متطلبات الهامش. وهو ما يكشف حقيقة جوهرية مفادها أن الذهب يُباع أولاً عندما تصبح الحاجة إلى السيولة أولوية مطلقة.

الأمر الذي تكرر مع موجات الانخفاض الحاد التي شهدتها أسواق أسهم التكنولوجيا والعملات الرقمية مطلع عام 2026، حيث اضطر بعض المستثمرين إلى تسييل (Liquidations) مراكزهم الرابحة في الذهب -أي عمليات البيع- لتغطية خسائرهم في أصول أخرى. الأمر الذي أعاد التأكيد أن الذهب، وإن كان هو الملاذ الآمن والأخير، غالبًا ما يُستخدم كمصدر للسيولة عند الأزمات.

غير أن التذبذب الذي تشهده أسعار الذهب منذ مطلع الأسبوع الحالي يعكس تداخل العديد من الأسباب؛ فمن جهة، أسهمت المخاوف من فقدان الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، وتراجع الثقة بالعملة الأميركية، وارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب استمرار المصارف المركزية في شراء الذهب، في دعم الأسعار.



في المقابل، أسهم استخدام الذهب كأداة مضاربة وما يُسببه من مخاطر على استقرار أسعار الذهب في زيادة حدة التقلبات، لا سيما منها الرافعة المالية (Leverage)، والعقود الآجلة، وعقود الفروقات (CFDs)، وصناديق المؤشرات (ETFs)، وجميعها عقود ورقية، وهي أدوات تجعل حجم “الذهب الورقي” المتداول يفوق بأضعاف حجم الذهب الفيزيائي المتاح فعليًا.

ولما كان هدف المضاربين تحقيق أرباح سريعة، فإنهم يعمدون عند أول إشارة ضعف إلى البيع، ما يُطلق موجات بيع متسلسلة تُضخم الانخفاضات. وفي هذه الحالة، لا يعكس انخفاض سعر الذهب تبدلاً في القيمة الجوهرية للمعدن، بل يعكس ما يُعرف بـ “سلوك القطيع” في الأسواق المالية. وغالبًا ما تكون هذه الانخفاضات قصيرة الأجل وغير مرتبطة بعوامل بنيوية تتعلق بالمعدن الثمين بحد ذاته.

تؤكد مراجعة تقلبات الأسعار منذ فك الارتباط بين الذهب والدولار الأميركي أن هذه التقلبات هي نتيجة التفاعل بين عوامل نقدية وجيوسياسية وسلوكية. فالذهب، وإن امتاز بكونه مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، يبقى عرضة للتقلبات على المدى القصير، خاصةً عندما يتحول إلى أداة للمضاربة.

غير أن المفارقة تكمن في أن موجات الانخفاض غالبًا ما تعقبها عودة للشراء الاستراتيجي طويل الأجل، ولا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين التحوطيين، مما يعيد التأكيد أن تذبذب الأسعار لا يلغي مكانة الذهب، بل يعزز دوره كأصل استراتيجي في زمن يسود فيه عدم اليقين.

تصحيح الرواتب والأجور واجبٌ وليس مَكرُمة
قراءة في أزمة الرواتب والأجور في لبنان وسبل معالجتها

لطالما كانت مسألة تصحيح الرواتب والأجور في لبنان موضع تجاذب بين موظفي القطاع العام ونقابات العمال من جهة، والدولة من جهة أخرى، سيما وأن الدولة دأبت على التقاعس عن إقرار الزيادات العادلة والمتناسبة مع تزايد معدلات التضخم وارتفاع مستويات غلاء المعيشة. وقد اتسمت مقاربة الدولة لهذه المسألة بالتأجيل والمماطلة، فلا تُقر الزيادات المطلوبة إلا بعد أن تكون قد فقدت قيمتها الفعلية، الأمر الذي أفقد سياسات تصحيح الرواتب والأجور مبرراتها الاقتصادية وأضعف أثرها الاجتماعي.

وما زاد من تعقيد هذا الواقع أن حلول الحكومات المتعاقبة كانت غالبًا تأتي بمعزل عن أي خطة إصلاحية، أو حتى عن أي رؤية مستقبلية، تُطرح الزيادات على الرواتب والأجور دون تأمين مصادر تمويل مستدامة، مما حوّل تصحيح الرواتب والأجور إلى أعباء إضافية على الموازنة العامة، بدلًا من أن تكون جزءًا من خطة اقتصادية متكاملة تُساهم في تأمين حياة كريمة للموظفين والعمال من دون الإخلال بالتوازنات المالية أو إثقال كاهل الخزينة العامة.

ومع حلول عام 2020، وعلى أثر الانهيار المالي والنقدي الذي عصف بلبنان، قفزت مسألة تصحيح الرواتب والأجور إلى الواجهة بعد أن فقدت قيمتها بشكل متسارع. الأمر الذي أدى إلى تعميق أزمة الموظفين والمتقاعدين بصورة غير مسبوقة في حدتها وطول مدتها، وذلك لترافقها مع تدهور سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار السلع والخدمات، في الوقت الذي فقدت فيه الرواتب والأجور نحو %95 من قوتها الشرائية.

في المقابل، ظلت المعالجات الحكومية أسيرة لحلولٍ جزئية ومؤقتة، اقتصرت على إقرار زيادات استنسابية، منها ما سُمي بالحوافز ومنها بالمساعدات الاجتماعية، لا تستند إلى معدلات غلاء المعيشة ولا إلى مؤشرات التضخم، وتفتقر جميعها إلى رؤية شاملة لتصحيح الرواتب والأجور. وأخطر ما في هذه الحلول أنها تنطوي على محاولة إسقاط حقوقٍ مكتسبة للموظفين والعسكريين والمتقاعدين، فالزيادات التي أُقرَّت حتى اليوم لا تدخل لا في احتساب تعويض الصرف ولا في احتساب المعاش التقاعدي.

وعلى الرغم من الزيادات التي أُقرت على الرواتب والأجور خلال الفترة التي انقضت من الأزمة، فقد انخفضت تكلفتها في موازنة عام 2025 إلى حوالي 2.4 مليار دولار من إجمالي نفقات الموازنة، بعدما كانت تزيد على 8 مليارات دولار في موازنة عام 2019. الأمر الذي يُبيّن مدى الظلم الذي يقع على موظفي القطاع العام والمتقاعدين، ومع ذلك لم تلحظ موازنة عام 2026 أية اعتمادات للزيادات الجديدة التي يُطالب بها هؤلاء.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه مسألة تصحيح الرواتب تتأرجح بين الخوف من تداعياتها على سعر الصرف وربطها بمسار التعافي الاقتصادي، وعلى الرغم من انقضاء نحو ست سنوات على الأزمة، تبرز اليوم تدخلات صندوق النقد الدولي ولائحة الشروط والقيود التي يُشرف على تطبيقها. ويلاقيهما في ذلك مجلس الخدمة المدنية الذي يطرح إعطاء زيادات على الرواتب عن طريق مضاعفة أساس الراتب، بشكل تدريجي وعلى مدى خمس سنوات، ابتداءً من عام 2026 وصولاً إلى عام 2030.

إلا أن المفارقة في هذه المقاربات، إن لجهة الزيادات التي أقرّتها الحكومة، أو مشروع مجلس الخدمة المدنية، وصولاً إلى شروط وقيود صندوق النقد الدولي، أن جميعها تتجاهل ارتفاع معدلات التضخم وتزايد غلاء المعيشة. الأمر الذي يجعل من الحلول المطروحة للرواتب والأجور مجرد زيادات اسمية يأكلها التضخم وارتفاع الأسعار، وتجاهل لحقيقة أن رواتب وأجور الموظفين ليست مجرد تكلفة تدفعها الدولة لموظفي القطاع العام من عسكريين ومدنيين، بل هي تعويض عن مساهمة هؤلاء في توفير الأمن والخدمات العامة، والذي يجب أن يكون تعويضًا عادلاً يسمح لهم بحياة كريمة.

وجدير بالذكر أن أي زيادة على القدرة الشرائية للموظفين والعمال من خلال تصحيح الرواتب والأجور تنعكس حكمًا ارتفاعًا في الطلب على السلع والخدمات، وزيادةً في الاستهلاك العام تُسهم في تحريك القطاعات الإنتاجية والاقتصادية على اختلافها، وتُساعد بالتالي على تحقيق التعافي الاقتصادي. وما من اقتصاد يُمكن أن ينهض أو يستعيد عافيته في غياب الدولة الفاعلة والقادرة، مع العلم أن هذه الدولة تستمد فاعليتها وقدرتها من الجهاز التنفيذي الذي يُشكله الموظفون على اختلاف نطاق أعمالهم.

ما يجعل المماطلة في إقرار زيادات عادلة على رواتب وأجور موظفي ومتقاعدي القطاع العام، عسكريين ومدنيين، تحميلاً لهم، نتائج ارتكابات السلطتين السياسية والنقدية خلال الفترة التي مهدت للأزمة وتسببت في حدوثها. وفي هذا أيضًا، تجاهل للدور الاقتصادي الذي يلعبه ذوو الدخل المحدود، الذين يُشكل موظفو القطاع العام الجزء الأكبر منهم، حيث إن مداخيلهم تُشكل محركًا أساسيًا للعجلة الاقتصادية.

في المقابل، لم توفِ الحكومة الحالية بوعدها بتصحيح رواتب الموظفين والمتقاعدين، ولا سيما منهم العسكريون، بحيث كان من المفترض أن تعادل رواتبهم في عام 2026 ما لا يقل عن %50 عما كانت عليه في عام 2019 بالدولار الأميركي، في حين لم يتضمن مشروع الموازنة لهذه السنة أي اعتمادات لتغطية تكلفتها. كما لم توفِ الحكومة بوعدها بتسوية المساعدات المدرسية للعسكريين المتقاعدين عن عام 2025 لتساوي المساعدات المُقرَّة في تعاونية موظفي الدولة.

والمفارقة أن الحكومة أقرت رواتب خيالية للهيئات الناظمة ورؤسائها، تفوق قيمة كلٍ منها رواتب الرئاسات الثلاثة حتى بعد زيادتها، وفق مشروع مجلس الخدمة المدنية حتى عام 2030. الأمر الذي يحمِل على التساؤل عن المعايير التي تم اعتمادها لإقرار هكذا رواتب، ومبدأ العدالة بين فئات الوظائف العامة. ويزداد التساؤل إذا ما عرفنا أن دور هذه الهيئات هو دورٌ استشاري غير ملزم لسلطات الوصاية.

في ضوء ما تقدم، لا بد من التأكيد على أن تصحيح رواتب وأجور موظفي القطاع العام، عسكريين كانوا أم مدنيين، ليس مكرمة من الطبقة السياسية ولا خيارًا قابلاً للتأجيل، بل هو واجبٌ دستوري وأخلاقي على الدولة أن تلتزم به تجاه موظفيها. إذ إن من أبسط حقوق كل موظف أن يتقاضى أجرًا عادلًا يتناسب مع طبيعة عمله ومسؤولياته، ويكفل له مستوى معيشيًا لائقًا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة الإنسانية.

وبالمثل، فإن من حق المتقاعد، الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة الدولة ومؤسساتها، أن تُصان كرامته بعد التقاعد، ويُحفظ حقه في حياة كريمة، بعيدًا عن العوز، وفاءً لتضحياته والتزامه، وترسيخًا لمبدأ العدالة الاجتماعية الذي يُفترض أن تقوم عليه السياسات العامة.

وبناءً على ما تقدم، سيظل ملف الرواتب والأجور أزمة مفتوحة بلا أفق للحل، وعنوانًا دائمًا للأزمة الاجتماعية، ومرآةً لفشل الدولة ما دامت تتهرب من اعتماد مقاربة علمية وشاملة لتصحيح الرواتب والأجور. المطلوب مقاربة تراعي مبدأ العدالة وتأخذ في عين الاعتبار الكفاءة والإنتاجية، تحتسب معدلات التضخم الحقيقية وتكلفة المعيشة الفعلية.

ختامًا، إنّ العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية تبقى الركيزتين الأساسيتين لأي دولة حقيقية، ولن يتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلا بإعطاء موظفي القطاع العام حقوقهم كاملة غير منقوصة، من خلال تصحيح حقيقي للرواتب والأجور يستند إلى معايير علمية واضحة، ويضمن لهم ولأسرهم حياة كريمة تليق بتضحياتهم وخدمتهم للوطن.

دور الحوار الأُسري في بناء أسرة ناجحة

الأُسرةُ لَيسَتْ مُجرَّدَ إطارٍ اجتماعيٍّ يَجمَعُ الأفرادَ في مَنزِلٍ واحِدٍ، بل هِي البِيئةُ الأُولى الَّتي يَتشكَّلُ فيها الوعي، وتُبنى فيها القِيَم، وتَتكوَّنُ فيها العَلاقاتُ الإنسانيّةُ الأساسيّة. وتَبقى الأُسرةُ ــ في عالَمٍ يَموجُ بالتّغيُّراتِ السَّريعةِ والتَّحدِّياتِ المُستمرَّة ــ المَلاذَ الأوَّلَ لِكُلِّ إنسان.

ولأجلِ أن تَكونَ هذه الأُسرةُ مَصدَرَ سَعادةٍ واستِقرارٍ، لا بُدَّ أن يُبنى التَّواصُلُ داخلَها على أساسٍ مَتين. ومِن أهمِّ رَكائِزِ استِقرارِ الأُسرةِ وتماسُكِها هو الحِوارُ الأُسَريّ؛ فكلَّما كانت قَنواتُ التَّواصُلِ مَفتوحةً بينَ أفرادِ الأُسرة، زادَتْ فُرَصُ التَّفاهمِ المُتبادَل، وقَلَّتِ الصِّراعات، وارتَفَعَتْ دَرَجاتُ الثِّقةِ والأمانِ في سبيلِ بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحة.

أمّا في غِيابِ الحِوار، فتَفقِدُ الأُسرةُ أهمَّ رَكائِزِها الأساسيّة، فيُفتَحُ بابٌ لِثَغَراتٍ وفُجُواتٍ تُولِّدُ تَباعدًا عاطفيًّا ووِجدانيًّا، ويُشيرُ ذلك إلى التَّفكُّك، مِمّا يَنعكِسُ سَلبًا على بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحةٍ وصالِحةٍ ومُتكيِّفةٍ مع المُجتَمع.

الحِوارُ لَيسَ مُجرَّدَ تَبادُلِ كلماتٍ وصِياغةِ جُمَلٍ، بل هوَ عَمَليّةُ تَواصُلٍ فاعِلةٌ عاطفيًّا وفِكريًّا ونَفسيًّا، تُشيرُ إلى نُضجٍ ووعي. ومِن خِلالِ الحِوارِ تَستطيعُ أفرادُ الأُسرةِ التَّعبيرَ عن مَشاعِرِها، والتَّعرُّفَ إلى احتياجاتِ ومَخاوِفِ كُلِّ فَردٍ، لِبِناءِ عَلاقاتٍ متماسِكةٍ وآمِنة، بَعيدةٍ عن التَّصدُّعِ والنِّزاعاتِ بطريقةٍ سَليمة.

أهميّةُ الحِوار داخل الأُسرة

في ظِلِّ التَّغييراتِ الَّتي يَشهَدُها عالَمُنا المُعاصِر، باتَت الأُسرةُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تَعزيزِ وسائلِ التَّواصُل بينَ أفرادِها، ويأتي الحِوارُ الأُسَريّ كأداةٍ جَوهريّةٍ تَعملُ على:

1- بناءِ الثِّقة: حيثُ يَشعُرُ كُلُّ فَردٍ بأنَّ رَأيهِ مَسموعٌ ومَحلُّ تقدير، فتَتولَّدُ الثِّقةُ المُتبادَلة، ويُصبِحُ جَوُّ الأُسرةِ أكثرَ أمانًا وراحةً واطمئنانًا، يَستطيعُ مِن خِلالِه مواجهةَ الحياةِ بطريقةٍ إيجابيّة.

2- حلِّ المُشكلات بطريقةٍ سَليمة: غِيابُ الحِوارِ يُؤدّي غالبًا إلى تَفاقُمِ المُشكلاتِ وخَلقِ مَناخٍ مُتوتر، بينما يُساعِدُ الحِوارُ المَفتوحُ على فَهمِ الأسبابِ الحقيقيّةِ للخِلافات والوصولِ إلى حُلولٍ مُناسبةٍ تُرضي الجميع ولِصالحِ الأُسرة.

3- تَعزيزِ القِيَمِ التَّربويّة: مِن خِلالِ الحِوارِ، يُمكِنُ للوَالِدَين نَقلُ القِيَم والمبادئ الأخلاقيّةِ بطريقةٍ غيرِ مُباشِرةٍ ومحبَّبة، مِمّا يجعلُها أكثرَ قَبولًا لدى الأبناء، وتُصبِحُ عمليّةَ تَمسُّكٍ واقتِداءٍ بأدبيّاتِ المُجتمعِ المَرغوبةِ، والتَّحلّي بالمُثُلِ العُليا والأخلاقِ الفاضِلة.

4- تَنميةِ المَهاراتِ الإيجابيّة لَدى الأبناء: الأبناءُ الَّذين يَنشؤونَ في بِيئةٍ أُسَريّةٍ تَعتَمِدُ على الحِوارِ غالبًا ما يَملِكونَ مَهاراتٍ وأسلوبًا واعيًا في لُغةِ الحِوارِ والنِّقاش، وقدرةً على التَّعبيرِ بشَفافيّةٍ ومَنطِقيّة، فيَتكوَّنُ عِندَهم أسلوبُ حياةٍ ناجِحٍ يُساعِدُهم على مواجهةِ المَواقِفِ بِشجاعةٍ نابعةٍ مِن تَربيةٍ سَليمةٍ واحترامٍ لآراءِ الآخرين.

5- تعزيزِ الانتماءِ: الحِوارُ يُشعِرُ الأبناءَ بأنَّهم جُزءٌ أساسيٌّ مِن الأُسرة، لهم كِيانٌ مُستقِلّ، ولهم دَورٌ ورَأيٌّ ومَوقِفٌ يُؤخَذُ بالتَّقديرِ والاحترام، مِمّا يُشكِّلُ دَعمًا ومُساندةً بينَ الأفراد، خُصوصًا في الأزَماتِ والأحداثِ اليوميّةِ الَّتي تَعيشُها الأُسرة.

6- تعزيزِ الصِّحّةِ النَّفسيّة: المُشارَكةُ والاحتِواءُ والتَّعامُلُ بالمَودَّةِ يَمنَحُ الأُسرةَ تَوازُنًا عاطفيًّا واجتماعيًّا، ويُساهِمُ في تَحقيقِ السَّلامِ الدّاخِلي.

أنواعُ الحِوار الأُسَريّ

الحِوارُ اليوميّ العَفويّ: مِثلَ الحديثِ عن تَفاصيلِ اليوم، وهوَ يُوطِّدُ العَلاقاتِ بِطَريقةٍ غيرِ مُباشِرة.
الحِوارُ التَّربويّ: يَشمَلُ التَّوجيهَ والإرشادَ في مَواقِفَ تَحتاجُ إلى تَعليمٍ أو تَصحيحٍ أو تَعديلٍ لِبَعضِ الأفكارِ والمُعتقَدات.
الحِوارُ في الأزَمات: عِندَ حُدوثِ مُشكلةٍ أو أزمةٍ اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّة، ويَهدِفُ إلى التَّفاهمِ وإيجادِ الحَلِّ المُناسِب.
الحِوارُ التَّفاعُليّ: حينَ يَشتَرِكُ الأهلُ والأبناءُ في اتِّخاذِ قَراراتٍ مَصيريّةٍ مِثلَ السَّفر، الارتِباط، أو اختِيارِ الجامعة.

مُعوِّقاتُ الحِوار الأُسَريّ

– الانشِغالُ الدَّائِمُ بالتِّكنولوجيا ووسائلِ التَّواصُل.
– الأسلوبُ السُّلطويّ في التَّربية الَّذي يَمنَعُ الأبناءَ مِن إبداءِ آرائِهم.
– الافتِقارُ إلى فَنِّ الاستِماع والإصغاء.
– الفُروقاتُ الفَرديّةُ والجِيليّة الَّتي تَحُدُّ مِن الانسِجام.

سُبُلُ تَعزيزِ الحِوار داخل الأُسرة

تَخصيصُ وَقتٍ مُنتَظَمٍ للجَلساتِ العائليّة.
تَشجيعُ الصَّراحةِ والانفِتاح دونَ أحكامٍ مُسبَقةٍ أو سُخرية.
الاستِماعُ الفاعِلُ والإصغاءُ الجادّ.
بِنَاءُ ثَقافةِ الحِوار مُنذُ الصِّغَر.

ثِمارُ الحِوار الأُسَريّ

أبناءٌ أقوياءُ نَفسيًّا، واثِقونَ بأنفُسِهم.
أُسرةٌ قادِرةٌ على تَجاوُزِ الخِلافاتِ بِأقلِّ خَسائِر.
تَرسِيخُ القِيَمِ ونُبلِ الأخلاق.

الحِوار الأُسَريّ في ضَوءِ دينِ التَّوحيد

إنَّ دينَ التَّوحيدِ في جَوهَرِه دَعوةٌ إلى الوَحدةِ والانسِجام، لا إلى الفُرقةِ والخِصام. وقد أرسَلَتِ الأديانُ السَّماويّةُ كافّةً قواعِدَ عَظيمةً تَرفعُ مِن شَأنِ الكَلمةِ الطَّيّبةِ، وتَحثُّ على الحِوارِ بالحِكمةِ والموعِظةِ الحَسَنة، سَواءٌ في شُؤونِ العَقيدةِ أو في تفاصيلِ الحياةِ اليوميّة، وعلى رَأسِها الحياةُ الأُسَريّة.

فالحِوارُ في الأُسرةِ لَيسَ خِيارًا تَرفيهيًّا، بل هو واجبٌ أخلاقيٌّ ودينيٌّ وإنسانيّ، يُساعِدُ الوالِدَين على حُسنِ التَّربية، ويُكسِبُ الأبناءَ قُدرةً على التَّعبيرِ عن آرائِهم بحُريّةٍ، ويَغرِسُ فيهم خُلقَ الاستِماعِ والتَّفهُّم. وقَد قالَ النبيُّ: «الكَلِمةُ الطَّيّبةُ صَدَقة»، فكيفَ إذا كانت هذه الكَلِمةُ بينَ الشَّريكَين أو بينَ الوالِدِ وولدِه؟ إنَّها صَدَقةٌ تُثمِرُ سَكينةً وتَبُثُّ في المَنزِلِ الرَّحمةَ والوُدّ.

وفي مُجتمعِنا الشَّرقيّ المُحافِظ، حيثُ لِلأُسرةِ مكانةٌ عَظيمة، يَجِبُ أن نُعيدَ الحِوارَ إلى مَنازِلِنا لا كترفٍ ثقافيٍّ، بل كجُزءٍ مِن العِبادةِ اليوميّةِ الَّتي تُرضي الخالِق، ونُحصِّنُ بها أبناءَنا مِن التَّشتّتِ والانغلاقِ والضَّياع.

فَلنَجعَلْ بُيوتَنا مَساحاتٍ آمِنةً للكَلِمةِ الصّادِقة، ولْنَعلَم أنَّ الحِوارَ لَيسَ ضُعفًا، بَل هُوَ حَضارةٌ ورُقيٌّ وبَصيرة.

وأخيرًا: اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا عامِرةً دافِئةً بالسَّكينة، قِوامُها المَحبَّةُ الَّتي تَصنَعُ المُعجِزات، ولُغَتُها الحِوار، ونورُها طاعتُك ورَجاؤُك.

العمل البلدي وأهميته في التنمية المستدامة

لم يعد العمل البلدي والاختياري في لبنان مجرّد محطة عابرة كلّ ستّ سنوات، إنّما بدأ يتّخذ مقاربة واعدة تتمثّل بشعورٍ عارمٍ لدى غالبيّة المواطنين، بأهميّة الانخراط في مسار العمل التّنموي. فقد أدّى تصاعد حدّة الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة في لبنان- ناهيك عن تداعيات انفجار مرفأ بيروت والحرب الإسرائيليّة الأخيرة- إلى تحفيز الحسّ بالمسؤوليّة وبضرورة المبادرة ولعب دورٍ محوريّ في صناعة التّغيير وتحقيق التّقدم المنشود في مختلف القرى والبلدات والمدن اللّبنانية.

وقد جسّدت الانتخابات البلديّة والاختياريّة مؤخّرًا فرصة لاحتضان الطّاقات الشّبابيّة والنّسائيّة وذوي الاحتياجات الخاصّة ومختلف فئات المجتمع، من أجل تضافر الجهود وابتكار الحلول النّاجعة لمواجهة التّحديات وإدخال مفاهيم الحوكمة الرّشيدة والشّفافيّة والتّخطيط التّشاركي إلى منهجيّة العمل البلدي. الأمر الّذي يساهم في بناء مستقبل أفضل من خلال تنمية حقيقيّة تقوم على تحسين الخدمات، وتلبية الحاجات الملحّة، وتطوير البنى التّحتيّة، وخلق فرص عمل، وحماية الموارد الطّبيعية والبيئيّة، وبالتّالي تنفيذ مشاريع نموذجيّة، تُحدث الفرق في حياة الأهالي والأجيال المتعاقبة.

البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية المستدامة وقيادة التّغيير

وفي حديثه لمجلة «الضّحى»، يرى رئيس منظمة «اليد الخضراء» ومؤسّس «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley»، زاهر رضوان، أنّ «البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية من البنية التّحتيّة إلى بناء المجتمعات والاقتصاد المحلي»، ويقول: «لم تعد البلديّات مجرّد جهة تُعنى بالبنية التّحتيّة والخدمات اليوميّة، بل أصبحت في قلب النّقاش التّنموي، تُؤدّي دورًا محوريًّا في قيادة التّغيير وتحقيق التّنمية المستدامة. فالبلديّة اليوم، عندما تتحوّل من جهة تنفيذية إلى جهة تخطيط وتوجيه، تصبح الرّافعة الّتي تدفع بالمجتمع نحو النّمو، ليس فقط عبر الطّرق والمياه، بل من خلال تمكين الإنسان، حماية البيئة، تنشيط الاقتصاد المحلي، وتطوير سبل العيش». ويضيف: «تملك البلديّات الموقع الأفضل لفهم حاجات مجتمعاتها والتّواصل مع الفئات كافّة، من مزارعين وحرفيّين وشباب ونساء، وبالتّالي فهي الأقدر على بناء رؤية محليّة شاملة، تُعزّز التّماسك الاجتماعي وتُحفّز الاقتصاد الأخضر، وتعيد توزيع الموارد بعدالة. من هنا، تصبح البلديّات أكثر من إدارة محلية؛ تصبح محرّكًا للبيئة والتّنمية والاقتصاد معًا».

ويتابع رضوان: «ظهر هذا الدّور جليًّا في نموذج قضاء عاليه، من خلال تجربة «استراتيجيّة عاليه الأصيلة»، الّتي شكّلت تحوّلًا نوعيًّا في فهم التّنمية وأدواتها. هذه الاستراتيجيّة لم تكتفِ بالخطط، بل أنشأت مشاريع فعليّة ومؤسّسات حيويّة تركت أثرًا ملموسًا، أبرزها؛ «مركز الحرف عاليه الأصيلة» الّذي يسعى إلى إحياء الموروث الحرفي وربطه بالأسواق الحديثة، «دائرة السّياحة عاليه الأصيلة» الّتي تخطّط لترويج الهويّة الثّقافيّة والطّبيعيّة للمنطقة، «مركز التّعبئة والتّوضيب الرّيادي لدعم المنتجات المحليّة»، «منشأة الإنتاج الغذائي لتوفير فرص عمل وتمكين المرأة»، ومشاريع أخرى مثل «منشأة FDA لدعم التّصدير إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة».

هذا، وأثمرت «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley» في تحقيق العديد من الشّراكات الدّوليّة، مثل مشروع الاتّحاد الأوروبي المتعلّق بإدارة مصادر المياه الصّحيّة ومشروع «فرحة» بالتّعاون مع الوكالة الألمانيّة للتّعاون الدّولي (GIZ)، وفق قول رئيس منظمة «اليد الخضراء» الّذي يتحدّث عمّا قدّمته هذه المشاريع الرّياديّة من «نموذجٍ فعليّ لتكامل الأدوار بين البلديّات والمجتمع المدني، والشّركاء الدوليّين لخدمة كلّ فئات المجتمع، من المزارعين إلى المنتجين والحرفيّين. إذ يُثبت هذا النّموذج أنّ اللاّمركزية التّنموية ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ البلديّات حين تملك الرّؤية والدّعم تستطيع أن تكون حجر الزّاوية في إعادة بناء الاقتصاد المحلّي، وتعزيز العدالة الاجتماعيّة وتحقيق التّماسك بين المجتمع المُضيف والمجتمعات المتنوّعة الأخرى». ويوجّه رضوان «دعوة صريحة إلى صانعي القرار، ووكالات الأمم المتّحدة، والسّفارات والمنظّمات الدّوليّة، لدعم هذا النّموذج المحلّي النّاجح وتعزيزه وتكراره في مختلف المناطق اللّبنانيّة والدّول العربيّة، لأنّ التّنمية الحقيقية تبدأ من الأرض، من المواطنين، ومن البلديّات الّتي تعرف تمامًا كيف تُترجم الطّموحات إلى إنجازات».

الظّروف السّياسيّة والاقتصادية ساهمت بتحفيز المشاركة بالشّأن العام

ويشدّد مؤسّس «حركة السّلام الدائم» ورئيس حزب «الخضر اللّبناني»، فادي أبي علام، على أنّ «البلديّات هي المسؤولة الأولى عن مسار التّنمية، في حال إلمامها بمفاهيم التّنمية المستدامة ومصطلحاتها، ما يمكّنها من الارتقاء بالبلدة أو المدينة إلى مصاف القرى، والمدن النّموذجيّة الحضاريّة. كما يمكن أن يلعب المواطنون والمؤسّسات أدوارًا تنمويّة، غير أنّ البلدية قادرة على تحقيق تكامل هذه الأدوار واستمراريّة الأنشطة، والدفع نحو مشاريع وبرامج طويلة الأمد. السّلطات المحليّة عبارة عن حكومة محليّة، وهنا تبرز كفاءتها من خلال تميّزها بتوظيف إمكاناتها المتواضعة في المسارات التّنموية، وبالتّالي تعزيز التّعاون مع المجتمع المحلي والمؤسّسات من جمعيّات وتعاونيّات ونقابات وقطاع خاص ومغتربين، وفق خطة واضحة وشفافة لآليّة صرف الأموال والمساعدات».
ويضيف في حديثه لمجلة «الضّحى»: «الإنسان يفرح دائمًا مرّتين؛ عندما يأخذ ما يريد، وعندما يعطي ما لديه». كلّ شخص لديه ما يعطيه، ويندرج ضمن إطار المصادر الّتي تُغني العمل البلدي، إلى جانب الدّعم الّذي تقدّمه الجهات المانحة. لكن للأسف، أغلب ممثلي البلديّات لا يتقنون مهارات التّعامل مع الجهات المانحة وتقديم العروض لاستقطاب المشاريع النّموذجيّة أو أنّهم لا يبادرون بل ينتظرون حصول بلداتهم على المساعدات. ويرى أبو علام أنّ «اتّخاذ المنافسة في بعض البلديّات طابعًا طائفيًّا وحزبيًّا وعائليًّا وغيره من الانقسامات الضيّقة، يعيد طرح التّساؤلات حول موقع التّنمية. إذ نجد مرشّحين يخوضون المعركة الانتخابيّة ومن ثمّ يختفون ولا ينفّذون أيّ عمل تنموي، ويعودون للترشّح في الدّورة المقبلة. كما أنّ معظم البلديّات يقتصر العمل فيها على رئيس البلديّة وعناصر الشّرطة، في حين تغيب أدوار أعضاء المجلس البلدي واللّجان البلديّة أو أي عمل تشاركي مع المجتمع المحلي».

ويتحدّث رئيس حزب «الخضر اللبناني» عن سلسلة ورش عمل تمّ تنظيمها متخصّصة في أكثر من منطقة لبنانية، بهدف «توعية المواطنين حول ماهيّة التّنمية المستدامة وصلاحيات المجالس البلديّة وآليّة عملها، وأهميّة المشاركة في الانتخابات والإلمام بالقضايا الحيويّة، والاطّلاع على الخطط العربيّة والعالميّة، مثل رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030، خصوصًا أنّ المرشّحين بمعظمهم لا يضعون برنامجًا واضحًا، أو أنّهم يكتفون ببرنامجٍ لا يوافق المعايير العالميّة». وإذ يؤكّد أهميّة امتلاك المرشّح الرّغبة والطّموح والقدرات والمهارات اللاّزمة إلى جانب معرفة الواقع. يُبدي أبو علام إعجابه بـاندفاع الشّباب والنّساء للمشاركة في الدّورة الانتخابيّة هذه السّنة، ما يعكس تأثير الجوّ السّياسي العام من انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، وتشكيل حكومة جديدة، والأمل بتدفّق الأموال لصناديق البلديّات، بالإضافة إلى مسار التّوعية والتّمكين ومشاريع الجمعيّات والأحزاب، والدّور القيادي للمرأة والشّباب الّذي برز كثيرًا عقب الأزمة الاقتصاديّة في العام 2019. إنّه دليل صحّة وتقدّم وعافية يشير إلى تحسّن الظروف السّياسيّة والاقتصاديّة في البلاد وجهوزيّة أكبر لدى الشّباب والنّساء للتّعامل مع القضايا العامّة ودخول الشّأن العام، وكذلك لانخراط كلّ مكوّنات المجتمع في دورٍ منتجٍٍ فاعل. وقد حرصنا على تشجيع مشاركة الأشخاص المعوّقين، من خلال التّعاون مع جمعية «مؤشرات تنمويّة»؛ وهي مجموعة لبنانيّة تضمّ عددًا من الأشخاص المعوّقين حركيًّا، بهدف تكريس حقّهم بالمشاركة المجتمعيّة، إن على الصعيد المحليّ أو الوطني.

دعوات لصياغة قانون عصري خاص بالبلديات

وفي محافظة جبل لبنان على سبيل المثال، سجّلت الانتخابات البلديّة زيادة في عدد المرشحين بنسبة 4.6%، في حين شكّلت النّساء نسبة 10.8% من التّرشيح أي 783 امرأة مقابل نسبة 7.8% في العام 2016 أي 528 مرشحة، وفق إحصاءات الشّركة الدّوليّة للمعلومات. كما تبيّن أنّ 529 بلديّة في لبنان، أي نصف البلديّات، تقلّ حصّتها عن 250 مليون ليرة لبنانية، ما يحتّم دمج البلديّات، بحيث يزداد دخلها وتشترك بالكهرباء والمياه والطّرقات والمدارس والتّنظيم المدني، رؤيةً وموازنات. وهذا يستدعي اعتماد النّظام النّسبي في الانتخابات البلديّة وتحديد سقف إنفاق، ما يعني أنّنا بحاجة لقانون بلدي جديد.

وكانت المديرة التّنفيذيّة للجمعيّة اللّبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات (LADE)، ديانا البابا، أوضحت في حديث تلفزيوني، أنّ «الانتخابات البلديّة والاختياريّة جاءت بعد تأجيل ثلاث سنوات، وهي تشكّل اليوم خطوة أولى باتجاه المسار الصّحيح، وعودة انتظام الحياة الدّستوريّة، رغم الفروقات المختلفة، والجوّ العام المختلف بين المحافظات اللبنانيّة». ورأت أنّ «الانتخابات البلديّة تؤثّر على الانتخابات النّيابيّة المقبلة، ولو أنّ طابعها مختلف. لذلك، يجب وضع قانون عصري خاصّ بالانتخابات البلديّة غير مرتبط بالانتخابات النّيابيّة».

اللّجنة الثّقافية تثمّن أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في المجالس المحليّة

وفي السّياق، نظّمت اللّجنة الثّقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدّروز، بتاريخ 19/4/2025، ندوة بعنوان «دور الشّباب في المجالس المحليّة والتّنمية المستدامة»، حيث تحدّث عضو اللّجنة الثّقافية الدكتور فراس زيدان، عن دور الشّباب في العمل الإنمائي والاجتماعي والسّياسي، كونهم الأكثر قدرة على التّغيير والتّفاعل الإيجابي مع القضايا المهمّة، وإحداث الفرق الحقيقي في مجتمعاتهم. ولفت إلى أنّ العمل البلدي هو العمود الفقري للتّنمية المحليّة، ويُعدّ الوسيط الأهمّ بين المواطن والدّولة، إذ يترجم السّياسات العامّة إلى مشاريع وخدمات ملموسة على أرض الواقع. من هنا أهميّة اختيار أشخاص صادقين يعملون بضمير لإنماء منطقته.

أمّا عضو اللّجنة الثّقافية الدكتورة فريال زهر الدّين، فتطرّقت إلى دور المرأة في العمل البلدي والتّنمية المحليّة، واعتبرت أنّ التنمية المحليّة تسعى إلى تحسين حياة الأفراد والارتقاء بها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وأنّ تحقيق هذا التقدّم النّوعي يتطلّب تكافل كل أبناء المجتمع، من النّساء والرّجال. غير أنّ المرأة تواجه تحديّات عديدة تعيق عملها في الشّأن العام، منها العوائق الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة، الضّغوط العائليّة والمجتمعيّة وغياب القوانين الّتي تكرّس التّمثيل النّسائي. لذلك، لا زالت مشاركة المرأة في المجالس البلديّة ضعيفة جدًّا، رغم أنّ التّجارب أثبتت أنّها عندما تُمنح الفرصة تقدّم دورًا فاعلًا في التّنمية المحليّة.

بدوره، تحدّث رئيس بلدية مزرعة الشّوف ورئيس اتحاد بلديّات الشّوف السّويجاني، المهندس يحيى أبو كروم، عن تجربته الشّبابية الرّائدة في العمل البلدي واتّحاد البلديات. وقال: العمل البلدي لا يقتصر على الخدمات، إنّما يشمل التّنمية المستدامة المتكاملة، إن على الصّعيد الاقتصادي أو البيئي أو التّربوي، فهو أكثر التصاقًا بحاجات النّاس وهمومهم، كما يبقى الدّور الأساسي للعمل النّهضوي، والتميّز بالعمل الإنمائي. وأكّد أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في العمل البلدي والشّأن العام، ما يساهم في إحداث الفرق، ويعكس ما تحمله هذه الشّريحة من طموحٍ وعنفوان، وقدرة على الابتكار والرّيادة وخدمة المجتمع. لكن الأهم وجود ذهنيّة وروحيّة الشّباب في المجالس البلديّة، بغضّ النظر عن أعمارهم، بحيث يحملون رؤية الشّباب ويعبّرون عن همومهم وتطلّعاتهم لمواجهة التّحديات الجسيمة.

التّربية الإيجابية للأبناء

في ظلّ التقدم التكنولوجي والتّقنية الحديثة، أدّى سوء استخدامهما إلى انعدام القِيَم ،فكان يَجدر بنا في أُسرة وطب أن نتحدث عن التربية الإيجابية وأهميتها، ووسائلها فالتربية الإيجابية بمختَلف مُسمَّياتها هي كيفية تعامل الوالدين مع أبنائهم وهي وظيفة لا تحتاج لشهادة بل عمل يحتاج إلى أن تكون على معرفة بعلم النفس، وعلم الاجتماع، وفنون الطهي، فهي مسؤولية تحتاج لاكتساب الخبرة والمهارات، فكما نهتم بالعلوم الطبية للحفاظ على صحتنا بشكل يومي، علينا أن نكون على علم بعلوم التربية الإيجابية لكي نمارس دورنا كوالدين بطريقة أفضل.

اعتقادات مغلوطة وأخطاء بشأن التربية الايجابية:

وقبل أن نتطرق إلى موضوع التربية الايجابية علينا أن نتعرف على بعض الاعتقادات الخاطئة، ومنها ما يلي:

  • أن التربية الايجابية فطرية: حيث يظن كثير من الآباء أن التربية بالفطرة، ولا تحتاج لخبرة وهذا اعتقاد خاطئ، فعلى الوالدين أن يكونوا على علم بعلوم وأسس التربية الايجابية.
  • التقليد الأعمى في التربية الايجابية لأساليب موروثة حيث يستخدم كثير من الآباء الطرق التقليدية في التربية الايجابية، ولكن لكل زمان أسلوب فتختلف أساليب التربية باختلاف العصر ومن جيل لآخر.
  • التقليد الأعمى في التربية الايجابية للآخرين حيث إنّ التقليد الأعمى للغرب دون النظر لما يتفق مع دين أو ثقافة أو ما يناسب العادات والتقاليد والأعراف.
  • تحقيق الأمنيات الشخصية في الأبناء دون النظر لما يحبُّونه وما يتمنَّوْنه.
  • الآباء الصالحون دومًا ينتجون أبناء صالحين.
  • من السهل غرس القيم الأُسرية والتربوية، وهذا اعتقاد خاطئ فالقيم تحتاج لوقت طويل لغرسها، وتأسيسها ولكي يتم غرس القيم لابد من وجود قدوة ومثل أعلى.
  • إن التربية حرب بين الوالدين والأبناء، ولابد من كسب الحرب، وهذا اعتقاد خاطئ تمامًا فـالتربية الايجابية ليست معركة علينا الانتصار فيها بل هدف مُشترك نسعى سويًّا لتحقيقه.
  • معاملة جميع الأبناء بطريقة واحدة، وهذا اعتقاد خاطئ فعلى الوالدين استخدام الأسلوب الذي يناسب كلًا منهم.
  • معاملة الأطفال أنهم كبار ناضجون.
  • تلبية جميع رغبات الأبناء ممّا ينتج عنها التدليل الزائد، والأنانية، وأفراد غير متحمّلي المسؤولية.
ما هي أهمية التربية الإيجابية؟
تكمن أهمية التربية الايجابية أنها أداة لتعديل وعي المجتمعات والشعوب من حيث قيمها وثقافتها وعاداتها وأعرافها بل في جميع موروثاتها فهي عملية يتم فيها تعزيز العاطفة، والشعور، والتنشئة الجسدية السويّة عند الطفل، فالعوامل الوراثية والبيئة المحيطة من حيث الأسرة، والأصدقاء، والمجتمع، وما فيها من أفكار روحانية تؤثر في شخصية الطفل؛ لذا على الوالدين اتِّباع طرق التربية الإيجابية السلمية لإنشاء فرد صالح قادر على التعامل والخروج إلى المجتمع.
وقد بيّن نبيُّنا الكريم أهمية التربية فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (كلّكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته)، وتتمثل أهمية التربية الايجابية في الآتي:
  • ينتج عن التربية الايجابية الصالحة تنشئة فرد صالح للمجتمع، والمساعدة في إعلاء القيم والأخلاق، فكلما ارتفع مستوى التربية الايجابية الصالحة ارتفع مستوى الأخلاق وانخفض مستوى الجرائم في هذه المجتمعات.
  • ينتج عن التربية الصالحة فرد قادر على العطاء والبذل من أجل الآخرين، ويكون على قدرٍ عالٍ من الإحساس بهم.
  • تُنتج التربية الايجابية الصالحة إنسانًا قادراً على تكوين علاقات اجتماعية سليمة وسويّة.
  • تعمل التربية الايجابية السليمة على غرس القيم والمبادئ مما ينتج عنها أفراد يميّزون بين الحلال والحرام، والصواب والخطأ، والحق والباطل؛ مما يحقّق الأمن، والطمأنينة، والتقدم المجتمعي عامة، والاقتصادي خاصة.
  • تُقوّي التربية الايجابية الصحيحة العلاقات الاجتماعية بصفة عامة والعلاقات الأسرية، والعائلية بصفة خاصة.
تعرّف على التحديات التي تواجه التربية:

هناك عدد من التحديات تعوق عملية التربية الايجابية بطريقة صحيحة فلنذكر بعضاً منها:

  • قلة الخبرة سواء قلة المعلومات أو قلة الخبرة العملية تؤدي إلى إعاقة عملية التربية بشكل سليم.
  • الضغوط اليومية المستمرة التي يعاني منها الآباء، فينتج عنها عدم الاستمرارية في أساليب التربية الايجابية الصحيحة.
  • عدم الاتفاق على أسلوب محدد من قبل الوالدين ينتج عنه شخصية غير متزنة.
  • البيئة المحيطة بالطفل تعوق عملية التربية الايجابية السليمة ، من حيث وجود أصدقاء السوء، وانعدام القيم في المجتمع.
  • التكنولوجيا، والتقنيات الحديثة، واستخدامها بطريقة سلبية.
  • غرس مفاهيم خاطئة للطفل بدون قصد من قبل الوالدين.
ما هي أسس التربية الايجابية؟

هناك عدد من التوجيهات من قبل علماء النفس، والاجتماع، وعلماء التربية الايجابية، وذلك من خلال دراسات أُجريت على ألفين من الآباء، وكانت عن عشر مجموعات من المهارات الأساسية في تربية الأبناء، حيث أُثبِتَ أن هذه المهارات لها أثر بالغ في أن الأبناء يتمتعون بالصحة، والسعادة وتتلخّص المهارات الأساسية في الآتي:

  • وجود الحب الأسري والتعبير عنه، وذلك بالاحتواء داخل الأسرة، والمصاحبة بين الوالدين والأبناء، والاستماع وحُسن الاصغاء لهم، والتقبيل اليومي لهم، فعن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قبَّل الحسَنَ بنَ عليٍّ، والأقرعُ بنُ حابسٍ التَّميميُّ جالسٌ فقال الأقرعُ: إنَّ لي عشَرةً مِن الولدِ ما قبَّلْتُ منهم أحَدًا قطُّ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَم.
  • تعليم الاعتماد عن النفس، والاستقلال الذاتي، وتحمّلهم المسؤولية بحسب السن، وتعزيز الثقة بالنفس وذلك بتجنب التدليل الزائد.
  • التحكم في التوتر أثناء الغضب حيث إن الآباء عندما يفقدون أعصابهم وقت الغضب في المحيط الذي يوجد فيه أبناؤهم فذلك مؤشر على سوء التربية مع أولادهم، وللتحكّم في الغضب هناك عدة مهارات مثل التأمل، وتمرينات التنفس التي يمكن تعلُّمها بغض النظر عن الميول الطبيعية للإنسان.
  • الحفاظ على العلاقة الزوجية والأسرية، وتجنب الخلافات حيث إن الأطفال بصفة خاصة، والأبناء بصفة عامة لا يحبون الصراعات، وبخاصة عندما يكون طرفي الصراع أكثر شخصين لهما أهمية في حياتهما فهناك دراسة أثبتت وجود علاقة بين الحفاظ على سلامة الأبناء وبين التحكم في التوتر وتجنب الخلافات الزوجية.
  • بدء تعليم الأطفال في سن مبكر استخدام أسلوب الرفق واللين ووجود القدوة، وعدم استخدام العنف وخاصة أثناء تعليمهم لأنه يؤدي إلى نتائج عكسية، كما ينبغي تعليم الأبناء في سنٍ باكرٍ الحلال والحرام والطقوس الدينية التي تُعزز التربية السوية لدى الأطفال، فمن السائد أن ما أفسد الأبناء هو الإهمال، والتفريط من جانب الوالدين فى تعليم الدين، والعقيدة الصحيحة وقد ثبت أن الطفل في مراحل السبع سنين الأوائل يخزن المعلومات التي يتلقاها من قبل الوالدين أو من المجتمع لذلك علينا الاستغلال الأمثل لذلك.
  • تخصيص وقت للعب، والمشاركة معهم، فمن أهم وسائل التربية والتعليم هو التعلَّم عن طريق اللعب حيث باللعب تنمو قدرات الأبناء، ومعارفهم.
  • تنمية المهارات المتنوعة، وملاحظة المواهب، واستغلال أوقات الفراغ في ذلك، وبخاصة مع المراهقين.
  • استخدام التكنولوجيا في التربية الايجابية بطريقة صحيحة، وذلك بالاستماع إلى البرامج الثقافية الهادفة.
  • توفير الأمن النفسي للأولاد.
  • الاهتمام بصحة الطفل، وذلك بتعويد الأبناء على العادات الصحية الجيدة.
  • الاتفاق على قواعد أساسية للتعامل بين أفراد الأسرة، ومن هذه القواعد (التحدث بأدب بين أفراد الأسرة، والتعاون في كل أمور المنزل، اهتمام كل فرد بممتلكاته الشخصية).
ما هي أنماط التربية؟

هناك عدد من أنماط التربية نذكر ما يلي:

  • النمط التسلّطي من قبل الوالدين مما ينتج عنه الطاعة المُطلقة وتكون على أساس الخوف وليس على أساس الحب والاحترام، وينتج عن هذا النمط إما فرد جبان يهدر حقه أو فرد تسلّطي طمّاع.
  • النمط التساهُلي من قبل الوالدين ويوصف بالإهمالي يعني تصرف الأبناء كما يريدون دون محاسبة أو تعقيب، وعدم تعليمهم القيم الأخلاقية مما ينتج عنه أفراد غير قادرين على تحمّل المسؤولية كما ينتج عنه تعلّم الأنانية، والجشع .
  • النمط المرجعي ويعتمد في الأساس على مبدأ المساومة.
  • النمط الديمقراطي ويعتمد هذا النمط في الأساس على المشاركة، والحوار بين الوالدين وأبنائهم مما ينتج عنه أبناء قادرين على تحمل المسؤولية ولديهم ثقة بالنفس قوية.
  • وللوصول إلى أفضل نمط، فعليك اتباع النمط الحازم حيث الجمع بين الأنماط السابقة وتكون على علم بكيفية استخدام كل نمط في وقته المناسب.
ما هي أساليب التربية الايجابية؟

تعددت أساليب التربية الايجابية وتنوعت، ومن أهمها بل في مقدمتها المحاكاة والتقليد وخاصةً في مرحلة الطفولة المبكرة لذلك يجب أن نكون على حرص عند التعامل أمام الطفل فهناك دراسات أثبتت أن العوامل الوراثية لا تؤثر في شخصية الطفل بقدر البيئة المحيطة به وفيما يلي سنعرض الأساليب الصحيحة في التربية:

  • القدوة الحسنة في التربية الايجابية لكي يتم غرس القيم يُنصح بعدم الاكثار من الكلام عن القيم بقدر ما تُطَبَّق أمامه مع مُراقبة الوالدين للأبناء.
  • الرفق واللين في المعاملة وخاصة عند تقويم السلوك، وتعليمهم القيم.
  • النقاش، والحوار والإقناع ومشاركة الأبناء في وضع القواعد الأساسية للتعامل وفي وضع الثواب والعقاب وفي تحديد السلوكيات السيئة.
  • التغافل عن بعض الأخطاء.
  • تحديد جلسة اسبوعية للاجتماع بين أفراد الأسرة يتم فيها النقاش والحوار ونقاش ما تم في الثواب والعقاب.
  • اتفاق الوالدين على أسلوب محدد للعقاب، والثواب، والثبات عليه فعدم الاتفاق على أسلوب محدد من قبل الوالدين يؤدي إلى تشتت الأبناء.
  • استخدام أسلوب التشجيع والتحفيز، حيث تشجيع السلوك الإيجابي سواءً كان تشجيعًا معنويًا أو تشجيعًا ماديًا بالهدايا ويُفضل عدم الإكثار من التشجيع المادي فالتشجيع على سلوك إيجابي يؤدي إلى استمرارية هذا السلوك وتطويره كما يفضل استخدام ما يسمى بلوحة الشرف، وهي تناسب من سن ثلاث إلى تسع سنوات فمن يلتزم بالقواعد والقوانين يتم وضع نجمة في لوحة الشرف ويثاب عليها في الجلسة الأسبوعية.
  • استخدام أسلوب الثواب بعد الفعل مباشرة.
  • استخدام أسلوب العقاب بحسب حجم السلوك ويكون بعد الفعل مباشرة مع الحذر من استخدام الأسلوب التسلّطي أو العدوانية، والعنف، والقسوة لأنه يؤثّر على الشخصية حيث يؤدي لعدم الثقة بالنفس، وكثير من العادات السلبية.
  • تجنب التدليل الزائد في التربية الايجابية حيث يؤدي إلى عدد من العادات السلبية .
  • احترام مشاعر الأبناء أمام الآخرين، وتجنّب الحديث عن عاداتهم السلبية، وأخطائهم أمام الآخرين؛ لأن النقد والسخرية يؤديان إلى ضعف الثقة بالنفس والانطواء، وأحيانًا إلى العنَد، واستمرارية السلوك السلبي.
  • احترام الوالدين لبعضهما البعض، وتجنب الخلافات.
وهناك خطوات في التربية الايجابية للتعامل مع الأخطاء وتقويم السلوكيات ومنها ما يلي:
  • تحديد السلوكيات السيئة التي يقوم بها الأبناء ويُكررونها باستمرار، وذلك بهدف تغييرها ويتم تحديد السلوكيات على حسب العمر فمثلا من ثلاث إلى ثماني سنوات تُدوّن خمسة سلوكيات، ومن تسع سنوات إلى سن السادسة عشرة سنة تُدَوّن عشرة سلوكيات.
  • وضع قواعد تُحجّم السلوكيات السيئة فمثلا مشاهدة التلفاز لوقت متأخر، يقوم الوالدان بتحديد قوانين لمشاهدة التلفاز والمكافأة بأنواعها لمن يتبع القواعد ومن الأفضل العمل على تغيير القناعة أفضل من العمل على تغيير السلوك وذلك بالحوار والمُناقشة السّوِيّة.

اللبنانيّون وأوضاعهم الاجتماعية والمعيشية

ما انفكّ الشأن الاجتماعي في لبنان (تشرين أول 2019 – تشرين أول 2021) يتصدر على وجه الإجمال المشهد الوطني الاقتصادي والسياسي الرئيسي، ومشكّلاً على المستوى الفردي والشخصي الهمّ الأكبر للأكثرية الساحقة من اللبنانيين.

إذ لم يسبق للبنانيين منذ «سفر برلك 1916 «أن عانَوا معيشياً وحياتياً ومالياً ظروفاً يومية بشعة بالقدر الذي عانوه في السنتين المذكورتين، وبخاصة في السنة الأخيرة. فقد اجتمعت، في ظل صراع المشاريع الإقليمية على أرض لبنان، وعلى حساب شعبه، أسباب الفشل والفساد الداخلية لتحيل حياة 90% من اللبنانين جهنماً (كما وصفها صراحة وبحق أحد المسؤولين).

لم يعد في لبنان، على الأرجح، طبقة وُسطى، كانت هي صمّام الأمان والاستقرار وصاحبة الطموح والنجاحات الإدارية والوطنية. لقد هبط أفرادها في أقل من عام واحد إلى قعر السلّم الاجتماعي مع الفئات الفقيرة المقيمة فيه أصلاً. وبات وفق أرقام الأسكوا أكثر من 77 بالمئة من اللبنانيين عند خط الفقر، أو دون ذلك. كيف لا:
وأموال اللبنانيين وجنى عمرهم محتجزة على غير وجه حق في المصارف،

والبطالة باتت شاملة، كلياً، أو بحسومات قاسية على الرواتب،
وسعر صرف الدولار يحلّق في أرقام فلكية لم تكن لتخطر في البال، ورواتب اللبنانيين وتعويضاتهم ومدخّراتهم بالعملة الوطنية تدنت 12 مرة، والغلاء في كل مجال وباب لا يرحم رب أسرة، أو أرملة، أو عاطل عن العمل.

والمحتكرون والمهرّبون للمحروقات، والدواء، والمواد الغذائية، أحالوا حياة اللبنانيين جهنماً على هذه الأرض، وعلى معاناة لم يسبق لها مثيل.

لا ترغب “الضّحى” أن تكون صوتاً متشائماً آخر، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل معاناة أهلها وشعبها، وبخاصة الفقراء منهم، وهي لذلك تستمر في فقرتها الاجتماعية ترفع الصوت ضد الظلم ومع العدالة الاجتماعية وإنصاف المحرومين على وجه الخصوص…

اللُّبنانيّون في قلب الجَحيم الاجتماعي

عند حافّة الرّصيف في أحد شوارع العاصمة بيروت، يتّكئ رجلٌ ستّينيٌّ، باحثًا عن ظلّ يقيه أشعة الشمس الحارقة، ريثما يحين دوره لتعبئة سيارته بالوقود بعد طول انتظار. ومن صيدليةٍ إلى أخرى يتنقّل أبٌ محروقٌ على دواءٍ يُضمّد وجعَ ابنه، تلاقيه والدةٌ تلهث خلف علبة دواءٍ تبلسم جراح ابنتها، ليلقيا الجواب ذاته: «مقطوع وما في بديل».

وفي المقلب الآخر، حرقةُ أمّ على طفلٍ علا صراخه طلبًا للحليب، بعد أن بات «مادةً دسمة» دخلت بازار الاحتكار والبيع بأسعارٍ خياليّة يحدّدها سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء، ليُحرَم معها مئات الأطفال والرضّع من غذائهم الوحيد.

هي تفاصيل حياةٍ يوميّة، يقاسيها اللبنانيّون منذ ما يقارب العامين، من دون أيّ أفقٍ أو انفراجاتٍ تُذكر، ناهيك عمّا خلّفته جائحة كورونا من تداعياتٍ سلبية. فمنذ أواخر العام ٢٠١٩ والأزمات تتوالى لتشدّ معها خناق اللبنانيّين، منذرةً بالأسوأ، لا سيّما بعد رفع الدعم عن أكثر من سلعةٍ حيويّة.من أزمة الدولار إلى انقطاع أدويةٍ أساسيّة ومعداتٍ وأجهزةٍ طبية وفقدان المواد الغذائية والاستهلاكية بمعظمها، مرورًا بطوابير البنزين والأفران أو ما يُعرف بـ»طوابير الذلّ» وعمليّات التهريب، كما بتعطّل خدمات الإنترنت لساعاتٍ وانقطاع الكهرباء والمازوت وما قد يترتّب عنهما من انهيارٍ في شبكة المياه، وصولًا إلى الغلاء الفاحش الذي رافق الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار والانهيار الكارثي للعملة اللبنانية.

فما كان يخطر ببال اللبنانيّين أن يتحوّل راتبهم إلى بضع ليراتٍ، بالكاد تكفي لشراء كميةٍ محدودةٍ من الطحين والأرز والسكر والملح وغيرها من المواد الغذائية الأساسية. ليراتٌ فقدت قيمتها بشكلٍ كليّ، ممّا قوّض أحلام المواطنين…

ففي عزّ الحروب والأزمات وعلى مرّ العقود والأعوام، لم يحدث أن صُنِّف لبنان ضمن الدول الأدنى أجرًا والأكثر مأساةً، بعد أن سجّل معدّلاتٍ مرتفعة من الفقر والبطالة. وطن الأرز الذي عُرف يومًا بـ «لبنان الرسالة»، لطالما كان مهد الحضارات والثقافات ونبراسًا للحقوق والحرّيات، كما مقصدًا للعِلم والاستشفاء، ووجهةً دائمة للسوّاح والمغتربين.
أمّا اليوم، فأين لبناننا؟ ما حال المسنّين والمرضى؟ كيف يقاوم آباؤنا وأمّهاتنا؟ كيف يصمد كلّ من شبابنا وشابّاتنا؟ كيف يعيش أطفالنا؟ أين نحن من حياةٍ تتعدّى غفوةً على رصيف الشارع، أو عند محطة الوقود؟ أين نحن من أمنياتٍ تتجاوز رغيف الخبز وكفاف يومنا، لتقفز بأحلامنا وطموحاتنا بما دون النجوم؟ أيُّ مستقبلٍ ينتظرنا وقلبنا يتوقّف مع كلّ دقيقةٍ وثانيةٍ، لندخل معه غرفة إنعاشٍ، معدّاتها معطّلة أو مفقودة، فتخذلنا لدى المحاولة الأولى.

يبقى الأمل بأن يصحو شعبنا يومًا على دولةٍ تقارب تطلّعاته وأهدافه، تحارب لأجل بقائه وخلاصه، تضمن له ولأبنائه مستقبلًا مشرقًا واعدًا، تكفل له منظومةً صحيّة اجتماعية متكاملة، وتضع مصلحته العليا فوق كل اعتبار. دولةٌ تكرّس جهودها لـ «سعادة المواطن»، «معالي الشعب» و»فخامة الوطن».

الطّلاق؛ واقعُه وأسبابه وآثاره على المرأة المُطلَّقة في المجتمع الدّرزي

يحاول هذا البحث الوصول إلى الإحاطة بالعوامل والمحدِّدات النفسيّة والاجتماعية الداخلة في انحلال الرابطة الزوجية، فالرّهان المطروح في إطار هذا العمل، هو محاولة الكشف عن الأسباب التي تهدّد استقرار وتماسك الأسرة والوصول إلى انفصال الأفراد الممثلين لكيانها وغياب الجو الأُسري وأثر الطلاق على الصحة النفسية للمرأة، حيث تتداخل الأسباب والعوامل المؤدية إلى انحلال الزواج، فمنها ما هو تابع لجوانب نفسـية واجتماعية، ومنها ما هو مرتبط بجوانب اقتصادية وثقافية. إذ تهدف هذه الدراسة إلى استنباط الأسباب وإدراك العلاقة والتداخل الموجود فيما بينها، ووضع التفسيرات السببيّة عن طريق الوصف والتحليل بالإضافة إلى السعي لوضع تفسير نفسي اجتماعي لظاهرة الطلاق والبحث عن الأسباب الحقيقية بطريقة علمية، والتطلع إلى انعكاسات هذه الظاهرة على الصحّة النفسية لدى أفراد الأسر التي تضرّرت من ظاهرة انحلال الرابطة الزوجية، وخاصة الزوجة المطلقة. ومن أجل ذلك قمنا باستخدام تقنيات التحقيق في الميدان، تمثلت في استمارة لجمع المعلومات، طُبّقت على 30 حالة طلاق تم توزيعها على عيّنة من النساء المطلقات في مختلف القرى والمناطق الدرزية وذلك باستخدام المنهج الوصفي التحليلي الذي يعتني بتمحيص الوقائع وإخضاعها لتفسيرات سببية وإلى المقارنات واختبار صحة الفروض ويركز على إيضاح مكونات الظاهرة المدروسة من حيث جوهرها وخصائصها. وتأتي أهمية هذه الدراسة في الكشف عن المُتغيرات الاجتماعية والثقافية وكذلك الاقتصادية التي عملت على رفع نسب الطلاق في المجتمع الدرزي وقد اخترنا قضاء الشوف(1) كإطار جغرافي للبحث. وفي هذا السياق لا بدّ من البحث عن الإجابة للسؤال التالي: هل من علاقة بين المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على واقع المرأة الدرزية وازدياد نِسَب الطلاق (قضاء الشوف كنموذج)؟ وعليه فإنّ هناك إمكانية كبيرة أن يكون هناك علاقة مباشرة بين (عمل المرأة ومستواها التعليمي وعدد أولادها والدخل الشهري) وازدياد نسب الطّلاق بشكل ملحوظ في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين على اعتبار أن الطلاق هو مشكلة اجتماعية تطال تأثيراتها السلبية المجتمع عموماً والمرأة المطلقة خصوصاً وهذا ما سيأتي طرحه بالتفصيل خلال هذا البحث.

أولًا: ارتفاع نسب الطلاق، ناقوس خطر يُنذر العائلات الدرزية بالتفكّك في القرن الواحد والعشرين

بدايةً، استطعنا الحصول على بعض البيانات المتعلّقة بحالات الطّلاق(2) من محكمة الأحوال الشخصية – في بعقلين (قضاء الشوف) وأجرينا بعض المقابلات مع بعض الشخصيات للحصول على معلومات عن موضوع الطلاق في الملحق رقم (4) المرفق بالبحث: وبعد الاطلاع على النتائج تبيّن أن عقود الزواج عام 2000 كانت 541 عقداً في حين كانت أحكام الطلاق 77 حكما ليسجل معدل الطلاق نسبة 14% في العام نفسه في المقابل شهد العقد الثاني من القرن الحدي والعشرين (2010 حتى 2018) انخفاضاً ملحوظاً في عقود الزواج خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتصل إلى 437 عقداً في عام 2018 في حين ارتفعت أحكام الطلاق في العام نفسه بشكل ملحوظ وسريع لتصل إلى 132 حكماً وهو رقمٌ مرتفعٌ واستثنائيّ لم يشهد مثله القرن الحادي والعشرين لتصل معدّلات الطلاق إلى 30 %(3) وهو أعلى مستوى لها منذ 20 سنة. ولكن إذا أمعنّا النظر ودقّقنا الفحص في هذه المعادلة التي تقيس معدّل الطلاق نسبة إلى عقود الزواج نجد أن ارتفاع نسب الطلاق بين السنوات (2015 حتى 2018) لا يعود إلى ارتفاع أحكام الطلاق فقط بل إلى انخفاض عقود الزواج أيضاً التي ساهمت العديد من العوامل في انخفاضها، منه تأخّر سن زواج المرأة فضلاً عن تدهور الوضع الاقتصادي الذي يؤثر سلباً على عدد الشباب الجديد المقبل على الزواج من جهة ويزيد من حدة الخلافات بين الأزواج بسبب تدهور الوضع المعيشي للأسرة من جهة ثانية. وذلك حسب ما أفادنا به رئيس قلم محكمة بعقلين الشيخ مجدي الحسنيّة استناداً إلى ملفات عقود الزواج والطلاق المسجلة في أرشيف المحكمة. كما أضافت ريما سليم(4) المعاونة القضائية في المحكمة أنَّ عام 2014 شكل نقطة تحوُّل جذرية في سنوات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين إذ ارتفع معدل الطلاق بوتيرة سريعة وغير مسبوقة من 19% في هذا العام ليبلغ ذروته ويسجل 30% في عام 2018 أي ازدادت معدلات الطلاق بنسبة 11% ما بين عامي 2014 و2018. إذ تشير المعطيات كذلك إلى أنه من بين 10 حالات زواج تُسَجّل رسمياً في المحكمة المذهبية الدرزية في بعقلين، تُسَجَّل 3 حالات طلاق وهي نسبة عالية تثير التساؤل وتدعونا للبحث عن أسبابها وهذا ما سنأتي على تفصيله في هذا البحث.

ثانيًا: خصائص أفراد العينة (النساء المطلقات): حسب المعيار (العمر – الفترة التي استمر بها الزواج الوضع المهني – المستوى التعليمي – عدد الأولاد).

تبين من الجدول رقم (15)(5) أنّ معظم المطلقات تقع أعمارهن بين 20 وال 25 سنة بنسبة مئوية قدرها50% استناداً إلى نتائج الإحصاءات التي توصلنا لها في الاستمارة(6) التي تم توزيعها على عينة من النساء المطلقات ثم تليها الفترة العمرية التي تقع بين 25 و 35 سنة بنسبة مئوية قدرها 40% بينما تناقصت النسبة المئوية للمطلقات التي تتراوح أعمارهن أكثر من 35 سنة بنسبة مئوية قدرها 10% ويعني ذلك أن أغلب المطلقات من فئة الشابات التي تفتقر إلى النضج العاطفي ونتيجة لضعف تدريب وتحسين وتوعية المقبلين على الزواج من جانب الأسر التي لا تهتم بواجبات وأعباء الزواج. في هذه الحالة لا يقوم الزواج على أسس واضحة تسمح باستمرار العلاقة الزوجية وغالبا ما يكون الدافع للزواج مبني على أَسس هشّة وغير سليمة وتقاطع في المصالح وينتهي بانتهاء المصلحة، أو إخلال أحد الطرفين بالشروط المتفق عليها قبل الزواج وتشير أيضا هذه النتائج إلى أن الطلاق غالبا ما يحدث بعد وقت قصير من الزواج إذ إنّ 60 % من المطلقات اللواتي شملهن استطلاع الرأي حصلن على الطلاق بعد سنتين من الزواج، بينما لم تتعدَّ الفترة التي استمر خلاها الزواج مدة الخمس سنوات نسبة 20% من النساء المطلّقات في المقابل انحصرت نسبة النساء اللواتي استمر زواجهن أكثر من خمس سنوات بنسبة مقدارها 10% فقط. وذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى تقصير الأسرة في تدريب أبنائها على الاستقلالية وتحمل المسؤولية وتقبل الاختلاف في الطرف الآخر وإلى ضرورة التعاطي العاقل والواعي مع المشاكل والصبر والتروِّي في اتخاذ القرارات وأهمها قرار الزواج أوّلاً لأن الاختيار الصائب للشريك الذي يقوم على أسس متينة وواضحة كفيل ببناء أسرة متماسكة على عكس ما يحدث في يومنا هذا من التعارف السريع على مواقع التوصل الاجتماعي وبناء علاقات وهمية تنتهي بالزواج الفاشل. خلاصة القول إنَّ معظم حالات الطلاق تحدث بسبب ضعف تأهيل الشاب والشابّة إلى مرحلة الزواج وهذا الضعف تعود أسبابه بحسب ما ذكرت لنا المعاونة القضائية في المحكمة إلى أنَّ حالة الزواج في السنوات الأولى تكون معرّضة للفشل بنسبة كبيرة لأدنى ولأتفه الأسباب، ويعود ذلك لقلة خبرة الزوجين أو أحدهما بهذه المرحلة.

يبين الجدول رقم (16)(7) أن معظم المطلقات يقع مستواهن التعليمي بين المستوى الثانوي والجامعي بنسبة 80% فيما انحصرت نسبة 20% في من هنَّ في الصفوف المتوسطة والجدير بالذكر أنه لم يكن هناك بين النساء المطلقات غير متعلمات من المستوى الابتدائي أو ممّن يقتصر مستواها المعرفي على القراءة والكتابة.

من ناحية أخرى اتضح لنا أن 60% من النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي ليس لديهن أولاد(8). أما 30 % منهن كان لديهن من بين ولد وثلاثة أولاد بينما لم تتعدَّ نسبة النساء اللواتي لديهن أكثر من ثلاث أولاد الـ 10%. وهذا يدل على أنّ النساء التي ليس لديها أولاد أقدر من النساء التي لديها أطفال في طلب الطلاق.

في المقابل تبين لنا أن 70 % من النساء المطلقات موظَّفات(9) أي لديهن استقلالية ماديّة ولا يقتصر عملهن على العمل المنزلي بينما لم تتعدَّ نسبة النساء اللواتي هن ربات البيوت الـ 30%. أمّا بالنسبة للدخل الشهري فقد عبّرت 60% من النساء أن دخل أسرتهن الشهري لم يتجاوز مليون ليرة لبنانية(10) بينما اعترفت 40% منهن أن المدخول تراوح بين المليون و3 مليون ليرة لبنانية في المقابل لم يكن هناك بين النساء ممن يتجاوز دخل أسرتهن الـ 3 مليون ليرة في الاستمارة التي وُزِّعت عليهن. هذا يدل أنَّ معظم النساء واجهن مشكلة انخفاض المداخيل في الأسرة.

ثالثًا: الطلاق حسب قانون الأحوال الشخصية عند الدروز:

الطلاق أو كما يسميه قانون الأحوال الشخصية (المفارقات): «هو إنهاء عقد الزواج ووضع حد فاصل له إذ بعده تترك المرأة البيت الزوجي لتعيش حياة جديدة ومنفصلة ومستقلة عن زوجها بكل ما للكلمة من معنى(11) «هذا هو مفهوم الطلاق عند الدروز، إذ بعد المفارقة لا يعود من الجائز شرعاً أن يلتقي الرجل بمطلقته أو أن يعقد معها زواجا جديداً كما نصت المادة 38 من هذا القانون: «لا تحلُّ للرجل مطلقته أبداً بعد صدور حكم القاضي». فقد أقر قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية وأناط صلاحية الحكم به بقاضي المذهب الدرزي الذي له وحده الحكم بالتفريق وفسخ عقد الزواج وإبطاله. وقد نصّت على ذلك أحكام المادة 37 من القانون المذكور.(12)

وبالرغم من صراحة النص فلا يزال البعض يعتقدون بأن الطلاق بيد الرجل وليس للمرأة حق طلب الطلاق من زوجها. غير أن قانون الأحوال الشخصية ساوى بين الرجل والمرأة في حق طلب الطلاق من القاضي وذلك عند توافر بعض الأسباب واستحالة الحياة الزوجية بين الزوجين. وأنه استناداً إلى ما ورد أعلاه وتأكيداً على أن للمرأة الدرزية كما للرجل حق في طلب الطلاق فقد نصت المادة 47 من القانون على ما يلي(13): «إذا وقع نزاع أو شقاق بين الزوجين وراجع أحدهما القاضي يعيّن القاضي حَكَماً من أهل الزوج وحكماً من أهل الزوجة. وإن لم يكن بين أهلهما من توافرت فيه أوصاف الحكم اختار القاضي حكَماً من غير أهلهما». وقد نصت أيضا المادة 48 من القانون نفسه على ما يلي(14): «على الحَكَمين أن يتعرّفا أسباب الشقاق بين الزوجين وأن يجتهدا في إصلاح ذات البين وإن لم يتمكّن من التوفيق بينهما وكان القصور والإصرار من جهة الزوج يفرِّق القاضي بينهما ويحكم للزوجة بكامل المهر المؤجل أو ببعضه. وإذا كان من جهة الزوجة يحكم القاضي بإسقاط المهر المؤجل كُلًّاً أو بعضاً وللقاضي أن يحكم في كلا الحالتين على غير المُحِق من الزوجين بما يستحق الآخر من عطل وضرر» وقد تبين لنا أن 90% من النساء المطلقات أخذن المبادرة بالطلاق استناداً إلى النتائج الإحصائية(15) التي توصلنا إليها بعد توزيعنا استمارات على 30 امرأة مطلقة من مختلف القرى والمناطق الدرزية.

وقد أكد لنا رئيس قلم محكمة بعقلين أنه بالإجراءات القانونية ليس هناك فرق بين الرجل والمرأة عند التقدم بطلب تفريق في المحكمة وطبعاً لا ينحل عقد الزواج إلّا بحكم قاضي المذهب. ممّا يثبت أن لا وجود لما يُعرف بالعصمة. إذ لا يمكن للرجل التحكّم بمصير المرأة حتى لو رفضَ دعوى الطلاق كل ما يمكنه هو المماطلة في الإمضاء على ورقة الطلاق، وعدم حضور جلسات المحكمة ولكن ضمن فترة زمنية أقصاها سنتين تُعطى كمهلة قانونية له للمثول أمام القضاء ومحاولة حل الأمور بين الطرفين عن طريق التراضي هذا في حال أخذ الطلاق منحى النزاع. أمّا في حال كان الطلاق رضائياً فالمسار القانوني للدعوى يستغرق أربعة أشهر من حين تقدم الطرفين بدعوى الطلاق بحسب ما أفادنا به رئيس القلم في المحكمة عند سؤالنا له عن الفترة الزمنية التي تستغرقها دعوى الطلاق.

وفي هذا الإطار أفادنا رئيس قلم محكمة بعقلين أن 90 % من دعاوى الطلاق في محكمة بعقلين تنحلّ رضائياً بين الأزواج والدليل أنّ عام 2018 سجّل 124 حكما للطلاق عن طريق التراضي(16) مقابل 22 حكما للطلاق عبر النزاع. ولكن المفارقة الغريبة زيادة عدد دعاوى النزاع في السنوات الثلاث الأخيرة (2016 حتى 2018) مقارنة بالأعوام الماضية فقد كانت دعاوى النزاع 4 أحكام فقط عام 2014 في المقابل ارتفعت في عام 2018 لتسجل 22 دعوى طلاق بالنزاع.

أما بالنسبة لموضوع ارتفاع عدد دعاوى النزاع في السنوات الأخيرة على الرغم من غلبة أحكام الطلاق بالتراضي فذلك يعود بحسب ما ذكر رئيس قلم المحكمة لعدد من الأسباب أبرزها رغبة كل فريق بتحصيل مكاسب مادية إضافية كالمطالبة بعطل وضرر أو اعتبار المرأة ناشزاً(17) وكذلك سعي البعض إلى تحقيق مكسب معنوي أمام الرأي العام في مجتمعة. هذا بالإضافة إلى أن هنالك عوامل أخرى كالخلاف على حضانة الأولاد ومحاولة كل فريق إثبات عدم أهلية الفريق الآخر في الاهتمام بالأطفال وتربيتهم على أسس سليمة وصحيحة. وفي هذا الإطار أكّدت 40% من النساء التي وُزِّعت عليهن الاستمارة أنهن تنازلن عن مهرهن المؤجل للتحرر من قيد الزواج(18) في المقابل أكدت 56.6% من النساء أنهن لم يتنازلن عن شيء مقابل الحصول على الطلاق بينما اضطرت امرأة واحدة فقط غير عاملة إلى التنازل عن حضانة أطفالها وذلك راجع إلى 3 أسباب إما لعدم قدرة المرأة على تحمل مسؤولية تأمين معيشة لائقة بهم من كافة النواحي الطبية والتعليمية وغيرها خصوصاً إذا كانت نفقة الزوج لا تغطي كافة متطلبات الأولاد من رفاهية الحياة بالإضافة إلى الضغط الذي تتحمله المرأة من أهلها الذين يرفضون رجوعها إلى منزلهم مع أولادها خصوصاً إذا لم يكن للمرأة منزل خاص ملكاً لها يمكنها الإقامة فيه بالإضافة إلى عامل آخر لا يمكننا إغفاله وهو رغبة بعض النساء في الزواج مرة أخرى ما يدفعها إلى التنازل عن أولادها مع الاكتفاء بحق مشاهدتهم في أوقات معينة وذلك من أجل تمكنها من البدء بحياة جديدة مع الزوج الجديد الذي لا يتقبل أن يتزوج غالباً من امرأة لديها أطفال. ولا يمكننا إغفال حقيقة أنّ هذه العوامل التي ذكرناها تنطبق حُكماً على الأحكام المستأنفة مع وجود عامل إضافي هو محاولة كسب وقت أطول والسعي إلى المماطلة في فسخ عقد الزواج. وفي هذا السياق عبرت 20% فقط من النساء عن حدوث مشاكل مع أزواجهن أثناء الإجراءات القانونية لإتمام عملية الطلاق(19) خصوصاً في موضوع خلافهن حول حقوقهن المادية في المقابل أكدت 10% من النساء أنهن واجهن مشاكل مع أزواجهن في موضوع حضانة الأطفال بينما لم تواجه أي من النساء مشاكل قانونية متعلقة برفض الزوج للطلاق. من ناحية أخرى أكدت غالبية النساء أي 70% منهنّ أنهن لم يواجهن أي من المشاكل السابق ذكرها. وهذا راجع لكون غالبية النساء أي (80%) من النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي تم طلاقهن بالتراضي(20) مع الزوج أي لم يحدث مشاكل قانونية بين الزوجين تعيق المسار القانوني لدعوى الطلاق بينما لم تتجاوز نسبة النساء اللواتي حصلن على الطلاق بالنزاع نسبة الـ 20%..

ولا بد لنا أن ننوّه في هذا الصدد أنّ هناك ما يقارب 80% من دعاوى النزاع التي تعود وتنحل بالتراضي والدليل أنه من بين 22 دعوى طلاق بالنزاع تم تسجيل 20 حالة مصالحة بين الأزواج عام 2018 استناداً إلى إحصاءات دعاوى الطلاق بين عامي 2014 و 2018 في محكمة بعقلين(21). وذلك راجع بحسب ما ذكرت لنا المعاونة القضائية في المحكمة إلى السعي الدائم لفضيلة قاضي المذهب الشيخ فؤاد البعيني في تقريب وجهات النظر بين الأزواج المتخاصمين بالإضافة إلى الدور الفعال للمرشدة الاجتماعية في المحكمة وأحيانا دور بعض المحامين في حال توصلهم لتسوية ترضي الطرفين بموضوع الحقوق الزوجية.

وعند سؤالنا فضيلة القاضي الشيخ فؤاد يونس عن أبرز المواضيع التي تبين إنصاف قانون الأحوال الشخصية عند الطائفة الدرزية للمرأة الدرزية في موضوع المفارقات. فإنّه أكد لنا أن هذا القانون هو الأكثر إنصافا بحق المرأة اللبنانية مقارنة بغيره من قوانين الأحوال الشخصية عند الطوائف الأخرى أولاً: من جهة إعطاء الحق للمرأة بتقديم طلب الطلاق(التفريق). وثانياً بحصر موضوع عقد الزواج بيد قاضي المذهب ممّا يعني أن الرجل لا يستطيع أن يطلّق زوجته ساعة يشاء ومتى يريد وأن يتحكّم بمصير عقد الزواج. ومن ناحية ثانية هو يعطي المرأة الحق في حضانة أولادها لحين بلوغ الصبي 12 سنة والفتاة 14 سنة مع إلزام الزوج بدفع نفقتهم ومصاريفهم كافة. وفي حال تزوجت المطلقة بغير محرم تنتقل الحضانة بداية إلى والدتها أي لجهة الأم ومن بعدها الجدة لجهة الأب ثم المحارم الأقرب بالأقرب وفي كل الأحوال لا يسقط حق المشاهدة. وحتى أنّ المحاكم المذهبية لم تحرم المرأة الزانية من حق مشاهدة أولادها ولو لبضع ساعات وهذا يُعتبر خطوة متقدمة جداً في مجال حقوق المرأة. ومن ناحية أخرى يعطي القانون المرأة أيضاً الحق في حضانة أولادها والوصاية عليهم مع جدهم أو عمهم أو منفردة في حال تنازلهم لها عند وفاة الوالد – الولي بطبيعة الحال على أولاده.

رابعًا: أسباب الطلاق عند الدروز في القرن الحادي والعشرين

الطلاق مشكلة اجتماعية تنبع من المجتمع وتنجم عن فشل الزوجين في الانسجام والتفاهم، وإمكانية التعايش تحت سقف واحد يضمها ضمن مسمّى الأسرة. ويترتب عليها أمور عدّة أهمها تحطيم الزواج والأسرة والروابط الأساسية للمجتمع وهو ثمن للزواج غير المرغوب فيه ويعدّ النقيض التعيس للزواج(22).والطلاق يتم عادة بعد فترة لا بأس بها من الزمن، أيَ بعد محاولة التعايش بطرق وأساليب متعددة، عسى أنْ يتم التوصل لحل هذه الخلافات وتجاوزها، وإلّا فالانفصال هو الحل. أمَّا اليوم في المجتمع الدرزي فقد بتنا نرى ونسمع عن حالات مستعجلة ومبكرة من الطلاق بعد زواج لم يتجاوز الأشهر أو حتى أياماً معدودة، وهذه ظاهرة جديدة ومخيفة طرأت على زيجات الدروز عموماً لأنَّها تعّبر عن خللٍ ما في نظرة الشباب من الجنسين لبعضهما، ولطبيعة العلاقة الواهية التي يقوم على أساسها هذا الارتباط المُسمى الزواج.

الطلاق لا يحدث نتيجة عامل واحد وإنّما هناك عدة عوامل متداخلة تؤدي إلـى حـدوث الطلاق فمنها النفسية والاجتماعية والاقتصادية ومنها فتور الحياة العاطفية ممّا يؤدي إلى صراع في الأسرة، عدم توفر الموارد الاقتصادية الكافية للأسرة، وعدم وجود تعاون بين الزوجين فـي النواحي الحياتية وغيرها من الأسباب سنأتي على تفصيلها في هذا البحث إلخ….

كان الشبان والشابات في المجتمع الدرزي قديماً يتريثون قبل الإقدام على الطلاق تجنباً للمشاكل السلبية التي تنبثق عنه، أمّا حديثاً، فإننا نجد تحوّل قِيَمي واجتماعي كبير من حيث تبدل للعادات والتقاليد تجاه هذه المسألة، ونجد سهولة وقوع الطلاق لأسباب مباشرة وغير مباشرة والدليل أن 80 % من النساء اللواتي وُزعت الاستمارة عليهن اعتبرن الطلاق الحل الأمثل لحل المشكلات الزوجية(23). هذا يدل أن المرأة في أيامنا هذه لا تتردّد كثيراً في اتخاذ قرار الانفصال عن زوجها خصوصاً إذا كانت تعاني من جو أسري غير مريح لها وأن معظم النساء متعلّمات ويعلمن جيداً مصلحتهن، خصوصاً بعد تطوير التشريع القانوني المتعلق بإباحة حق طلب الطلاق للزوجة طالما أنها لا تستطيع الاستمرار في حياتها الزوجية وغيرها من القوانين المعدّلة في قانون الأحوال الشخصية والتي تعطي المرأة الكثير من الحقوق والتي سبق وتطرقنا لها في مستهل بحثنا.

اسباب الطلاق في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين (2010 حتّى 2018)

وقد تبين من خلال النتائج الإحصائية التي توصّلنا إليها في الجدول الإحصائي رقم (1)(24) اختلاف اختيار العينات لأسباب الطلاق ومنهم من اختار أكثر من سبب وكانت أكثر الأسباب اختياراً مُحتَسَبة بالنسب المئوية على التوالي (استقلال المرأة المادي 40% – الاستعمال الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي 20% – الدخل المنخفض للزوج 13.3%). بينما اعتبرت 6.6% من النساء أنّ تدخّل الأهل في الحياة الزوجية كان سبباً رئيسياً في طلاقهن في حين تساوت النسب المئوية بين كل من العوامل التالية: (اختلاف المستوى التعليمي والثقافي بين الزوجين – الاختيار الخاطئ للشريك – سن الزواج المبكر للمرأة – الخيانة الزوجية – تعرض الزوجة للعنف الجسدي واللفظي) بنسبة قدرها 3.3%.
عمل المرأة واستقلالها اقتصادياً السبب الرئيسي في حدوث الطلاق في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين
في أيامنا هذه لم يعد العمل مجرد مسألة حاجة مادية بل أصبح من أولويات حياة المرأة، خاصة بعد التخرج من الجامعة. وخلال زيارتنا للمحكمة وأثناء لقائنا المعاونة القضائية هناك أشارت أنه بالاستناد إلى ملفات أحكام الطلاق فإن نسبة 50 % من حالات الطلاق المدونة في أرشيف المحكمة يشكل عمل المرأة سبباً أساسياً ومباشراً في حدوثها. وذلك حين تعطي بعض الزوجات لعملهن الاهتمام الأكبر على حساب علاقتهن بأزواجهن وأبنائهن، وهذا أمرٌ يستدعي في أحيان كثيرة أنْ يلجأ الزوج لطلب الطلاق.وبغض النظر عن المستوى التعليمي أو الثقافي أو الاجتماعي للمرأة، إلّا أنَّ الاستقلال الاقتصادي يُعد العامل الحاسم في قرار الانفصال عن الزوج وتعدّ استقلالية المرأة المادية واحدة من أسباب الطلاق في مجتمعنا الدرزي بحسب الاستمارة التي تم توزيعها على عدد من النساء المطلقات في مختلف المناطق الدرزية لمعرفة الأسباب الرئيسة لطلاقهن فقد تبين لنا من خلال النتائج الإحصائية التي توصّلنا لها أن 70% من النساء هنّ موظفات بينما نسبة ربات البيوت قُدرت بنحو 30% فقط(25). بناء عليه يمكننا القول إن المرأة العاملة التي تعتمد على نفسها أقدر من غيرها على طلب الطلاق فهي لا تضطر إلى الصبر على زوج يؤذيها ويهينها. لذا فقد ازدادت ظاهرة الطلاق بعد خروج المرأة الدرزية إلى العمل خارج المنزل وأجابت 20 امرأة مطلقة في استطلاع الرأي الذي أجريناه معهن أن عملهن خارجاً واستقلالهن الاقتصادي كان عاملاً أساسيّاً في طلاقهن أي ما يعادل نسبة 40% من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع وأضفن أن هذا يعود إلى عدم تقبل الرجل الشرقي خروج المرأة للعمل بسبب العادات والتقاليد هذا الأمر قد يصل إلى تعقد الحياة وعدم استمرارها وبالتالي حصول الطلاق. بناء عليه يمكننا أن نستدرك أن نسب الطلاق ترتفع بين المتعلمات مقارنة بغير المتعلمات والدليل أن 70% ممن شملهن استطلاع الرأي هن من حمَلة الشهادة الثانوية والجامعية بالتالي يكون لديهن القدرة على إدراك مصلحتهن بشكل أفضل.

وفي هذا الإطار عبّرت لنا المعاونة القضائية عن رأيها بالقول: «كانت المرأة المتزوجة قديماً تتحمل المنغصات، لكن كثيراً من النساء المستقلّات اقتصادياً يقرّرْن الآن الانفصال حين لا يكنَّ سعيدات، ولم يعد الطلاق من المحظورات، كما أن الزواج لم يعد أولوية لخريجات الجامعات، لأنهن قادرات على إيجاد فرص عمل، وإن تزوجن فإنَّ الطلاق سيكون أيسر إذا واجهن مشاكل في زيجاتهن كما يمكنهن الاعتماد على أنفسهن مالياً بسهولة. لذا فقد سجلت السنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشرين (2015 حتى 2018) معدلات مرتفعة من حالات الطلاق سنوياً، بسبب وعي المرأة بحقوقها وقضاياها، وهذا شجّع المتضررات من زواج فاشل للإقدام على خطوة الطلاق».

يمكننا أن نستخلص أنّ عمل المرأة وزيادة نسبة تحصيلها العلمي سيف ذو حدين ففي حال اجتهدت المرأة على خلق توازن بين عملها ومنزلها سوف تحقق نجاحات في الجهتين وهذا سينعكس إيجاباً على عائلتها ومستقبل أولادها لأن الأولاد سيكون لديهم حافز أكبر على كسب العلم والتطلّع لتحقيق ذاتهم ومستقبلهم العلمي والمهني والاجتماعي. ولكن لضمان نجاح المرأة بهذه الطريقة لا بدّ من تفهّم ومساعدة الرجل فالمسؤولية تقع على عاتق الزوجين عندما يكون التفاهم سيد الموقف بين الزوجين يتحقق التناغم والتكافل بينهما وينتج عن كل هذا نجاح المرأة في الفصل بين حياتها المهنية وحياتها العائلية وتحقيق النجاح المطلوب. والعكس صحيح إذا حاربها الزوج لسببين العقلية الذكورية، والغَيرة فإنها بالتأكيد سوف تفشل في خلق التوازن المطلوب. بالإضافة إلى أنه في بعض الحالات يكون الرجل اتّكالياً ويتهرب من تحمل المسؤولية ويرى عمل المرأة خارجا متنفساً له ليلقي على عاتقها كافة متطلبات المنزل واحتياجات الأبناء ما يفوق قدرة المرأة على التحمل ويخلق مشاكل كثيرة مع شريكها وتكون نهايتها الحتمية الانفصال، وعليه يمكننا القول أن معيار تعليم المرأة وعملها خارج المنزل يؤثر على الحياة الزوجية سلباً أو إيجاباً حسب ذهنية الزوج وطريقة مقاربته للأمور وللحياة الزوجية ونظرته تجاه المرأة بشكل عام فإما أن يعتبرها شريكاً له في كافة الأمور وصاحبة شخصية مستقلة وقرار أو اعتبارها كائناً غير مستقل وتابع له وغير مؤهلة لأخذ القرار أو المساهمة فيه وحصر دورها في العمل المنزلي، وتلبية رغبات الزوج ومتطلباته والتفرغ دائما لخدمته. من ناحية أخرى لا يمكننا تجاهل أسلوب المرأة المنتجة في التعامل مع زوجها. هل تستمر بمعاملته كشريك أم تحاول في بعض الأحيان فرض سيطرتها عليه ومصادرة دوره؟! الوعي الاجتماعي لدى الفريقين وحده الكفيل بحسم الأمور.

خامساً: الآثار الاجتماعية والنفسية للطلاق على المرأة المطلقة

-أ- الآثار الاجتماعية:
-1- الضغوطات الاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد في المجتمع
يُنظر إلى المرأة المطلقة من الناحية الاجتماعية نظرة فيها ريبٌ وشك في سلوكها وتصرفاتها مما تشعر معه بالذنب والفشل العاطفي وخيبة الأمل والإحباط، مما يزيدها تعقيداً ويؤخر تكيفها مع واقعها الحالي بحسب رأي الأخصائية الاجتماعية «رِوَى أبو الحسن»(26) التي تحدّثت عند سؤالنا إياها عن نظرة المجتمع نحو المرأة المطلقة. وأضافت: «المرأة المطلقة تعود لبيت أهلها وهي تحمل معها جراحها وآلامها ودموعها كونها الجنس الأضـعف فـي مجتمعنـا التقليدي، فهي وبحكم التنشئة الاجتماعية واقتناعها بأن الزواج لا بد منه مرتبطا بمعنى «السترة» فإنه بهذا الطلاق تفقد هذا الغطاء الواقي لها لتصـبح عرضـة لأطمـاع الناس واتهامهم لها بالانحراف الأخلاقي» والدليل أن 60% من النساء اللواتي وُزِّعت عليهن الاستمارة أجبن أنَّ الإشاعات وكثرة الأسئلة عن أسباب طلاقهن واتهامهن بالضياع الأخلاقي كانت من أكثر المشكلات الاجتماعية التي تعرضن لها بعد الطلاق(27). فالمرأة المطلقة قد تعاني العديد من الصعوبات والمشكلات الاجتماعية المرتبطة بنظرة أسرتها إليها بعد الطلاق ثم نظرة المجتمع ككل على اعتبار أنهـا هـي المسؤول الأول والرئيسي في أغلب الأحيان عن وقوع مشكلة الطلاق. فالمطلقة تعاني من الشعور بالتشاؤم والانهزامية نتيجة فقدانها للمركز الاجتماعي التي حصلت عليه من خلال الزواج، وتحوُّل دورها إلى دور هامشي وجـانبي، بمهاجمة العادات والتقاليد المجتمعية لها، والنبذ والإهانة اللتين تتعرض لهما من عائلتها أي إنّ الزواج في مجتمعنا عبارة عن حماية أو غطاء يمنع تعرّض المرأة على وجه الخصوص للكثيـر مـن الأزمـات والصراعات. والدليل الواضح على كل ما ورد ذكره أن 70% من النساء المطلقات اللواتي وُزِّعت عليهن الاستمارات أشرن أنَّ أكثر المخاوف التي كانت تمنعهن من اتخاذ قرار الطلاق هو خوفهن من عدم تقبل المجتمع الشرقي فكرة طلاقهن(28). في حين أجابت 20% من النساء أنهن ترددن في اتّخاذ قرار الطلاق خوفاً على الأولاد من الضياع والتفكك الأسري بينما لم يشكل الخوف من عدم وجود مورد مادي أو وجود معيل في حياة المرأة سوى على نسبة 10% من النساء المطلقات وهي نسبة ضئيلة جداً وذلك لأن معظم النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي متعلِّمات ولديهن وظيفة.

-2- قلة الفرص المتوفرة لدى المرأة في الزواج مرّة ثانية:
مرّة أخرى لاعتبارات اجتماعية متوارثة من جيل إلى آخر، حيث تكون فرصتها الوحيدة في الزواج من رجل أرمل أو مطلّق أو مسنّ، وبناءً عليه، فإن مستقبلها غير واضح. هذا ما أكدته لنا 33.3% من النساء المطلقات بعد سؤالهن في الاستمارة التي وُزعت عليهن عن أكثر المشاكل الاجتماعية التي اضطررن إلى مواجهتها بعد الطلاق ولقد احتلت هذه المشكلة من وجهة نظرهن المرتبة الثانية من حيث أهميتها بعد مشكلة الإشاعات وكثرة الأسئلة عن طلاقهن فيما لم تواجه النساء المطلقات مشكلة إيجاد فرص عمل لأنه كما ذكرنا سابقاً فإن معظمهن موظفات وقد اعترفت 83.3% منهن أنهن أمَّنَّ الاكتفاء المادي لهن ولأولادهن من خلال العمل خارج المنزل بينما لم تتعدَّ نسبة النساء اللواتي حصلن على الدعم المادي من الأهل الـ 10% في حين اقتصرت نسبة النساء اللواتي حصلن على النفقة المنتظمة من أزواجهن الـ 6.6% وهذا يدل أن عمل المرأة خارج المنزل يؤمِّن لها العيش بكرامة لها ولأولادها ويجنبها الحاجة والعوز وتحميل عبء معيشتها لأهلها خصوصا إذا كان لديها أولاد.

-ب- الآثار النفسية:
-1-الشعور بالإحباط والاكتئاب والوحدة والانطواء على الذات:
يُعدُّ الطلاق تجربة قاسية جداً على المرأة إذ يحدث تغيراً جوهرياً في حياتها نتيجة رفع الطلاق لغطاء التقدير والاحترام والمكانة الاجتماعية، هذا الأمر الذي قـد يجعلهـا عرضة للشفقة أو التشفي من طرف الآخرين إضافة إلى أنه لحظة شعورها بالفشل فإن تقديرها لذاتها ينخفض وتهتـز ثقتها بنفسها وتصبح أكثر عرضة للاكتئاب بحسب ما أكدته المعالجة النفسية الدكتورة «رودينا المهتار» أثناء المقابلة التي جريناها معها وسؤالنا عن أكثر المشاكل النفسية التي تواجهها المرأة بعد الطلاق.

واضافت قائلة: «إن المطلقة تعاني بشكل كبير من الناحية النفسية من الطلاق انطلاقاً من النظرة السلبية للمجتمـع إليها، ممّا ينتج عنه شرخ كبير في نفسيتها وما يصاحبه من مشاعر الحزن، والإحباط، والخـوف، كمـا تسـيطر علـى تفكيرها الأفكار السوداوية والأوهام، مما يُشعرها بعدم الاطمئنان والاستقرار العاطفي والاضطراب النفسـي، والفشـل وعدم القدرة على تحمُّل المسؤولية». وفي هذا الإطار عبّرت 40% من النساء المطلقات في الاستمارة التي وزعت عليهن عن شعورهن بالتعاسة والاكتئاب(29) واللافت أنّ هذه النتيجة تساوت مع نسبة النساء اللواتي شعرن بالوحدة والنبذ الاجتماعي بينما لم تتجاوز نسبة النساء اللواتي شعرن بالرضى والراحة النفسية بعد طلاقهن سوى 20%. وهذا يدل على الانعكاسات السلبية للطلاق في أغلب الأحيان على الصحة النفسية للمرأة المطلقة في مجتمعنا. واستناداً إلى ما تقدم ذكره يمكننا القول إن تجربة الطلاق هي أمر يشكل حاجزاً بين المرأة المطلقة وإحساسها وشعورها بأهميتها وقيمتها ورضـاها عن نفسها وعن كل ما تنجزه، وأن ذلك إنما يبدأ انطلاقا -كما أشير سابقا- من خوفها مما سوف يقوله الآخرون عنهـا بعد فشل تجربتها الزواجية، وأنه حتى بالرغم من التزايد الكبير في نسب الطلاق في المجتمع الدرزي، لا تزال المـرأة محـلّ الشك والريبة والنظرة السلبية من طرف أفراد المجتمع، وحتى من أسرتها أحياناً لأنها ومن وجهة نظرهم هي من عليها المحافظة على أسرتها واستمرارها وبقاء زواجها بدليل أنّ 50% من النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي عبَّرن عن رفض أهلهنَّ موضوع الطلاق(30) وإلقاء الملامة عليهن بينما لم تتخطَّ نسبة النساء اللواتي تعاطف أهلهن معهن عندما قررن الانفصال عن أزواجهن الـ 33.3%. في حين لم يستحوذ خيار توسط الأهل بين النساء وأزواجهن لتقريب وجهات النظر بينهم سوى على نسبة 5% وهي نسبة ضئيلة جداً تدل على غياب دور الأهل الحكيم والأساسي في حياة أبنائهم في أيامنا هذه وتقلُّص دورهم الاجتماعي الذي كان سائداً قديما في لعب دور الوساطة وحل النزاع بين الأزواج المتخاصمين.

-2- تشويه صورة الذات والجسد وانعدام الثقة بالنفس:
لقد شددت الدكتورة «رودينا» على النظرة المشوهة التي تكوّنها المرأة عن نفسها وعن صورة جسدها بعد الطلاق معبرة عن ذلك بقولها: «قلّما نجد مطلقة تنظر لنفسها نظرة قوية وتمدح نفسها فلا تعطي لنفسها فرصة للاهتمام بأنوثتها مرّة أخرى للدرجة التي قد تدفع بعض المطلقات إلى النظر لأنفسهن في المرآة وهن يشعرن بالقبح على الرغم من جمالهن». وفي هذا السياق أكدت أن المرأة المطلقة تنظر إلى نفسها نظرة قاسية جداً وكأنها امرأة ينقصها شيء أصبحت تحمل هذا اللقب مما يقلل من درجة ثقتها بنفسها.

-3- تشويه الصورة التي تأخذها المرأة المطلقة عن الرجل بشكل عام:
هذا مـا أكدتـه لنا أيضا الأخصائية في علم النفس والعلاقات الأسرية الدكتورة «رودينا» أثناء سؤالنا لها عن المعاناة النفسية التي تعيشها المرأة المطلقة فأشارت إلى أن المرأة المطلقة تُستبعد من عائلتها ومجتمعها لأنها وحسب معتقـداتهم قامـت بأمر مخالف وبالتالي فهي غير مسموح لها بالبقاء معهم وبالتالي عزلها. مما يخلق لهـا مشـاعر الكراهيـة والحرمـان والإحساس بالوحدة والاكتئاب والانطواء والعزلة وكراهية الجنس الآخر «الرجل» لأنه هو من جعلها في هذه الحالة، فتعمم تجربتها على أن كل الرجال لا يقدرون المرأة، وتحرم نفسها من أن تعيش حياتها مثل باقي النساء خوفاً من الوقوع مرّة أخرى في تجربة فاشلة. هذه المشاعر والأحاسيس التي تتولد لدى المرأة عقب الطلاق والتي تسهم بدرجة ما في إعادة تقييمهـا لحياتهـا وإدراكها بشكل عام للموقف الراهن الذي وجدت نفسها فيه، أكدته كذلك الدكتورة رودينا موضحة أن المـرأة المطلقة تعاني من عدة تأثيرات بعد الطلاق أبرزها القلق، والاكتئاب، والضغط النفسي، وعدم التوازن العـاطفي والمـزاج السَّيِّئ.

من هنا يتضح أنّ لبِّ المعاناة النفسـية التـي تتخـذ شـتى المظاهر، هي انعدام وقلة الاعتبار من الآخرين وأن هذا من أهم عوامل التمتع بالصحة النفسية. بالتالي فإنَّ ضمان تمتع المرأة في المجتمع الدرزي بالصحة النفسية بأوسع معانيها إنما يكون برد الاعتبار لها عبر تغير جـذري فـي نظرة المجتمع لها ونظرة الرجل وحتى نظرتها لنفسها. لأن تقييم المرأة لذاتها إنما ينطلق من نظرة وتقييم الآخرين لها، وربما هذا ما يزيد الأمـر تعقيـدا وتأزّمـاً بالنسبة للمرأة في حال الطلاق ممّا قد يغير الكثير في تصوراتها وإدراكها لحياتها، ومدى تحقيقها من عدمه لسـعادتها ورفاهيتها، والتي كانت ترتبط بالنسبة لها بوجود شخص تتقاسم معه تفاصيل الحياة بكل ما فيها والدليل أن 66.6% من النساء التي وزعت عليهن الاستمارة اعترفن أن الشعور بالانتماء العائلي هو بالتحديد ما تفتقده المرأة بعد الطلاق(31) بينما عبرت 33.3% فقط من النساء عن افتقادهن للأمان العاطفي والملفت أنه لم تفتقد أي من النساء الشعور بالاستقلالية بعد الطلاق وذلك راجع لكون معظمهن موظفات أي فاعلات اجتماعياً ولهن حياتهن الخاصة. وبالتـالي فـإن مشـكلة الطلاق تخلق للمرأة المطلقة أزمة حقيقية لأنها تحرمها من حاجات نفسية أساسية. وعليه فإننا نستنتج أن الطلاق تجربة قاسية جداً على المرأة بدليل أن أكثرية النساء المطلقات (66.6%) من النساء اللواتي شملهن استطلاع الرأي اعتبرن الطلاق تجربة فاشلة فيما صرحت 33.3% منهن فقط أن الطلاق درس لحياة أفضل(32). فالطلاق إذاً مشكلة اجتماعية تتحكم بها ثلاثة عوامل: قوة الشخصية، وإرادة المرأة، ومساندة المجتمع المحيط لها. وفي هذا الإطار أضافت النساء المطلقات أنهن لم يستطعن تخطي مشاكلهن النفسية بمفردهن(33) بدليل أنهن احتجن إلى مساعدة أطراف مختلفة في المجتمع وقد تباينت الآراء بين أفراد العينة ولكن معظمهن طلبن مساعدة أصدقائهن بنسبة 50% بينما اعترفت 33.3% منهن أنهن لجأن إلى أخصائي نفسي ولا بد أن ننوه هنا بجرأة النساء اللواتي اعترفن بهذا الأمر خصوصا في مجتمع تكثر فيه الأقاويل والأفكار المغلوطة حول مفهوم العلاج النفسي. في حين لم تتجاوز نسبة النساء اللواتي ساعدهن أقربائهن في تخطي مشاكلهن النفسية نسبة 16.6% وهذا أكبر دليل أن أكثرية النساء المطلقات لا تتلقّى الدعم الكافي من أقربائها وأهلها لذا فهي تلجأ إلى الأخصائي النفسي وأصدقائها لتتمكن من الخروج أزمتها النفسية.

سادسًا: التدخل الاجتماعي خطوة متقدمة لتقليص ظاهرة الطلاق:

بحسب ما أفادتنا به الأخصائية الاجتماعية في محكمة عالية «روى أبو الحسن» في المقابلة التي أجريناها معها وسؤالنا إياها عن الدور الذي يلعبه الأخصائي الاجتماعي في المحكمة، فعبّرت بقولها: «إنه المُحكَّم في أمور الطلاق أو إصلاح ذات البين.»(34) وأضافت: إنه يقوم بتقديم المساعدة لكلا الزوجين أثناء وقوع الاختلاف الأسري وذلك من خلال تقصي أسباب المشكلة وجوانبها ودفعهما إلى معالجة المشاكل بينهما، عبر رؤية العلاقات والتفاعلات الأسرية الذي يعيشها الطرفان ضمن أسرتهما، وتقصّي جذور المشكلة وتبعيتها وخلفيتها الأساسية ثم تدوين إجابتهم ورفعها إلى فضيلة القاضي في تقرير مفصل عن الحالة وبناءً على نتائج التقرير يأخذ القاضي القرار المناسب الذي يخدم مصلحة الطرفين وفي هذا الإطار أضافت رِوى بسبب دور الأخصائي الاجتماعي الفعال في هذا الميدان فقد طالبت نقابة الأخصائيين الاجتماعيين الحكومة اللبنانية في مستهل عام 2019 بوضع قانون ينص على إلزامية وجود أخصائي اجتماعي في المحاكم المذهبية ولا بد أن ننوّه بأن الطائفة الدرزية هي الطائفة الوحيدة من بين كل الطوائف في لبنان التي لبت النداء وطبقت هذا القانون وهذا يدل على وعي وتحضر وقوننة الأمور المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية في موضوع المفارقات.

سابعًا: التوصيات

1- إدخال مُقرَّر دراسي في المدارس الثانوية يشمل موضوع أصول الحياة الأسرية للطلبة والطالبات يتضمن توضيح أسس الحياة الزوجية وتكوين الأسرة منذ اختيار شريك الحياة والخطوبة وانتهاءً بالواجبات والحقوق الزوجية حتى تكون لهما فكرة واضحة عن الزواج تساعدهم على بناء أُسر سليمة.

2- العمل على عقد الندوات والمؤتمرات من خلال المؤسسات الإعلامية والدينية واللجنة الاجتماعية للمجلس المذهبي وذلك من خلال تخصيص دورة للمُقبلين على الزواج تُعنى بالثقافة الزوجية، والحقوق والواجبات، والتأهيل الأسري وتعاليم الشرع في الأحوال الشخصية، وسُبُل الحياة الزوجية والمجتمعية، وآليات الاتصال والتواصل بين الزوجين، وكيفية مواجهة التحديات والصعوبات والمشاكل الأسرية، وكيفية مواجهتها بالصبر والحكمة والتروِّي.

3- ضرورة إقامة وحدات للإرشاد الأسري في مراكز الأحياء التي تُعنى بالشؤون الأسرية، يعمل بها اختصاصيون أكفّاء، ويكون من أهم واجباتها دراسة المشكلات الزوجية، وحالات الرغبة في الطلاق قبل وقوعها وقبل وصولها إلى المحاكم.

4- العمل على دمج المطلقات في المجتمع بتشجيعهنَّ على إكمال دراستهنَّ وممارسة حياتهنَّ بشكل طبيعي وتوفير العمل للراغبات فيه، والانخراط في المجتمع من جديد ما يساعدهن في تخطي أزمتهن النفسية.

ثامنًا: الاستنتاجات

كشفت الدراسة مُعطيات عدَّة إذ يلاحظ من خلال النتائج التي توصلنا إليها ما يلي:
– هناك ضغط نفسي أكبر بالنسبة للمرأة التي لها أولاد مقارنة بالمرأة التي طُلِّقت من دون أولاد، وهذا بسبب المسؤولية التي في غالب الأحيان تتحملها لوحدها فالمرأة التي ليس لديها أطفال لا تتردد في طلب الطلاق مقارنة بالمرأة التي لديها أطفال.
– إن معظم حالات الطلاق سُجِّلت في الخمس سنوات الأولى للزواج، بحيث يظهر عدم التوافق، ويكون الانفصال، وفي الحالات التي عرضناها، هناك 20 حالة كان الطلاق في الخمس سنوات الأولى من الزواج.
– هناك علاقة عكسية بين مستوى الدخل الأسري وازدياد نسب الطلاق فكلما انخفض الدخل ازدادت نسب الطلاق والعكس صحيح – يُلاحظ أن أعلى نسبة للنساء المطلقات مقارنة مع الدخل الشهري كانت للنساء ذوات الدخل المحدود أقل من (مليون ليرة لبنانية).
– ارتفاع نسب الطلاق في الفئات العمرية الفتية (21-25) سنة.
– إن أهم المشكلات التي تواجه المرأة الدرزية بعد الطلاق افتقادها لاحتضان وتقبل المجتمع لها، وبخاصة على صعيد إعادة اندماجها فيه مرة أخرى، فهو يرفض زواج الشباب الذين لم يسبق لهم الزواج منها، وذلك يعمق شعورها بالوحدة.
– هناك علاقة إيجابية بين المستوى التعليمي وحالات الطلاق إذ يلاحَظ من خلال التركيب التعليمي أن أغلب المطلقات من حملة الشهادة الثانوية والجامعية.
– إن استقلالية المرأة اقتصاديا وعملها خارج المنزل هو من أهم أسباب حدوث ظاهرة الطلاق في المجتمع الدرزي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. فالاستقلال الاقتصادي الذي تعيشه المرأة منحها الحصانة، حيث ما عاد يربكها الانفصال والطلاق، إذ باتت على قناعة بأنها يمكنها أن تتدبر أمورها واحتياجاتها بدون زوج وأب للأولاد. ولكن في المقابل فإنّ عملها أمّن لها الاكتفاء المادي وأبعد عنها الحاجة ومنحها الشعور بالاستقلالية.
– إن الطلاق هو مشكلة اجتماعية وليس حلَّاً صائباً للمشاكل الزوجية لما له من آثار سلبية على المرأة لأن المجتمع يحملها مسئولية أكثر من الرجل في الطلاق، كما أنّ الطلاق يحدُّ مـن تفاعلهـا الاجتمـاعي ويجعلها تميل إلى العزلة والوحدة، والخوف من تكرار تجربة الزواج مرة أُخرى. كما أنها تعـاني مـن مكانة اجتماعية أقل من غيرها ما يؤدي إلى إصابتها بالاكتئاب والحـزن والقلـق وضعف الثقة بنفسها وبالآخرين.
-إن مختلف الأسباب المؤدية إلى الطلاق متداخلة وتكمّل بعضها البعض وإنَّ حصر الأسباب بموضوع واحد وتعميم النتائج على كل حالات الطلاق في المجتمع الدرزي غير دقيق لأن دراسة ظاهرة الطلاق التي تنتمي إلى العلوم الاجتماعية تخضع معاييرها إلى ما يسمى بالعلوم الإنسانية التي لا يمكن تقييم نتائجها إلّا من خلال النسبية، وعليه فكل حالة طلاق تختلف عن حالات أُخرى في المجتمع باختلاف أسبابها.
– أن الطلاق في حد ذاته عامل كاف لإحداث القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة والتعاسة عند المرأة بغض النظر عن أي متغيرات أخرى.
وفي الأخير يمكن القول إن فرضيات الدراسة قد تحققت، إذ تخضع ظاهرة فك الرابطة الزوجية إلى عوامل متداخلة في جوانب نفسية اجتماعية واقتصادية وثقافية، إضافة إلى التأثير السلبي للظاهرة على مستوى الصحة لنفسية لدى المرأة المطلقة.

تاسعًا: الطلاق مشكلة وليس حلّاً لمشكلة

«إنّ الشراكة الزوجية ما عادت مبنية على المرجعية والشريعة الدينية أو العادات والتقاليد التي كان من خلالها يتم احتواء المشاكل وحلّها، بل إن المرجعية الآن أضحت المنطلقات الشخصية للزوج أو الزوجة مع جهل بالحقوق والواجبات لكل طرف منهما يتمسك بمواقفه ولا يعرف أن يقدم تنازلات هذا ما قاله القاضي «فؤاد يونس» عندما سألناه عن رأيه في الأسباب المؤدية إلى ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشربن. وختم بالقول إن قضايا الأحوال الشخصية عند الدروز تواجه الكثير من التحديات في ظل غياب التربية للقيم العائلية والمجتمعية، فإلى جانب التعاليم الدينية والشرعية التي يجب تنميتها لدى أفراد المجتمع بكل ما يتعلق بالنكاح ومكافحة الطلاق، لا بدّ أيضا من مواكبة المتغيرات والبيئة المحيطة بدمج علوم الاجتماع والسلوك لتأهيل الأزواج وتمكينهم من مواجهة الصعوبات الحياتية وتغييب خيار الطلاق عن الحياة الزوجية لأن الإسلام منع الطلاق وحرمه وفي الأحاديث النبوية الشريفة خير بينة على ذلك ومن بينها: «وما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق» – «تزوجوا ولا تطلِّقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن».(35)

وأكدت على هذا الأمر المعاونة القضائية في محكمة بعقلين بأن المجتمع الدرزي يعاني في يومنا هذا من اضطرابات وخللٍ في مكوناته البنيوية وفي العلاقات والتواصل داخله، ويعاني من غياب تقاسم الأدوار بين الأب والأم وحتى الأولاد، وعدم استعداد أي طرف للتحمل والمعاناة والصبر وتقديم التنازلات من أجل الحفاظ على استمرارية العائلة، إذ يُلاحَظ اتساع ظاهرة الطلاق حتى لدى العائلات التي تضم أولاداً.

وأضافت: «لقد بات السائد في العلاقات الأسرية تفضيل الفردانية والمصلحة الشخصية على المصلحة الأسرية العامة، كما يلاحَظ تعزيز الأنانية لدى الفرد، سواء الزوج أو الزوجة، وتفضيل تحقيق الذاتية والمصلحة الخاصة حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الأسرة عامة والأولاد، ويُلاحظ عدم التفاني أو الاستعداد للتضحية في سبيل الاستقرار وتجاوز الخلافات من أجل الحفاظ على إطار العائلة».

بناء عليه يمكننا اعتبار الطلاق من أخطر المشاكل التي تهدد كيان الأسرة وما يثيره من مشاكل واضطرابات عاطفية لدى أفراد الأسرة جميعا ً، ولعل تعديل الخلفية الثقافية الاجتماعية للبيئة تجاه النظرة للمطلقة هو الدور الأهم والبالغ الصعوبة؛ إلا أننا نختم هنا، بحتمية استعادة التكامل الأسري، للمجتمع الدرزي بتدخل دور الأهل في التقليل والتخفيف من وطأة هذه المعاناة القاسية، من خلال مساندة المطلّقة معنوياً ومادياً،، مع ضرورة احتوائها نفسياً وعاطفياً بالتفاهم والحنان والحب حتى تتمكن من إعادة ترتيب أوراقها، وهو الأساس الذي تحتاجه لتنهض من جديد أشد قوة وأمضى عزماً، إضافةً إلى ضرورة تفهُّم الوالدين والأسرة لابنتهم المطلقة، ومعاونتها لتعيد صياغة حياتها من خلال الدراسة أو العمل مباشرة في حياة أبنائهم عند وقوع أي خلاف أسري، يمكن أن يتسبب بحدوث الطلاق، كون مهما كان الطلاق حلاً جذرياً، فإن المشاكل تبقى هي الأصعب لكلا الطرفين، من هنا فإن التشتت والضياع يشكل حالة إنسانية يصعب تجاوزها، ولا سيما على الأبناء في حال وجودهم .وننوِّه بالاختيار الجاد القائم على العقل والقلب في آن ٍ معاً، قبل إقدام الشاب أو الشابة على الزواج، إذ إنَّ الاختيار الصحيح هو أول حجرة أساس لبناء أسرة متماسكة، لما يساهم بالتفاهم والحوار والاحترام بين الطرفين، وهذه المبادئ تشكل عوامل هامة لاستمرارية الزواج رغم الخلافات الزوجية التي لا بد من حدوثها بشتى الوسائل.


المراجع:

1- هو أحد أقضية محافظة جبل لبنان الستّة، يشكل مجرى نهر الدامور حدوده الشمالية، ومجرى نهر الأوّلي
حدوده الجنوبية.2- حنانيا المنير، الدُّر المرصوف في تاريخ الشوف، دار الرائد اللبناني، بيروت، 1984، ص
30.
2- أنظر الملحق رقم (1): تابع ملخص بعقود الزواج والطلاق منذ 7/11/ 1967لغاية 31/12/2018.
3- معدل الطلاق بالنسبة للزواج = عدد حالات الطلاق في سنة ما / عدد حالات الزواج في نفس السنة × 100.
4- موظفة في أمانة سر المحكمة في بعقلين.
5- أنظر الملحق رقم (3).
6- أنظر الملحق رقم (2) الاستمارة.
7- أنظر الملحق (3).
8- انظر الملحق (3) الجدول رقم (19).
9- نظر الملحق (3) الجدول رقم (17).
10- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (18).
11- قانون أحوال شخصية الجامعة اللبنانية، التشريعات – شوهد بتاريخ 29-6-2019. موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية على الرابط: http://www.legallaw.ul.edu.lb/Law.aspx?lawId=258196
12- المصدر نفسه قانون الأحوال الشخصية.
13- أنظر سجيع الأعور- الاحوال الشخصية الإسلامية والمسيحية د.ط الجزء1أيار 2016 ص 144.
14- أنظر سجيع الأعور مرجع سابق ص 144.
15- أنظر الملحق (3): الجدول رقم (2).
16- أنظر الملحق رقم (3) الجدول رقم(14).
17- النشوز: لفظ يعبَّر عنه شرعاً عن امتناع الزوجة عن القيام بحق زوجها وطاعته في غير معصية الله
كأن تخرج من بيت زوجها دون إذنه لإسقاط حقها بالمهر المؤجل…).
18- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (13).
19- أنظر الملحق (3) الجدول رقم: 12.
20- أنظر الملحق (3) الجدول رقم : 7.
21- أنظر الملحق (3) الجدول الإحصائي رقم (14) قرارات الطلاق بين 2014 و2018 في محكمة بعقلين.
22- – د. أميرة أحمد حسن قرشي / د. محمّد أمين أحمد الأمين. الطلاق وآثاره النفسية والاجتماعية على الرابط: شوهد بتاريخ 1-7-2019 على الرابط: tasil.uofq.edu.sd/wp-content/uploads/2017/…/الطلاق-وآثاره-النفسية-والاجتماعية.pdf
23- أنظر الملحق (3): الجدول رقم (10).
24- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (1).
25- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (17).
26- مرشدة إجتماعية في المحكمة المذهبية في عاليه.
27- أنظر الملحق 3 الجدول رقم( 5).
28- أنظر الملحق (3): الجدول رقم( 4).
29- أنظر الملحق (3): الجدول رقم (8).
30- أنظر الملحق (3): الجدول رقم (6).
31- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (9).
32- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (3).
33- أنظر الملحق (3) الجدول رقم (11).
34- البيِّن: شرعاً: الخطأ.
35- سجيع الأعور مرجع سابق ص 142.

الممارسات اليومية للكفاءات الوالدية

تربية الأبناء هي عملية سهلة، ولكن هي في الوقت نفسه صعبة ودقيقة، لذا فإنّ نظرتنا للأشياء تختلف، فكلّ شخص ينظر لها بطريقته، لذا من الضروري اتّباع أساليب صحيحة وإيجابية تحقق مصلحة طفلنا وتعطينا نتائج مثمرة لمدى تفهمنا لعالم طفلنا الخاص، والوقوف الدائم عند مصلحته وتحقيق ذاته وقبولة وعدم نكرانه خاصة إذا كان من ذوي الاحتياجات الخاصة.
هنا سنقوم بالتركيز على أهمية الرعاية الإيجابية لأطفالنا… وننطلق من الأمور التالية:

1-الاحترام: وهي عملية قبول طفلنا بسلبياته وإيجابياته والنظرة له بطريقة إيجابية تعزّز ثقته بنفسه وإحاطته بالحنان والعاطفة الدائمة.

2-الإعجاب: من الأفضل والمناسب أن أحرص على نظرة الإعجاب لطفلي من حيث نظراتي المُفعمة بالحب وأسلوبي الهادئ والمرن الذي يتكيّف مع قدراته وإمكانيته ولا أُشعره بأنَّه مختلف عن الأطفال الذين من عمره وبأنّه أقل درجة منهم وأؤكّد له شدة إعجابي به من خلال تصرّفاتة اليومية معه دون إحساسه بالملل والنفور والإهمال وأنه عبء خاص في حياتي بل إنّه مثل كل الأطفال.

3-الحب غير المشروط: من الضرورة أن أتصرّف مع طفلي بكامل المحبة والاحترام والإعجاب وإنّي دائما أحبه، ولا أربط سلوكياته غير المرغوبة بموضوع حبّي الدائم له، بل هنا ضرورة الفصل لكي أعطي مجالاً واسعاً لطفلي للعمل على اتّباع السلوك الصحيح ودرجة استيعابة والمقارنه مع السلوك غير المرغوب الذي يجب التخلّي عنه لأنه غير مناسب ولا يتقبّله الآخرون

4-التوازن: من المناسب أن تكون عملية تربيتنا للأبناء تضمن التوازن بشكل أن لايشعر الطفل أنه هُدِر حقُّه وأنّه يوجد نوع من التردد والتراجع بالتعامل معه لذا يجب الاستقرار على رأي واحد ومشترك بين الأبوين من أجل اكتساب الطفل المهارات المميّزة من حيث:
قانون التفريق وقانون التركيز.
لذا نفرّق بين السلوك والطفل، بدل اللوم نعطيه التوجيهات والنصائح، والتوجيه ليس التوبيخ وغيرها.
أيضا قانون التركيز وهو أن ننظر إلى سلوك الطفل الذي اتبعه وليس إلى شخصه وكيانه ونقوم بالإرشادات الصحيحة حول عدم إمكانية تكرار هذا السلوك غير المرغوب الذي لا يجوز التصرف به.
لذا من الضرورة أن يتطلّب طفلنا الوقت الكافي، والتكلّم معه بمواضيع متنوعة يحبّها…. ونقدم له خيارات يحبها، ونفتخر به أمام الآخرين، ونشجعه دائما على قيامه بتصرفات جميلة ونعتزّ به ونقدم له الدعم لأن معظم تصرفات أطفالنا هي ردّات فعل على ما يحصل أمامهم وإضافة احترام خصوصيته، والمراقبة الصحيحة، خاصة إذا كان يعاني من صعوبات معيّنه، فندخل على حياته بنوع من المشاركة.
مثلا تعال نلعب سوا، أو نحضر tv.فهنا تأثير هذه التربية المتّبعة يساعد طفلنا على اكتساب القيم وآلية التصرف بمحبّة ولطف، وانظر لطفلي بأنه سيكون رجل الغد، بذلك أعزّز الثقة بنفسه.

5-التربية بالاقتداء والحب غير المشروط.
– الاهتمام والتشجيع.
– القربى توحي بالرحمة.
– لمسة الجبين توحي بالفخر والرضا.
– لمسة الجبين قبل النوم توحي بالتهدئة.
– الخَدّين: الشوق.
– كل هذه السلوكيّات من ضَمّ الطفل واحتضانه ولمسه ترفع الحب عند الطفل بشكل كبير.
– عناق الأم لطفلها تغني عن.13 جلسة تربوية.
– ضمّه 4 مرّات / المحبة.
– الضمّة 8 مرّات الوقاية من الصّدمات.
– الضمة 12 مرة الإبداع.
– الضمّة 20 مرّة عبقري.
فاحتضان الطفل عمليّة ترفع من معدلات الأوكسجين وتعمل على ارتخاء العضلات تعالج الشعور بالوحدة والقلق والتوتّر والغضب.

6-التوقّع: من المعروف أنّ توقعات الأهل تجاه أبنائهم، وتصوراتهم غير مناسبة للواقع، لذا يُفضّل أن لا نرفع سقف التوقّع، ولا أن نخفضه، لكيلا نشكل أزمات متوالية لأطفالنا، بل علينا إدراك مستوى قدارتهم وتقديرها من حيث الاهتمام والتشجيع والمدح على التميُّز والمقارنة مع غيرهم فلا نركز على الفشل، بل على مساعدتهم لإعطاء المزيد من الجهد والمحاولة، لا التحطيم والإهمال، وأن نغرس بهم أيضا التعاطف مع الناس، وتقديم المساعدة إذ يتطلب الأمر ذلك.

7-الصداقة: أنا أجد بطفلي الصديق الذي استرجع أنا وهو الذكريات الجميلة وأحترم نبله وأقوم بالتحدّث إليه بنوع من الاعتزاز والتقدير.

8-الإنجاز: طفلي كما هو، ما يستطيع إنجازه ويتناسب مع ميوله وقدراته، أُقَدِّر هذا الأمر وأتبنّاه، لا أرفض، ولا أنظر له كما أنا أرغب وأتمنى. هنا يشعر الطفل بعجز، لذا يجب التكيُّف معه كما هو، وهو طفل مميز ويستطيع أن يقوم بأعمال مهمّة وجيّدة في الحياة.
مستقبل الأمم مرتبط بمستقبل الأبناء.

علِّم طفلك باللعب والتوجيه فالحب يصنع المعجزات.

أَهمُّ أحداث السّنة المُنصرمة، 2020

1- كان الحدث الأبرز سنة 2020 في العالم بأسره هو الانتشار السريع لفيروس كورونا (كوفيد المستجد 19)، وكان بدأ في كانون أول 2019 في مقاطعة ووهان الصينية، ومنها غزا بلدان الكوكب قاطبة، تاركاً حتى مطلع العام الجديد تسعين مليون إصابة، ومليوني ضحيّة، ولم يكن لبنان وبلدان عربية عدة بمنأى عن ذلك، بل إن أرقام الإصابات والوفيات سجّلت نهاية العام المنصرم أرقاماً قياسية في لبنان تجاوزت الـ 2000 يومياً.

2- في نيسان 2020 صنّفت منظمة الصحّة العالمية WHO فيروس كورونا باعتباره «جائحة عالمية خطيرة»، وجرى اعتباره كذلك، نظراً لما تسبب به من إصابات ووفيات وشلل في قطاعات الاقتصاد العالمي وتراجع خطير في معدلات النمو وإغلاقات وبطالة وإقفال الجامعات والمدارس لأشهر عدة.

3- وكان الحدث المقابل الإيجابي توصُّل شركات عدة بدءاً من كانون أول 2020 إلى إنتاج لقاح مضاد للكورونا من مصادر عدة يقول أصحابها إنّها ناجعة بنسبة تفوق 90%؛ وقد أجيزت من عدد كبير من البلدان وجرى البدء باستخدامها في الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا وبلدان عربية عدة.

4- في شهر أيار اشتعلت شوارع مدن أميركية عدّة بتظاهرات يومية عنيفة احتجاجاً على مقتل رجل من أصول إفريقية جورج فلويد (46 عاماً) على أيدي رجال الشرطة وبطريقة بشعة وذلك في مدينة مينابوليس في ولاية مينوسوتا الأمريكية وكان شعار الاحتجاجات «أرواح السود مهمّة أيضاً»، أقيل بعدها 4 ضباط شرطة متّهمين بعملية القتل.

5- في شهر تموز أعلنت إثيوبيا اكتمال المرحلة الأولى من عملية ملء «سد النهضة» على منابع النيل في إثيوبيا ما استتبع احتجاجات شديدة من مصر، لما للنيل من أهمية مطلقة لحياة المصريين وإنتاجهم الزراعي، وبدأت بعدها جولات مفاوضات لاحتواء الموقف وعدم الوصول إلى التصادم العسكري.

6- في شهر آب (الرابع من أب) حدث انفجار مئات أطنان نيترات الأمونيوم المخزنة منذ سبع سنوات على نحو مشبوه في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت. دمّر الانفجار الهائل (الذي عُدّ الثالث من نوعه بعد الحرب العالمية الثانية) منشآت المرفأ وأجزاء من العاصمة بيروت وتسبب بمقتل 200 شخص وجرح 6000 آخرين، وقد تلا ذلك زيارة الرئيس ماكرون للبنان لتقديم ما يلزم من مساعدات. ولا يزال التحقيق بعد 5 أشهر عاجزاً عن جلاء أسباب ما حدث.

7- في تشرين أول 2020 اندلعت في لبنان وسوريا مئات الحرائق أتت على آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية.

8- في تشرين الثاني 2020 فاز جوزف بايدن على دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية الرئاسية.

9- إستقالة حكومة الرئيس حسّان دياب بعد أيام من إنفجار 4 آب، ثم مراوحة لأسابيع، وبعدها مشاورات نيابية وتكليف سعد الحريري مهمة تشكيل الحكومة العتيدة. ولكن العام المنصرم أقفل على 14 لقاء بين الرئيسين الحريري وعون من دون إعلان الحكومة الجديدة.

10- استمرت في العام المنصرم وقائع انتفاضة 17 تشرين أول الشعبية، احتجاجاً على تردِّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولكن من دون أن يتاح لها أن تؤتي النتائج المرجوّة منها.

11- ويبقى الحدث الأكثر خطورة المستمر والمنتقل كما يبدو للعام الجديد هو الانهيار الكارثي في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، من 1515 ليرة إلى حدود 12000 ليرة (اليوم)، ما تسبب بانهيار مداخيل أكثرية اللبنانيين، وارتفاع جنوني في الاسعار دون رقيب أو حسيب، بالترافق مع حجب المصارف لودائع زبائنها بالعملات الأجنبية، من غير وجه حق، مدمرة سمعة القطاع المصرفي اللبناني وودائع الزبائن في آن معاً.

هذا غيض من فيض، نأمل أن يتبدّل كلّه في العام الجديد، بإذنه تعالى، لما فيه مصلحة اللبنانيين والعرب والبشرية بأسرها.

الغلاءُ الفاحش “مقصلة” تقضُّ مضاجع أهالي الجبل

ثقيلةٌ كانت سنة 2020 على اللبنانيّين وعلى الصُّعد كافة، بدءًا من انهيار الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، وتلاشي المنظومة المصرفية والاقتصادية، مرورًا بالتحركات الشعبية والاشتباكات في الشارع، وصولًا إلى جائحة كورونا، واشتداد حدّة الأزمة المعيشية وتدهور القطاع الصحي والاستشفائي. ولعلّ الغلاء الفاحش بأسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية، وحتّى المواد الأساسية من طحينٍ وخبزٍ وحبوبٍ وغيرها، دقّ ناقوس الخطر وأثار قلق المواطنين من بلوغ مستوياتٍ حرجة تنذر بالجوع والعوز، بعد ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة.

فمنذ العام 2019، يستفيق الشعب اللبناني على سؤالٍ دون سواه، لا يتعدّى الكلمات الثلاث، «بِكَم الدولار اليوم؟». سؤالٌ يختصر واقع الحال في وطنٍ تحوّلت معه العملة الصعبة إلى «مقصلةٍ» تقضّ مضاجع الفقراء وتهدّد قوتهم اليومي، لا سيّما بعد رفع الدعم عن عددٍ لا يُستهان به من الأصناف، ولعلّ آخرها وليس أخيرها طحين المعجّنات، بما يحمله من احتمال أن تصبح «منقوشة الصباح»، حكرًا على الميسورين، حالها حال المأكولات والأطباق الفاخرة.

أصناف أساسيّة يتمّ الاستغناء عنها

وفي جولةٍ لمجلة «الضّحى»، على عددٍ من المدن والقرى في منطقة الجبل، يتّضح حجم الركود الاقتصادي والصعوبات المعيشية. ففي بلدة قبّيع، يقول صاحب ملحمة و «ميني ماركت الشيخ»، الشيخ طلال سنجد: «تأثرنا جميعًا، كتجّار وزبائن، بارتفاع سعر صرف الدولار وما خلّفه من ارتفاعٍ في أسعار المواد والأصناف الغذائية، فنحن نبيع اللّحوم والخضار والفواكه، ولم يعد بإمكان المواطن تأمين الطعام والشراب لعائلته، كما كان سابقًا. المعاناة كبيرة والشكاوى كثيرة، حيث يضطرّ البعض أحيانًا إلى ترك أصنافٍ أساسية والاستغناء عنها، رغم حاجته لها، ما أدّى بدوره إلى تكدّس بعض الأصناف، علمًا أنّنا لا نتوانى عن الوقوف بجانب كل محتاج من خلال التساهل في دفع قيمة مشترياته لاحقًا عندما تتيسّر أموره، وذلك حرصًا منّا على أهميّة التضامن الاجتماعي».

ويشير الشيخ سنجد إلى أنّ «المواطنين لجأوا هذه الفترة إلى استهلاك الأصناف الأساسية فحسب، مثل البطاطا والبندورة والبصل والملفوف والزهرة (القرنبيط)، رغم ارتفاع أسعارها أيضًا، في حين استغنوا عن الفواكه واللّحوم وغيرها الكثير».

التكافل مع أهلنا التزامٌ أخلاقي عنها

وفي بلدة القرَيّا المتنية، يردّد صاحب «سوبرماركت ضو»، أنور ضو، قوله: «مش معروف كيف بدنا نشتغل، شي بيطلع الدولار شي بينزل»، لافتًا إلى أنّهم ملزمون بخفض الأسعار عندما يتراجع سعر صرف الدولار، في حين يشترون البضائع على السعر المرتفع، ما يلحق بهم الخسائر، «غير أنّ ضميرنا والتزامنا الأخلاقي تجاه أهلنا ومجتمعنا، يحتّم علينا التكافل والتكاتف معهم، فمَن لا يشعر مع الناس لا يكون من الناس».

ضو، الأب الذي يكافح لتأمين لقمة عيش أولاده وعائلته، يؤكّد أنّ «حركة البيع خفيفة والقدرة الشرائية معدومة في كثير من الأحيان»، ويختم بدعاءٍ يرجو عبره أن يعينه الله ويعين جميع اللبنانيّين على اجتياز هذه المرحلة العصيبة.

نقاتل من أجل الصمود

من جهته، يروي صاحب مؤسّسة عبيد، بفرعيها في عاليه وقبرشمون، الشيخ عادل عبيد، كيف ثابروا على الالتزام بنسب أرباحٍ ضئيلة على كل الأصناف الغذائية والاستهلاكية. ويقول: «حرصنا بدايةً على تحمّل الفرق في سعر صرف الدولار، ولم نغيّر الأسعار، بل قمنا ببيع كل الأصناف الموجودة لدينا وفق السعر القديم. غير أنّه، ومع الارتفاع اليومي للدولار، لم يعد بقدرتنا تكبّد الأعباء، لا سيّما أنّنا نتعامل مع نحو 22,500 نوع، ونواجه تحديّات جَمّة مع الشركات، بينها مَن يريد ثمن البضائع بالدولار، وغيرها مَن يقبل الدفع على سعر صرف 1515 ليرة لبنانية بعد أن رفع أسعاره، وشركات حدّدت الدولار بسعر صرف 5000 ليرة».
ويشير إلى أنّ «الزبائن لا ترحم أيضًا، حيث تهافت العديد منهم على الشراء بكمياتٍ كبيرة، ما أدّى إلى نفاد أصنافٍ عديدة كنّا نبيعها على السعر القديم، واضطررنا إلى شرائها بسعرٍ مرتفع. واقعٌ حتّم علينا البيع بخسارة، حيث لا يمكننا اللحاق بالدولار ولا بالشركات. فلقد زادت حركة البيع، لكنّنا ندفع ما نجنيه للتجّار».
«نقاتل من أجل الصمود»، يتابع الشيخ عبيد، مبديًا خشيته من «صعوبة استمرار المؤسّسة على المدى البعيد، غير أنّنا اتّخذنا سياسة جديدة تقوم على زيادة حجم البضائع وتفادي انقطاع أي صنف، لكن إلزاميّة الدفع بشكل نقدي للشركات، أزمة تستنزفنا لدى شرائنا كميات كبيرة على وجه الخصوص، ذلك بعد أن توقفت الشركات عن تلقّي الشيكات المصرفية بالدولار، علمًا أنّ أموالنا بالعملة الصعبة محجوزة ومجمّدة في المصارف». وإذ يكشف أنّهم يتعاملون مع الوكيل بشكلٍ مباشر، وليس من تاجرٍ إلى تاجر، يقول: «نبيع كل الأصناف المدعومة، لا نخزّن أو نحتكر كما يفعل البعض».

المعاناة كبيرة

ينسحب الواقع الأليم على أصنافٍ أخرى بينها الحلويات والمكسرات والبزورات، حيث يتحدّث صاحب محمصة «المدينة» – فرع قبّيع، أيمن شميط، عن «معاناةٍ كبيرة، لا سيّما أنّ المحمصة تُعتبر من الكماليّات. كان يشتري الزبون كيلو بزورات مثلًا، أمّا اليوم فبات يشتري «وقيّة»، كان يشتري القلوبات (فستق حلبي وكاجو ولوز وغيرها)، ولم يعد اليوم قادرًا على ذلك. كنّا نبيع أسبوعيًّا نحو 50 كيلو «قلوبات»، أمّا اليوم فلا نبيع الكيلو طيلة الأسبوع».

الأب لولدين، يأسف كون «هذه التجارة قد تضرّرت بشكلٍ كبير، إذ بين يومٍ وآخر تتغيّر الأسعار، ما دفعنا إلى بيع أصنافٍ جديدة، مثل الحبوب والأرز والسكر والخبز وكل شيء. أمّا الصنف الوحيد الذي بقي صامدًا فهو البن، كون الزبائن لم تستغنِ عن فنجان القهوة، لكن كل ما تبقّى انتهى وتلاشى».

لا طاقة لأحدٍ على التحمّل

«لم تعد للمئة ألف ليرة على سبيل المثال أيّ قيمة»، يقول المواطن مشعل زين الدين، «فأنا أعمل في مجال المقاولات، غير أنّ أعمالنا متوقفة اليوم، وإنْ عَمِلنا فلا نحصل على أتعابنا إلّا بعد فترة طويلة، كون الجميع يعاني ضائقة اقتصادية».

ويضيف: «الغلاء فاحشٌ ولا طاقة لأحدٍ على التحمّل. حالنا حال الكثيرين، حيث بادرنا إلى تغيير عاداتنا الاستهلاكية وتدبير أمورنا بالتي هي أحسن. نركّز على شراء الأساسيّات رغم ارتفاع أسعارها أيضًا، مثل الأرز والسكر وغيرهما، واستغنينا عن الكماليّات التي كانت يومًا ما جزءًا أساسيًّا من نمط غذائنا اليومي. كما بتنا نعتمد على «المونة» المنزلية، علمًا أنّني دفعتُ كل ما كان بحوزتي لشراء المواد الأولية للمونة، علّها تسدّ حاجات عائلتي».

نعيش بالذلّ والتعتير

«ما من معيلٍ لنا بعد وفاة والدنا وشقيقتنا، ونحن نعيش بالاستدانة والذلّ والتعتير»، بحسرةٍ تختزل المواطنة عواطف أبي فرّاج، حالها وشقيقتها الثانية ووالدتها، وتقول: «والدتي (87 سنة) مريضة وقد خضعت لعملية جراحية منذ فترة، وأنا بدوري بحاجة لعملية جراحية، حيث أعيش على الأدوية، أمّا شقيقتي فتعاني كذلك من فقر الدم والكوليسترول».

وتضيف: «نعيش على المساعدات، فإذا التفت أحدهم إلينا، نشتري الأدوية والأصناف الغذائية والاستهلاكية الأكثر حاجة لنا، غير أنّ الكثير من الحاجات لا يمكننا الحصول عليها، ودائمًا نبحث عن الصنف الأرخص».

اجتماعيات