الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

لبنان الكبير: طبخة بَحصٍ

تختلف القراءات التاريخية حول إعلان تأسيس لبنان الكبير في 1 أيلول/سبتمبر 1920، وأصل الفكرة وفصلها: هل هي فعلا مجرد خريطة رسمها سايكس وبيكو، أم أن هناك ما وراء الخريطة، وناتج عن تراكمات وأحداث وموروثات؟ ومن هم «الأوائل» الذين لعبوا أدوارا رئيسة في تصور لبنان الكبير ونظامه الاقتصادي والسياسي، بمثل ما أسهموا بالدعوة والنضال من أجل قيامه؟

في دراسة نُشرت في كتاب «نشوء لبنان الكبير» (دار رياض الريس)، يروي المؤرخ والجامعي اللبناني، مروان بحيري، أنه في السنوات الهادئة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وفي بيئة سياسية منذرة بالسوء شهدها العقد الأخير من الإمبراطورية العثمانية، صدر كتاب في باريس للكاتب ل. م. جوبلان، عنوانه: «المسألة اللبنانية: دراسة في التاريخ الدبلوماسي والقانون الدولي (1908)».

وفي تحليله للتاريخ المتقلب لمتصرفية جبل لبنان، يقترح الكاتب إصلاحات واسعة، بما فيها زيادة هامش الاستقلالية بعيدا عن الإمبراطورية العثمانية، وإنشاء مؤسسات أكثر ديموقراطية، وحل راديكالي لأراضي الوقف الديني. وفوق كل ذلك، ضم أراض على الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية، بالإضافة إلى مدينة بيروت، وبذلك تكون مساحة المتصرفية أكثر ما تضاعفت.

نظر إلى المشروع كإعادة تكوين للبنان العصر الذهبي ـــ لبنان فخر الدين والأمير بشير، ضمن حدوده الطبيعية كما رسمت عامي 1861 و1863 في خرائط البعثة العسكرية الفرنسية إلى سورية. وكان على هذه التغييرات الواسعة أن تتم برعاية القوى الأوروبية العظمى، مع دور خاص محفوظ لفرنسا.

وقد تم الكشف عن هوية جوبلان بعد إحدى عشرة سنة. ففي آب/ أغسطس 1919، نشرت مجلة بيروتية «لا روفو فينيسيين» مقالا بعنوان: «المسألة اللبنانية: دراسة في الاقتصاد السياسي والإحصاء الوصفي»، كشف فيها الكاتب بولس، أو بول نجيم، أن جوبلان لم يكن إلا هو نفسه، وأن الاسم المستعار «م. جوبلان» كان إعادة ترتيب لحروف اسمه: بول نجيم.

مرة أخرى، وكما في العام 1908، دعا الكاتب لإحياء «لبنان العصر الذهبي»، لكنه سماه هذه المرة «لبنان الكبير» تحديدا، وذكر المصطلح مرتين في المقال، مستخدما في كلتا المرتين الخط المائل لإبرازه. ولعل هذه المقالة، الموقعة في جونية بتاريخ 10 تموز/ يوليو 1919، تشكل ـــ مع مقالة ألبير نقاش: «مستقبلنا الاقتصادي» التي نشرت أيضا في «لا روفو فينيسيين» (تموز/ يوليو 1919) ـــ أول ذكر موثق وعلني لـ«لبنان الكبير». ينظر بولس نجيم إلى كيان لبناني يضم الساحل وسهلي عكار والبقاع إلى متصرفية جبل لبنان.

أما الجدل الأهم والأكثر إثارة من الخريطة الجغرافية وضمّ الأقضية، فهو النقاش حول الخريطة الديموغرافية. ويتبين من خلال التمحيص أن هذا البلد «طبخة بحص»، وكل فريق يريده على مقاسه أو انطلاقا من هويته وامتداده الديموغرافي، وأن الانتداب الفرنسي كان يريد تلبية مصالح التابعين له.

في حوار له مع الكاتب صقر أبو فخر، يتحدث المؤرخ الراحل كمال الصليبي (والمفارقة أنه رحل يوم تأسيس لبنان الكبير) عن الخطأ الشائع القائل إن اتفاقية سايكس ــ بيكو هي التي أوجدت الكيان اللبناني. ويشير إلى أن «فكرة لبنان بدأت في رأس مجموعة من المسيحيين الكاثوليك، بمن فيهم الموارنة، في لبنان وسورية. ومن غرائب الأمور أن آباء لبنان ولدوا في الشام وعاشوا في الشام. لكن كان هناك ما يجمعهم، أي مسيحيتهم، وإنهم من الأثرياء الذين يطلق عليهم مصطلح «برجوازية». هؤلاء أقاموا مشاريع تجارية، وخططوا لإقامة بلد اسمه لبنان بالحدود المعروفة، وهي حدود أخذوها من خريطة رسمها الفرنسيون سنة 1861. الخريطة كانت خريطة الطوائف» كما يقول كمال الصليبي في الخلاصة.

ومع نهاية الدولة العثمانية، حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول/ سبتمبر 1920، حيث تم «إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي». ثم بعد ذلك تم إقرار الدستور، «فقامت هذه الجمهورية تجسد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية».

يتقاطع كلام الصليبي مع ما قاله المؤرخ فواز طرابلسي حول إعادة الاعتبار لدور الاقتصاد السياسي في نشوء دولة «لبنان الكبير» في أيلول/سبتمبر 1920 (نشوء لبنان الكبير، دار رياض الريس، بيروت). درج الحديث عن ذلك الحدث بالتركيز على تلبية رغبات المسيحيين والموارنة خصوصا، لبناء وطن قومي لهم في إطار تقسيم سورية على أساس طائفي وفقا لاتفاق سايكس ــ بيكو.

ويقول طرابلسي: أرفق غورو مرسوم إنشاء «دولة لبنان الكبير» بخريطة قدمت نسخة منها إلى عصبة الأمم. ويتبين من خريطة «لبنان الكبير» سنة 1920، التي وزعها الجيش اللبناني بمناسبة الاحتفالات بالمئوية، أنها مرسومة فوق خريطة العام 1862، بحيث تظهر من حوافها بعض معالم تلك الخريطة التي لم يؤخذ بها.

ويضيف طرابلسي: «الأمر الراجح أن الخريطة وتعديلاتها فرنسية المصدر، ويجوز الافتراض أن الخريطة التي حملها البطريرك الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس كانت موجودة أصلا في محفوظات البطريركية المارونية في بكركي. وما يثير السؤال هو الدور الذي لعبته البطريركية المارونية في تحديد معالم تلك الخريطة منذ الحملة العسكرية في العام 1860 وصولا إلى مؤتمر الصلح في العام 1919».

ومنذ البداية كان الجدل الأساسي حول الديموغرافيا والولاء والوطن النهائي وتشكل الهويات، وبالنتيجة من يحكم. وما حصل بالأمس حول تشكل لبنان الكبير يذكرنا بما يحصل في سورية الآن: انبعاث الهويات، والأكثريات والأقليات، وصراعات النفوذ.

ويقول طرابلسي: « لم يقف النزاع على خريطة «لبنان الكبير» عند نشرها رسميا في مرسوم الجنرال غورو. في العام 1921 دعا رئيس الوزراء الجديد أريستيد بريان إلى فصل طرابلس عن «لبنان الكبير» من أجل تأمين أكثرية عددية للمسيحيين».

«وتجدد السجال والمراوحة عشية صياغة دستور العام 1926، الذي كرس التمثيل الطائفي في الوزارة والإدارة، ولم يشمل التمثيل النيابي، لأن القانون الانتخابي قضى بانتخابات خارج القيد الطائفي في البرلمان، وتمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ».
خلال مداولات الدستور، أعلن «دو كيه» أن خطأ قد ارتكب في إدارة «لبنان أكبر مما يلزم»، مقترحا إعادة ضم طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع وعكار إلى سورية، على اعتبار أن فترة الاختبار أثبتت عدم ضمان ولاء المسلمين للكيان اللبناني.
وبعد سنتين من ذلك، قدم إميل إدّه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية تطالب بإنشاء «لبنان متوسط» يمنح فيه جبل عامل الحكم الذاتي، على غرار دولة السويداء في سورية، وتعاد عدة مناطق ذات أكثرية مسلمة من البقاع إلى سورية. واقترح إده أن تعلن طرابلس «مدينة حرة» تحت الإدارة الفرنسية، يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية، والمسلمون الجنسية السورية. هكذا تتأمن في «اللبنان المتوسط» هذا أكثرية مسيحية تصل إلى 80% من السكان، وتسمح بـ«حمايته»، حسب تعبير إده.

ولم يؤخذ باقتراح إده، فقد تجاوزه دستور 1926 الذي عيّن حدود لبنان.
ويسأل الكاتب سهيل القش في كتابه «المرآة المتكسرة (تشظي الكيان اللبناني): «كيف تم اختراع الشعب اللبناني؟ ويقول إن وعد بلفور عام 1917 الذي التزمت بموجبه الإمبراطورية البريطانية إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يتشابه في كثير من وجوهه مع الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريك الحويك بإقامة «لبنان الكبير» بهدف حماية الطائفة المسيحية المارونية! يتبين من ذلك أن الهدف في الحالتين، يكمن في اختراع أمة وشعب على مقياس كل من الطائفتين: إسرائيل للطائفة اليهودية، ولبنان الكبير للطائفة المارونية. وقد تكفل اللغط اللغوي الذي أعقب هذين الوعدين بالمزج بين مفهومي الطائفة والشعب. وبذلك استخلصت السفسطة الصهيونية حول المظلومية اليهودية، بأن الشتات جعل من اليهود شعبا بلا أرض، فوعدهم بلفور بإعطائهم أرضا سائبة لا شعب يقيم عليها».
يضيف: «أما في ما يتعلق بالطائفة المارونية، فقد وجدت في بداية الاستشراق الإيديولوجي الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من يطلق عليها «الموارنة»، الذين لم يتشكلوا كطائفة بعد، ثم سموا «الشعب الماروني» أو «الأمة المارونية». الصعوبة كانت تكمن في هذه الحالة في خلق لبنان مكبر أو كبير يتسع لإقامة شعب مسيحي، وذلك باقتطاع مناطق بأكملها من الجوار السوري أو «الجوف السوري»، وقد ترفض الالتحاق بالطائفة المارونية التي أطلقت على نفسها صفة أمة. ولكن الخطر الذي يهدد المشروع الفرنسي بإقامة دولة لبنان المكبر، إنما جاء من داخل الطائفة المارونية نفسها. فقد ثبت أن الحجج التي اعتمدها البطريرك حويك لإقناع كليمنصو بتكبير لبنان المتصرفية، كانت تستند إلى قابلية الدولة العتيدة للحياة، وهي لا تستقيم إلا بالمصادر الزراعية للمناطق التي وافق البطريك حويك مع كليمنصو على سلبها من سورية وضمها إلى جبل لبنان».

والنقاش الديموغرافي يأخذ بعدا آخر في كتاب «هذا الجسر العتيق: سقوط لبنان المسيحي 1920 – 2020» لكمال ديب، دار النهار، بيروت، فيقول: «فضل الموارنة ضم مناطق إسلامية ورفضوا ضم مناطق أرثوذكسية للمحافظة على الطابع الكاثوليكي للكيان الجديد. وكان الكيان الجديد قد بدأ يشهد تطورا نحو بناء مؤسسات الدولة، إلا أن العقبة الأساسية بقيت في كيفية استيعاب المسلمين. وذلك أن مواقف المسلمين السلبية من الكيان أدت إلى زرع بذور الشك في نفوس الفرنسيين وبعض القادة المسيحيين في إمكانية النجاح في ضم البقاع وطرابلس إلى لبنان. إذ توصل كبير ممثلي فرنسا في لبنان «دوكييه» عام 1928 إلى قناعة بأن أغلبية المسلمين لا تزال بعيدة عن أن تدين بالولاء للكيان الجديد، فاقترح ضم طرابلس وعكار والبقاع إلى سورية. خاف تجار بيروت أن يؤدي ضم طرابلس إلى سورية إلى تقوية طرابلس ومرفئها على حساب بيروت. وبعد صدور إحصاء 1932 قدم إده باسم عدد من حلفائه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية توضح أن عدد سكان لبنان الكبير هو 840 ألفا، منهم 405 آلاف مسلم، أي من دون أغلبية مسيحية راجحة. ويقترح أن تصبح طرابلس «مدينة مفتوحة» يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية وسكانها المسلمون الجنسية السورية، فيحذف 140 ألفا من مسلمي لبنان وتقتصر دولة لبنان على الجبل والبقاع وما تبقى من الساحل. وهكذا تعود نسبة المسيحيين إلى 80% من السكان. كما أن أفكارا لضم تلكلخ ووادي النصارى في سورية إلى لبنان رفضت، لأن هؤلاء كانوا من الروم الأرثوذكس، ما يجعل الميزان الديموغرافي لغير صالح الموارنة. ولم تلق أفكار إعادة رسم حدود لبنان اهتماما، إذ عارضها مسيحيون كثر وأبرزهم ميشال شيحا الذي لم ير مشكلة في النسب العددية للطوائف، بل نظر في مصلحة الاقتصاد وعلى أن التنوع الطائفي هو مسألة يمكن التعاطي معها. توجهات إده كرئيس للوطن عام 1936 كشفت أفقه الضيق، حيث شجّع الإرساليات الأوروبية، وتمسك بفكرة «القومية الفينيقية» التي عمل على إدخالها في مناهج التعليم مدعوما من شارل قرم الفرانكوفوني الذي اهتم كثيرا ببعث قومية لبنانية بتراث فينيقي».

 

هذا التقميش لمجموعة من الأفكار والمعلومات والتفاصيل حول تشكل «لبنان الكبير»، يُظهر أزمات البلد المزمنة، وتتجلى الأزمات بقوة في كل استحقاق سياسي، وفي موسم انتخابي، وكل قانون انتخابي، وفي الخوف من التعداد السكاني وشبح «الغرباء»… ومن خلال التمعن في ولاءات الجماعات اللبنانية، فـ»الهويات المزدوجة» كثيرة الحضور وتتغلب على شعار «لبنان أولا»، والتصدع الوطني يسهل من تدخلات الأغيار، الأعداء والأصدقاء والأشقاء، وتوغلهم وإطلاق مشاريعهم الانتحارية والتعسفية وجعلنا مجرد وقود.

صلاته الحبّ ودينه الإنسان «لبنان» يحتفي بزيارة البابا لاوون الرابع عشر

لم يكد دمع لبنان المنساب على المنازل المهدّمة بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه يبحث عن يد تمسح آلامه بفعل محبةٍ، تبعث فيه أمل الخلاص في آلام جلجلته، حتى كانت زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر التي استمرت ثلاثة أيام، من ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥ إلى ٢ كانون الأول ٢٠٢٥.
ثلاثة أيام تحمل في شكلها ومضمونها دلالات عدّة. فالحبر الأعظم بما ومن بمثّل، كأنّه يعلنها رعاية من الثالوث الأقدس للبنان، وكأنّه يقول في اليوم الثالث، يوم الثلاثاء، حيث الصلاة الصامتة على أرواح شهداء انفجار مرفأ بيروت والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية، إنّ للبنان قيامة، وإنّ لبنان قام حقّا قام!
زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر للبنان ليست مجرد زيارة بروتوكولية، أو جولة على دول الانتشار المسيحي في الشرق، أو للرعية المسيحية بشكل خاص، بل هي زيارةُ الأمل لكلّ بيت لبنانيّ، وزيارةُ المحبة لكلّ قلب أمٍّ وزوجة وابن وابنة وأب وأخ يبكون شوق الأحبة، وزيارةُ السلامِ لكلّ روحٍ تتوجّع، وزيارة الرعاية لكلّ من قال «أنا لبنانيّ» بعد أن أصبح اللبناني في مواجهة العواصف التي تضرب المنطقة أشبه بيتيم ينتظر على قارعة الطريق أن يستيقظ أبواه من سكرات الموت، ويُعلناه كائناً قابلاً للحياة، والرغد، والفرح، والنمو، والمحبة، والسلام.
هذه الزيارة تعلن أنّ لبنان دوماً في قلب كلّ حدث، زمنيّ كان أم روحيّ، وتؤكد أنّ لبنان ليس بالمنسيّ…
هكذا هي هذه الزيارة المباركة التي أكّدت على الشراكة الروحية بين أطياف المجتمع اللبنانيّ كافة، وَصَلَّت للجميع من دون تفرقة أو تمييز.
هذه الشراكة الروحية كانت الكلمة الموضوع التي أطّرت لقاءات الحبر الأعظم بالمرجعيات الروحية بشكل خاص، والدعوة إلى الحوار البنّاء بين اللبنانيين، وتدعيم دور لبنان كمنصة تلاقٍ وتفاهمٍ بين الأديان. وهي المحور الذي انطلقت منه كذلك كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى الذي شدد في استقباله الحبر الأعظم على أنّ النور لا بدّ أن يغلب الظلام، وأن لبنان لا بدّ أن يبقى متمسكاً بالشراكة الروحية بين أبنائه، حيث الوحدة ضمن التمايز والتنوّع- الشراكة الحقيقية التي تُبنى الأوطان على قاعدتها الأخلاقية ومفادها أنّ كل عائلة روحية تحمل مسؤولية الحفاظ على عائلتها الشريكة في الوطن.
من هنا، وضع صاحب السماحة زيارة البابا لاوون الرابع عشر في باب الدعوة «إلى ما هو أسمى»، الدعوة إلى فتح أبواب الرحمة والمحبة، الرحمة الإسلامية والمحبة المسيحية. وكأنّه بذلك يقول، في لبنان، إنّ الإسلام يعانق المسيحية، ويتكاملان، إذ لا رحمة من دون محبة، ولا محبة من دون رحمة. ولبنان لا يحيا في محبة بلا رحمة، ولا في رحمة بلا محبة. وصوت يبقى المحبة- كما عبّر صاحب السماحة- أقوى من أصوات الحروب والفتن.
«فلبنان يمكن أن يكون النموذج الأرقى للتنوّع في الوحدة، إذا ما أحسّنا فهمه، واستفدنا من غنى مكوّناته، وإذا ما احترمنا خصوصية بعضنا بعضاً… نحن على يقين بأنّ وطننا لا يُبنى إلاّ على قاعدة أخلاقية ذهبية تقضي بأن تُُحافظ كل عائلة روحيّة على شريكتها في الوطن، وبأنّ اجتماعنا معاً، مسلمين ومسيحيين، قادرٌ على إحداث بارقة أمل في هذا الجو القاتم من حولنا… .»
وبهذا اليقين الذي يؤكد هذه الوحدة التي يراها صاحب السماحة في الإنسان، والأديان، وقلب لبنان -جبل لبنان الذي قام بتآلف أبنائه، وعضدهم لبعضهم، وعزم إرادتهم، على الرغم من الصعوبات التي عرفها جبل لبنان عبر تاريخه- بهذا اليقين، وفي اللقاء الخاص الذي جمع بينهما، توجّه صاحب السماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى لصاحب الغبطة البابا لاوون الرابع عشر، مؤكداً على الشراكة الروحية، وأهميتها في خضم المآسي الإنسانية التي تعصف بالمنطقة من غزة إلى سوريا ولبنان، وعلى دور الحبر الأعظم الحيوي والأساس في تدعيم السلام، ونصرة الإنسان.
كما شدّد سماحة شيخ العقل على هوية لبنان «التنوّع»، الذي فيه – والقول هنا لسماحته- «غنًى ورحمة».
وكأن سماحته بقوله هذا يصِلنا بقول الله في كتابه الحكيم: «جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات.١٣) حيث يتجلّى لبنان بهذا التمايز الغنيّ والألفة، التي لم تبددها الأحداث المختلفة، بل تتجلّى في وقوف اللبنانيين جنباً إلى جنب عند كل مفصل رغم الاختلافات.
من ناحية أخرى، وفي تأكيد على هذه الرؤية عند صاحب السماحة بما ومن يمثّل، عرّج سماحته في كلامه للحبر الأعظم على هذه العلاقة التاريخية بين الموحدين في جبل لبنان والمسيحيين، وقد أرسوا ركائز العيش المشترك يوم كان الموحدون أمراء الجبل ووَفَوا أمانةَ روما، وعندما وقعوا المصالحة بعد الحرب الأهلية ورَعُوها على المستوى السياسيّ والشعبيّ، في ترجمة تصبّ في «المصالحة» التي دعا إليها الحبر الأعظم.
بل ورأى سماحة شيخ العقل الشيخ الدكتور سامي أبي المنى أنّ هذه المصالحة إنّما تقوى وتنمو وتستمر بتحويلها من مصالحة روحية وشراكة، إلى شراكة وطنية واقتصادية تنموية، تخدم كلّ محتاج، وتثبّت اللبنانيّ في أرضه.
زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر ليست محطة عابرة، بل محطة فيصل أعادت للبنانيين عبقاً من أريج حريّة يتوقون إليها، وبرداً من سلام يشتاقون إليه، وأملاً من أمنٍ يتوقون له، و«مسحةً» من يدٍ بركةٍ تنقلُ لبنان من عهدٍ إلى عهد لا كفر فيه بل إيمان بوحدة الإنسان، حيث الصلاة حب يصدق فيها القلب…
«صلاتنا الحبُّ» عنوان لأبيات اختارها سماحته لتختصر رؤية مشيخة العقل والموحدين، وتكون هدية للحبر الأعظم بريشة من ذهب على جلد غزال…
صلاتنا الحب
صلاتُنا الحبُّ، إن نصدُقْ به، ارتفعتْ
بنا إلى رحمةٍ، لم تُخطِئِ الهَدفـا
أفي الكنيسةِ، أم في مسجدٍ صَدحتْ
أم لحنُها في خلوةِ التوحيد قد عُزِفا
لا فرقَ كيفَ عَلَتْ أو أين قد رُفعتْ
  وأيُّ قلبٍ بها قد فاضَ مُرتجِفــا
كلُّ القلوب تلاقـتْ عند خالِقهـا
أمّا الخلاصُ فبالإخلاصِ قـد قُطِفا
كلُّ   المذاهبِ نحوَ الحقِّ ذاهبــةٌ
فلنَتّـقِ اللهَ في إنسانِنـا، وكفـى

من النمو الاقتصادي الى التنمية المستدامة: دراسة مقارنة

تشغل مفاهيم النمو والتنمية بالإضافة الى التنمية المستدامة حيزاً واسعاً في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية، لما لهذه المفاهيم من أهمية في مسارات تطور الدول ورفاه شعوبها، ولا سيما منها الدول النامية التي تعاني شرائح واسعة من مجتمعاتها من الفقر والهشاشة الاقتصادية (Todaro & Smith, 2015). وقد هيمن، لفترة طويلة، مفهوم النموّ الاقتصادي ذو البعد الكمي على هذه الأدبيات، بوصفه المؤشّر الأساسي للتقدّم والتنمية الاقتصادية (Solow, 1956).

غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وتداعيات النمو والتنمية على البيئة، أفضت إلى بروز مفهوم التنمية المستدامة باعتباره الإطار الأشمل (WCED, 1987)، لما يتضمنه من أبعاد متكاملة تشمل البعدَ البيئي، بالإضافة إلى الجوانبِ الاقتصادية، والاجتماعية، والتقنية، والثقافية. وعليه، لم يعد النمو الاقتصادي، بمقاييسه الكمية وحدها غاية بحد ذاتها، بل أضحى وسيلة ضمن مسار تنموي أوسع (Daly, 1996)، تُشكِل فيه التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً وأكثر شمولاً مقارنة بمفاهيم النمو والتنمية التقليدية.

 

مفهوم النمو الاقتصادي

يُعرَف النمو الاقتصادي (Economic Growth) بأنه الزيادة التراكمية في حجم الاستثمار الصافي، المقترنة بالتقدم التقني الناتج عن اعتماد الآلات والتقنيات الحديثة، إلى جانب تنمية مؤهلات اليد العاملة والارتقاء بكفاءتها. ويهدف إلى زيادة الإنتاجية والتوسع في القدرات الإنتاجية وزيادة إنتاج السلع والخدمات، خلال فترة زمنية معينة لتلبية احتياجات الأفراد في المجتمع (Romer, 1990).

وغالباً ما يتطلب النمو الاقتصادي استخدام موارد طبيعية في معظمها غير متجددة (Unrenewable resources)، ويستلزم أنشطة إنتاجية وخدماتية غير صديقة للبيئة، كما يخلّف مخرجات قد تترتّب عليها آثار سلبية بيئياً، الأمر الذي يرفع من كلفة النمو على المدى القصير، ويهدّد على المدى البعيد استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة (Daly, 1996).
ويُستدل على تحقق النمو الاقتصادي في بلدٍ ما من خلال الزيادة التي تطرأ على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الكمية (Quantitative Economic Indicators)، وفي مقدمتها الدخل القومي الإجمالي (PNB)، والناتج المحلي الإجمالي (PIB)، على أن يفوق معدل نموها معدلات النمو السكاني من ناحية والتضخم من ناحية ثانية، كي ينعكس تحسناً فعلياً في متوسط الدخل الفردي ومستوى المعيشة، وتخفيض معدلات البطالة (Kuznets, 1973).

ومن الناحية التاريخية، يُعد ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين بحثوا مسألة النمو في إطار تحليلي. ويُقاس النمو وفق رأيه بدرجة العمران، الذي يعتبره عملية تراكمية مركبة، تتفاعل فيها العوامل المتنوعة من اقتصادية واجتماعية وجغرافية وسياسية وأيضاً عقائدية. ويتغير دور هذه العوامل وفعاليتها من فترة إلى أخرى محدثة تسارعاً أو تباطؤاً في عملية النمو، ثم توقفها، ثم تدهورها، لتعود مرة أخرى محدثة تطوراً جديداً، وهكذا دواليك (Ibn Khaldun, 2004).

 

مفهوم التنمية الاقتصادية

التنمية الاقتصادية (Economic Development) هي عملية تهدف إلى تحويل الزيادة في النمو الاقتصادي إلى تطور ملموس على المستويين الاجتماعي والتقني. وفي المقابل، تؤدي التنمية، عند تحققها، دوراً محورياً في تعزيز النمو الاقتصادي، الذي ينعكس بدوره تقدماً في المجالات التقنية والاجتماعية (Seers, 1969; UNDP, 1990).

ويرتبط مفهومي النمو والتنمية بعلاقة تفاعلية تكاملية، إذ يركز كل منهما أساساً على البعد الاقتصادي، إلا أن مفهوم التنمية الاقتصادية هو أشمل لتضمنه التغيرات النوعية (Qualitative Changes)، بالإضافة إلى التغيرات الكمية والهيكلية.

وتسهم التنمية الاقتصادية في إعادة توزيع الثروة، الأمر الذي يُحدث تحوّلات ملموسة في الأنماط والعادات الاستهلاكية. كما تؤدي إلى خلق فرص عمل، مما يتيح إشراك شريحة أوسع من القوى العاملة في العملية الإنتاجية، كما تسهم في الحد من معدلات الفقر وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تطورت أهداف التنمية وتوسّع مفهومها من خلق الثروة المادية وإنتاج السلع لتلبية الاحتياجات الأساسية للبشر، لتشمل العوامل الاجتماعية والبشرية، وصولاً إلى النمو والازدهار الاقتصادي مع التركيز على إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء والفئات المهمشة.
ولا تقتصر التنمية على تعزيز الاستهلاك وزيادة القدرة الشرائية فقط، بل تشمل جميع الجوانب الاجتماعية التي تسهم في تحسين مستويات المعيشة ورفع مستوى رفاهية الأفراد. وتعكس قدرة الدولة على مواكبة متطلبات توسع القطاعات الإنتاجية وتوفير البنى التحتية والخدمات الأساسية، بما يُعَد مؤشراً عاماً على تحقيق التنمية وتحسن الأداء الاقتصادي الكلي (Seers,1969;UNDP,1990).

تُعبِر التنمية الاقتصادية عن قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق زيادات تراكمية في المؤشرات الاقتصادية الكلية بمعدلات تتجاوز الحد الأدنى اللازم لضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتجديد أدواتها الإنتاجية، وتُقدَّر عادةً هذه الزيادات بنسب تتراوح بين 2 و5 في المئة وما فوق.
وفيما تُحاكي نظريات النمو اهتمامات الدول المتقدمة، تُعنى نظريات التنمية بمعالجة المشكلات الاقتصادية المتعلقة بالدول النامية (Al-Eisawi ,2000).

وقد حدد مؤتمر الأمم المتحدة في العام 2000، الذي سُمي «قمة الألفية»، الهدف من التنمية في وثيقة حملت عنوان «الأهداف الإنمائية للألفية» (The Millennium Development Goals, MDGs)، والتي تضمنت ثمانية أهداف محددة وقابلة للقياس. وتشمل القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتخفيض معدل وفيات الأطفال، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة الأمراض، وضمان الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية (United Nations, 2000).

 

مفهوم التنمية المستدامة

تُعدّ التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً نسبياً في الفكر التنموي المعاصر، وتمثّل عملية متعددة الأبعاد (Multidimensional Process) تقوم على تحقيق التنمية التي تُلبّي احتياجات الأجيال الحالية، مع صون قدرة الأجيال القادمة على الوفاء باحتياجاتها، من خلال احترام حقوقها في الموارد والثروات الطبيعية. ويُشكّل هذا المبدأ البُعد القيمي والفلسفي الجوهري لمفهوم التنمية المستدامة (WCED, 1987).

تهدف التنمية المستدامة إلى إرساء تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة (Sachs, 2015)، تُعنى بتحسين نوعية الحياة الإنسانية، بالتوازي مع حماية النظم البيئية وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، بما يضمن استمراريتها وإتاحتها للأجيال المقبلة. وبذلك، لا يقتصر قياس التنمية المستدامة على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يشمل مؤشرات اجتماعية وثقافية وبيئية، الأمر الذي يجعلها أكثر شمولية وملاءمة من نماذج التنمية والنمو التقليدية التي سبقتها.
وتشكل التنمية المستدامة إطاراً ناظماً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تهدف إلى المواءمة بين متطلبات النمو الاقتصادي والحد من آثاره البيئية السلبية، بما يكفل حماية الإنسان من المخاطر وصون استقراره وتحقيق رفاهيته، فضلاً عن تحسين نوعية حياته المادية والاجتماعية على المدى الطويل (OECD,2001).

كما تهدف التنمية المستدامة إلى الإسهام في بناء مجتمعات تتراجع فيها مظاهر الفقر واللامساواة، ويُحدّ فيها من الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية، فضلاً عن التخفيف من الآثار السلبية لانحرافات التقدم العلمي والتقني. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تفاعلاً وتكاملاً بين مختلف الجهات المعنية، من حكومات ومؤسسات رسمية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز فرص تحقيق تنمية فعالة ومستدامة (Sen, 1999).

تشمل مؤشرات التنمية المستدامة أربعة محاور رئيسية تعكس أبعادها التنموية الشاملة، وهي: المؤشرات الاقتصادية، والمؤشرات الاجتماعية، والمؤشرات البيئية، فضلاً عن المؤشرات المؤسساتية (Institutional Indicators)، التي تُعدّ مجتمعة أدوات تحليلية أساسية لتقييم مستوى التقدم نحو تحقيق التنمية المستدامة (United Nations, 2007).

وتُقاس الاستدامة على الصعيد الاقتصادي من خلال مجموعة من المؤشرات التي تعكس قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو المستمر والمتوازن، من دون الإخلال بالموارد أو بالاستقرار المالي والاجتماعي. ومن أبرز هذه المؤشرات: معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، ومستوى الاستثمار المنتج، وكفاءة استخدام الموارد، واستقرار المالية العامة، وتوزيع الدخل، إضافةً إلى معدلات التشغيل والإنتاجية. وتُستخدم هذه المؤشرات لتقييم مدى قدرة الاقتصاد على توليد الثروة بشكل مستدام وعادل.

أما على الصعيد الاجتماعي، فتُقاس الاستدامة الإجتماعية عبر مؤشرات تُعنى بتحسين نوعية الحياة وتعزيز العدالة الاجتماعية، من بينها معدلات الفقر والبطالة، ومستويات التعليم ونسب الالتحاق به، ومؤشرات الصحة العامة، والنمو السكاني، وتكافؤ الفرص بين الفئات الاجتماعية المختلفة. ويُعدّ «مؤشر التنمية الاجتماعية» أحد الأدوات الرئيسية في هذا المجال، إذ يوفّر إطاراً كمياً لقياس التقدم الاجتماعي ومدى شمولية ثمار التنمية.

وفيما يتعلق بالبُعد البيئي، تُقاس الاستدامة البيئية من خلال مؤشرات تهدف إلى تقييم الأثر البيئي للأنشطة الاقتصادية والتنموية، ومدى الحفاظ على النُظم البيئية والموارد الطبيعية. ويُعدّ «مؤشر البصمة الإيكولوجية» من أبرز هذه الأدوات، التي تسمح بتحديد مدى توافق أنماط الإنتاج والاستهلاك مع القدرة الاستيعابية للبيئة (Wackernagel & Rees, 1996).
أما المؤشرات المؤسساتية، فتُعنى بقياس كفاءة الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة، ومدى قدرة المؤسسات على دعم مسارات التنمية المستدامة. وتشمل هذه المؤشرات جودة التشريعات والسياسات العامة، ومستويات الشفافية والمساءلة، وفعالية الإدارة العامة، وسيادة القانون، ومشاركة المجتمع المدني في صنع القرار. وتُعدّ هذه المؤشرات عنصراً حاسماً في ضمان استدامة النتائج التنموية على المدى الطويل (World Bank, 1992).

وبالتالي، تُشكّل التنمية المستدامة نموذجاً أكثر شمولية وتكاملاً، إذ تقوم على تحقيق التقدم الاقتصادي بالتوازي مع العدالة الاجتماعية وحماية البيئة، مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة. وهي لا تكتفي بقياس النجاح بمعدلات النمو أو الدخل، بل تركز على نوعية الحياة، واستدامة الموارد، والتماسك الاجتماعي، والحوكمة الرشيدة.

 

لبنان والتنمية المستدامة

بناءً على ما تقدم، تكتسب التنمية المستدامة بالنسبة للبنان أهمية استثنائية في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية المتراكمة التي يعاني منها البلد. فالنمو الاقتصادي بمعناه التقليدي لم يعد كافياً لمعالجة الاختلالات البنيوية، ولا لتأمين العدالة الاجتماعية أو حماية الموارد الطبيعية المحدودة (ESCWA, 2020).

سيما وأن التنمية المستدامة تُتيح إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو إنتاجية مستدامة بدلاً من الريع والهدر، وتقوية الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة بما يُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما تعزّز التنمية المستدامة العدالة الاجتماعية وتحد من الفقر والبطالة والهجرة من جهة، وتحمي الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والطاقة والأراضي، من الاستنزاف والتدهور من جهة أخرى.

وعليه، تشكل التنمية المستدامة الإطار الأكثر ملاءمة لإخراج لبنان من أزماته المتعددة، وبناء مسار تنموي متوازن يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويحفظ حقوق الأجيال الحاضرة والمقبلة، ويعيد وصل النمو الاقتصادي بالتنمية الإنسانية الشاملة.

مبادئ الإدارة العامة مفتاح التّفعيل والتّطوير
العودة إلى الأساسيات

على مدى المسيرة المهنيّة الخاصّة الّتي امتدت لأكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال، تجمّعت لدينا بعض الأفكار حول العمل الإداري، وكيفيّة الاستفادة من المبادئ الحديثة في علوم الإدارة العامة، وتطبيقها في العمل اليومي، والحياة الإداريّة اليوميّة. وإذا كانت المعوّقات الكبيرة خارجة عن إرادة العامل أو الموظّف (وربما المؤسسة) وهو إنسان يحرّكه العقل والعاطفة، فلا بدّ من إعادة التّذكير بالأساسيّات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ محور العمل هو القائم بالعمل. وفي مجال الجهاز الإداري للمجلس المذهبي هو الموظّف. ذلك الموظّف الحريص الّذي يُطلب منه مهام جسيمة في إطار عمله في هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة. لا نقصد بذلك الطّلبات الإداريّة الضّيّقة أو الأوامر التّسلسليّة؛ فهذه مفاهيم مرَّ عليها الزّمن وأكل عليها الدّهر وشرب. الموظّف الحريص ضميرُه يحرضّه، وحرصُه يحركّه، والمسؤوليّة تهيب به الخروج من حال السلبيّة والجمود.

لا يمكن لأيّة دائرة أن تعمل إذا جرى الإلتزام الحرفيّ بالنّصوص للاستحالة العمليّة والاستحالة القانونيّة. ومن هنا أهميّة الاستفادة من التّطور الّذي لحق بالإدارة العامّة والاهتداء بمبادئ علم الإدارة العامّة واستلهام روح النّصوص القانونيّة دون تكبيل أنفسنا بالقيود والسّلاسل. ذلك التّطور الذي أنتج مبدأ من أهم مبادئ الإدارة (والحياة) وهو مبدأ التّكيّف.

إنّ مبادئ علم الإدارة العامّة، مستنبطة من خبرات طويلة وتجربة بشريّة في مجتمعات متنوّعة، ولم يأتِ تكريسُها اعتباطًا. وقد يبدو أنّ بعضها بديهي، كمبدأ المساواة في المعاملة بين المستفيدين من خدمات الوحدة الإداريّة الحكوميّة مثلًا. نجده في كلّ المؤلّفات الخاصّة بالإدارة بل والقانون الإداري، فكاد أن يصبح من «البديهيّات الإداريّة» إن جاز التعبير. فعلى الرّغم من بداهته، ينبغي التّذكير به، وبقدسيّته، والإصرار عليه، وإعلاء الصّوت في تكريسه في كلّ مكان، وضرورة الالتزام به في كل وقت.

وقد رغبنا في استذكارها والتّذكير بأهمّها، للاهتداء بها باعتبارها ضامنة الإنتاجيّة والنّجاح. وإذ كان للعمل في الشأن الاجتماعي خصوصيّة حيث يحتلّ فيه العامل الإنساني الدّور الأبرز، فإنّ الوحدات الإداريّة الّتي يوكل إليها مهامٌ اجتماعية كالمساعدات، أو الطّبابة، والتّعليم، لا بدّ أن تنعكس طبيعة نشاطها في الكيفيّة الّتي تمارس به هذا النشاط، خلافًا لوحدة تُعنى بالإيجارات أو النّزاعات القانونيّة مثلا.
نستعرض بعض المبادئ الرّّاسخة في علم الإدارة العامّة فيما يلي دون التقيّد بالأشكال المدرسيّة المنهجيّة.

التحسّب للمستقبل

قد يجد الارتجال مجاله في النّشاطات الفنيّة أو الأدبيّة حيث يُظهر لحظة إبداعيّة معينة تترك أثرًا جماليًّا. أمّا في مجال العمل المؤسّساتي الإداري، فسينعكس الارتجال والعمل العفوي تخبّطا وعدم فاعليّة ويؤدّي إلى نقص الإنتاجيّة وإهدار الموارد – القليلة والقيّمة دائمًا – في معالجات موضعيّة دون جدوى.

على كل إدارة فاعلة منتجة واجب التّنبّؤ بما سيكون عليه المستقبل من ناحية، والعمل له من ناحية أخرى. التّنبّؤ للمستقبل لا يكون بالعرافة، بل من النّظر في الواقع الحالي، وتحليل الأسباب والظّروف الّتي أدّت إليه، ومن ثمّ القيام بعمليّة تقدير مبنيّة على كلّ المعلومات المستخلصة من الماضي والحاضر، تقدير الوجهة الّتي سيسلكها هذا الواقع وبما ستكون عليه الحال في المستقبل، سواء كانت مشرقة زاهرة أم داكنة مظلمة.

الإستعداد والتّحضير وخطّة العمل

وإزاء الصّورة المستقبليّة الّتي يجري رسمها، لا بدّ من العودة إلى مبادئ الإدارة كي يُبنى التّصرف على أسس مستقرّة ووفقًا لمعالجات مجرّبة. المقاربة العلميّة تقتضي جمع المعلومات أوّلًا، ومن ثمّ تحديد الأهداف على ضوء قراءة المستقبل، وضع سلّم الأولويّات وترتيب هذه الأهداف أي أولويّة الحاجة الّتي سيتمّ مقاربتها. التّأكّد من الموارد الماليّة والبشريّة والطّريقة المثلى لتوظيفها. ومن ثمّ وضع خطّة مرنة، توفّر الحدّ الأدنى من الطّمأنينة لمن ينفّذها، ولمن يستفيد منها.

وعند تحقّق كلّ هذه العوامل، يكون التّصرّف مخطّطا له، والتّنفيذ مدروسًا، ويصبح تقييم هذا التّنفيذ – الّذي سيجري في مرحلة المتابعة اللّاحقة – مفيدا.

الخطة المُطمْئنة

بذل الجهد في التّخطيط، يجعل التّنفيذ سلسًا، سهلّا. إذ يقتصر المنفّذ على اتّباع الخطوات المقرّرة، وإن عرضت مشكلة ما انبرى لمعالجتها فورًا (ويُفترض بالخطّة أن تتوقّع الصّعوبات والمعوّقات أيضًا). وبالتّالي، يطمئنّ من يُوكل إليه عملٌ معيّنٌ، مطلق عملٍ، بقدرته على إنجازه، فقد بذل الجهد مسبقًا في التّحضير والاستعداد، أو لديه خطّة مدروسة تفصّل المطلوب أوّلاً بأول. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، وجود الخطّة يوفّر الطّمأنينة للمستفيد من خدمات المؤسّسة في الزّمن الصّعب، فيتيقّن ويتثبّت من وجود الدّعم والدّاعم، والرّعاية الحقيقيّة، ويشعر بالثّقة بأنّ هناك من يهتمّ به ويقف بجانبه فعلا لا قولا.

التّنظيم والاستفادة من تعدّد الوحدات الإداريّة

التّنظيم عماد كلّ إدارة. يقصد به الاستخدام المنظّم للوحدات الإداريّة بالشّكل الإداري النّموذجي. وقد توصّلت الإدارات (سواء الشّركات، أو المؤسّسات، أو حتّى القطاعات العامّة في الدّول المتقدّمة) إلى مبادئ جعلتها أساسًا للعمل الإداري. منها: تقسيم المهام، الاتّصال والتّنسيق، ترتيب صلاحيّات وتكليف بمسؤوليّات، سلطة إداريّة…الخ). والنّصوص القانونيّة بنيت على هذا المبدأ.

يحقّق التّنظيم الكفاية الإنتاجيّة، بالتّزامن مع العدالة في تقديم الخدمات للمستفيدين، وأساسها التقليل من التّأثيرات الشّخصيّة على القرارات، وكلّ ذلك في سبيل الاستخدام المنظّم للموارد.

التّقليل من التّأثيرات الذّاتيّة على القرارات

تُقرّ المبادئ الإداريّة الحديثة بأنّه للحدّ من تأثير الآراء الشّخصيّة الذّاتيّة على صنع القرار الإداري، يجب تعزيز الوعي عبر التّوجيه والتّدريب. فالتّثقيف للتعالي عن التّحيزات على تنوّع أشكالها ضروري. كما إدراك أهميّة التّمييز بين القرارات الشّخصيّة والقرارات الموضوعيّة العقلانيّة. القرار العقلاني يبنى على معلومات وعلى تحليل موضوعي شامل يتوجب تحفيز الجميع على القيام به. وفي مرحلة تالية هناك تقييم يجب إجراؤه مستندًا إلى تلك المعلومات (والفرض أنّه قد جرى التّأكّد من صحّتها. ففي المسائل الاجتماعيّة يكون التّحقق من صحة المعلومات على قدر كبير من الأهميّة). إذن، يفترض في القرار الإداري الحديث أن يكون مبنيًّا على معايير وعلى أسس تقييم موضوعيّة.

ومن المستقر أيضًا التّنويع في المشورة، أو الاستعانة بخبراء. إذ يسهم ذلك في التّوجيه نحو الاختيارات الأكثر فعاليّة. كما يمكن للخبراء تحليل المشكلات المعقّدة وتقديم حلول مبتكرة لها. ولا بدّ من إجراء مراجعة – نقديّة إذا أمكن – للمرحلة السّابقة بهدف كشف مواطن الضّعف، أو الخلل إن وُجد، والتّحسّب للتّصحيح.
هذا المبدأ الجديد القديم (عدم الانسياق للرّغبات الشّخصيّة) ضامن العدل كما المساواة بين المستفيدين من خدمات المؤسّسة. وضامن أيضًا لحسن الأداء.

العدالة في تقديم الخدمات الاجتماعيّة

يجب الانتباه هنا إلى أنّ العدالة تعني المعايير العادلة. فإذا لم ينطبق على المستفيد المعيار، تكون استفادته ظالمة لغيره، والعدل هو في حرمانه من التقديمات مطلقا. العدالة ليست في شموليّة المستفيدين وجميع النّاس باعتبار طبيعة الأشياء فضلا عن قلّة الموارد، بل في المعايير.

يجب أن يكون المعيار – معيار الاستفادة – عادلًا وموضوعيًّا. وهذه الجزئيّة على قدر كبير من الأهميّة. إذ لا يجب تفصيل المعايير على قياس أحد، ولا على قياس جهة، أو جماعة محدّدة، بل يتعيّن أن يكون المعيار ذاته عادلًا. وإذا تحقّق المعيار يستفيد عندئذٍ جميع من ينطبق عليهم. هذا هو فهمنا للمسألة.

العمل الجماعيّ

لا يستحسن النّظر إلى العمل الجماعيّ نظرة هرميّة جامدة. أي بمنطق تقاذف العمل أو المعاملة الإداريّة بين هذه الوحدة أو تلك، وبين صلاحيّات هذه أو تلك، فتقتصر النّظرة على توزيع الأعباء. العمل الجماعي في النّظرة الحديثة للإدارة هو فضلا عن تخفيف العبء (اللّازم والضروري)، ومبدأ تقسيم العمل، يُنظر إليه من زاوية المشاركة.

تلك المشاركة الّتي غايتها التّحفيز، والّتي لا بدّ أن تؤدّي إلى الانخراط. التّحفيز والانخراط في العمل تحقيقًا لصالح المؤسسة وأهدافها. التحفيز والانخراط يعزّزان الرّضى الوظيفي، الّذي يؤدّي إلى الشّعور بالانتماء والولاء، والحماس للعمل مع مثابرة، ممّا سينعكس قطعًا على الإنتاجية.

ويظهر في هذا المقام التّفويض الإداري كوسيلة أقرّها القانون لوضع المبدأ أعلاه موضع التّطبيق. فهو الحلّ العملي النّاجع المساهم في تحقيق المشاركة فعلًا بالتّوازي مع تخفيف العبء. (ويلاحظ هنا أنّ تكامل القانون مع التّجربة حتَّم ألاّ يكون التّفويض إلّا في بعض الصّلاحيّات، ولمدّة معيّنة). كما أن التفويض يكفل الاستجابة السّريعة سواء تعلّق الأمر بمشكلة يتعيّن حلّها، أم بفرصة يتوجّب الاستفادة منها.

العمل المؤسّساتي

العمل المؤسّساتي بالمقارنة مع العمل الفردي، هو الّذي يضمن الاستقرار والاستمراريّة. أي استمرار المؤسّسة في تقديم الخدمات وتحقيق الأهداف حتّى في حالة تغيير الأفراد، واستمرار عمليّة البناء والعطاء جيلًا بعد جيل.
كما أنّ العمل المؤسّساتي عمل جماعي تشاركيّ تعاونيّ، يقلّل إلى حدّ كبير التّدخلات الشّخصيّة، كما أنّه لا يجهّل المسؤوليات بل يكفل الشّفافية والمساءلة والمحاسبة.

وإذا كان من المفيد الأخذ بأهمّ حسنات التّصرفات الفرديّة وهي السّرعة في اتّخاذ المواقف، المرونة والتّكيّف، والحزم في اتّخاذ القرار مع تقليل التّأثيرات الشّخصية إلى أقلّ قدر ممكن، فإنّ العمل المؤسّساتي هو الذي يكافح تأثيرات الشّخصانيّة في المؤسّسات لما تؤدّي إليه من فقدان للتّوازن في العمل والإنتاجيّة، وبالتّالي تفاوت الأداء، وضعف التّواصل نتيجة عدم الانسجام الشّخصي.

تعزيز المبادأة

المبادأة سمة أساسيّة في العمل الإداري. مبدأ يضمن كذلك الإنتاجيّة والفعاليّة والأداء. إنّه مبدأ ابتكار المشاريع وطرح الأفكار المتجدّدة، واستباق المشاكل، والإسراع بحلّ ما يظهر منها.

ينظر إليه بما يتركه من آثار طيّبة على من تقدّم بالفكرة من ناحية، إذ يعزّز الثّقة بالنّفس وبالقدرات الشّخصيّة ممّا سينعكس بالضّرورة على الأداء الشّخصي له.

ومن ناحية أخرى، سيؤثّر في متلقّي الفكرة أيضًا بما يحقّق فعلاً العمل الجماعي، سيما إذا كان هذا المتلقّي في مستوى إداري أعلى فيساهم ذلك في صنع قرار إداري مستنيرٍ.

تعزيز الشفافيّة والقيادة المرنة

إذا كان تشجيع المبادأة من قبل الموظّف واجبًا، فلا بدّ من تذكير القيادة بضرورة إسهامه وإشراكه في صنع القرار. إذ لنجاح المؤسّسة، تقضي مبادئ الإدارة الحديثة بضرورة التّعاون الكامل بين كافة الوحدات التّابعة لها.

تتشارك الوحدات في العمل المؤسّساتي أيًّا كان ترتيبها ومستواها الإداري (مجلس إدارة، لجنة، إدارة تنفيذيّة، دائرة، قسم.). تتعاون وتساهم في صنع القرار عبر ما تقدّمه من معلومات وتقييم، فيأتي تنفيذه رافعًا للإنتاجيّة فعّالًا، من قبل أفراد تمّ تحفيزهم عبر مساهمتهم فيه.

ليس كلّ رئيس إداريّ قائدًا إداريّا

القيادة مفتاح الإدارة، والجهة الرّشيدة الواعية الموجِّهة، الّتي تتّخذ القرارات السّليمة وتراقب تنفيذها. ويفرق علم الإدارة بين الرّئيس الإداري الّذي لا يمارس إلّا سلطته الرّسميّة، وبين القائد الإداري الّذي يحوز ثقة المرؤوسين ويبسط سلطته عبر التّأثير الايجابي فيكسب الإحترام والثّقة قبل الطّاعة والولاء.

القائد القدوة

وهو الّذي يجمع مواصفات معيّنة تؤهّله للقيادة. هو قبطان السّفينة والكلّ راكب فيها. هو القائد وهو الرّئيس. فهو القادر على التّحمل، الثّابت في مواجهة المواقف. هو الصّبور الأمين الشّريف النّزيه المخلص المثابر المتفاني للعمل. هو صاحب الهمّة والقدوة الحسنة. وهو صاحب الخبرة والمهارة في ما يؤدّيه، كما المتواضع الحريص على الاكتساب وتطوير خبرته عبر الاستعانة بمستشارين أكْفاء. هو المنفتح غير المستبدّ. هو الإنسان الّذي ينمّي العلاقات الإنسانيّة والمشاركة في الوحدة الإدارية .تستند قيادته إلى الاستماع والاحترام لتمتّعه بحسن التّدبير وتقدير الأمور. هو صاحب الرّؤيا، فضلا عن الرّأي السّديد. وعندنا هو رأس الهرم في هذه المؤسّسة الجليلة الشّريفة، رئيس المجلس، سماحة شيخ العقل، الّذي ينعكس حضوره الأبويّ كما بركته في كلّ نواحي العمل.

الالتزام بروح النّصوص

لا يتضارب مبدأ الالتزام بروح النّص ذلك مع القواعد القانونيّة الّتي قد توحي أحيانًا بشيء من الجمود، ولا مع تحديد المسؤوليّات والصّلاحيّات بوضوح، وإقامة الحدّ بينها. بيد أنّه لا يخفى ما لمرونة الإدارة من انعكاس مباشر على الإنتاجيّة. فيكفي قول إنّ الوحدة الفلانيّة ليس من صلاحيّاتها هذا أو ذاك، أو تتذرّع الوحدة تلك بأنّ ليس من صلاحياتها هذه المعاملة أو تلك، ليتجمّد العمل ويفشل. فإن كان ليس من صلاحيّاتها القانونيّة التّنظيميّة، يوكل إلى وحدة أخرى ذات صلاحيّة. والوحدات عديدة متنوّعة الخبرات والصلاحيّات والهدف تسخيرها لصالح العمل – ذي الأهداف السامية – الّذي تقوم به هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة.

اتّخاذ القرارات في ضوء المقاربات العلميّة

إذ إنّ صنع القرار الإداري، الّذي تترتّب عليه مفاعيل مؤثّرة، لا مطلق قرار فردي، يتطلّب قدرًا من الهدوء. فهو يتطلّب تحديد المشكلة، والبحث عن الحلول، وتقييمها، بغية تعيين أفضلها في ضوء عدّة عوامل؛ أهمّها: الإمكانات البشريّة، والفنيّة، والتّكاليف الماليّة، والوقت. ومن ثمّ – لاحقًا – يتمّ وضعه موضع التّنفيذ.

توقيت إعلان القرار

إذا كان توقيت اكتشاف المشكلة مؤثّرًا ومهمًّا، بقدر تقليبها وجمع البيانات والحلول بشأنها، والمدّة الزّمنيّة الّتي يستغرقها الحلّ المعتمد، فإنّ اختيار التّوقيت المناسب لتبليغ العاملين في المنظّمة الإداريّة على جانب كبير من الأهميّة، خاصّة إذا تعلّق القرار بتغيير أو تعديل لقرار سابق، كي يكون هؤلاء مؤهّلين لهذا التّغيير أو ذاك التّعديل.

التّواصل الدّائم الفعّال

إنّ التّواصل الفعّال يشكّل الأساس الّذي يبنى عليه التّنسيق بين أجهزة المؤسّسة، وفي وجهة نظرنا لا تقلّ أهميّته عن التّخطيط. يتطلّب التّواصل الفعّال استخدام كافّة الوسائل المتاحة سيما تلك الّتي تخفّف من الرّسميات كالاجتماعات الدّوريّة، والمحادثات الشّخصيّة، والبريد الإلكتروني، بل الرّسائل الفوريّة. عندما يكون التّواصل فعّالًا، يتمكن أفراد الفريق من فهم الأهداف (أو التّحديات الّتي وضعها التّخطيط) بشكل أفضل، وتوجيه جهودهم (التّنظيم) بشكل متناسق نحو تحقيق (تنفيذ) تلك الأهداف. كما يساهم التّواصل الفعّال في تبادل المعلومات بسلاسة، ممّا يسهم في اتّخاذ القرارات الصّحيحة والمستنيرة (القيادة)، فتأتي الرّقابة أو التّقييم اللاحق متحقّقًا من النّتائج الّتي لا بدّ وأن تكون نتائج طيّبة باعتبارها مبنيّة على أسس.

العلاقة الإداريّة الإنسانية

ليس من المطلوب رفع الكلفة، ولا الدّخول في الخصوصيّات مطلقًا. وليس من المطلوب حتّى بناء الصّداقات أو العلاقات الإجتماعية في الإدارة بالمعنى الّذي يزيل الحدود والآداب الإداريّة. فالآداب الإداريّة فضلاً عن الآداب العاديّة مطلوب تحصينها وضمانها دومًا. المطلوب بيئة إنسانيّة صالحة للعمل. هذا بشكل عام. أمّا في مجال عملنا، فلا يخفى على أحد أنّ بيئتنا عائليّة بسبب طبيعة مجتمعنا التّوحيدي الّذي تسوده الألفة فضلًا عن روابط الدّم والقربى، الأمر الّذي يفترض عدم وجود سبب لمعوّقات التّواصل، أو عدم الإنسجام الشّخصي، الّتي قد توجد في وحدات إداريّة أخرى. والبيئة المطلوبة هي تلك البيئة الدّاخلية الصّادقة المفتوحة، والّتي ستنعكس أيضًا وبالضّرورة على الإنتاجيّة والأداء.

تعزيز التنوّع ونبذ التّحجيم

التنوّع والشّموليّة من المبادئ المقرّرة أيضًا في علم الإدارة الحديث، إذ يجب تعزيز التّنوع، والاستفادة من خبرات ووجهات نظر متنوّعة حتّى داخل الفريق الواحد، ممّا يجعل القرار مختمرًا مبنيًّا على نظرة شاملة.

التّنوّع المشار إليه هو المبني على خبرة. والآراء المطلوب تنوّعها هي تلك الّتي يقدّمها من لديه حد أدنى من المعرفة أو الخبرة في مجاله. فالقيادة في علم الإدارة الحديث ليست عسكريّة بل إيجابيّة مشجّعة على التّواصل المفتوح والبنّاء، دون تعالٍ أو تحجيم. ولا يخفى ما لتشجيع التّنوع والمقاربات المختلفة من أهميّة، شرط أن تكون المقاربة مبنيّة على تجارب وخبرات.

التنسيق

التّنسيق ضامن التّوافق والانسجام. وبالنّظر إلى أنّ من يقوم بالعمل هم بشر، وقد تُنتج الطّبيعة الإنسانية في بعض الأحيان تعقيدات أو عدم انسجام أو منازعات، فيقتضي التّصدي لهذه الحالات مسبقًا عبر تنسيق العمل بين الوحدات المختلفة، عبر آليّات مختلفة تكفل منع ازدواج الصّلاحيّة، وتتجنّب التّنازع في التّنفيذ. ومن يقوم بذلك بطبيعة الحال هو القائد الإداري أو مجالس ولجان خاصّة، بحيث لا يكون المنسّق من نفس مستوى الوحدة لضمان الالتزام بما يقرّره.

الرّقابة الذّاتيّة بالتّوازي مع الرّقابة الإداريّة

الرّقابة المطلوبة قبل أيّة رقابة هي الرّقابة الذّاتيّة الّتي يمارسها الشّخص بحقّ نفسه، فيرتقي إلى مرحلة ينظر فيها بعين النّقد إلى عمله، فيحدّد نقاط القوّة والضّعف فيه، ويتّخذ التّدابير اللّازمة للتّحسين أو التّصحيح.

التّعلّم والتّطوير المستمرّ

التّعلّم والتّطوير المستمر للإنسان يعتبران أساسيّين للنّمو والنّجاح الشّخصي والمهني، ويلعبان أدوارًا متعدّدة في حياة الفرد وفي بيئة العمل؛ منها: تحسين المهارات والتّكيّف مع التّغيير، كما تعزيز الثّقة، وتطوير الابتكار، وتوسيع دائرة المعارف، وبناء العلاقات الجديدة للتّعامل مع التّحدّيات والفرص الجديدة. يسهم ذلك في تحقيق الرّضى الشّخصي والمهني في الحياة. ولا يخفى ما لورش العمل والتّدريب من أهميّة، وهي الّتي تتكلّف الإدارة عليها في سبيل تنمية معارف العامل، فينبغي إذن أن تثير اهتمامه لا تأفّفه.

لمحة سريعة عن ضوابط الإدارة في الإسلام

إنّ مبادئ الإدارة العامّة الّتي عرضنا بعضها أعلاه هي ضامنة النّجاح. وهي المستقاة من تجارب بشريّة، أدّت إلى استنباطها وتثبيتها مبادئ جوهرية واحدة في كل إدارة سليمة صالحة لكلّ زمان ومكان.

أمّا الاسلام فقد كان له فضل السّبق في ترسيخ مبادئ وأصول، ساهم الفكر الإسلامي الغزير في إثرائها، وانعكس تطبيقها في اختيار القادة والولاة وعمّال الدّولة، وأسس التّنظيم الإداري، مع إضفاء الطّابع الإنساني على جميع هذه النّواحي.

وبطبيعة الحال حرص الخلفاء على إحقاق الحقّ، ورسم العلاقة المتوازنة بين حقوق وواجبات المواطن، وضربوا الأمثلة الّتي قلّما يجود التّاريخ بها في حاكم يجمع التّواضع والرّأفة والحلم، كما الحزم والشّدة دون ظلم، حاكم يجمع الحكمة والتّروّي، والشّجاعة والإقدام والهمّة، يُعلي من شأن الأدب والشّعر والفنون، بقدر تشدّده في نشر المعرفة وتطوير العلوم، يصل الشّعراء ويقرّب أهل العلم.

ومن مبادئ الإدارة الإسلامية الشّورى والإنصاف والتّواضع والتّعاون والمسؤوليّة.

الشورى

الإدارة الإسلاميّة توجب ألّا يقضي المسؤول برأيه تسرّعًا، بل تفرض التّروّي والتّدبر والتّفكر ومناقشته والاستشارة بشأنه. وقد قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159). {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى ٣٨) وغيرها الكثير من الشّواهد المباشرة القاطعة بوجوب الشّورى.

وعن النبي (ص) قال: لَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْمُشَاوَرَةِ (الماوري) وقال أيضًا (ص) «ما استغنى مستبّد برأيه وما هلك أحدٌ عن مشورة». وقال أبو بكر (ر) في أولّ خطبة له بعد مبايعته: أيّها النّاس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وكان عمر (ر) لا يستأثر بالأمر دون المسلمين، ولا يستبدُّ عليهم في شأنٍ من الشّؤون العآمّة، فإِذا نزل به أمر لا يبرمه حتّى يناقش الرّأي معهم فيه، ويستشيرهم.

وإذا كان هذا دأب الخليفة وهو رأس الدّولة. فمن باب أولى تطبيق الحكم بحقّ كلّ مسؤول، وكلّ قائد أو رئيس إداري، مهما كانت درجة مسؤوليّته.

المساواة والعدل والإنصاف

جاء الإسلام بالمساواة. قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: ١٣) وقال النّبي (ص) لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ (صحّحه الألباني عن جابر)
والإسلام يوجب العدل والإنصاف. فقال تعالى {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90). وعن النبي (ص) أنّه قال: ما مِن والٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وهو غاشٌّ لهمْ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ (رواه البخاري). وهو القائل أيضًا عندما سُئل (ص) أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ.

التّعاون والتّضامن

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} (المائدة: 2). وقال النبي (ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» (البخاري). وقال أيضًا:
«مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه مسلم)

المسؤوليّة

قال تعالى: {فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام: ١) وعن النبي (ص) أنّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

وقد جعل القرآن الكريم العمل هو معيار تحديد مركز المسلم وتعيين درجته في الدّنيا والآخرة فقال تعالى: {وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الاحقاف 19) {‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة 11)

وذكرنا أنّ الإسلام حقّق المساواة بين المسلمين، ولكنّ المجتمع نفسه المتضمّن للاختلاف بين النّاس في درجات الإيمان أو العمل أو العلم أوجب مبدأ التّدرج في العمل التّنظيمي الإداري.
كما أوضح الإسلام أيضًا مبدأ التّلازم بين السّلطة والمسؤوليّة، فقال تعالى {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} والمسؤوليّة كاملة شاملة لنشاط الإنسان. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
الشّفافيّة والرّجل المناسب في المكان المناسب:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} (النساء: 135) وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص 26) وقال النّبي (ص) إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر السّاعة، قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله، فانتظر السَّاعة (رواه البخاري).

حقوق الملكية الفكرية والفنية:
هل لا تزال محميّة؟ وكيف؟!

يشعر قارئ الكتب ومثيلاتها، والمستمع إلى الألحان وما شابهها، والمشاهد للشاشات على أنواعها. بأن ثمة تعدّ يصيب مثيلاتها بطريقة أو بأساليب أصبحت مبتكرة، وتؤدي إلى التعدي بالضرر على أصحابها فيقعون بالخسارة المادية والمعنوية معاً، وقد قيل منذ زمن طويل، إن من يفقد مالاً، فإنه فاقد بعض الشيء، أما من يفقد أفكاراً، فإنه فاقد كل شيء؛ كون المال المفقود ممكن تعويضه، بينما الأفكار المبتكرة من المستحيل المجيء بما يعوّضها ولو من زمن بعيد.

من هنا، عمل المشرع الدولي والمحلي معاً على وضع نصوص قانونية مبتكرة من شأنها، ووفق أحكام رادعة، أن تتدارك الخسائر المحكي عنها والحؤول دون التمادي في ارتكاب الجرائم المؤدية إليها ولو لمجرد الردع بفرض غرامات أو تعويضات تحول دون حصولها أو بإعادة الحال إلى ما كانت عليه، قبل ارتكاب فعل التعدي المشكو منه؛ مع مساعي الاجتهاد القضائي للوصول إلى حلول عملية في حال حصل الفعل الضار؛ كما كان للتحكيم ووسائل حل النزاعات البديلة الأخرى الدور الفاعل في هذا المجال…

فماذا عن النصوص والمؤسسات الدولية، الحامي لحقوق الملكية الفكرية؟!

ماضياً وحاضراً؟ وسيكون لجوؤنا إلى نصوص بعض التشريعات والاتفاقيات والاجتهادات الدولية والعربية، دون الدخول في تفصيلاتها المتفرقة والمتشعبة، وإنما العمل على استنتاج مكوناتها منذ العمل على استخراجها وحتى الوقت الحاضر وإلى الحدود التي تخدم معرفة مضمونها، وبالشكل الواضح والمفهوم لغوياً وتشريعياً.

قد يكون ناقل القول ترداد ما أحدثته «ثورة المعلوماتية» من تغييرات أساسية ملفتة في اللجوء إلى أدواتها المختلفة لمعرفة الكثير من الأمور التي كانت طي الكتمان، والاطلاع زمن عدم وجود تلك الآليات، ومن هنا أهمية الحديث عن القوانين التي تنظم كيفية التعامل معها بالنظر لأن الإنسان يبقى هو المرجع الأساسي للتقصي عن تلك المعلومات سواء إيجابياً أو سلبياً ولا سيما فيما يتعلق بالمساس بحياة هذا الإنسان اليومية وملامسة الأمور الشخصية من تلك الحياة في كل ما يتعلق بتصرفاته أباً وأخاً وصاحب عمل وعامل إلى غيرها من مواقع مختلفة فرضت آليات التواصل الاجتماعي اللجوء إليها في كل لحظة وعلى مدار الساعة.
من هذه المنطلقات نقرأ الاهتمام البالغ بالجانب الحقوقي للتعاطي مع مصادر المعلومات المستحدثة وخاصة في الجوانب الإلكترونية منها؛ إلا أن ما يستدعي الانتباه كأولوية وجوب حماية أصحاب الملكية الفكرية، الأدبية والفنية منها، وهذا ما عملت التشريعات على تنظيمها بالشكل الذي ينظم الحماية المطلوبة، لتصبح مرجعاً هاماً لضمان حقوق التأليف والنشر والتوزيع وعلى مختلف مراحل الإنتاج الفكري، وهو ما من شأنه تعزيز تلك الحماية بما يشكل رادعاً للغير عن سرقة الملكية المعنوية، والتي قد تكون الملكية الوحيدة التي يقتات منها مالكها هو وربما عائلته معه لمواجهة متطلبات حياته المادية، الأمر الذي يحول بالطبع دون تمادي البعض من «تجار الورق» في هذه التعديات على أنواعها والتي كثرت في الآونة الأخيرة وفي مختلف البلدان سيما المتنامية منها أو ما يسمى الدول المنتمية إلى العالم الثالث.

إن أصحاب الحق بالحماية يتطلعون إلى الجهات المعنية بحمايتهم تجاه من يعتدي على حقوقهم المشروعة والواضحة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً؛ وهي بالطبع المحاكم صاحبة الاختصاص والصلاحية بالموضوع، والتي لم تغيّر لديها حتى الآن، وإلا فيما نذر على اجتهادات ملفتة وبالأعداد المطلوبة لطمأنة أصحاب الحقوق، لا بل بالعكس، نلاحظ تمادياً من المعتدين لضربهم، غير عابئين بالجهات المسؤولة عن ردعهم، وهذا أبشع ما يواجه النصوص الجيدة تجاه الحماية السيئة أو المنتقصة المضمون.

هذا ما سنعالجه بقدر الإمكان في الواقع الحقوقي القائم حالياً سيما في بعض الدول الأوروبية (فرنسا وإنكلترا) وبعض البلدان العربية المعنية بالموضوع (مصر، لبنان، الأردن)، إن هذا يستتبع العرض للطبيعة القانونية لحق المؤلف بشكل عام في النظام الفرنكفوني والأنجلو ساكسوني على حدّ سواء…

طبيعة حق المؤلف

يقسم الفقه عادة الأموال، إلى أموال مادية؛ وأخرى غير مادية، أما الأولى منها فهي الأموال التي لها وجود مادي والتي يمكن إدراكها بالحس، والأموال المادية، إما أن تكون أموالاً منقولة، أو أن تكون غير منقولة أي عقارات، والتي لا يمكن إدراكها بطريق المشاهدة والحس وإن صح أن تكون محلاً لبعض الحقوق كحقوق الابتكار أو الاختراع بالمعنى الواسع للكلمة.

هذا وقد ذهب العلاّمة عبد الرزاق السنهوري في موسوعته المعروفة إلى أن الشيء هو ما يصلح أن يكون محلاً للحقوق المالية، فشرط الشيء – كما يعتقد – أن يكون خارج عن التكامل، أي أنه قابل للتعامل…
إن حقوق الابتكار، سيما في التأليف بمختلف أشكاله وصوره، تعتبر من الحقوق المستحدثة في معارف القانون، إن برزت أهميتها نتيجة تطوّر العلم والفن والأدب وتطور وسائل نقلها للجمهور، لذلك فإن الفقه لم يستقر على رأي واحد في تحديد طبيعة حق المؤلف هذا، وانعكس هذا الاختلاف على قرارات المحاكم، فذهبت هي الأخرى إلى اتجاهات مختلفة في تحديد طبيعة المؤلف، مما أسهم في تباين النزعات الفكرية وظهور المذاهب الفردية أو الجماعية التي نظرت إلى طبيعة حق المؤلف نظرات متباينة بظروف المجتمع ومنطق تطوره.

وواقع الحال، إن النظريات المعنية بتحديد طبيعة حق المؤلف متعددة ومتباينة، ذهب بعضها إلى القول، أن حقوق المؤلف المعنوية والمالية من طبيعة واحدة؛ غير أن أصحاب هذا الاتجاه اختلفوا في تحديد هذه الطبيعة، فمنهم من رأى أن حقوق المؤلف المعنوية والمالية حقوق ملكية، ومنهم من اعتبرها جمعاً حقوقياً لصقيه بشخصه، وذهب البعض الآخر إلى التمييز بين حقوق المؤلف المعنوية وبين حقوقه المالية.

ومع تحفظنا الدائم لعرض النظريات المجردة، لا نجد مفراً من الاطلاع على بعضها، لما لهذه النظريات من انعكاس واضح في فهم مضمون مواد القانون المعني بالموضوع لاحقاً.
– فماذا عن هذه النظريات؛ ودائماً باختصار مفيد؟!

1- نظريّة وحدة حق المؤلّف:
ذهب أصحاب هذه النظرية، إلى أن حقوق المؤلف المختلفة عن طبيعة واحدة، لكنهم لم يتفقوا على تحديد طبيعة هذه الحقوق، وإن اتفقوا على وحدة طبيعة مختلف حقوقه.

لقد ذهب فريق من هؤلاء إلى أن حقوق المؤلف المعنوية والمالية تعتبر حق ملكية، بالنظر لما لهذه الحقوق من مزايا حق الملكية، كحق احتكار واستثمار المؤلف إنتاج فكره، والحقوق التي يمارسها على إنتاجه، غير أن هذا الجانب من الفقه وبعض القضاء لم يتفق على وضع حقوق المؤلف هذه من نوع واحد من أنواع الملكية، فمنهم من ذهب إلى اعتبارها من أقدس أنواع الملكية، لا بل تعلو ملكية العقار، وذهب رأي آخر إلى اعتبارها حق لملكية منقول، كما نادى رأي رابع بأنها ملكية خاصة قائمة بذاتها تختلف عن أنواع الملكية الأخرى.

فيما اعتبر البعض الآخر أن حقوق المؤلف تنحدر من منبع واحد هو شخصية أو ذات المؤلف، إذ لم ينظر إلى المادة المنتجة وشكلها المادي المحسوس، وإنما إلى هذا الإنتاج باعتباره جزءاً من شخصية منتجة متأصلاً فيه، لأن الابتكار ينطوي على براعة موهبة، ويتوقف على مقدار من المعرفة يمتلكها المؤلف نفسه، وتكون الفكرة جزءاً من شخصية ويطلق على هذه النظرية، النظرية الشخصية.

2- نظرية حق المؤلف؛ حق الملكية:
إن تشريع حماية الإنتاج الذهني، يعتبر حديث الظهور حتى في المجتمعات الغربية، والتي سبقتنا في هذا المجال، إذ سارت هذه الحماية جنباً إلى جنب مع احترام الحريات والحقوق الفردية والعامة معاً، فقد كان أصحاب المكتبات والتجار في روما القديمة في أوائل عهد المسيحية يبيعون كتب المؤلفين المشهورين بعد شرائهم الأصول من أصحابها، ويلجأ الناشرون من جهتهم إلى إبرام اتفاقيات مع المؤلفين فينتشرون بها الأصول من أصحابها، ويلجأ الناشرون من جهتهم إلى إبرام اتفاقيات مع المؤلفين فينشرون بها الأصول منها بمبالغ يحددها الاتفاق ويريدون الكثير من النسخ لطرحها في السوق، وبذلك كان المؤلفين يفقدون حقوقهم من ثمار انتاجهم، لأن الكتاب بمجرد صدوره، ومتى اشتريت أصوله، اعتبر في متناول يد الجميع (الدكتور أحمد العمري؛ «إبرام الاختراع» القاهرة، دون ناشر أو سنة الصدور).

ظلّ الوضع على هذا النحو حتى اندلاع الثورة الفرنسية، وهو وضع يفهم منه، أن حق المؤلف هو حق ملكية، ينتقل بالبيع إلى الغير بصورة كاملة، ويعقد صاحب المؤلف عندئذ جميع حقوقه على إنتاجه الذهني، معنوية كانت تلك الحقوق أو مادية، ويتغير الوضع مع الثورة المذكورة تغير الوضع، ذلك لأن القوانين التي صدرت في الفترة ما بين عام 1791 – 1793 أكدت حق استثمار المؤلف بحق التأليف: (P. Roubies; Le Droit de propriete industrielle. Paris. 21 No 1952).

ومنها تشريع نابليون الصادر في العام 1791 المتعلق بحماية حق الملكية الفنية والأدبية والذي جاء فيه: «كل اكتشاف وابتكار جديد أياً كان نوعه يكون ملكاً لمؤلّفه».

بناءً عليه، إذا ظهر المصنف إلى الوجود اختص به الفنان وحده وحقّ له احتكاره؛ كما نص القانون الفرنسي الصادر عام 1793 في مادته الأولى على ما يلي:
«يتمتع المؤلفون الذين يدبّجون كتباً من أي نوع، والملحنون والموسيقيون والمثالون ومبدعو الصور على اختلافها الذين يرسمونها أو يحفرونها، بحق الاستئثار ببيعها وتوزيع منتجاتهم في مختلف أنواع الجمهورية الفرنسية طوال حياتهم وبحق التنازل عن ملكيتها كلاً أو عن جزء منها للغير».

وبذلك تكون هذه النصوص قد حددت طبيعة هذا الحق بأنه ملكية حقيقية تتحول في ظل القانون إلى كسب مادي يحتفظ به المؤلف، وفي ذلك يقول الشاعر الكبير «لامارتين» في تقرير رفعه إلى الجمعية الوطنية عن الملكية العلمية والأدبية في 13/4/1841 بمناسبة النظر في مشروع قانون حماية الملكية الأدبية: «إن فكرة المؤلف مستمدة من روح الله وهي بمثابة الإلهام، وهي تهبط إلى عقله لتساعد البشر، ثم تعود إلى قواعدها الأولى وتترك أثراً لامعاً في ذهنه وذهن من انتفع بعبقريته كما تتناول أولاده من بعده، وعليه؛ إذا الكتاب نزل إلى السوق التبادلي التجاري، تحوّل إلى قيمة منتجة ورأسمال له ربحه، شأنه في ذلك شأن أي شيء آخر له قيمته ويمكن بما له من قيمة ويمكن بما له من قيمة أن يصبح من عداد الممتلكات الخاصة» (د. العمري، المرجع السابق نفسه ص 17 وما بعدها).
ويقول «روسكو باوند»: «إن الملكية الأدبية هي أقدس أنواع الملكية وإن قانون الملكية يشمل في أوسع معانيه الملكية الأدبية المذكورة».

أجهزة الوعي

أحياناً… عندما لا يكون للوقائع والأحداث تفسير منطقيّ (يقتنع به فكرنا) يصبح من الأسهل أن نقول مصادفة.
ربّما تكون مصادفة… ربّما لا.

منذ أيامٍ قليلة إستوقفتني عبارة لمحي الدين بن عربي تقول: «الزمانُ مكانٌ سائلٌ، والمكانُ زمانٌ متجمّد». عبارة إختصرت الكثير من العلوم، وأفضت إلى تأمّلاتٍ عميقة في عملية الإحتواء، إحتواء السائل للجامد أو الجامد للسائل، إحتواء النقطة للدائرة أو الدائرة للنقطة، إحتواء البذرة للشجرة أو الشجرة للبذرة، إحتواء النسبي للمطلق أو المطلق للنسبي، وغيرها الكثير الكثير من الإحتواءات التي تشمل كلّ منظور وغير منظور؛ لدرجة يصبح فيها المُحتوي والمُحتوَى كياناً واحداً لا يختلفان إلاّ بإختلاف درجة تذبذبهم في الكون. وقد يتوافق هذا مع ما أظهرته الدراسات التحليلية للعلوم الدينية على إختلافها من أن الوجود هو تجلٍّ للطاقة الإلهيّة غير الظاهرة، وإظهار مجال تمدّدها في المادّة الظاهرة. وبذلك من الممكن القول أنّ مفهوم الزمان والمكان لا وجود لهما إلاّ في حدود العالم النسبيّ المنظور، وفي حدود الفكر المادّي البشري. هذا الفكر الذي ليس باستطاعته العمل إلاّ بحدود هامش معيّن، تماماً كالهامش الذي ترى من خلاله العين، أو تَسمع من خلاله الأذن، وكل ما عدا هذا الهامش أو يتجاوزه، يُعتبر غير موجود بالنسبة للفكر، لأنه ببساطة لا يستطيع ترجمته بواسطة الحواس الخمس.

إن التسارع بوتيرة الإكتشافات والأبحاث العلمية، تثير اليوم أكثر من أي وقت مضى حفيظة الفكر الهائج الذي، لو سلّم جدلاً بوجود أبعاد غير منظورة لامتناهية، عليه أن يسأل كيف يمكن تأكيدها أو الإحساس بها؟

محي الدين ابن عربي

يقال بأن الإنسان لديه من الأجهزة ما يكفي لمعرفة كلّ حركة بالكون، وهذه الأجهزة تسمى أجهزة إستشعار. وعملية الإستشعار هي عملية ميكانيكية في الجسم البشري مرتبطة بمدى قدرة أجهزة الجسم على نقل المعلومات إلى الفكر، ومرتبطة أيضاً بمدى إنفتاح وإتساع الفكر ليلحظ كلّ المتغيرات من حوله. لكن ما يعيق عمليات الإستشعار هو إنجذاب العقل وحصره دوماً بالعالم المادّي، وعدم إدراك حقيقة الكائن خلف هذه المظاهر الماديّة. وبحسب العالم الطبيعي «آرثر أدينجتون Arthur Eddington» الذي قال بأن البشر ليس لديهم أدنى فكرة عن معنى حقيقة الوجود لأي شيء سوى ما تراه أعينهم. وهذا ما يؤكد أنه في حالات الوعي العادي، هناك ما يزيد عن 99% من الذبذبات الكونية غير مرئيّة. لذلك إن إدراك اللامنظور يتطلّب معرفة المنظور أي العالم المادّي ومصدر قوانينه.
كل شيء في الكون يتمدّد ويتقلّص، إنه قانون الكون وسرّه (التمدّد والتقلّص) وقد جاءت النظريات والعلوم الحديثة لتُقرّ بأن الإنسان جزءٌ متمدّدٌ من هذا الكون، وأن الفكر البشري قادر على التمدّد بشكلٍ يستطيعُ تجاوزَ محدوديته، وبالتالي تجاوز حدود الزّمان والمكان. وفي هذه الحالة من التمدّد، يشعر الإنسان بأنه موصول بالكون، ويستمد طاقته من هذا الكون بإعتباره جزءاً لا يتجزأ منه.

أن حالة التمدّد هي عمليات كيميائية في الجسم تحدث نتيجة الوعي، والشعور بالحبّ، والرضا، والإنسجام مع موسيقى الذات ومع قوانين الطبيعة… من هذا المنطلق، كل حركة وكل معلومة تصدر من الكون، تتسرّب إلينا بطريقة إنسيابية عبر ما يسمى «أجهزة الوعي»، من دون أن تتعرض لحواجز الفكر الكثيف؛ لأن الفكر في هذه الحالة، يكون أيضاً بحالة تمدد، ممّا ينتج عنه قبولاً وتسليماً لأيّ فكرة، أو حالة، أو معلومة، دون تحليلٍ أو تعقيد. فيحدث أحياناً أن نكتب أو نتكلّم أشياءً بشكلٍ إنسيابي عفوي دون تحضيرٍ مسبقٍ لها، وكأن أحدٌ ما يمليها علينا، أو كأن الكونَ يكتبُ أو يتكلّم من خلالنا. ويَحدث أحياناً أن تصلُنا معلومات عن أحداثٍ قبل وقوعها، فنستغرب ولا نجد لها تفسير. هذا ببساطة عمل أجهزة الوعي بالإنسان.

شهر كانون أول، ذكرى مولد: الأمير شكيب أرسلان (الرابعة والخمسون بعد المئة)، والمعلّم كمال جنبلاط (السادسة بعد المئة):
ما مثّلا؟ وما الباقي من نهجهما وتراثهما المشترك!

كان الإمام الغزالي يقول (في المنقذ من الضلال): «لا تعدم أمتي من مصلحٍ على رأس كل مئة».

استشراف الإمام الغزالي ينطبق، وعن حق، على قادة ومفكرين ومصلحين عظام، في غير زمان ومكان، ولدى معظم الشعوب؛ وهذا دأب البشرية، لا تعدمُ أملاً وهي في مستنقع اليأس، ولا نورًا ولو ادلهمّت الظلمة.

وهو حالُ الأمير شكيب أرسلان، وبعده كمال جنبلاط، لدى شعبنا بالتأكيد.

الأمير شكيب أرسلان، (1869-1946)، «أمير البيان وشيخ العروبة والإسلام»، هو المجاهد «الأممي» في سبيل حاضر قومه ومستقبلهم، بكل طريقة كانت متاحة، ومهما غلت التضحيات.
ناصبَ الاستعمار، وبخاصة الإنجليزي والفرنسي، العداء الشديد، لأنّه أدرك باكرًا بحسّه السياسي الرفيع أنّ مزاعم الحرية التي جعلاها عنوانًا لحربهما على السلطنة العثمانية عشية الحرب العالمية الأولى لم تكن صادقة. لقد كانت الفخ الذي وقع في الإستقلاليون العرب، وبخاصة مؤتمر باريس (1912) الذي جمع الإستقلاليين العرب المطالبين بالخروج من الحكم العثماني، وحركة الشريف حسين في الحجاز التي تحوّلت لبعض الوقت قبلة كل الأحرار العرب، إلى أن تكشّف غدر الإنجليز بها وإعطائهم الوعد بدولة يهودية في الوقت الذي كانوا يعدون الشريف حسين بمملكة عربية مستقلة.

ما بقي من شكيب نضاله الأممي في سبيل كل قضية تخص العرب والمسلمين بين نهاية القرن التاسع عشر وإلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، 1939. بعضُ تجليات هذا النضال الأممي، بعضها فقط، أن كان في حوزته أربعون تكليفًا من جمعيات وهيئات استقلالية عربية كي يمثّلها أمام عصبة الأمم في جنيف، وكانت أحد أسباب انتقاله من منفاه الطوعي في برلين (1919-1925) إلى جنيف ليكون قريبًا من مقر عصبة الأمم ومداولاتها.

ما بقي من شكيب في نضاله العملي الميداني هو قيادته سنة 1911 لكتيبة من متطوعة جبل لبنان (حوالي 500 مجاهد) سار بهم من مقره الصيفي (صوفر) إلى بئر السبع في فلسطين، حيث أوقفه الإنجليز، إلى أن تمكن مع بعضهم من متابعة مسيرتهم (تحت ستار الصليب الأحمر) إلى ليبيا للقتال مع المجاهدين الليبيين ضد الغزوة الإيطالية على ليبيا. وحين سأله صحافيّون في مصر، لماذا تأتي من بلاد الشام لتقاتل في بلد بعيد؟ ذهب جوابهُ مثالاً لكل القوميين العرب لاحقًا؛ قال: «إن لم ندافع عن صحارى طرابلس الغرب، لن نستطيع حفظ جنائن طرابلس الشام».

يضيق المجال عن سرد تأثير شكيب في العالمين العربي والإسلامي، من أندونيسيا إلى طنجة. وواحدٌ فقط من الأدلة أنّ كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيره، أعيد طبعه أكثر من مرّة. لقد آنس هؤلاء فيه الرجل الموثوق الذي لا يسعى لمصلحة شخصية أو فئوية، وإنّما لمصلحة شعبه وأمته. قال فيه الأمير عبدالله، أمير شرق الأردن، في مهرجان تأبينه في حيفا سنة 1947: «لقد مات الذي لم يكن فوقه فوق؛ لم يكن كرجال هذا الزّمان الذي يسعون وراء مآرب شخصية».
وما بقي من شكيب أكثر من عشرين كتاباً، بعضها موسوعي (حاضر العالم الإسلامي)، وأكثر من ألفي مقالة، في دوريات العالم العربي، من مشرقه إلى مغربه، وفي كل باب فكري أو أدبي أو سياسي يخص العرب والمسلمين.

أمّا كمال جنبلاط، وكان «المعلّم» بحق، فيختصر في شخصه كلّ الميزات الأثنتي عشرة التي رآها الفارابي ضرورية في «رئيس المدينة الفاضلة» عنده. ولأنّ الاثنتي عشرة ميزة تلك يصعبُ اجتماعها في شخص واحد، قال: إنّ ستًّا منها تكفي ليستحقّ رأس المدينة الفاضلة مكانه. لكنّ المثير أنّ الاثنتي عشرة ميزة اجتمعت كلّها في شخصية المعلّم كمال جنبلاط: من امتلاك الفهم العميق والشجاعة والفضيلة الأخلاقية وسائر القيم، إلى الزهد في الدينار وسائر متاع الدنيا. وهذه لم تجتمع لشخص كما اجتمعت في كمال جنبلاط، المعلّم.
وهاكم بعض القيم التي جسّدها كمال جنبلاط، أي لم تكن شعارات ومُثُلاً فحسب، على سبيل المثال لا الحصر:
– قيمة الحرية في معانيها، لا يساوِم عليها، ولا يتخلّى عنها، مهما كلفه ذلك.
– قيمة التقدّم السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي بما يساعد شعبنا على السير إلى الأمام.
– قيمة الحداثة، بما تعنيه من فكر عقلاني وعلم ونظام بعيدًا عن الخرافات والشّخصنة وعبادة الشخص أو الفكرة، وبعيدًا عن الفوضى.
– قيمة الأخلاق الصارمة، إذ لا شيء يغدو ذا معنى إذا افتقد قيمته الأخلاقية، أو إذا ساوم عليها.
وأولها قيمتا الصدق والإخلاص، إضافة إلى رفض مظاهر الإنحلال كافة، إلى التعفف، في أقصى ما يحمله من معنى، والذي غدا مثالاً!
– قيمة الشجاعة، حين يكون على حق، لا يهاب سلطانًا أو قوة ولو كانت أعتى قوى الأرض.
– قيمة المثابرة والعمل المباشر، فكان ينتقد الكثيرين بوصفهم «كلامويين» و«كسالى»، وقد طبّق العمل المباشر على نفسه، شخصيّا، في أكثر من مناسبة.
– قيمة القوة في الحق، وإعلانه، والتضحية في سبيله؛ مع شجاعة الإعتراف بالخطأ والاعتذار.
– قيمتا المثالية والواقعية في آن معًا، فالمثالية المطلوبة يجب أن لا تعني الطوباوية والابتعاد عن الوقع والوقائع؛ كذلك ليست الواقعية التنكر للمثل والقيم الصحيحة والمفيدة.
– قيمة النقد الصارم، العميق، لا للآخر فقط، بل لنفسه أيضًا، وبكل قسوة كما رأينا في كتابيه: «الممارسة السياسية» و«هذه وصيتي»؛ كتابان لم يُستفد منهما بالقدر الكافي.

وأخيراً، قيمة محبة الناس، وبخاصة الفقراء، الذين منحهم كل ما يملك تقريبًا؛ من راتبه في مجلس النواب الذي وقفه للمحتاجين طوال حياته، إلى منحه ما يملك من أراضٍ للفلاحين أو الساكنين فيها، إلى منح قضية الفقراء حياته، في النهاية!
ألم يقل الشاعر الجنوبي شوقي بزيع يرثيه: «…أبا المساكين، إرجع نحنُ ننتظرُ»
أمّا ما يجمعهما، أو المشترك النضالي والثقافي بينهما، فالمقال الموقوف للذكرى فقط يعجز تعداد المشتركات تلك.
بعض ما جمع المعلّم كمال جنبلاط إلى الأمير شكيب أرسلان، على سبيل المثال لا الحصر:
– مناضلين مخلصين لشعبهما وأمتهما.
– زهدهما بكل المراكز والمناصب السياسية
– عداؤهما الشديد للاستعمار ومخططاته وسياساته
– ثقافتهما العالمية الواسعة
– إنتاجهما الفكري الكثيف: 20 كتاباً و 2000 مقالة لشكيب، ورسائل في كل بيت تقريبًا، قال فيها البعض، لو جمعت لكان وزنها طنّا من الورق!
وأكثر من 4000 فقرة ثقافية من كمال جنبلاط، بين كتبٍ (جاوز عددها الستين) ومقالات ومحاضرات.

وأخيراً، فقد جمعهما الإخلاص لفلسطين وقضيتها الكبرى المحقة؛ وبعض ذلك عند شكيب:
– أن آخر كلمتين نطق بهما، بل كتبهما وقد أعياه المرض النطق قبيل وفاته بساعات، «أوصيكم بفلسطين»!
– أمّا كمال جنبلاط فقد كان نصير القضية الفلسطينية الأكثر إخلاصًا لها، في لبنان وسائر العالم العربي على الأرجح. وقد كافأه أصدقاء فلسطين في العالم العربي بأن كرّسوه «الأمين العام للجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية».
وكافأه شعب فلسطين في الداخل بأن جعلوا اسم كمال جنبلاط لميادين ومدارس ومؤسسات، ( في نابلس وسواها) بل جعل شارة الحداد على روحه على سور المسجد الأقصى في القدس الشريف.
وبعد، فنحن نظلم شكيب أرسلان وكمال جنبلاط حين نحشرهما في إطار ضيّق، هنا أو هناك،
وبالمقابل نحنُ نطلق قيمتهما الفكرية والأخلاقية كاملة حين نرنو إليهما باعتبارهما نهجًا يستحثنا على متابعته، ومدرسة في أكثر من باب نتعلم فيها ومنها باستمرار.

وادي التَّيم أرضُ القداسة

«سبحانَك الله»، (كلمة القداسة)، كم هي بليغة روحانيّاً وعميقة فكرياًّ، ومُفعمة بالطُهر والإيمان إنسانياً.
«سبحانك الله»، كم يستريح إليها الفكر والفؤاد والجنان.
«سبحانك الله»، كما ترتاح لذكرها القلوب وتطمئن إليها النفوس وتشعّ إيماناً بين النصوص عبر الزمان.

فكيف بالأحرى أنّنا نعيش في أرضها المُسمّاة باسمها وبين أفيائها وعلى هضابها وسهولها ووديانها ونشرب من ينابيعها وأنهارها. ولا شك منذ كوني فكانت مسكنُ النّسّاك الصالحين والعبّاد القانتين المؤمنين الصادقين الصابرين وغيرهم وغيرهم إلى أوان الأوان وعبر الأيام والسنين.

وهذه التسمية (أرضُ القداسة) عائدة لوجود العديد من المزارات والمعابد للأنبياء والأولياء، ولربما بعضها ما يحفظ رِفاتهم منذ عهد آدم الصفا عليه السلام، أي منذ نحو سبعة آلاف سنة ونيّف إلى ظهور الدعوة التوحيدية عام 1017م، 408 هـ وما تبعها من ظهور أولياء كان من جراء ذلك لشد عزيمة الإيمان والتمسّك بأهداب الدين بين الأهل والأخوان. وهذا ما ينطبق على سائر الملل والأديان.

وما هذا كلّه إلا لخير البشرية وخلاصها وصلاحها وتنقيتها من جور بني الإنسان لبعضهم البعض، إذ كلّما تباعدت تاريخ الرسالات السماوية كلما عاد الإنسان إلى همجيته البربرية من أخلاق سيئة وتسلط وهيمنة وفرض شريعة الغاب وسواء ذلك، وهذا ما نعيشه في عصرنا الحاضر وعسى أن نكون على أبواب التغيّير للعودة بالبشرية إلى أيام الطُهر والخلاص كما هو الحال مطلع كل دعوة سماوية أرسلها الخالق الدّيّان.

وقد نطق القرآن الكريم أنّ عدد الأنبياء والرسل الكرام خمسة وعشرين نبيّاً منهم من له مزارات في وادي التيم ومنهم من قدّسه بمروره أو إقامته بين أبنائه وهذا ترتيبهم:
-آدم – إدريس – نوح – هود – صالح – إبراهيم – لوط – اسماعيل – اسحاق – يعقوب – يوسف – شعيب – أيوب – ذو الكفل – موسى – هارون – داود – سليمان – الياس – أليسع – يونس – زكريا – يحيى – عيسى – محمّد
ومن بين هؤلاء أربعة أنبياء عرب هم: هود – صالح – شُعيب ومحمّد (١)

والأنبياء والرسل (٢) هم الذين اصطفاهم الله تعالى من بني خلقه يحملون دعواته لعباده ويبشرون من آمن بهم وعمل عملاً صالحاً يُجاز لهم الأجير والثواب في الدنيا والآخرة. وينذرون الذين كفروا بتعاليم خالقهم ودعوات أنبيائه بالعقاب وسوء المصير. وقد نطق القرآن الكريم أيضاً في هذا الصدد «وما نرسل المرسلين إلاّ مبشّرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» {سورة الأنعام – الآية 48}.
أمّا الفرق بين النبي والرسول (٣) : فالنبوّة قد تكون مقتصرة على صاحبها ويُسمّى حينئذ نبيّاً، وقد تكون مقترنة لتقويم سلوك جماعة من الناس، وهذا التكليف رسالة ويُدعى صاحبها رسولاً وعلى هذا فكل رسول نبيٌّ وليس كل نبيّ رسول.

الأنبياء جمع نبيّ والاسم مشتق من نبأ، وفي شرح القاموس والنبي بالهمزة هو المُرسَل من الله تعالى وقد أطلعه على توحيده وأعلمه عن الغيب وأخبره أنه نبيّ ورفعه عن البشر.(٤)

وهنالك أيضاً رسُل آخرون لم ترد أسماؤهم في القرآن ولكن أشار الله إليهم بقوله مخاطباً رسوله محمّد (ص) «ورسلاً قد قصصنا عليك من قبل ورسلاً لم نقصص عليك» {سورة النساء – الآية 164}.

والأنبياء ليسوا بدرجةٍ واحدةٍ من الفضل والمكانة بل قد فضّل الله تعالى بعضهم على بعض بقوله: «ولقد فضلنا بعض النبيّين على بعضهم». أما أولياء العزم من الرسل، كما نعتهم القرآن الكريم (بأولي العزم)، والذي أمر الله رسوله محمّداً بالاقتداء بهم وفي جهادهم بقوله: «فاصبر كما صبر أولو العزم من الرّسل» وإنما سُمّوا بأولي العزم لأنَّ عزائمهم كانت قوية وابتلاءهم كان شديداً وجهادهم كان شاقاً وهم: نوح – ابراهيم – موسى – عيسى – محمّد، والإسلام الحنيف جعل الإيمان بالأنبياء من أركان العقيدة الإسلامية كما نطق القرآن الكريم «قولوا آمنّا بالله وما أُنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربّهم لا نُفرّق بين أحدٍ ونحن له مسلمون» {سورة البقرة – الآية 131}.

قصر قديم في بلدة راشيا الوادي ويبدو من خلفه جبل حرمون مطلع العشرينات.

تكريم الوادي عند أبنائه

هذا في المناسبات الاجتماعية كالأفراح والأتراح والزيارات وسواء ذلك كانت هناك أناشيد وزغاريد شعبية تُردَّد تكريماً وتمجيداً لذُرى وادي التيم ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما زغردته نساء بلدة مشغرة للأمير فخر الدين عندما حضر إليها ليصلح بين الأميرين الأخوين الشهابيين علي وأحمد بعد أن استفحل الخلاف والتقاتل بينهما على الزعامة للوادي، وقد وفّق في مصالحتهما بعد تقسيم الوادي بينهما.

إذ أعطى الأمير علي حاصبيا ومنطقتها أي جنوب وادي التيم وأعطى الأمير أحمد راشيا ومنطقتها أي شمالي وادي التيم، فكانت تلك الزغرودة التي أنشدتها السيدة فيروز بين أعمدة بعلبك (في أوبريت فخرالدين) حتى أنّ النسوة في منطقتنا، منذ عهد قديم، كنّ يرددنها لأبنائهن أمام أسرتهّن قصد المنامة.
« يا قمر مشغره
يا بدر وادي التيم
يا جبهة العالـــي
ومزنّرة بالغيـــــم
انشالله انشالله القمر يبقى قمر
وما يصيب عزّك ضَيم
وكذلك حقاً أنه «مَلفا الغيم» إذ تتجمع الغيوم المليئة بقطرات الندى صيفاً وبالأمطار شتاء والآتية جميعها من البحر كتاجٍ في أعلى قمة جبل الشيخ لتتحوّل فيما بعد خيراً وبركة فوق هضابه وشعابه.

ومشكى الضيم، إذ كان وما زال حصناً منيعاً للمضطَهدين والبائسين ينضوون بين كهوفه ووديانه وحتى مغاور قممه اتّقاءً لشر الحكام المتسلّطين والظالمين، وهرباً من جيوشهم الغازية والتي تستبيح شتّى المحرّمات وخاصة الِعِرض، وما له من كرامة وهذا ما حدث مع أهلنا أيام الغازي ابراهيم باشا المصري والأحداث والمعارك التي نشبت بينهما في معارك وادي التيم كمعركة بكّا والبيرة وحاصبيا وسواهما، ممّا حمل أهلنا في راشيا ومنطقتها إلى الانتقال إلى بلدة شبعا الحصينة والنزول عند أهلها. وهذا ليس مستبعداً أن يصبح مقراً أو ممراً للعديد من الأنبياء والأولياء وهم في تنقّلاتهم بين بلاد الشام وإلى بلاد كنعان، مهد التاريخ ومسرحاً للمعارك والقتال عبر الزمان.

حدود وادي التّيم الجغرافية كما حدّدها الأقدمون

أثبت العديد من المؤرخين ومنهم المؤرخ الشهير كمال الصليبي رئيس دائرة التاريخ في الجامعة الأميركية عن وادي التيم في كتابه «لبنان بمنازل كثيرة»، أن قبيلة بني تيم، والتي هاجرت إليه من شبه الجزيرة العربية في القرن الخامس الميلادي، قد استوطنت السفوح الغربية لجبل الشيخ ومن هنا كانت تسميته عملاً بالمبدأ الشائع «لا تُعرَف الأرض إلاّ بقاطنيها».

وحيث إنّ بني تيم من أجداد الموحدين الحاليين، لذا يمكننا القول ونقرّه إنّ القرى التي يقطنها الموحدون الحاليون في هذا الوادي هم النواة الأولى لمن سكن الوادي وعُرف فيما بعد باسمهم وإن تغيّرت معالم بعض القرى ديموغرافياً بسبب الحروب والفتن أو إنها بقيت كما هي.

إذاً يبتدئ الوادي المذكور من أقصى قرية توحيدية شمالاً وهي قرية حَلوى والتي يمر في أرضها وادي القرن أو وادي الحرير وتسلكه حالياً طريق دمشق بيروت الدولية. والدليل الثّابت لذلك أن المكان الذي يتواجد به مقام النبي هابيل عليه السلام والذي يقع على تلّة تشرف شمالاً على الطريق المذكورة وهي مُلك أصحاب بلدة حلوى، وأن صاحبها المرحوم الشيخ نسيب الداود شخصياً قد تبرّع من أرضه بمساحة 72 دونماً للمقام الشريف وعند أسفل المنخفض بجانب الطريق يقع مقام شقيقه القاتل قايين.

ثم يتدرج الوادي المذكور من هنالك جنوباً وملاصقاً لجبل الشيخ في القسم الغربي منه وهو جزء لا يتجزأ من وادي التيم لينتهي جنوباً عند القرى والمزارع الملاصقة لهضبة الجولان المحتلة والتي تُعرف بقرى العرقوب حالياً.

بالإضافة إلى ما يشير إليه الكاتب سعيد نفاع في كتابه (العرب – الدروز) (٥) ابن بلدة المطلّة اللبنانية التيمية والتي باعها صاحبها جبّور رزق الله من صيدا إلى البارون روتشيلد اليهودي الفرنسي عام 1875، كانت تشمل أيضاً قرى شمالي فلسطين الدرزية حتى بلاد الجليل. ومن القرى التي بيعت كالجاعونه وملبس وسواهما ما يدل على أن الوادي كان يتصل بالجليل ديمغرافياً ومذهبياً .

أمّا غرباً فتحدّه قمم وهضاب السلسلة الوسطى بين الوادي ومجري نهر الليطاني، وكما يعرّفها قاطنوها، إذ يبتدئ من بلدة مجدل عنجر شمالاً ثم يتدرّج جنوباً إلى بلدة السلطان يعقوب ثم البيرة والرّفيد والمحيدثة وكفر مشكي وصولاً إلى مرجعيون ثم المطلة المحتلّة والقرى التي تحيط بها وجميع هذه القرى في هذه البقعة الجغرافية من الأرض، كان سكانُها من طائفة الموحدين أو مختلطة في بعضها، إلاّ أنه حدثت بعض التّغيّرات الديموغرافية بين مقيميها، كما ذكرنا سابقا، من خلال الحروب والفتن وليصحّ القول عند العامة أنّ حدود وادي التيم من وادي الحرير شمالاً حتى جورة الذهب جنوباً أي الحولة المحتلة حالياً.

وهذه أسماء القرى التيمية وهي على الوجه التالي من الشمال إلى الجنوب:
حَلوى – دير العشائر – ينطا – بكا – كفر قوق – عيتا الفخار – مجدل عنجر – المنارة – الصويرة – بيادر العدس – الفالوج – السلطان يعقوب – عزّة – مدوخة – كفر دنيس – خربة روحا – عين عرب – البيرة – الرفيد – المحيدثة – ظهر الأحمر – راشيا – الفاقعة (دارس) – بكّيفا – بيت لهيا – تنورة – يذما (دارس) – عين حرشا – عين عطا – كوكبا أبو عرب – كفر مشكي – مرج الزهور – القنعبة – حوش القنعبة – ميراميس – العقبة – مزرعة جعفر – السفينة – الكفير – ميمس – الخلوات – عين ثنته – عين قنيا – شويّا – حاصبيا -الفرديس – عين جرفا – أبو قمحة – كوكبا – برغز – إبل السقي – بلاط – دبين – مرجعيون – القليعة – برج الملوك – دير ميماس – كفر كفلا – المطلة – الخيام (الخيم سابقاً) – سردة – العمرة – عين عرب – الماري – المجيدية – وادي خنسا – حلتا – مزارع شانوح وبسطرا – والسلامية- كفر شوبا – كفر حمام – شبعا – الهبارية والبالغ عددها نحو 75 قرية. (٦)


المراجع:

1- سميح عاطف الزين، قصص الأنبياء في القرآن، ص 5.
2- عاطف الزين، قصص الأنبياء في الكريم، مرجع سابق، ص 5.
3- عاطف الزين، قصص الأنبياء في القرآن الكريم، م.س.، ص 5.
4- عفيف طباره، مع الأنبياء في القرآن الكريم، ص 11.
5- سعيد نفاع، العرب الدروز، منشورات الدار التقدمية، ص 42 – 42.
6- غالب سليقه، كتاب وادي التيم أرض القداسة ( قيد الطبع).

مشاريع الطوائف ومستقبل لبنان

منذ إنشاء دولة لبنان الكبير وحتى تاريخه، لم يعمل اللبنانيون على تأسيس دولة ووطن، فقامت الدولة الناشئة على أساس تجميع طوائف بهويّات وخصوصيّات وتجارب تاريخيّة متنافرة وهواجس ديموغرافيّة وتسابق على الأفضليّة في الحكم والمغانم. ولم يتمَ العمل كذلك على تطوير الدستور «والميثاق الوطني» لبناء دولة حديثة، فدخل لبنان بين العامين 1958 و1990 في حربين داخليتين وأزْمات، فيما بقيت بنود «اتفاق الطائف» المتعلقة بإلغاء الطائفيّةِ-السياسيّة وخطواتها، حتى الهويّة العروبية، من دون تطبيق، وطبقة سياسية حاكمة تعيد انتاج ذاتها انتخابيًا عبر جمهورها الطائفي/المذهبي. كلّ هذا فتح أبواب لبنان على مشاريع للطوائف، أوصلت البلاد اليوم إلى الانهيار، تزامنًا مع الفساد والمحاصصة والاستحواذ على المناصب والثروات والمال.

سأقارب الموضوع بردود الفعلِ لدى الطائفتين الرئيسيّتن الإسلاميّة والمسيحيّة على إنشاء لبنان الكبير بناء على الخلاف على الهويّة حتى تاريخه، ثم أنتقل بسرعة إلى مشاريع الطوائف الخاصّة، وبعدها المتعلقة بالفدراليّة والدولة المدنيّة.

1- مخاض الهويّة اللبنانيّة

من المعروف أنّ المسلمين بغالبيتهم رفضوا لبنان الكبير لاعتبارات تتعلَّق بهويّتهم العربيّة-الإسلاميّة. فبين العامين 1909 و1920 كان عليهم الخروج من العثمنة، إلى العروبة في مؤتمر باريس في العام 1913 (دعوات الكواكبي لتعريب الخلافة الإسلاميّة، وابراهيم اليازجي وعازوري، والحصري، وزريق للقومية العربية)، وأن تُفرض عليهم الهويّة اللبنانيّة في لبنان الكبير. فكيف يمكن لإنسانٍ أن يغيّر هويّته ثلاث مرات في حدود 11 سنة. لهذا، بقيت العروبة مشروعًا وحدويًا في وعي المسلمين….

أما المسيحيّون، وبخاصّةٍ الموارنة منهم، فانحصر مشروعهم منذ عهد المتصرفيّة في إقامة كيانٍ لهم مستقل عن محيطهم العربي-الإسلامي. لذا، خرجوا من «لبنان الصغير» إلى لبنان الكبير بهويّة القومية اللبنانيّة مبتعدين عن عروبةٍ ثقافيّة كانوا هم روادها، فيما طالبت أقلية منهم بالعودة إلى لبنان الصغير خَشية أن «تمتصهم» الديموغرافيا الإسلاميّة، هويةً وسياسةً.

في المقابل، اندمج المسلمون فرادى، ثم تدريجيًا، في لبنان الكبير منذ العام 1920، حاملين معهم هويّتهم العروبية التي فضلوها على لبنانيتهم، وشكَّلَ ترشيح الشيخ محمَّد الجسر نفسه لرئاسة الجمهوريّة في العام 1932 ومؤتمر الساحل الثالث في العام 1936 علامتين فارقتين على اندماجهم في لبنان، إلى أنْ تُوِّج ذلك في «الميثاق الوطني» والصيغة.

في الميثاق وُضعت تسوية للتعايش الطوائفي على أساس الديمقراطيّة التوافقية وهويّة ملتبسة وحياد لبنان عن أزمات المنطقة. فاعتبر الموارنة أنّ لبنان أضحى أزليًّا، هويَّةً وكيانًا، وغير قابلٍ للتغيير أو التعديل، فيما تمسّك المسلمون بالعروبة مجسدين ذلك بالمطالبة بالوحدة مع سورية، والانجذاب إلى الوحدة المصريّة-السوريّة. فتسبّب ذلك في تخويفٍ متبادَلٍ بين الفريقين: المسيحيّون من عروبة تزحف عليهم برداء الإسلام (الخلط بين العروبة والإسلام)، ومسلمون خائفون على عروبتهم من إلحاق دولتهم بفلك الأحلاف، بعد دخول لبنان في «مبدأ ايزنهاور»، من دون أنْ يكون مهدّدًا بالشيوعيّة.

منذ «اتفاق القاهرة» في العام 1969 وحتى اتفاق الطائف في العام 1989، فُتحت أبواب لبنان على الخارج، وعلى الجيوسياسيتين الإسرائيليّة والسوريّة، من خلال:
أ‌- استقواء المسلمين بالمقاومة الفلسطينية مع تحوّل الديموغرافيا إلى مصلحتهم، ليس للانقلاب على لبنان الموحّد، بل لنزع مكاسبٍ من المارونيّة السياسيّة، وفي مقَدّمها رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش (تصريح كرامي بترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية بناء على تحول الديموغرافيا لمصلحة المسلمين، وكذلك النائب عدنان الحكيم لتأكيد أن الرئاسة ليست حكرًا على الموارنة).
ب‌- مشروع اليسار اللبناني لعلمنة النظام اللبناني، بحيث لا يبقى للموارنة من أعمدة الحكم الثلاثة سوى الاقتصاد المُمسكين به، أي خسارة رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
ج‌- تصاعد مخاوف الموارنة، بعد انهيار التوزان السابق بفعل المقاومة الفلسطينية، وتعطّل صناعة القرار. فتكتّلوا في «الحلّف الثلاثي»، وطرح بعضُهم الفدراليّة.

باندلاع حرب لبنان نعى المسلمون، سنّة وشيعة، الميثاق وطالبوا بالعلمنة السياسيّة وبديمقراطيّة الأكثريّة، على أساس لبنان دائرةً انتخابية واحدة، فيما انحصر مشروع المسلمين الدروز في إقامة دولة عادلة، ومجلس شيوخ يمثّل الطوائف المشكّلة للمجتمع اللبناني، برئاستهم، مع الحفاظ على حقوقهم كأقليّة عددية كان لها دور بارز في تأسيس الكيان اللبناني الحديث. في المقابل، جاء رد الموارنة بالمطالبة بتطبيق العلمنة في الأحوال الشخصيّة لقطع الطريق على المطلب الإسلامي بالعلمنة السياسيّة، وتصاعدت دعواتهم مطلع الحرب إلى العودة إلى «لبنان الصغير» عبر الفدرلة أو التقسيم، أي كما جاء في كراسات «القضية اللبنانيّة» الصادرة عن لجنة الأبحاث في الكسليك. هذا المشروع خبا بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 بتغيّر التوازنات من جديد، فعاد الموارنة إلى مشروع حكم لبنان كلَه.

فيما حَسم «اتفاق الطائف» عروبة لبنان وانتمائه العربي، ظهر منذ شباط 1985 مشروع حزب الله لإقامة نظامٍ إسلامي في لبنان وإلحاقه بولاية الفقيه وبالأمة الإسلاميّة بقيادة إيران. وظهر بعد الطائف سُنيّة سياسية جسّدها مشروع الحريري بإعادة الأعمار بسلطة رأس المال وبتبعية كاملة للسعودية، و»شيعيّة سياسيّة» تحمل مشروع «ديمقراطيّة الأكثرية» أو «المثالثة»، وكلاهما تُسقطان «المناصفة» التي أقرّها «اتفاق الطائف»، وبالتالي الدعوة إلى هيئة تأسيسيّة لإقامة نظام جديد يحقّق لها السيطرة على لبنان، حتى أن السنّة طالبوا مطلع الحرب بديمقراطيّة الأكثرية (تصريح حسين قوَّتلي المدير العام لدار الافتاء). صحيح أنَّ الحزب قام بدورٍ رئيسي في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وحصل على تأييد الشعب اللبناني، إلا أن سياسة الإمساك بالدولة ومؤسّساتها والقرار فيها، خلق أسئلة وإشكاليات عدّة، كما فتح الباب من جديد على مخاوف إعادة لبنان إلى دائرة مشاريع الطوائف الكبرى.

لقد اعتقد كثيرون أنّ «ثورة الأرز» هي مشروع وطنيً جامع لإقامة الدولة القويّة، فانضمت، منذ ذلك الحين، غالبية إسلاميّة إلى هوية لبنانيّة تحت شعار «لبنان أوَّلًا»، لكن الثورة انحصرت في إخراج الجيش السوري من لبنان، ولم تصل إلى مشروع وطني تغييري، فيما تحول تكتل 14 آذار إلى «زواج الإكراه» لجمعه قوى متناقضة لم تَرْقَ إلى مشروع إقامة دولة قوية، ثم تآكلت بالاغتيالات.

هكذا، عادت الطوائف اللبنانيّة الكبرى تطرح مشاريع سياسية وفق مصالحها لتغيير نظام لبنان أو الانقلاب عليه، في كلّ مرّة كانت تتعرّض البلاد فيها لأزْمات، أو تشعر فيه طائفة بالضعف، أو تستقوي على غيرها من الطوائف الأخرى.

وتتضارب اليوم ثلاثة مشاريعَ مترافقة مع الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي:
أ‌- الفدراليّة للموارنة، كردّ فعل على انهيار الدولة وقيام دولة إلى جانبها.
ب‌- مشروع «المثالثة» للشيعيّة-السياسيّة التي تضرب المناصفة التي أقرّها الطائف.
ج- مشروع الدولة المدنيّة الذي يلقى رفضًا حادًا من قبل معظم رجال الدين المسلمين والمسيحيين.

2- المخاوف المسيحية من البقاء في لبنان الكبير

أشير بداية إلى لبنانيين كثر يتشاركون مع المسيحيين في معظم مخاوفهم، من دون أن يكون لديهم مشروع للفدرالية.

إنّ الخَشية على الإنجازات والمستقبل والمصير لدى المسيحيين تأتي في صدارة مخاوفهم، بأن يتم القضاء نهائيًا على إسهاماتهم وأدوارهم في لبنان ويشعر المسيحيون أنهم فقدوا الدولة التي أسّسوها أو تأسست من أجلهم، ولم تعد تؤدّي مهامها سيادة ومؤسسات ودستورًا وجيشًا وقضاء، وما وصلت فيه الأحوال من محاصصة الوزارات والمناصب، ووجود «سلاح غير شرعي»، فضلًا عن «الحدود السائبة»، وتحليق الدولار وتدهور الأوضاع المعيشية للأسباب المعروفة، وانهيار الطبقة الوسطى من 70% إلى 40%، وازدياد الفقراء من 25% إلى 55%، وفق آخر الإحصاءات.
كذلك يقلَقُ المسيحيون من عدم تطبيق اللامركزيّة الإدارية، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهوريّة بموجب اتفاق الطائف، وتحول «المناصفة» إلى وهمية، وهناك تصاريح عديدة للبطريرك صفير حول التلاعب بالانتخابات منذ العام 1992، عبر انتخاب المرشحين المسيحيين من قبل أكثرية إسلاميّة.

بعد العام 2005 وعودة الجنرال عون من المنفى، ظهرت هناك مطالبات شعبية مارونية لتفعيل المارونية-السياسية، لاستعادة موقعها على الساحة الداخلية. ولأسباب لن ندخل فيها، نشأ صراع مُدمّر بين المارونيّة السياسيّة الجديدة الممثلة بالجنرال عون «والمارونية السياسيّة» القديمة، القوات والكتائب والمردة، تهميش مع محاولات تهميش مرجعية بكركي وتحويل كلمتها إلى غير مسموعة. فأدّى هذا الشرخ إلى تآكل الطائفة المارونية من الداخل، تزامنًا مع ضعف سياسي متزايد في دور الطائفة السنية، ومطالبة الشيعيّة-السياسيّة بـ «المثالثة» التي تقلّص دور الطوائف وتترجم اليوم في الاحتفاظ بوزارة الماليّة، فضلًا عن محاولات قضم ما أمكن من مؤسسات الدولة والقطاع العام، مترافقاً مع ضرب استقلالية الصحافة ووسائل الإعلام، وإسكات الأصوات المعارضة بوسائل عدة، أبرزها الإحالات المتكررة للأصوات المعارضة على مرجعيات قضائية وعسكرية ليست مخوّلة النظر في المخالفات الإعلامية.

تزامنًا، وجد الكثير من المسيحيين أنّ الإرهاب الذي مارسته منظمات عسكرية تزعم أنها «إسلامية» وضرب لبنان منذ نهاية القرن الماضي، وتأثّره بالأصوليّة الإسلاميّة في الإقليم، وتوسيع تركيا نفوذها هناك، بعث لدى المرجعيات المسيحية خوفاً حقيقياً على هوية لبنان التي تكرّست في الميثاق الوطني لسنة 1943.

وباندلاع الثورة السورية، وانخراط فصائل لبانية، أفراداً وجماعات فيها، يضاف إليها تداعيات اللجوء السوري للبنان، تأججت مخاوف الموارنة من جديد، فضلًا عن فشل «إعلان بعبدا» في حزيران 2012 في وضع حدّ لذلك، ما فتح الباب واسعاً لتكهنات بوجود مشاريع سياسية غير معلنة يجري تحضيرها للهيمنة على الكيان اللبناني، أو تقسيمه الفعلي تحت مسميات غير معبّرة عن حقيقة مضمونها. وكأنت أبرز تداعيات التحول الجديد الإساءة إلى العلاقات بين اللبنانيين وبين لبنان والعالمين العربي والخارجي، وبداية علامات التأزم المالي والاقتصادي والاجتماعي..
صحيح أنّ الانتفاضة اللبنانيّة عزّزت الأمل لدى الكثير من اللبنانيين بحصول التغيير المنشود، وإعادة توحيد اللبنانيين تحت عناوين وطنية واجتماعية بعيداً عن الاصطفاف الطائفي والمذهبي، إلّا أنّ الأمور لم تسر في الاتجاه الذي يخدم سفينة الوحدة الوطنية المدنية غير الطائفية. إذ سرعان ما تسرّب الانقسام إلى جمهور الانتفاضة نفسه، وفقط خطوط طائفية منفّرة، وكانت ممارسات لبعض من زعم أنه من جمهور الانتفاض (من عنف زائد مجاني ومشبوه الغايات، إلى تدمير المؤسسات، واستهداف الأنشطة الاقتصادية وغيرها) ما تسبب بإحباط شديد. ثم تلاشت الانتفاضة مع انتشار فيروس كورونا. ثم جاء تفجير مرفأ بيروت مطلع آب 2020، وتعطيل التحقيق العدلي فيه، وما حصل في عين الرمّانة في 14 تشرين الأول 2021، وعودة حوادث الاغتيالات المشبوهة، والهجرة الدافقة نحو الخارج ليخلق انهياراً سياسياً انضاف إلى الانهيار المالي. وأضيف صوت بكركي المطالب بالحياد إلى الأسباب الأخرى التي انقسم اللبنانيون فيها؛ وفيما كان الغاية كما أعلنها غبطة البطريرك النأي بلبنان عن الصراعات الإقليمية، جاءت المطالبة بإعلان حياد لبنان وعرض أوضاعه على مؤتمر دولي، لتشعر فريق من اللبنانيين (وبخاصة الطرف الشيعي) أنه المستهدف بذلك، وليغدو مطلب الحياد كرة نار جديدة يتقاذفها الفرقاء السياسيون.

لقد شعر موارنة ولبنانيون (عن حق أو من غير حق) أن تعطيل استحقاقين رئاسيّين على يد الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحرّ بين العامين 2007 و2016، ومرّة ثالثة منذ خريف العام 2022، هو استهداف للوطن. ولا ننسى في هذه العُجالة تعطيل تشكيل الحكومات اللبنانيّة، فيما بقي صوتا البطريرك الراعي والمطران عَودة غير مسموعين، من شغورٍ مسيحي في المؤسّسات القضائيّة والماليّة والعسكريّة والدبلوماسيّة، واعتباره تهديدًا للهوية. ولم يكن تصاعد المطالبة بالفدرالية لدى أطراف مارونية عدة بعيداً عن مناخ الفوضى الذي ساد الحياة السياسية اللبنانية في الفترة الأخيرة، وخروج ملامح مشاريع سياسية أشتّم منها أنها تتضمن تغييراً في هوية لبنان التقليدية.

3- هل الفدراليّة مشروع لمستقبل لبنان أم للتقسيم؟

نشير بداية إلى دول كثيرة نجحت في اعتمادها، لأن مساحاتها الجغرافية الواسعة وتموضع سكانها سمحت بتوزيع السلطات بين المركزي والمحلّي، فضلا عن أن معظمها لديه قسط من الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، فيما سينتقل لبنان الطائفي الموحّد بهشاشته وتداخل طوائفه ومساحته الجغرافية الصغيرة إلى الفدراليّة، وهو يحمل معه أحقادًا تاريخية طائفيّة ومذهبيّة، وتبعيات للخارج، والخلافات على السياسيتين الدفاعيّة والخارجيّة، ما يعزّز الشكوك والهواجس حول مستقبل الفدراليّة وثباتها ويعيق النجاحِ. فهل تربينا على احترام الديمقراطيّة في لبنان الموحّد كي نطبقها في لبنان الفدرالي؟

عندما جرت الانتخابات في العامين 2005 و2009، أفرزت أكثرية مقابل أقليّة معارضة؛ لكن الأكثرية لم تحكم لتسلط قوى الممانعة اللبنانيّة على الحياة السياسية. وبموجب «اتفاق الدوحة» في أيار 2008، حصلت المعارضة على «الثلث الضامن»، وأخذ الحكم في حينه طابع الكيدية، من دون اعتبار لمصالح الوطن.

إنَّ توقُّع فشل الفدراليّة ومخاطرها على التعايش يعود، برأينا، إلى صغر حجم لبنان وقلّة موارده الطبيعية، وتضارب الجغرافيا مع الثقافات في الأقاليم، وبقاء الطائفيّة المجتمعية تمنع التعايش والتلاقي، ووجود ثقافة الاستقواء على الآخر، قد تؤدّي كلّها إلى صراعاتٍ وتطهيرٍ على أساس الدين، خاصّة أنّ تغيّر الديمغرافيا بفعل التكاثر الاسكّاني للأقليّات وغياب الديمقراطيّة والاعتراف بالآخر وبحقوقه، سوف يُفسد «العيش المشترك»، عبر مطالباتها بحقوق إضافية تضنُّ عليها بها الأكثريّة.

وفي الدولة الفدراليّة، يتشكل المجلس الرئاسي المركزي من رؤساء الأقاليم المنتخَبين، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول تحوّلهم إلى وطنيين وعَلمانيين يعتمدون ثقافة التعايش الفدرالي، علمًا أن قرارات المحكمة الدستوريّة في الدول الفدراليّة نافذة. فهل ستكون كذلكَ بالفعل في لبنان الفدرالي، أم على طراز لبنان الموحّد؟ والسؤال المُلحّ: كيف سيتمكن الجيش الفدرالي المكوّن من أبناء الطوائف من حسم الأمور إذا حدثت خلافات بين الأقاليم؟ ولن تكون هناك ضمانات بوقوف الفدراليّات إلى جانب بعضها البعض في حال تعرّضها لخطر خارجي.

ومن المعروف في الدول الفدراليّة أن السياستين الدفاعيّة والخارجيّة من صلاحيات الحكومة المركزيّة، وهما مَوقِعا الخلاف في لبنان الموحّد. فكيف ستتوافق مكونات الفدراليّة على السياسة الدفاعيّة وهناك سلاح غير شرعي على الأرض، وهل ستقطع الطوائف علاقاتها بالخارج؟ وفي لبنان الموحّد لا يُحترم الدستور، وقد خُرق مرارًا منذ الطائف، واليوم في الاستحقاق الرئاسي الأخير وطريقة التصويت والورقة البيضاء). ولا ضمان لعدم خرقه في الفدراليّة (قوانين الانتخابات والجنسية، والمالية والنقد).

إنّ نظام التملّك والتنقل والإقامة والعمل في الفدراليّات هو حقّ دستوري. فهل سيقبل به المسيحيّون الخائفون من التملك وعمل الأجانب وإقامتهم في مناطقهم (بيان المؤتمر الدائم للفدراليّة)؟ وهل ستكون بيروتَ الكبرى فدراليّة إسلاميّة-أرثوذكسيّة أم عاصمة مركزيّة؟ وكيف سيكون عليه موقف حزب الله من مرفئها ومطارها خارج نطاق سيطرته؟.

يبقى سؤالان: كيف ستؤسَّس فدراليّة وطوائف البلاد مبعثرة على مساحة لبنان، وهل الحلّ بريط أبناء أي طائفة بممرات؟ إنّ صعوبات عدة جغرافية، وجيو سياسية، واجتماعية، وعسكرية، تقف حائلاً قوياً دون إمكانية تحول الفدرالية إلى كيان سياسي جديد في لبنان؛ كما أن المسوغٍ الرئيس للفدراليّة عند الموارنة هو سلاح حزب الله أمرٌ خاضع دوماً للنقاش والمقاربة كما جرى غير مرة

4- هل الدولة المدنيّة هي الحلّ؟

إذا كانت الفدراليّة ذات أُفق مسدودٍ، وقد تؤدّي إلى انهيارات على الأصعدة كافة، فهل يكمن الحلّ إذًا في الدولة المدنيّة (العلمانيّة)؟.

يُعلن بعض المسؤولين تكاذُبًا عن سعيهم إلى إقامة دولة مدنيّة. في الدولة المدنيّة لا يوجد زعماء طوائف وينبثق مجتمع مدني يراقب الحكومة، ويتقارب أبناء الوطن الواحد ويتمتّعون بالحقوق والواجبات نفسها، وينتفعون جميعًا بالثروات، ولا يشكّل الواحد منهم تهديدًا لـ «لآخر»، سياسيًّا أم اجتماعيًّا أم ثقافيًّا.
كل هذا يؤدي إلى انبثاق وحدة مجتمعيّة تؤسّس لمواطنيّةٍ،

ولعدم توافر إحصاءاتٍ عن مدى تقبّل اللبنانيين الدولة المدنيّة، سأقارب الموضوع من خلال الزواج المدني والزواج المدني الاختياري، إشارة إلى أن الزواج الاختياري لم يُطبَّق في العام 1998 بسبب المعارضة الإسلاميّة الواسعة، رغم موافقة قوى سياسية محسوبة على الجانب الإسلامي وأبرزها الحزب التقدمي الاشتراكي. إنّ حظوظ قبول المسيحيّين بزواج مدني هي أكبر من تلك لدى المسلمين، مع أنّ البطريرك الراعي رأى أنّ الزواج المدني هو خطيئة. فكيف ستؤسَّس الدولة المدنيّة إذاً، فيما الزواج بأيدي رجال الدين؟ لقد اشترطت البطريركيّة المارونيّة القبول بالزواج المدني بعقد القِران في الكنيسة أيضًا. لكن المسألة ليست هنا، بل في مفاعيل الزواج المتأتية (طلاق، ميراث، حضانة تبنٍّ الخ..). إنّ المسلمين يرفضون الزواج المدني الاختياري؛ فكيف سيقبلون بهذا الطراز من الدولة العلمانيّة التي تفصل الدين عن الدولة، ولا تُدخل التشريعات السماوية في قوانينها؟. في شباط 2021 اعتبرت دار الفتوى أنّ الزواج المدني يخالف أحكامّ المادّة التاسعة من الدستور اللبناني الذي أعطاها تلك الصلاحيات، فيما أنَّ قانونًا موحَّدًا للأحوال الشخصية، مرفوض من المسلمين والمسيحيين.

نحن نعترف بصعوبة إسقاط الدولة المدنيّة على مجتمع طائفيّ قبلَ تربيته على المواطنية والديمقراطيّة والاعتراف بـ «الآخر» وحقوقه والعيش معه. لكن أليس من الأفضل اختبار هذه التجربة، كما فعلت تركيا وتونس اللتان فصلتا الدين عن الأحوال الشخصية، بدلًا من الذهابِ إلى الفدراليّة أو نظام إسلاميّ أو هيمنة إسلاميّة؟ وإذا فشلت الدولة المدنيّة، عندها يبحث اللبنانيون عن حلّ آخر، قد لا يكون متوافرًا.

قد تكون أو لا تكون الدولة الفدراليّة هي الحلّ. لكن الوصول إلى الجواب يجب أن يسبقه حوار وطني للحفاظ على لبنان موحَّدًا، وعلى إرادة العيش المشترك تحت مظلّة نظام يجمع ولا يفرّق، بعد الاستغناء عن الطائفيّة-السياسيّة، ووضع قانون يتيح للبنانيّين الانتخاب والإتيان بممثّليهم الفعليّين إلى مجلس النوّاب، في ظل حكومة قويّة وفاعلة ونزيهة، وإنشاء مجلس شيوخ طائفي انتقالي مرحلي، والعمل تدريجيًا للانتقال إلى مجلس نيابيّ غير طائفيّ. كذلك، الاتفاق على السياستين الدفاعيّة والخارجيّة، واستقلال القضاء عن التدخلات السياسية، واعتماد اللامركزيّة الإداريّة، وتحرير الوظيفة من القيد الطائفي. وتتطلّب الدولة المدنيّة علمنة الأحزاب، وأن تكون مختلطة ولديها برامج تعزّز الوطنية، فضلًا عن الإنماء المتوازن.

وعلى الصعيد الاجتماعي التربوي، وجوب وضع الأحوال الشخصيّة في يد الدولة، وتعزيز الزواج المدني المختلط؛ مع عقد الزيجات لدى المؤسّسات الدِّينيّة كخطوة ثانية تليه لمن يشاء، وهذ هي المشكلة مع المؤسّسات الدينية. كذلك، إعادة بناء الوحدة الوطنية بمفاهيم تربويّة واجتماعيّة تعزّز المواطنيّة والتعدّديّة الثقافيّة، واستبدال التعليم الديني بتدريس القيم المشتركة للأديان (فشل الحريري الأب في جعل التعليم الديني خارج المدارس). وأخيرًا جعل الدولة اللبنانيّة وحدها مرجعيّة السلاح والقرار السياسيّ، وتعزيز الجيش الوطني.

5- استشراف المستقبل

لقد مر لبنان في العقدين الأخيرين بمخاضات كارثيّة عدة، تلاشت الدولة اللبنانيّة معها كليّا وفقدت أهم ميزة لها، وهي الإمساك بشعبها وفرض سيادتها على أراضيها وعلى سياستها الخارجيّة. وفي المخاض الأخير، فقدت القدرة على الدفاع عن ثرواتها.

إنّ الفدراليّة المُبَعثرة على أساس الجغرافيا والثقافات المتباينة والمصالح المتضاربة لن تكون مقبولة من كل الطوائف، ولن تلبّي حاجاتها، فيما لا توجد إرادة لبنانيّة قادرة على تحقيق الدولة المدنيّة في ظلّ السدود السياسية والاجتماعيّة والدينية المقامة حولها. لقد جربنا التدخل الدولي في عهد القائمقاميتين وإنشاء متصرفية جبل لبنان، وفي سايكس – بيكو وفي التسوية بين شهاب وناصر مطلع العام 1959، وفي «اتفاق القاهرة»، واتفاقي الطائف والدوحة، حتى «إعلان بعبدا»، من أجل حل خلافاتنا، فكانت كارثيّة، أو من دون نتائج.

يبقى السؤال» أين يكمن الحلّ إذاً؟ مع العلم أن لبنان لن يعود كما كان.
إذا كان الحل الوطني المطلوب في الأمد المنظور، بما فيه معالجة معطى سلاح حزب الله، إلا أن الحل المعاكس، أي الفدرالية، سيقود إلى نتائج كارثية، وبعضها:
1- قيام حرب بين الطوائف لتحسين شروط الكانتونات من نواحي الأرض والإسكان والموارد والثروات المرتقبة.
2- قيام صراع بين مكوِّنات الفدراليّة المسيحية على الزعامة والمصالح مستقبلًا.
3- إنّ الفدراليّة هي مخلوق مَيْت في ظل الثقافات اللبنانيّة الراهنة، وستؤدي إلى التقسيم.

وبعد، فكل مشروع مستند إلى أساس، أو تبرير، طائفي، ومن أي جهة أتى، ليس حلاً، بل يزيد الأزمة اللبنانية الراهنة تعقيداً، بل تفجيراً. وحده المشروع الوطني المدني الديمقراطي، العادل في توزيع الحقوق والواجبات، والذي يتضمن مساحة للخصوصيات المحلية، هو الحلّ المستقبلي الآمن.

انتفاضة راشيّا ضدّ السُّخرة (1878)

تزامنت انتفاضة راشيّا (1878) مع انتفاضةِ أخرى في قرية المطلّة أسفل وادي التّيْم ذات السكن الدرزي وشيخها وقائدها علي الحجّار الذي ضاقت السلطة العثمانية ذرعاً به بعد الانتفاضة، كما ضاق بوجوده المستوطنون الصهاينة فدبّر الفريقان اغتياله في العام 1895 الذي آل عمليّاً إلى استيلاء الحركة الصهيونية على المطلة وتشريد سكانها في قرى المنطقة وجبل حوران.

1. الظروف العامة

أ- محاولة السلطة العثمانية تحديث الدولة على مقياس الدول الأوروبية، وهي محاولة سابقة لهذا التاريخ، إلّا أنّ جديدها في هذه المرحلة كان تنصيب السلطان عبد الحميد في سنة 1876، واستعانته بنخبة متنوّرة وجادة في مشروع التحديث، وأبرزهم مدحت باشا، في مقابل استمرار الطاقم القديم من الولاة والإداريين الذين درجوا على نمط الإدارة السابقة مدعومين من بنية اقتصادية واجتماعية تقليدية. والمثل الأبرز لذلك في هذه المرحلة محاولة السلطان والمتنورين في الإدارة تكريس الحكم الدستوري بإقرار الدستور (المشروطية) في سنة 1876، ثم تجميده في السنة التالية. وعبّرت هذه المحاولة عن الصراع بين مشروع تحديث الدولة و«مشروع» الإبقاء على طبيعتها التقليدية، سياسياً وإدارياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، ولكل منهما قواه، فحملت نخب مدينية في إستانبول ومراكز الولايات همّ تقليد التجربة الرأسمالية في إنتاج السلطة، ولم تكن البُنى الإدارية في الدولة تحاكي هذا النزوع، لا بل تصدت له مركزياً ومحلّياً، وكان مدحت باشا والياً على الشام.

ب- اشتداد صراع الدول الأوروبية على الدولة العثمانية، وكانت أحداث بلاد الشام ما بين 1831 و1861 نموذجاً عنه؛ إنْ بالتدخل لمواجهة الحملة المصرية أو في الأحداث الطائفية بعدها، وتكرّست، رسميّاً، في نظام المتصرفية وحكمها الذي تلازم، عربيّاً، مع احتلال تونس (1881) وفرض الحماية على مصر (1882).

ج – نشاط الحركة الصهيونية في شراء الأراضي في فلسطين وإقامة المستعمرات عليها التي شهدت في هذه المرحلة تجدّدها.

د- إقدام السلطة على التشدد في تطبيق قانون التجنيد الإجباري، وهو قانون صدر في سنة 1260ه / 1844م، وعُدّل في سنة 1870 لجهة شموله وتخفيض أعوام الخدمة.

ه- صدور قانون الأراضي (1858) وقانون الطابو (1859) اللّذَين استُكملا بصدور قانون الجزاء (1284هـ / 1867م)، و«مجلة الأحكام العدلية» (1285 – 1283هـ / 1868 – 1882م)، ولم يُعرف ما إذا حدثت عمليات تلاعب بالقوانين الصادرة في هذه المرحلة، وأهمها قانونا الأراضي (1858) والطابو (1859) اللذان استهدفا تشجيع الزراعة وحماية حقوق العاملين فيها، خلافاً لما كان سائداً، وذلك على قاعدة الحفاظ على الوضع السابق وشرعنته، فضلاً عن خدمة مصالح المتنفذين الجدد، وقد حدث مثل ذلك في البقاع.

٢. الظّروف الدرزية

تزامنت انتفاضة راشيّا (1878) ومثلها انتفاضة المطلّة مع حالتَي اعتراض واسعتين وعميقتين بين الموحدين الدروز:
الأولى في الشوف ووادي التّيم وما بينهما في البقاع وتعود إلى الحَيْف الذي لحق بهم في تسوية العام 1860 وما كبدتهم من اضطهادٍ وتشريدٍ لقادتهم ووجهائهم، ومن خسائر اقتصادية ومالية باهظة استمرت مفاعليها لفترة طويلة، وتنبئ وثيقة عثمانية في ذاك العام عن تخوّف من حادثة بسيطة وقعت في 25 كانون الثاني 1876 (مشاجرة بين ماروني ودرزي في عبيه جُرح الثاني فهاجم أقارب الجريح مع 200 رجل بقيادة شيخين من آل نكد الحي المسيحي وهددوا سكّانه بالقتل إلّا أنّ المتصرف رستم باشا سارع لتوقيف الشيخين مع 18 درزياً وتوقيف المعتدي).

الثانية في حوران؛ إذ شهد جبله نزوحاً كثيفاً من دروز الشوف ووادي التيم واقليم البلّان وصفد، وبعضهم من المشاركين في أحداث العام 1860، وكان تيّار في السلطة العثمانية مدعوماً من السلطة الفرنسية يعمل لملاحقة هؤلاء بذريعة ردّ المسروقات، وكان النازحون من فعل أحداث الستين يجهدون لتأمين لقمة العيش بالتوسع في جوار موطن من سبقهم من أبناء طائفتهم، سكناً في القرى الخْرٍبة وزراعة ورعياً في الأراضي الخصبة، فكان الصدام المتكرر مع مَن هم في جوارهم، وتمثل بُعيد سنة الانتفاضتين بقتال بين الدروز وأهالي بصرى الحرير في أيار – كانون الأول 1879، وسعي السلطة لردع اعتداءات الدروز مع تفضيلها الحل السلمي بتسليم من بقي حياً من القتلة.

وارتبط بهذين الاعتراضين وعبر عنهما حركة النزوح الكثيفة من الشوف ووادي التيم والجليل الأعلى نحو حوران؛ إنْ هرباً من الاضطهاد، كما في أحداث 1860 وبعدها حين فرضت السلطة العثمانية التجنيد الإجباري وحين قامت بعمليات اعتقال واسعة بعد أحداث 1860 في مناطق راشيا وحاصبيا وإقليم البلان (1860-1862)، أو طلباً للاسترزاق كما حصل إبّان التشدد لانتزاع ملكيات الاقطاعيين الدروز في البقاع وما يعنيه من تشريد الفلاحين (1860-1872)، وفي العام 1867، إبَّان نقص محصول الحرير وقلة الأراضي الزراعية واضطهاد الموالين للغرضية الجنبلاطية. أو نجدة لربعهم،كما في معارك جماعتهم مع السلطة أو الجوار تمثل بالنجدة للمقاتلين الدروز في جبل حوران، كما حصل في أحداث الكرك (1881) ، وأحداث المِسمية وشعارة (1886) ، وأحداث مجدل شمس – حوران (1894 – 1896)، وأحداث 1905 وقد كانت التعليمات العثمانية بالتشدد في منعها وإرسال قوى عسكرية إلى منافذ طرقها.

٣. الظروف المَحليّة

انعكست الظروف العامة والدرزية على الظروف المحلّية وظهرت في:
أ – اصطدام محاولات فرض تجربة التحديث للإنتاج «الديمقراطي» للسلطة بالإنتاج الزعاماتي التقليدي، وخصوصاً في الأرياف، إذ رافق محاولات تحديث الإدارة، ولا سيما بناء جيش حديث، في الدولة العثمانية رفض السكان ذلك، والإصرار على التهرب منه ومواجهته، كما قوبل إصدار قانون الأراضي وقانون الطابو وما استتبعهما، وهما قانونان أريد بهما تمليك الفلاحين وتعزيز الإنتاج، بحركة التفاف من النافذين والملتزمين السابقين للأراضي والتجار والإداريين من جهة، وبثقاقة تقليدية قائمة على الولاء للنافذ – الزعيم من جهة ثانية، وبجهل العامة لمندرجات القانون من جهة ثالثة. وجرت بفعل ذلك عمليات تملّك للأراضي من طرف النافذين والتجار، عبر تحايل على القانونَين أفقد الفلاحين مصادر رزقهم وحوّلهم إلى أجراء، من دون أن يعوا مبكراً مخاطر ما حدث، وقد ذكرنا، آنفاً، مثلا عن ذلك في البقاع.

ب – استهداف حركة الاستيطان الصهيونية المناطق السهلية في فلسطين، والحولة أكثرها سهلية وخصباً، وكانت أولى المستعمرات في طبرية وصفد.

ج – حركة النزوح الكثيفة من الشوف ووادي التيم وإقليم البلان والجليل الأعلى نحو حوران؛ إمّا هرباً من الاضطهاد، كما في أحداث 1860، وحين فرضت السلطة العثمانية التجنيد الإجباري وحين قامت بعمليات اعتقال واسعة بعد أحداث 1860 في راشيا وحاصبيا وإقليم البلان (1860-1862)؛ وإمّا طلباً للاسترزاق مثلما حدث في أثناء التشدد لانتزاع ملكيات الإقطاعيين الدروز في البقاع وما يعنيه من تشريد الفلاحين (1860 – 1872)، وكما وقع في سنة 1867، في إبان نقص محصول الحرير وقلة الأراضي الزراعية واضطهاد الموالين للغرضية الجنبلاطية؛ وإمّا نجدة لربعهم، كما في معارك جماعتهم مع السلطة أو الجوار تمثل في النجدة للمقاتلين الدروز في جبل حوران، مثلما جرى في أحداث قرية ّالكرك الحورانية (1881) وأحداث المسمية وشعارة (1886).

وأحداث مجدل شمس – حوران (1894 – 1896)، وأحداث 1905، وكانت التعليمات العثمانية بالتشدد في منعها وإرسال قوى عسكرية إلى منافذ طرقها.

ويتبدّى النزوح من قرى الوادي بفعل الملاحقات من جهة والهرب من الخدمة الإجبارية من جهة ثانية ومواجهة الأزمات المعيشية من جهة ثالثة وفي استعراض أصول عائلات في الجبل من كل قرى المنطقة، وكان لبعضهم مشاركة فاعلة في عمليات التوسّع والقتال، وأبرزهم أحد زعماء الوادي، محمّد نصار، وذويه.

د – الوضع الاقتصادي المتردي، وقد عبّرت لسان الحال عن ذلك في الأعداد المتزامنة مع الانتفاضة، وتمثل التردّي في العوز والضنك وارتفاع الأسعار وتفاقم العسر وانتشار الجراد وهلاك الماعز وكثرة الثلوج، ويظهر تقرير للقنصل الفرنسي بتاريخ 7 حزيران 1877 ونشره قيس فرّو في كتابه تاريخ الدروز خلافاً بين الفلاحين في راشيا حول الأراضي ومصادر المياه (حزيران 1877).

ه – تردي الوضع الأمني، إذ ذكرت لسان الحال في سنة 1878 العديد من حوادث السلب والتشليح والقتل في كل من: إبل السقي (تموز / يوليو)؛ حاصبيا (حزيران / يونيو)؛ طريق صيدا – صور (تشرين الأول / أكتوبر)؛ راشيا (تشرين الثاني / نوفمبر)؛ جسر الغجر (تشرين الثاني / نوفمبر)؛ كفر كلا (كانون الأول / ديسمبر).

٤. انتفاضة راشيا

وقعت في أواخر تشرين الأول وأوائل تشرين الثاني 1878 وكانت أكثر محدودية من انتفاضة المطلّة التي سبقتها( شباط 1878) وأضيق تأثيراً، إذ استمرت مفاعيلها حتى نهاية العام، وقضيتها السخرة، إذ مسك العساكر في راشيا بغلاً لرجل من آل القزّاز من ظهر الأحمر لتسخيره إلى دمشق فحشد له جماعة من دروز راشيا وتضارب الفريقان وكان الضرب مبرحاً للعسكريين الذين فروا إلى السرايا فاستنفر ضابطهم وأرسل 24 نفراً لتأديب الضاربين فحاولوا اعتقال محمّد سيّور، أول من تحشّد وأغرى الجميع به، فكثر تجمع الدروز للحؤول دون ذلك ولم يفلح إطلاق النار في الهواء في تفريقهم، لا بل شجع الدروز على استحضار أسلحتهم وإطلاق النار على العسكر فجرح عشرة منهم ودرزي واحد، كما وفد الدروز من القرى المجاورة لمحاصرة السرايا، فاشتد التصادم بإمساك الدروز اثنين من العسكر وقتل العسكر، بالنار، اثنين من الدروز، ثم تدخل مشايخ بيت العريان «المشهورين بحب السلام» والشيخ يوسف زاكي للتهدئة وقد هدأت، إلّا أنه استمر تحشد القوى الدرزية باتجاه راشيا في حين هرب النصارى. ولم يرد في الأعداد اللاحقة من الجريدة ما يشير إلى تجدد الاشتباك، كما لم يرد في أي مصدر آخر خبر عنها.

إلّا أنّ وقْعَ هذه الانتفاضة كان مؤثّراً، فقد استنفرت قوى السلطة فيما يتجاوز حدود القضاء، فقدم قائمقام العسكر، يوسف باك، ومعه 50 خيالاً وحسن آغا بوزق وحضر متصرف حوران، عثمان بك، ومعه 40 خيالاً ثم حضرت فرقتان من العسكر المشاة، وبعني هذا تحسباً وحذراً شديدين عند أركان السلطة بإرسالها قائمقام العسكر (العسكر المركزي) وقائمقام قضاء آخر، وبالتحديد حوران، لما له خبرة بالدروز، فضلاً عن عدد الخيالة المرسل، إذ قدِّر بحسابات وقته.

كما حرر واثق باشا، متصرف بيروت، ومرجعيون تابعة له، إلى قائم مقاميات الأقضية حول كثرة التعديات في بعضها، على ما اتضح في حال حاصبيا وراشيا ومرجعيون، فألقى أحدهم، قائمقام صيدا، على 11 شقياً من البدو وأرسلهم إلى مركز متصرفية في بيروت.

وتظهر الدلالة المؤثرة للانتفاضة في التعليقات عليها؛ إذ ختمت «لسان الحال» رواية الخبر بالقول إنّ الدولة لا تحب زيادة المشاكل والدروز ليس من صالحهم تحريك أمر يأتي عليهم بالخسران وأردفت: «إلّا أنّ وجود بعض الأشقياء في القضاء يكثرون الاعتداء ولا يهابون أرباب الأمور يحمل الأهالي على التحسب» .

كما نشرت «لسان الحال» رسالة طويلة لمراسلها في الشام يردّ فيها على القائلين نَسْب حوادث راشيا «لضغائن قديمة» ويردها إلى عدم كفاءة المأمورين وعدم مراعاتهم الوقت والمقام وأطباع الأهالي من جهة، وتدني رواتب العسكريين من جهة ثانية، وتجاوز حدود الأمر المُعطى من جهة ثالثة» .

تؤشر معطيات الانتفاضة إلى مشاركة سكان القرى المجاورة في التحشد، وإنْ لم تسم، فقد كان تحشد القرى على مرحلتين: الأولى حين الحادثة ويفترض التحشد من القرى الملاصقة لراشيا، والثانية، بعد الحادثة، إبان وفود القوات الإضافية، ويفترض التحشد من قرى المنطقة كلها.

والجدير ذكره أنَّه لم يرد في حوران في الوثائق العثمانية وثائق عن الانتفاضتين، وقد يكون ذلك لاهتمام الباحث بوثائق حوران، وما ورد فيه عن منطقتي الانتفاضتين وثيقتان في 10 كانون الثاني 1877، و31 أيار 1878 ووضع لهما الباحث عنوان «خلاف بين دروز حاصبيا والمتاولة (1878)، استناداً إلى مندرجات الوثيقتين «تحويل البرودة والخلاف بين دروز حاصبيا والمتاولة إلى احترام ووفاق» . وما ورد في «لسان الحال» يمتّ بصلة لموضوع الوثيقتين مقدمة خبر عن مقتل خليل وعباس من سكان حاصبيا على جسر الغجر وتتحدث المقدمة عن التباعد بين الدروز والمتاولة.

إلّا أن التدقيق في الوثيقتين يردُّهما إلى أحداث في راشيا غير معروفة في الوثيقة الأولى 10 تشرين الثاني 1877 وكذا في الوثيقة الثانية (31 أيار 1878)، وقد تكون أحداث الوثيقة الأولى الخلاف الذي أشار إليه فرّو بين الفلاحين في راشيا حول الأراضي ومصادر المياه (حزيران 1877).
ففي التقرير، الرواية واضحة أكمل عثمان بك متصرف حوران التحقيقات التي كُلِّف بإجرائها في راشيا واتجه إلى قضاء القنيطرة واتخذ بانياس التابعة للقنيطرة مركزاً له والقنيطرة (التابعة لمتصرفية حوران) بينما قضاء راشيا تابع لمركزا لولاية مباشرة (دمشق) ولا وجود للشيعة فيها، الأمر الذي يعني استمرار مفاعيل الحدثين اللذين عرفتهما راشيا، وقد يكون الاجتماع بوجهاء الأقضية المجاورة، وكل تابع لمتصرفية (مرجعيون – بيروت، حاصبيا وراشيا – دمشق القنيطرة – حوران) تحسُّباً لخلاف محتمل أو ذريعة لضبط ذيول الانتفاضتين في المطلة – مرجعيون – حاصبيا وراشيا، وبخاصة أنَّ خطوات أخرى اتخذت، ومنها تكليف نجيب بك قيس بضبط حاصبيا (تموز 1878).

وقد يبدو في وصف ما حدث في راشيا بالانتفاضة مغالاة في ذلك، وقد يكون ذلك لمحدودية المعلومات التي عُرفت عنها، لكن الاهتمام الذي أولته السلطة يقود إلى أهمية ما حصل الأمر الذي يرقى إلى استنتاج وصفها بالانتفاضة وذلك لـ:
1. مواجهة العسكر، بحد ذاتها، وهي مواجهة ذات دلالة للهيبة التي كانت تتمتع بها قوى السلطة والقمع الشديد الذي تمارسه.
2. تحشد القرى المجاورة، وهي قرى تتجاوز منطقة راشيا الحالية وتمتد إلى قرى حاصبيا وقرى في الاقليم (سوريا راهناً)، وقد سبق ذلك تحشد مماثل في انتفاضة المطلّة استدعى الطلب إلى زعماء الشوف التدخل لإنهائه.
3. حضور أكثر من والٍ عثماني إلى راشيا وحشد السلطة قوى عسكرية مركزية ومن الألوية الأخرى، وما يعني ذلك من ضخامة ما حدث.
4. حضور الوادي الفاعل في عاصمة الولاية، دمشق، فقد سُمي الحي الذي ما زال الدروز يقطنونه في دمشق، باب مصلّى، بحي التيامنة، وكان لهذا الحي حضوراً في حوادث دمشقية كما كان لموقع الوادي على الطريق بين دمشق وبيروت أهمية عُرِفت إبّان المعارك ضد قوات ابراهيم باشا وإبّان الثورة السوريّة الكبرى عام 1925.

مَشيخةُ عقل المُوحّدين (الدروز) في لبنان

الموحّدون (الدروز) طائفة إسلامية يقيم أبناؤها في الدول التالية من المشرق العربي: لبنان وسورية وفلسطين وشرق الأردن، ويتواجد مغتربوهم في الكثير من دول العالم. لهم عبر تاريخهم قادة زمنيون هم شيوخ العشائر والمناطق، والمقدّمون، والأمراء، وغيرهم من ذوي الشأن والنفوذ. ولهم قادة أو رؤساء روحيون في كلٍّ من الدول التي ورد ذكرها باستثناء شرق الأردن، لُقّبوا بالشيوخ سابقاً، وبشيوخ العقل مؤخّراً. وإذا كان يصحُّ إعطاء صفة الزعامة للقادة الزمنيين فإنه لا يصحُّ إعطاؤها للقادة الروحيين نظراً لما تنطوي عليه من سلطة وجاه بعيدين عن مفاهيم ومبادئ مسلك التوحيد العِرفاني، التي يتمشّى عليها أتباعه وخصوصاً الكبار والأعلام، ونظراً لأن الرئاسة الروحية هي اشتقاق معنوي تقليدي لفكرة الإمامة. وقد شُبّه كبار رجال الدين عند الموحّدين (الدروز) بحِرز الطائفة، لأنهم يصونونها بالحكمة والرأي السديد ويشكّلون عناصر خير وبركة فيها، فيما شُبّه الزعماء الزمنيون بسياج الطائفة، لأنهم يصونونها بالسيف ويدافعون عن حقوقها وكرامتها ووجودها.

من شيوخ البلدان إلى شيوخ العقل

كانت المناطق أو المقاطعات، وخصوصاً تلك المفصولة عن بعضها بحدود طبيعية، تُسمّى «البلدان»، ومنها على سبيل المثال المناطق التالية من لبنان، المسكونة بالموحّدين (الدروز): المتن والجُرد والغرب والشوف، ووادي التيم، وقد سُمّي رؤساؤهم الروحيون فيها شيوخ البلدان، وعُرف أبرزهم بشيخ البلدان أو الشيخ الأكبر أو شيخ العصر. وأهم وأكبر شيوخ العصر هو الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي الملَّقب بالسيّد (000-1479هـ)، كما أنه في الوقت نفسه أشهر أولياء الموحِّدين (الدروز) وأشهر أعلامهم الدينيين، لأنه نهل الكثير من المعارف الزمنية والدينية، وفسّر تعاليم ومفاهيم مسلك التوحيد، وأصلح شؤون قومه، ووضع النهج والقواعد التي تمشّى عليها الشيوخ الذين جاؤوا بعده، فكان مُعلّماً ومدرسة لأبناء عصره والعصور التالية. ومع أنه أقدم شيوخ العصر إلاّ أنه من الخطأ اعتباره أقدم شيوخ البلدان إذ هناك سبعة شيوخ قبله من أسرته، كما جاء بعده عشرة شيوخ عصر وبلدان.

ومنذ سنة 1763 بدأ يظهر لقب «شيخ العقّال» أو شيخ رجال الدين. وأول من أُطلق عليه هذا اللقب هو الشيخ اسماعيل أبو حمزة، والعقّال جمع لفظة «عاقل» التي تعني من عقل الأمور الدينية أي فهمها وفسّرها وعمل بموجبها، وهم رجال الدين المعروفون بالأجاويد جمع جيّد وتصغيرها جويّد. لكن لفظة «العُقّال» صُحِّفت فغدت: العقل. وقد بدأ ذلك مع العمّال والموظفين الأتراك الذين استسهلوا لفظة العقل على لفظة العقّال، وعمّ استعمالها.

تولّي الرئاسة الروحية قبل عهد المتصرفية

لم يكن تولّي الرئاسة الروحية عند الموحِّدين (الدروز) وراثة أو توريثاً، ولا تعييناً من الحاكم، ولا انتخاباً من رجال الدين، ذلك أن من تسلّموها، سواء بلقب الشيخ أو الشيخ الأكبر أو شيخ العصر، تحقّق لهم هذا بفضل بروزهم كفعاليات دينية اجتماعية، وتميّزهم عن اخوانهم بالتقوى والتديّن وحفظ الكتاب العزيز وتفسيره والعمل بموجب التعاليم، وبفضل تخلّقهم بالفضائل والقيم السامية. وعندما كان يتوفّر هذا في أحد الشيوخ كان أخوانه يقرّون بتقدّمه عليهم، وتبعاً لذلك لم يكن هناك تاريخ معين لتولّي أحد الشيوخ هذه المكانة المتقدّمة، بدليل أنّ الكثيرين منهم لم يخلفوا مباشرة من سبقوهم في الرئاسة الروحية، إذ كان هناك أحياناً فترات زمنية تبلغ بضعة عقود بين تاريخ وفاة الشيخ وبروز شيخ آخر مكانه، وبدليل آخر هو أنه ليس عند الموحّدين كما عند المسيحيين نظام إكليريكي يحدّد المناصب وكيفية تسلّمها.

لم يحصل في القرون الماضية أي تدخّل من السلطة أو من الأمير الحاكم في تعيين رئيس روحي أو عزله، ولم يحصل أي تدخّل في شؤون مشيخة العقل إلّا في عهد الأمير بشير الشهابي الثاني الذي عيّن الشيخ حسين عبد الصمد شيخ عقل إلى جانب الشيخ حسن تقي الدين الذي لا يوجد عند آل تقي الدين وسواهم أي مستند خطي يشير إلى تدخل الأمير بشير في توليّه. أما شيخ العقل الثالث الذي عاصر هذين الشيخين وهو الشيخ شبلي أبي المنى، فقد تسلّم المشيخة نزولاً عند رغبة أخوانه، ولم يحصل ذلك في اجتماع عام أو نتيجة انتخاب، وإنما حصل بالتشاور بين رجال الدين، وبأخذ آراء العديدين منهم، وأخذ رأي الوليّة السّت فاخرة البعيني.

تحوّل مقام مشيخة العقل إلى منصب في عهد المتصرفية

أُنشئت متصرفية جبل لبنان بموجب بروتوكول سنة 1861 المعدَّل في سنة 1864، وقُسِّم الجبل إلى سبعة أقضية، وقُسِّمت الأقضية إلى نواحي، وبات هناك إدارة محليّة أكبر موظفيها القائمقامون الذين يعيّنهم المتصرّف، ومنهم القائمقام الدرزي على قضاء الشوف، الذي هو أكبر أقضية المتصرفية، ويشمل قضاءي الشوف وعاليه الحاليين، وتحوّل مقام مشيخة العقل في عهد المتصرفية إلى منصب ديني رسمي أُعتبر «وظيفة» كبيرة كوظيفة القائمقام. وقد وردت كلمة «وظيفة» في كتاب تهنئة المتصرّف رستم باشا لشيخ العقل محمّد طليع، بتاريخ 9 آذار 1874، وفي مضبطة انتخاب الشيخ حسين حماده الموقّعة من منتخبيه، والمرسلة إلى المتصرّف أوهانس باشا بتاريخ 15 كانون الثاني 1915. وبناءً على ذلك لم يعد شيخ العقل أحد كبار رجالات الهيئة الروحية أو أكبرهم، لكنه الممثّل لهم ولسائر الموحّدين (الدروز) إزاء السلطة وإزاء الآخرين، وهذا أضاف إلى الصبغة الروحية الصرف للمشيخة صبغة زمنية سياسية، وأدى إلى اعتماد صيغة نظامية لانتخاب الشيخ وتولّيه رسمياً منصبه، هي بداية أنظمة انتخاب شيخ العقل.

انتخاب شيخ العقل بموجب الأعراف

حين صارت مشيخة العقل منصباً بات تولّيه يتمُّ عن طريق الانتخاب من قبل أعيان الدروز، يليه الاعتراف من السلطة بالشيخ المنتخب. وهذا يحصل على الشكل التالي:
– دعوة قائمقام الشوف أعيان ووجهاء الموحّدين (الدروز) إلى اجتماع لانتخاب شيخ العقل.
– اجتماع الأعيان والوجهاء – وأكثريتهم من الزمنيين – وانتخابهم شيخ العقل، وتوقيعهم على مضبطة بذلك تُرسل إلى المتصرّف.
– تهنئة المتصرّف للشيخ المنتخب، وهي بمثابة اعتراف رسمي به.

وبموجب هذه الطريقة العرفية جرى انتخاب الشيخ محمّد طليع في سنة 1879 خلفاً لوالده شيخ العقل حسن طليع، وانتخاب الشيخ حسين طليع في سنة 1917 خلفاً لأخيه الشيخ محمّد، وانتخاب الشيخ محمّد حماده في سنة 1869 خلفاً لشيخ العقل حسين عبدالصمد، وانتخاب الشيخ حسين حماده في سنة 1915 خلفاً لوالده الشيخ محمّد. وقد جرى انتخاب الشيوخ المذكورين من قبل عدد محدود من الأعيان والوجهاء، بلغ في انتخاب الشيخ حسين طليع 165، وفي انتخاب الشيخ حسين حماده 340، هو أكبر عدد. كما أنه جرى بدون مرشّحين منافسين، وفي إطار المعرفة المسبقة لاسم الشيخ الجديد الذي سيُنتخب خلفاً للشيخ القديم، بحيث كان الانتخاب أشبه بالمبايعة، ومجرد تطبيق شكلي للعرف.

انحصر انتخاب شيوخ العقل المذكورين في أسرتين هما آل طليع وآل حماده، وبخلافة الابن لأبيه، والأخ لأخيه. وجرى بموجب الأعراف بدون أية إشكالية أو أزمة، واستمر على أساسها لكن مع حصول ثلاث أزمات وذلك عند انتخاب الشيخ محمّد عبد الصمد في سنة 1946 خلفاً للشيخ حسين حماده، وانتخاب الشيخ محمّد أبو شقرا في سنة 1949 خلفاً للشيخ حسين طليع، وانتخاب الشيخين علي عبد اللطيف ورشيد حماده في سنة 1954 خلفاً للشيخ محمّد عبد الصمد. وما كان سبب هذه الأزمات التجاذبات السياسية والصراع حول مشيخة العقل فقط، وإنما كان أيضاً عدم وجود نظام أو قانون ينظّم انتخابها. وهذا، مع رغبة الغيورين بتنظيم جميع شؤون طائفة الموحّدين (الدروز) أدّى إلى وضع مجموعة من التنظيمات، بدأت بوضع نظام لانتخاب شيخ العقل في سنة 1953، وانتهت بإصدار قانون شامل صدر في سنة 2006 ينظّم شؤون طائفة الموحّدين، باستثناء قانوني الأحوال الشخصية وتنظيم القضاء المذهبي الصادرين سابقاً.

نظام انتخاب شيخ العقل

يحدّد نظام انتخاب شيخ العقل الفئات التي تتكوّن منها الهيئتان الناخبتان وهما الهيئة الروحية والهيئة الزمنية، كما يحدّد كيفية الدعوة والترشّح والشروط التي يجب توفّرها في المرشّح، وإعداد الهيئة المشرفة على الانتخاب محضراً بالواقع وتبليغ رئيس الجمهورية نتيجة الانتخاب، والاستغناء عن إرساله كتاب تهنئة للشيخ هو بمثابة اعتراف به، لأن الشيخ المُنتخَب يكتسب عند ظهور النتيجة حكماً صفة شيخ العقل، وذلك من أجل تلافي ما كان يُشكى منه، وهو تأخر رئيس الجمهورية في إرسال كتاب التهنئة لانحيازه إلى فريق درزي ضد آخر كما حصل عند انتخاب الشيخ محمّد أبو شقرا، إذ تأخر الرئيس بشاره الخوري في إرسال كتاب التهنئة له أربعة أشهر.

لم يُعمل بنظام انتخاب شيخ العقل عند انتخاب خلف لشيخ العقل محمّد عبد الصمد المتوفّى في 5 نيسان 1954، لأنه جرى الاتفاق بين قادة الدروز على وضع قانون بديل عنه وأفضل منه، لكنهم لم يتفقوا على مبادئه الأساسية التي من بينها توحيد مشيخة العقل فتأخّر إعداده وتأخر الانتخاب حتى أيلول 1954 حيث أدى التجاذب السياسي الحاد إلى حصول أزمة أشد من أزمتي انتخاب سنتي 1946 و 1949، وإلى انتخاب شيخي عقل إلى جانب الشيخ محمّد أبو شقرا، هما الشيخ علي عبد اللطيف والشيخ رشيد حماده، فبات هناك ثلاثية استثنائية للمشيخة بدلاً من توحيدها المنشود.

قانون انتخاب شيخ العقل

بعد ثورة سنة 1958، تجدّدت بقوة مساعي الموحِّدين (الدروز) لاستكمال تنظيم شؤونهم الذي بدأ بصدور قانون الأحوال الشخصية، فصدر في 5 آذار 1960 قانون تنظيم القضاء المذهبي، وصدر في 13 تموز 1962 قانون إنشاء المجلس المذهبي وقانون انتخاب شيخ العقل. والقانونان الأخيران مرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً، وعلاقة المجلس المذهبي بمشيخة العقل تظهر في الأمور التالية:
1- هيئة مشيخة العقل هي من الأعضاء الدائمين في المجلس المذهبي.
2- شيخ العقل هو رئيس المجلس المذهبي.
3- شيخ العقل هو الذي يدعو إلى انتخاب أول مجلس مذهبي.
4- المجلس المذهبي بعد تشكيله هو الذي يدعو إلى انتخاب شيخ العقل.
وقد نصَّ قانون انتخاب شيخ العقل على الشروط التي يجب توافرها في المرشّح، وعلى كيفية الانتخاب، وصحته أو بطلانه. كما نصَّ في المادة العشرين على ما يلي: «فور صدور نتيجة الانتخاب النهائية تنظّم لجنة الانتخاب محضراً بالواقع وتبلّغ على سبيل العلم اسم شيخ العقل الجديد إلى كل من مقامي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة». إلّا أنه كان من عيوبه النصُّ على ثلاثية مشيخة العقل وإنما بصورة استثنائية، والإبقاء على ثنائية مشيخة العقل، وتكريسها رسميّاً. كما من عيوبه صعوبة تطبيقه، لأنه جعل انتخاب شيخ العقل من قبل جميع الذكور من الدروز الذين لهم حق الانتخاب وفقاً لقانون انتخاب أعضاء المجلس النيابي. وهذه الديمقراطية التي لم تشمل النساء تصحُّ في انتخاب النواب لكنها لا تصحُّ في انتخاب شيخ العقل، لأنها تخفض من منزلته السامية، وخصوصاً عند حصول التنافس على المشيخة. فكان هذا أحد أهم الأسباب في عدم العمل بقانون انتخاب شيخ العقل فيما عُمل بقانون إنشاء المجلس المذهبي فجرى انتخاب مجلسين على أساسه في سنة 1962 وفي سنة 1966.

توفّي شيخ العقل رشيد حماده في 14 نيسان 1970، فبات على المجلس المذهبي أن يدعو إلى انتخاب خلفٍ له بموجب قانون انتخاب شيخ العقل. لكن أعضاءه، وعلى رأسهم الزعيمان الكبيران: الأمير مجيد أرسلان وكمال بك جنبلاط، قرّرا إرجاء الانتخاب ريثما يُعاد النظر في قانوني إنشاء المجلس المذهبي وانتخاب شيخ العقل، كما قرّرا التمديد للمجلس المذهبي نصف سنة وبعدها يُصار إلى انتخاب بديل عنه، على أساس تعديل القانونين المذكورين، أو على أساس قانونين بديلين عنهما. لكن هذين الأمرين لم يحصلا بسبب صعوبتهما وانشغال الدروز عنهما بالأوضاع العامة وتلاحق التطوّرات الخطيرة وتفاقم الأوضاع الأمنية جرّاء الحرب اللبنانية التي نشبت في سنة 1975 واستمرت حتى سنة 1990.

بعد أقل من شهرين على وفاة الشيخ رشيد حماده توفّي الشيخ علي عبد اللطيف في 4 حزيران 1970 فانحصرت مشيخة العقل بشخص الشيخ محمّد أبو شقرا حتى وفاته في 23 تشرين الأول 1991، وبهذا توحّدت واقعياً فيما كان هناك قانون لا يزال ساري المفعول، هو قانون انتخاب شيخ العقل الذي ينصُّ على ثنائيتها. وحين لم يُنتخب مجلس مذهبي جديد مكان المجلس المذهبي الممدَّد له نصف سنة انحصرت إدارته وإدارة الأوقاف بشخص المدير العام خالد بك جنبلاط حتى وفاته في 15 آذار 1992.

قانون تنظيم مشيخة عقل طائفة الموحّدين (الدروز)

كان لا بد من التوافق بين قادة الموحِّدين، وخصوصاً نوابهم، حول اقتراحات ومشاريع القوانين والأنظمة التي تنظّم شؤونهم، لكي تصدر عن المجلس النيابي في قوانين، دون إصدار أي قانون حتى سنة 1999 حيث صدر بناءً على توافقهم القانون رقم 127 بتاريخ 25/10/1999، وهو يقضي بتشكيل مجلس أمناء أوقاف الطائفة. ثم صدر قانون تنظيم مشيخة عقل طائفة الموحّدين (الدروز)، حاملاً الرقم 208 وتاريخ 26/5/2000.

قدّم الشيخ بهجت غيث إلى المجلس الدستوري طلب إبطال للقانون رقم 127، لكنه لم ينجح في إبطاله فاستمر مجلس أمناء الأوقاف الذي أنشئ بموجبه في العمل. كما قدّم الشيخ بهجت غيث مراجعة إلى المجلس الدستوري يطلب فيها إبطال القانون رقم 208، فاجتمع المجلس بتاريخ 8/6/ 2000 وأبطل تعيين الشيخ أبي علي سليمان أبو ذياب شيخ عقل على أساسه «لعلّة توقيع قرار تعيينه دون تاريخ قبل تصويت المجلس النيابي على القانون المذكور، وقبل نشره في الجريدة الرسمية». وهكذا أُبطل مفعول هذا القانون بالنسبة إلى تعيين الشيخ سليمان أبو ذياب بعد 13 يوماً من صدوره، واستمر الشيخ بهجت في منصبه. لكن معظم مواد القانون المذكور سيتضمنها القانون الذي صدر بعد 6 سنوات.

قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين (الدروز)

كان من المتعذّر إذن إصدار قانون ينظّم مشيخة العقل والأوقاف دون إجماع النواب الدروز عليه. لكن الإجماع النيابي مرة ثانية تكوّن من فريق واحد هو فريق الزعيم وليد جنبلاط الذي يمثّل الأكثرية، والذي فاز في الانتخابات النيابية سنة 2005. لقد جرى بعدها تقديم اقتراح قانون لتنظيم شؤون مشيخة العقل والمجلس المذهبي والأوقاف، وافق عليه المجلس النيابي في أول كانون الأول 2005، وأُحيل إلى رئيس الجمهورية إميل لحود لتوقيعه ونشره، لكنه ردّه إلى المجلس النيابي الذي درسه مجدّداً في يومي 3 و 4 أيار 2006، ووافق عليه، فصدر بتاريخ 12 حزيران 2006، وكان إنجازاً مهماً للموحِّدين على صعيد تنظيم شؤونهم الداخلية، بعد محاولاتهم المتكرّرة لمدة 36 عاماً لإيجاد بديل عن قانوني المجلس المذهبي وانتخاب شيخ العقل الموضوعين في سنة 1962، واللذين لم يُعمل بهما في استحقاق سنة 1970.

إن قانون سنة 2006 هو القانون المنشود والضروري لتسيير شؤون مشيخة العقل والأوقاف، التي تعطّلت مسيرتها أحياناً وتعثرت أحياناً أخرى. وهو حصيلة ما تضمنّته القوانين والأنظمة الموضوعة ومشاريع القوانين المقترحة، مع سدِّ النقص وتصحيح مواطن الخلل فيها. لقد سبق لنا أن عالجنا بتوسّع مواضيع مشيخة العقل والمجلس المذهبي والأوقاف في كتب ثلاثة، أولها كتاب «مشيخة عقل الموحِّدين (الدروز) في لبنان وسورية وفلسطين، الصادر سنة 2015. وثانيها كتاب «الشيخ محمّد أبو شقرا شيخ عقل الموحِّدين (الدروز) الصادر سنة 2017. وثالثها كتاب «المجلس المذهبي والأوقاف عند الموحِّدين (الدروز) في لبنان، الصادر سنة 2018. لذا سنتكلم هنا بإيجاز عن أبرز الإيجابيات والنقاط الجديدة الواردة في قانون سنة 2006 فيما يتعلق بمشيخة العقل.

-توحيد مشيخة العقل. ظهر الموحِّدون الدروز على صعيد التمثيل الديني بخلاف سائر الطوائف، إذ كانت مشيخة العقل عندهم ثنائية فيما هي عندها برأس واحد، وهذه الثنائية قائمة على أساس سياسي لا على أساس ديني عقائدي. وقد عمل الموحِّدون منذ أواسط القرن العشرين على توحيد المشيخة وتصحيح خطأ بدأ في سنة 1825، وكان من أهم أسبابه تدخّل الأمير بشير الشهابي الثاني في الشأن المذهبي الدرزي من قبيل الإمعان في إضعاف الموحِّدين وتفرقتهم بعد أن قضى على زعيمهم الأكبر الشيخ بشير جنبلاط، وتحقّق لهم ذلك واقعياً ودون نص قانوني منذ سنة 1970، ثم تحقّق لهم في قانون سنة 2000، لكن هذا القانون أُبطل بعد 9 أيام من صدوره بمرسوم، وبعده تحقّق لهم في قانون سنة 2006 الذي نصَّ في مادته الثانية على ما يلي:
«إنّ لطائفة الموحِّدين الدروز شيخ عقل واحد يتمتع بذات الحرمة والامتيازات والحقوق التي يتمتع بها رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى بلا تخصيص ولا استثناء».

إن قانون سنة 2006 ليس مثالياً وخالياً من الثغرات، مما يتطلّب إجراء تعديلات فيه، لكن مادته الثانية التي تنصّ على توحيد مشيخة العقل غير قابلة للنقاش، وغير قابلة لأي تعديل، لأن فيها مماشاة للموحِّدين لسائر الطوائف في موضوع وحدة الرئاسة الدينية، وإظهارهم كاسمهم واسم مذهبهم: مسلك التوحيد، إضافة إلى أن هذا أجدى وأكرم لهم.
-تصحيح اسم «الدروز» على صعيد رسمي. أُطلق اسم «الدروز» خطأً على أتباع مسلك التوحيد العرفاني فتداولوه اقتداءً بمُطلقيه، واستمرّوا في اعتماده وتداوله قروناً عدة، لأنهم اشتُهروا واقترن تاريخهم وأمجادهم به. لكنهم أخذوا مؤخّراً يذكرون في أدبياتهم الاسم الحقيقي: «الموحِّدين» واللقب: «بني معروف». وجاء قانون سنة 2006 يجاري هذا الاتجاه، ويكرّس الاسم الحقيقي في عنوانه ونصوص مواده، لكنه ذكر إضافة إليه اسم «الدروز» من قبيل التوضيح»، ومنعاً للالتباس. وقد نصّ على وجوب اعتماده في أي نص قانوني لاحق، إذ جاء في المادة (51) ما يلي:

«تُستَبدل عبارة «الطائفة الدرزية» بعبارة «طائفة الموحِّدين الدروز» وذلك أينما ورد النص عليها في كافة القوانين والأنظمة النافذة والمرعية الإجراء، وتعتمد هذه العبارة لاحقاً في أي نص قانوني يتم اقراره واعتماده».
وبناءً على هذه المادة أصبح شيخ عقل الدروز يُدعى شيخ عقل طائفة الموحِّدين، أو شيخ عقل الموحِّدين.

-زيادة شروط الترشح لمشيخة العقل: لم يكن هناك قبل قانون سنة 1962 شروط للترشح. لذا نصَّ هذا القانون على أن يكون المرشّح من أهل التقوى والدين، ومن ذوي العلم والمعرفة بتقاليد الطائفة، وحسن السمعة ومحمود الشيم، منزّهاً عما يمسُّ الكرامة والدين، وغير محكوم بجناية أو جنحة شائنة. ثم نصَّ قانون سنة 2006 على مضمون هذه الأمور، واشترط بالإضافة إليها أن يكون المرشّح من أهل الدين والتقوى لمدة لا تقلُّ عن الخمس سنوات وفق العرف السائد، كما اشترط الموافقة على ترشيحه من قبل عشرة أعضاء من المجلس المذهبي على أن يكون ثلثهم من أعضاء الهيئة الدينية. وليس وضع هذه الشروط من قبيل تعقيد الأمور وتصعيبها، وإنما هو من قبيل ألا يصل إلى منصب المشيخة السامي إلا المؤهّل له والمقبول من رجال الدين والمعروف جيداً في أوساطهم.

-جعل انتخاب شيخ العقل على درجتين: كان شيخ العقل يُنتخب بحسب الأعراف بالمبايعة في اجتماع عام من قبل الذين يلبّون الدعوة العامة لحضوره. وقد نصّ قانون سنة 1962 على أن يُنتخب شيخ العقل من قبل جميع الذكور من الدروز الذين يحق لهم انتخاب النوّاب. ونظراً لصعوبة هذه الطريقة، وعدم ملاءمتها كما وردت الإشارة إلى ذلك، جعل قانون سنة 2006 الانتخاب على درجتين وذلك بانتخاب شيخ العقل من قبل أشخاص منتخبين من الموحِّدين أو يمثّلونهم، وهم رئيس المجلس المذهبي وأعضاؤه الدائمون: نواب الطائفة الحاليون والسابقون، ووزراؤها الحاليون، وقضاة المذهب، والعضوان الدرزيان في المجلس الدستوري ومجلس القضاء الأعلى. كما هم أعضاء المجلس المذهبي المنتخبون وعددهم 68 يمثّلون أصحاب الشهادات الجامعية والمهن الحرّة والمناطق. ويكتسب شيخ العقل المنتخب حكماً وفوراً الصفة الشرعية بعد الانتهاء من فرز الأصوات، وإعلان النتيجة.

-تلافي شغور منصب شيخ العقل: لم يحدث أي شغور لمنصب شيخ العقل زمن ثنائيتها، وما حصل هو تأخّر انتخاب شيخ العقل أحياناً لبضعة شهور، وتأخّر رئيس الجمهورية في الاعتراف بالشيخ المُنتخب لفترة قصيرة، بسبب الانقسام حول مشيخة العقل، والتجاذب السياسي. وقد تلافى الشيخ محمّد أبو شقرا حصول الشغور بعد وفاته فاعتمد صيغة منصب القائم مقام شيخ العقل كما حاول الموحِّدون تلافي هذا بتضمين مشاريع قوانين تنظيم مشيخة العقل وتوحيدها منصب نائب شيخ العقل الذي يحلُّ مكان شيخ العقل في حال وفاته أو عزله. أما بالنسبة إلى قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين الدروز الصادر في سنة 2006، فقد نصَّ في المادة (31) على ما يلي:

«قبل موعد انتهاء ولاية شيخ العقل بمدة شهر على الأقل وشهرين على الأكثر يلتئم المجلس المذهبي بدعوة من رئيسه لانتخاب شيخ عقل جديد، وفي حال تخلّفه عن القيام بالدعوة المذكورة ينعقد المجلس المذهبي حكماً في أول يوم عمل يلي بدء مهلة الشهرين المبيّنة أعلاه لإعلان تاريخ الانتخاب، وفي هذه الحالة يرأس المجلس المذهبي أكبرُ الأعضاء سناً ويقوم بتحديد موعد الانتخاب والإعلان عنه خلال مدة عشرة أيام».
وتطبّق هذه المادة في حال استقالة شيخ العقل أو إعفائه من منصبه لأسباب حدّدتها المادة (30).

-تحديد مدة ولاية شيخ العقل: لم يكن تولّي مشيخة العقل مشروطاً بسن محدّدة، ولم تكن أيضاً مدّة ولاية الشيخ محدّدة بسن معينة إذ هي تستمر حتى وفاة الشيخ. فقد كانت مدتها، مثلاً، مع الشيخ محمّد حماده 46 سنة، وهي لم تنتهِ إلّا بعد اشتداد وطأة المرض عليه، حيث توفي بعد بضعة أشهر من تنازله لابنه الشيخ حسين. وكانت مدة ولاية الشيخ حسين عبد الصمد 43 سنة، ومدة ولاية الشيخ محمّد أبو شقرا 42 سنة، وكلاهما استمرّا حتى وفاتهما. إلا أن قانون سنة 1962 اشترط بلوغ المرشح للمشيخة سن الأربعين، لكنه أبقى مدة ولايتها طوال حياة الشيخ. أما قانون سنة 2006، فقد اشترط بلوغ المرشح سن الأربعين، وحدّد ولاية الشيخ بخمس عشرة سنة فقط، أو ببلوغه الخامسة والسبعين، مع جواز التجديد له بموافقة الأكثرية المطلقة من أعضاء المجلس المذهبي، دون أن يتخطى سن الخامسة والسبعين. كما نص في المادة (30) على ما يلي:

«لا يُعفى شيخ العقل من منصبه إلّا بناء لطلبه أو لأسباب خطيرة تهدّد كرامة الطائفة ووحدتها وكيانها أو تمسّ بسمعتها أو لأسباب صحية تمنعه من القيام بمهامه تقررها اللجنة الطبية الدائمة في بيروت، وذلك بناءً على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي. وفي حال عدم اعتزاله طوعاً يتم الإعفاء بقرار من الهيئة العامة للمجلس المذهبي بأكثرية ثلثي أعضائه القانونيين بناء على اقتراح ربع أعضائه على الأقل».

– إيجاد الهيئة الدينية الاستشارية: إضافةً إلى موظفي ملاك مشيخة العقل، نصّ قانون سنة 2006 على وجود هيئة استشارية لشيخ العقل يستعين بها لمساعدته في أداء مهامه الكثيرة، المحدّدة في صلاحيات واسعة. وهي تتكوّن من ستة من مشايخ الدين المعروفين بعلمهم الديني، أحدهم من خلوات البيّاضة، يعيّنهم شيخ العقل خلال مهلة شهر من تاريخ تسلّمه مهامه، وتكون مدتهم ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وبما أن أحدهم هو من خلوات البيّاضة الموجودة في قضاء حاصبيا، فإن توزيع الخمسة المتبقين منهم يجري على أساس تمثيل المناطق الأخرى، وذلك بتعيين عضو عن كل من الأقضية أو المناطق التالية: الشوف – عاليه – المتن الجنوبي – راشيا – بيروت.

انتخاب أول شيخ عقل بموجب القانون.
نصّ قانون تنظيم شؤون طائفة الموحِّدين الدروز على مِهَل محدّدة لانتخاب المجلس المذهبي، وانتخاب شيخ العقل، وتشكيل لجان المجلس الثماني التي يتكّون منها مجلس الإدارة، وتأليف الجهاز الإداري. وكانت الخطوة الأولى في تطبيق القانون هي انتخاب أعضاء المجلس المذهبي في 24 أيلول 2006، تلاه انتخاب هؤلاء الأعضاء للقاضي نعيم حسن (قاضي المذهب في قضاء عاليه) شيخ عقل في 5 تشرين الثاني 2006. وقد انتُخب بإجماع أعضاء المجلس المذهبي، الحاضرين، ولم يكن هناك منافس له لأن طلب المرشح الثاني البروفسور سليم مراد غير مستوفي الشروط.

بدأ شيخ العقل الشيخ نعيم حسن عمله فوراً، وذلك بتسلّمه رئاسة الجلسة التي جري فيها انتخابه، من رئيس السن العضو فؤاد الريّس. ثم تولّى بالتعاون مع أعضاء المجلس مهمة التأسيس الصعبة، أو مأسسة المجلس، وذلك بوضع نظام المجلس الداخلي وسائر الأنظمة وتسلّم الأوقاف. وتعيين الجهاز الإداري والموظفين. وتابع بالتعاون مع قادة الموحّدين السياسيين المواضيع المهمة، ومثّل الطائفة خير تمثيل في شتى المناسبات وخصوصاً تلك التي تقتضي حضوره مع رؤساء الطوائف على اعتبار أنه الممثل الشرعي والرسمي للطائفة. وقد ترأس جلسات الهيئات العامة للمجالس المذهبية الثلاثة التي انتخب منها اثنان زمن ولايته، وجلسات مجلس الإدارة. كما ترأس الأكثرية الساحقة من جلسات اللجان رغبة منه في متابعة النشاطات وتسيير الأمور بما في ذلك التفصيلية بغية ضبط عمل المجلس وتفعيله.

تنتهي مدة ولاية الشيخ نعيم حكماً في 5 تشرين الثاني 2021، وبصفته رئيس المجلس المذهبي يدعو بناءً للمادة (31) من قانون سنة 2006 أعضاء المجلس إلى الاجتماع لانتخاب خلفٍ له. والآمال معقودة على اتخاذ قادة الطائفة وعقلائها من هذا الاستحقاق فرصة للاتفاق حول جميع الشؤون الداخلية، والتوحيد الكامل لمشيخة العقل غير المنقوص بأي شكل من الأشكال، وتلاقي وتضافر الجهود لمواجهة التحدّيات على كافة الصّعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، في مرحلة ملأى بالمفاجآت والتحوّلات الدراماتيكية المصيرية، حيث تتكتل فيها الجماعات حول مصالحها، وتسعى لحفظ كيانها وتثبيت وجودها.

المسارُ الإنسانيّ في شخصية المقدّم شريف فيّاض

المُقدّمة

في ذكرى وفاة المقدّم شريف فياض الخامسة، تتسابق لديّ عاطفة الفراق مع عقلانية الباحث، لاستذكار مآثر شخصية «الرجل الرجل في الأوقات التي عزّ فيها الرجال». عند قراءتي لما كتبه المقدّم فياض، ولما كُتب وقيلَ عنه، مستعينة بما اعتلمته من ذاكرة أفراد عائلته، أجد نفسي مختارةً كتابة المسار الإنساني في شخصيته، وربما أبدو بذلك غير حيادية، مستذكرة قوله في مقدمة كتابه (نار فوق روابي الجبل، 2015)، «أنا لست حيادياً فيما كتبت»، راسمةً أفكاري بين عناوين تتداخل كوريقات زهرة عطرة فوّاحة، يحملها جذع متين حُفر عليه إيمان المقدّم بقناعاته الثابتة وممارسته لها على نفسه قبل الغير، مقدّمة هذه اللوحة عربون وفاء في ذكراه.

بلدة بشتفين (تصوير ايهاب فيّاض)
إبن قرية بشتفين

وُلد شريف سليمان فياض سنة 1937، في قرية بشتفين الشوفية، المتميّزة بالحفاظ على عادات وتقاليد راسخة في ذاكرة أهل الشوف، وتربّى في منزل اعتاد على ممارسة الشأن العام حين كان والده مختار بلدته لسنوات طوال، وفي زمن كان الاعتناء بالأرض الزراعية واجباً ملزماً على جميع أفراد العائلة. بقيت معالم هذه التربية راسخة في شخصية المقدّم، حين لم تتغلب قسوة الحياة العسكرية في الجيش اللبناني أو في قيادة الجيش الشعبي، على ملامح الحس الإنساني لديه، فتراه نصير الضعيف، ومساعد المحتاج، وكفيل المظلوم، فقد «تميّز بعمله الصامت وأخلاقه الدمثة وابتسامته الودودة»، ومارس خدمة الناس وتأمين احتياجاتهم حتى وهو على فراش المرض، في مستشفى الجامعة الأميركية، حيث يشهد من رافقه من الجهاز الطبي ومن أفراد عائلته على الاتصالات الهاتفية والزيارات المتعلقة بتسيير شؤون الناس. حافظ المقدّم على العادات والتقاليد في بلدته، فتراه أول الواصلين إلى لقاء عيد الأضحى، منتظراً أفراد عائلته لينتقلوا سوياً إلى ساحة البلدة، حيث ملتقى جميع العائلات. كنت تراه مواسياً للمحزونين في مآتمهم، ومشاركاً للعرسان في أفراحهم. احترم العائلة التي انتسب إليها، وافتخر بالبلدة التي ولد فيها، فتراه يتمم أفراح أولاده في بيته في بشتفين، حين احتضن منزله قادة الوطن وسفراء الدول، واقفاً كالمارد بين أنسبائه وأهالي بلدته، على يمينه وليد جنبلاط ورفاقه في الحزب، برمزية ربما كان يرتقبها، حين احتضنت البلدة جثمانه في مأتم ضخم ضمّ قادة الوطن وسفراء الدول، ووليد جنبلاط، فيما كان المقدّم كالمارد الهامد على طريق مثواه الأخير.
طبّق المقدّم قناعاته على نفسه وعلى عائلته، فتراه يدرّب أولاده على احترام الناس وحاجاتهم، يعلّمهم فنون الاعتناء بالأرض وإدارة الوقت بالممارسة وبالاقتداء به، حين كان يرافقهم صباحاً، إلى الحقول الزراعية، ويوزّع المهام عليهم قبل الانتقال إلى عمله، فكم من رفيق رآه «يفرط» الزيتون، أو يروي الزرع… أمّن لهم المستلزمات لتحصيلهم العلمي، ولكنه لم يستغل لا منصبه ولا علاقاته لفرض خياراته عليهم، وهم بالمقابل لم يخذلوه ووصلوا إلى أعلى المراتب في هذا المجال.

احترم المرأة وآمن بقدراتها، دعم تحصيلها العلمي، شجّع نشاطات السيدات في مؤسسات الحزب ودعم اقتراحات الاتحاد النسائي التقدمي، حين اعتبرهنّ الأقرب إلى شرائح المجتمع والأدرى بحاجاته، وعلى سبيل المثال كان الراعي لـ «حملة دعم المريض» في بلدته بشتفين.

آمن بالمصلحة العامة، وانطلاقاً من بلدته شجّع وساهم ودعم بناء دارٍ جامعةً لجميع عائلاتها «دار البلدة للخدمات الاجتماعية»، في زمن كانت الدورُ في باقي القرى تُبنى على أسماء العائلات فيها، حينها عمل جاهداً مع وليد جنبلاط، وكان الوسيط لتأمين هبة الأرض وجزء من كلفة البناء لإتمامه.
كان المقدّم محباً للحياة، وكما قال وهيب فياض واجه المرض «بأسلحته الذاتية ودفاعاته الشخصية…. حتى ليتبادر إلى ذهنه أن الموت لم يغلبه… وهو يخال الموت يؤدي له التحية العسكرية قبل أن يصطحبه في رحلته الأخيرة».

اختصر المقدّم نهج حياته بنفسه قائلاً « رافقت الكبار وحاولت أن أتخلق بأخلاقهم وأن أسلك نهجهم في التواضع والتفاني والأثَرة. جنيت فيها ثروة عظيمة، هي محبة الناس وثقتهم واحترامهم»، فرثاه وليد جنبلاط قائلاً «حملت راية الحزب ولم تطلب لنفسك شيئاً عشت هانئاً متواضعاً ورحلت راضياً مرضياً».

ضابط في الجيش اللبناني
المقدم شريف فياض

سمح تحصيل شريف العلمي الراقي في حينه، انطلاقاً من المدرسة الداوودية في عبيه، مروراً بالمعهد العربي في بحمدون، وصولاً إلى نيل شهادة البكالوريا اللبنانية من مدارس المقاصد في بيروت سنة 1959، بالتقدم إلى امتحانات الدخول إلى الكلية الحربية في الجيش اللبناني، انسجاماً في حينه مع تطلعات العهد الشهابي في ضم الطاقات الشبابية الكفوءة إلى صفوف الجيش اللبناني، وجعله خير مدرسة للتربية على المواطنية.

أحبّ الضابط فياض الجيش اللبناني وآمن به لا طائفيّاً، وعلى سبيل المثال فقد حال دون استقالة أحد رفاقه من الضباط «الموارنة» قائلاً له: «إذا كان المخلصون سيستقيلون لمن سنترك البلد؟». تخرّج من المدرسة الحربية سنة 1961، وتدرّج في الرتب حتى رتبة رائد، عمل من أجل وحدته حين اندلعت حرب السنتين سنة 1975، وكُلّف بمتابعة ثكنات الجيش التي انفصلت عن القيادة المركزية. غادر مركز خدمته سنة 1976 في الفياضية وانتقل إلى منطقة الشوف حيث بدأ نشاطاً سياسياً وعسكرياً حين التقت قناعاته «مع فكر المعلم بالتمسّك بهوية لبنان العربية وباعتبار مرتكزات النظام السياسي هي الحرية والديمقراطية والمساواة كما التقت مع قناعاته بحقّ الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه». قدّم استقالته سنة 1978 وتقاعد برتبة مقدّم، «حتى يكون أميناً لرسالته العسكرية… ويكون صادقاً بالتزامه تجاه الحزب التقدمي الاشتراكي». لم يُخفِ فرحته حين وجّه، في ختام حياته السياسية، تحية للجيش اللبناني وضباطه الذين تمكنوا من «إعادة بناء المؤسسة العسكرية على عقيدة وطنية عربية تؤهلها للذود عن الوطن».

القائد العسكري الاشتراكي

ساهم المقدّم في تأسيس «قوات التحرير الشعبية»، للمشاركة في حرب السنتين إلى جانب الحركة الوطنية والحزب التقدمي الاشتراكي. بعد دخول القوات السورية إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط سنة 1977، كانت أولى المهمات التي تولّاها فياض تحت قيادة وليد جنبلاط للحزب التقدمي الاشتراكي، إقامة معسكر تدريب سرّي في منطقة الشوف، لتتحول بعدها معسكرات التدريب إلى علنية، ويكلّف رئيس الحزب سنة 1978، المقدّم فياض قيادة «جيش التحرير الشعبي – قوات الشهيد كمال جنبلاط»، والذي استمر بتأدية مهامه حتى انتقاله للعمل السياسي. كان القائد فياض المخطّط الحذق، والمنفذ المتابع على الأرض لأدق التفاصيل، غير المتهور، وملتزم بالتنسيق مع رئيس الحزب في كل القرارات العسكرية.

المناضل الحزبي السياسي

 

نشأ شريف فياض على إيمانه بالعروبة، تأثر بفكر ومبادئ جمال عبد الناصر، وحين التقت قناعاته مع فكر كمال جنبلاط، اعتبر نفسه «حامل قضية انخرط فيها وقاتل من أجلها حوالي نصف قرن». ناضل من أجل قضيته عسكرياً، وانتقل إلى العمل السياسي من خلال انتسابه إلى الحزب التقدمي الاشتراكي وتبوأ منصب أمين السر العام منذ سنة 1987 حتى سنة 2011. سخّر المقدّم منصبه برفقة نخبة من المناضلين «لإعادة بناء الحزب ومؤسساته وتلبية متطلبات الناس والوقوف على حاجاتهم»، مهتماً بالجيل الناشئ حين عمل على «تدريبه ليحسن استعمال البوصلة»، وخاصة من خلال منظمة الشباب التقدمي التي انتسب إليها نخبة من الشباب الذين اعتبروا المقدّم مثالاً وقدوة، وتبوأ عدد كبير منهم لاحقاً مناصب قيادية في الحزب أو في الحياة السياسية اللبنانية. كان المقدّم فخوراً سنة 2011 أن جهوده وجهود رفاقه بتوجيهات وليد جنبلاط «أثمرت في الجمعية العمومية مجلساً قيادياً شاباً حيوياً منتخباً»، معللاً ذلك قائلاً «أترك موقعي بقرار حزبي ديمقراطي أخذته الجمعية العامة وأبقى في المختارة بقرار شخصي حرّ واعٍ »، موجهاً التحية لهؤلاء الشباب «جيل المستقبل وهم يعبرون الجسر في الصبح خفافاً»، حين جعل أضلعه تمتد لهم «جسراً وطيد». قَرَن المقدّم القول بالفعل حين اصطحب في الأسبوع الأول بعد تركه منصب أمانة السر «حفيده ابراهيم إلى دار المختارة وكأنه يقول دون أن ينطق أنا معكم إلى ولد الولد».

عمل المقدّم على «كسر أطواق المذهبية والطائفية والمناطقية»، وتنبّه إلى «المستغلين والنفعيين الذين يسيرون في الصفوف الخلفية للمناضلين ويتربصون بالصيد الثمين كلما لاحت لهم الفرصة». استمرّ المقدّم بممارسة قناعاته، وحاول اثباتها وتعميمها حين حاضر عن لبنان ومقومات الدولة فيه، عرض المشكلة في نظام لبنان السياسي الذي لم يؤمّن «العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين»، ولكنه عرض أيضاً الحلول وبوّبها ووضعها تحت عنوان عريض هو «إعادة بناء العقد الاجتماعي بين اللبنانيين» من خلال الحوار والوصول إلى «الاتفاق على مجموعة مُثل وقيم إنسانية وأخلاقية تكون ناظماً لسلوك الأفراد والمجتمع، تنبثق من شرعة حقوق الانسان، وتؤمّن العدالة والمساواة وتضمن الحريات العامة، وتعتبر الدين شأناً شخصياً لا مكان له في الممارسة السياسية».

ساهم اعتداله وحسن إدارته الشأن العام تكليفه من رئيس الحزب الإشراف على إدارة الانتخابات اللبنانية العامة النيابية والبلدية والاختيارية، وتولي رئاسة اللجنة الانتخابية في الحزب، منذ سنة 1993 حتى سنة 2005.

حدّد المقدّم عدوّه وعدوّ لبنان أنه «إسرائيل»، ونبّه من «تسويق مخططاتها تارة بالإغراء وطوراً بالتهديد وباستخدام القوّة لفرض إرادتها كما حاولت أن تفعل من خلال احتلالها عاصمة لبنان وجزءاً من أراضيه». آمن المقدّم «بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه»، لم يبخل بعمله السياسي أو بعلاقاته الشخصية من نصرة هذه القضية، ما حدا بالسفير الفلسطيني أشرف دبور أن يصفه «برمز التضحية والعطاء وافتداء الوطن ورفض ظلم فلسطين واحتلالها مناصراً قضيتها وشعبها» معتبراً إياه «رمزاً للارتباط الأخوي اللبناني الفلسطيني». مع العلم أن هذا الالتزام لم يحجب أولويات المقدّم الوطنية.

المربي التربوي المثابر

ظهرت بوادر تعميم الثقافة منذ الصغر، حين ترأس شريف تحرير مجلة ثقافية في المدرسة الداوودية في عبيه تحت اسم «life». ساهم المقدّم فياض في إصدار برنامج التنشئة الوطنية في مدارس الجبل وأشرف على إصدار سلسلة كتب لتدريسها بالتعاون مع المكتب التربوي في الإدارة المدنية حينذاك. كُلّف عضواً في مجلس أمناء «مؤسسة وليد جنبلاط للدراسات الجامعية» سنة 1988، ليصبح أمين سر المؤسسة منذ سنة 1994 حتى تاريخ وفاته، حيث عمل على مأسستها وتنظيمها مع رفاق مخلصين، وتحويلها إلى مؤسسة أكاديمية. من منطلق قناعاته الراسخة، وممارستها على نفسه، كما استنهض المقدّم معارفه، لبناء شبكة علاقات مع المؤسسات الجامعية الخاصة والرسمية، لصالح آلاف الطلاب الجامعيين داخل لبنان. كلّ ذلك جعل وليد جنبلاط يختار هذا المضمار ليخلّد فيه اسم المقدّم بعد وفاته، بإطلاق «منحة شريف فياض» السنوية الموجّهة إلى الطلاب المتميزين في الدراسات العليا خارج لبنان.

رجل الحوار والمصالحة

«أكرمني الله أن أكون إلى جانب وليد جنبلاط في معركة التحوّل من العسكرة إلى السياسة، وفي الانتقال من خنادق الحرب إلى طاولات الحوار، ومن متاريس الخصام إلى لقاءات المصالحة»، بهذه الكلمات كرّم شريف فياض نفسه في حفل تكريمه سنة 2011، حين أفصح عن قناعاته الراسخة بضرورة الحوار وإتقان موجباته وصولاً للمصالحات الكبرى التي عرفها جبل لبنان. في المقابل كان وليد جنبلاط معبّراً حين رثاه بوصفه «كنت رمز الصلابة في مرحلة الحرب ورمز التسامح في مرحلة السلم، واكبت عودة المهجرين وعملت بجهد لطي صفحة الحرب المشؤومة». رأى د. قُصي الحسين في المقدّم «جسر القاضي بين رفاق تنابذوا وبين رفاق تحابوا»، فهو «جسر أهلي ووطني وحزبي وتقدمي وجنبلاطي وتاريخي متحرك». أما شهادة فؤاد أبو ناضر الآتية من موقع الخصومة السابقة، فقد شددت على الدور الذي لعبه الراحل أثناء الحرب وبعدها من أجل وضع كتاب جديد فيه طيّ لصفحات الماضي وفتح صفحات بيضاء للتعايش في الجبل ولبنان، ولا سيما الجبل بعد عودته إلى لُحمته السابقة، وقد التقت قناعاته مع المقدّم حين أكّد أن «لبنان لن يستقيم إلّا إذا اجتمعنا على البحث عن حقيقة تاريخنا الحديث لأن الحقيقة هي التي تلغي الحدود وتحوّل ساحة الوغى إلى ساحة لقاء».

اختبرت مفهوم البحث عن الحقيقة عند المقدّم بنفسي، حين زوّدني بما احتجت إليه من وثائق للكتابة عن دور الإدارة المدنية في الجبل، واقترح عليّ أن أكتب عن دور الإدارات المحلية عند الأطراف التي كانت في الجهة الأخرى من الحرب، ذُهلت حينها ولكنني تعلمتُ درساً أن الحقيقة لا تتجزأ ولا يكتمل نسج خيوطها إلّا من جميع الجهات.

كل هذه المبادئ تجدها منتشرة في صفحات كتاب المقدّم، وهي خير دليل على ممارسته قناعاته على نفسه قبل غيره، حين استضاف عائلة، في خضم الحرب، مصنّفة من «الخصوم»، مؤلفة من ستة أطفال في أسرّة أولاده وتحت رعاية زوجته، مؤكداً أن «المحبة حلّت محل الحقد في قلوبهم… يعيشون متصالحين مع أنفسهم ومع مجتمعهم» مستخلصاً أنه «من رحم المأساة تولد المحبة ومن صخب التطرّف وغباره تنقشع خيوط المصالحة ومن القناعة بالشراكة الوطنية يُبنى الوطن وتُبنى مؤسساته» مستذكراً الحوار الجدّي والمسؤول «الذي جرى في القاعات العامة في الجبل أو في الأديرة والمكتبات وكان له أثر بالغ في ترميم جسور الثقة بين الناس من مختلف المذاهب والأحزاب وسهّل التلاقي والتعاون والعودة وغسل القلوب»، مختتماً بخلاصات تشق طريق بناء الوطن حين يذكر أنه «لا يفيدنا في لبنان أن نطمس حقائق الخلاف وجذور التباين القائم ونهمل واقع التوازن الوطني المضطرب»، وحين يعتبر أن «أهم الدروس المستقاة من الحرب الأهلية اللبنانية هو درس العودة إلى الحوار الداخلي والقناعة بالتنوّع والعيش المشترك وقبول الآخر كما هو ذلك الآخر. وبغياب ذلك الحوار الجدّي المخلص وبغياب القناعة بالوطن وبالشراكة فيه ستتكرر المآسي وإن بحلل مختلفة وألوان متعددة»، وكأنه يقول امتثلوا إذا أردتم بناء لبنان.

الكاتب المؤرخ

اهتم المقدّم بالكتابة التاريخية، ولكنه لم يتناولها من نِظرة القائد العسكري، أو استغلها لعرض سيرة شخصية احتلّت أعلى المراكز، بل اتبع خطوات منهج البحث التاريخي، من حيث أهمية اختيار الموضوع؛ فقد كتب عن مرحلة دقيقة من تاريخ الجبل ومن خلاله تاريخ لبنان المعاصر، وقد حدّد إشكاليته في مقدّمة كتابه حين افترض أنّ «كلفة التسوية مهما كانت باهظة تبقى أرخص من كلفة الحرب حتى لمن ينتصر فيها». سعى إلى تأمين المصادر والمراجع، ولم تأخذه نشوة القائد كي يتفرّد بالخبر، بل تواصل مع من عايش الحدث، ونهل من محفوظات الحزب التقدمي الاشتراكي، واستعاد من الصحف اليومية ما احتاجه… فتراه في كل مفاصل كتابته، يوثّق معلومته بالاسماء، بالتواريخ، بالوقائع الحقيقية غير الافتراضية، ليتحول كتابه (نار فوق روابي الجبل) مصدراً يعتدّ به للفترة الزمنية التي غطّاها.

أراد المقدّم أن يستفيد من الكتابة التاريخية إلى أبعد حدود، فتراه يشقّ طريق المنهج الاجتماعي، حين جال في «الاقتصاد والثقافة والفنون والسياسة والأعراف والتقاليد والمفاهيم الضابطة لإيقاع نبض الناس في حقبة تاريخية محدّدة»، وكان جسوراً أن صاغ العبر بين طيات صفحاتها، رافضاً العنف حين خاطب أولاده «فلينشئوا أولادهم (أحفادي) على رفض العنف الذي لا يؤدي إلا إلى التراجع والانهيار»، مظهراً كلفة الحرب على المجتمع التي «نسفت أسس المجتمع ومرتكزاته»، مشيراً في أكثر من محطة إلى «العلاقات الإنسانية بين أهالي القرى قبل الحرب وبعدها علّ في ما كتبتُ درسًا من الماضي وعبرًة للمستقبل». جعل الأمثلة المحسوسة أحاجيج لتبيان قناعاته ومحاولة تعميمها، فحين أظهر قلقه وقلق وليد جنبلاط على وضع بلدة دير القمر كان يؤكد أنّ «انتشار الغرباء فوق تلالها أمر مؤقت وزائل، أما الثابت والدائم فهو التواصل الاجتماعي مع الجوار»، وحين ذكر نسيبه المهاجر من بشتفين وجد فيه «نموذج المغترب اللبناني الذي يحمل الحنين في قلبه وجواز السفر في يده والدمعة على وجنتيه»، وحين قارن وضعه واقفاً مُهدَداً بين حاجزين أحدهما سوري والآخر إسرائيلي مع «وضع لبنان على ساحة الصراع الإقليمي بين سوريا وإسرائيل وبين مصالح القوى الإقليمية وهو عاجز لا حول له ولا طول»، مختتماً للأسف كتابه باستنتاج محبط «هل أرض لبنان هبة من الله لا يستحقها شعبه؟!.»

خمس سنوات مرّت على غلبة موت المقدّم شريف فياض، «وهي خسارة مشروعة، في معركة الإنسان الأخيرة مع الموت منذ بدء الخليقة، ولمّا تزل في أذهاننا جميعاً صورة المقدّم منتصب القامة، مرفوع الهامة…».

.

مقالات