الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الحضارةُ والأخلاق

تعرّض الإسلام، في صورته الظاهرة، في السنوات القليلة الماضية إلى سوء فَهم شديد هبّت رياحُه من مصدرين أساسيّين:
1- التشويه العنصري (الاستعلائي) الذي صدر بغير وسيلة وصورة من بضعة مراكز غربية إعلامية بحقّ الإسلام والمسلمين – بغضِّ النظر عن مدى تمثيل تلك المراكز المتجنّية المُتحاملة على الإسلام لروح الثقافة الغربية التي لا ينكر أهميتها غير المتعصب والجاهل – وكانت ذروة التشويه ذاك؛ الطريقة المقيتة المُنَفّرة التي أبرز بها بعض الإعلام الغربي رسوم الكاريكاتير المسيئة التي تناولت النبي محمّد (عليه الصلاة والسلام)، وردود الأفعال الغاضبة التي تلت ذلك.

2- الطريقة الانفعالية التي ردّ بها بعض المسلمين على التشويه العنصري أعلاه. فقد تحوّلت بعض ردود الأفعال تلك، وبخاصة ما اتّصل منها بإراقة بعض الشبّان اليائسين المهاجرين إلى أوروبا للدماء وقطع الرؤوس ومهاجمة الأبرياء في الكنائس، إلى مادة جديدة لهجوم ظالم لا على هؤلاء حصراً، وإنّما على المسلمين بعامّة، بل على الإسلام نفسه باعتباره «حضارة انفصالية» تعيق اندماج المهاجرين إلى أوروبا مع مجتمعاتهم الجديدة، وتعيق اندماج المسلمين عموماً بالمدنية، في وجهها المعاصر على الأقل.

بين هذين التشويهين، الأفعال المسيئة المُستنكَرة وردود الأفعال المُستنكَرة أيضاً، أين يقف العقل الإسلامي الرصين الهاديء الواثق من درجة سماح دينه العظيم. يمكن لمن يرغب العودة إلى بيانات مفتي الديار السعودية الذي افتى بوأد أيّة فتنة قد تنشأ عن ذلك، وعدم جوازها، وأنّ ما جرى لا يعود عن كونة عمل قِلَّة طائشة، وكان ذلك منتهى العقل. كذلك لا بدَّ من العودة إلى الأزهر الشريف، باعتباره مرجعية شديدة الحرص والمسؤولية، إلى مرجعيات إسلامية أُخرى في مدارسهم كافة. وضعت المرجعيات الإسلامية تلك، وسواها شرقاً وغرباً، وفي غير بيان وموقف، الأمور في نصابها الصحيح، وأعادت التذكير بالقاعدة المعاصرة للتفاهم الإسلامي المسيحي المتبادَل والتي ظهرت قبل عام تقريباً في ما سمّي بوثيقة أبو ظبي التاريخية التي وقّعها بابا رومة وشيخ الأزهر.

في هذه المقالة لا نتناول الحدث الخطير الذي جرى قبل وقت قصير، بل هي محاولة بالعودة إلى كيفية معالجة الأمير شكيب أرسلان قبل مئة سنة تقريباً للمسألة تلك، بل تأسيسه لكل نقاش مُتبادَل، وردُّه تحديداً لا على المتحاملين على الإسلام بعامّة فحسب (وقد كانوا دائما موجودين وسيبقَوْن كذلك ولأسباب أكثرها مشبوه وربما دخيل على المسيحية والإسلام معاً)، وإنما دعوته قبل مئة عام (وكان ذلك جديداً تماماً يومذاك ) لوقف المقارنات المتسرعة بين هذا الدين وذاك، بل لإخراج الدين من هذا النقاش على وجه الإطلاق. لقد كان الأمير شكيب في ذاك، وكما في أمور كثيرة أخرى، مُنْصفاً، موضوعيّاً، ومتنوّراً معاصراً أكثر بكثير من بعض مدّعي التنوير والمعاصرة اليوم.

عالج الأمير شكيب المسألة في أكثر من عمل له، وبخاصة في الكُتَيّب الذي غدا إنجيل الحركات الإسلامية لمئة عام، عَنيت به كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرُهم»، وهو في الأصل رسالته إلى أهل جاوة في إندونيسيا سنة 1925 جواباً على سؤال منهم في مسألة التقدّم والتأخير وموقع الدين منها، وقد أعيد طباعة الكتاب أكثر من سبعين مرّة (إقرأ عرضاً مفصلاً لجواب الأمير في كتابي «الأمير شكيب أرسلان، مقدَّمات الفكر السياسي»، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1989).

سأعرض في هذه المقالة رد الأمير المتقدم استناداً إلى عمل آخر له وهي مقالته بعنوان (مدنية الإسلام)، من كتاب «حاضر العالم الإسلامي» للوثروب ستودارد، ترجمة عجاج نويهض (مع مُقدَّمة من الأمير شكيب كان حجمها ضعفي الكتاب الأصلي (ص 117- 127) – وكانت طبعته الأولى سنة 1925، ثم توالت طبعاته لاحقاً، ومنها الطبعة الثالثة الصادرة سنة 1973 والتي استندت إليها المقالة هذه.

يبدأ الأمير مقالته، بل بحثه، بإثبات بطلان دعاوى من يزعم أنه لم يكن للإسلام من حضارة أو مدنيّة، فيقول:
«مدنية الإسلام قضية لا تقبل المماحكة إذ ليس من أمّة في أوروبة سواء الألمان أو الفرنسيين أو الإنكليز أو الطليان إلخ، إلّا وعندهم تآليف لا تحصى في «مدنية الإسلام»؛ فلو لم يكن للإسلام مدنية حقيقية سامية راقية مطبوعة بطابعه، مبنية على كتابه وسنّته، ما كان علماء أوروبة حتى الذين عُرفوا منهم بالتحامل على الإسلام يكثرون من ذكر المدنية الإسلامية ومن سرد تواريخها ومن المقابلة بينها وبين غيرها من المدنيات، ومن تبيين الخصائص التي انفردت بها.» (حاضر العالم الإسلامي، الجزء الثالث، 119).

ويسهب شكيب في عدّ مظاهر مدنية الإسلام وتجلّياتها، فإذا بغداد «قد بلغت في دور المنصور والرشيد والمأمون من احتفاء العمارة واستبحار الحضارة وتناهي الترف والثروة ما لم تبلغه مدينة قبلها ولا بعدها إلى هذا العصر، حتى كان أهلها يبلغون مليونين ونصف مليون من السكّان، وكانت البصرة في الدرجة الثانية عنها وكان أهلها نحو نصف مليون. وكانت دمشق والقاهرة وحلب وأصفهان وحواضر أخرى كثيرة من بلاد الإسلام أمثلة تامة، وأقيسة بعيدة في استبحار العمران، وتطاول البنيان، ورفاهة السكان وانتشار العلم والعرفان، وتآثل الفنون المتهدلة الأفنان.» (119)

ولم تكن القيروان وفاس وتلمسان ومراكش في المغرب بأقل من ذلك. أما قرطبة، والكلام لشكيب، فلم يكن يدانيها في أوروبة مُدانٍ، وكان عدد سكانها نحو مليون ونصف مليون نسمة، وكان فيها سبعمئة جامع عدا المسجد الأعظم الذي كان يسع حسب المهندسين الأسبنيول خمسين ألف مُصَلٍّ في الداخل و30 ألف مصلٍّ في الصحن «يسعهم هذا المسجد العجيب ثمانون ألفاً من المصلين» ويضيف:
«ولما ذهبنا إلى آثار قصر الزهراء، رأيناها آثار مدينة لا آثار قصر واحد، وعلمنا أنها تمتد على مسافة تسعمائة متر طولاً في ثمانمائة متر عرضاً… وقال لي المهندسون الموكلون بالحفر على آثارها: إنهم يرجون الإتيان على كشفها كلّها من الآن إلى خمسين سنة. وحسبك أنّ غرناطة التي كانت حاضرة مملكة صغيرة في آخر أمر المسلمين في الأندلس لم يكن في أوروبا في القرن الخامس عشر بلدة تضاهيها ولا تدانيها، وكان فيها عندما سقطت في أيدي الأسبانيول نصف مليون نسمة…. وحمراء غرناطة لا تزال يتيمة الدهر إلى اليوم.» (119-120).

يسخّف الأمير شكيب دعاوى المُكابرين «حُسّاد المدنية الإسلامية» الجاحدين فضل الإسلام في قيام المدنيات شرقاً وغرباً، وما تركته من آثار ماديّة وعقلية وروحية لا تزال تبهر المؤرخ المنصف والتي سمحت بسيادة عربية تامة شرقاً وغرباً «لثلاثة قرون أو أربعة». لكن السيادة تلك ما لبثت، برأيه، أن تراجعت «فذهبت ريحهم وولى السلطان الأكبر الذي كان لهم»، ولذلك أسبابه الموضوعيّة والنفسية، ولا علاقة لذلك بالدين، من قريب أو بعيد.

وبالمعيار نفسه، يرى شكيب أن ميزان التقدّم المادي يميل منذ حين وإلى الآن لصالح الحضارة الغربية، لا الحضارة بل الحضارات الإسلامية، ولكن السبب في ذلك ليس الدين، ولا هو الميزان في التقدّم والتأخر الماديين، يقول:
« نحن لا ننكر تأثير الدين في المدنية ولكننا لا نسلّم بأنه يصحّ أن يكون لها ميزاناً، وذلك لأنه كثيراً ما يضعف تأثير الدين في الأمم فتَتَفلَّت من قيوده وتفسد أخلاقها وتنهار أوضاعها، فيكون فساد الأخلاق هو علّة السقوط، ولا يكون الدين هو المسؤول: وكثيراً ما تطرأ عوامل خارجية غير مُنْتظرة فتتغلّب على ما أثلته الشرائع من حضارة وتزلزل أركانها وقد تهدمها من بوانيها، ولا يكون القصور في الشريعة. فتأخُّر المسلمين في القرون الأخيرة لم يكن من الشريعة بل من الجهل بالشريعة، أو من عدم إجراء أحكامها كما ينبغي. ولمّا كانت الشريعة جارية على حقها كان الإسلام عظيماً عزيزاً.» (118)

أما بعض سياسيي الغرب ومؤرِّخيه المتحاملين المُنكرين مدنيّة الإسلام فلا يستحقون من شكيب غير الشفقة وتنبيههم إلى ما هم عليه من الإنكار وعدم النّصفة؛ وليسوا جميعاً كذلك، بل بينهم الموضوعي والمنصف أيضاً، يقول:
« وكم حرر المؤرخون الأوروبيون تحت عنوان «مدنية الإسلام» كتباً قيّمة ومجاميع صور تأخذ بالأبصار. وإن أشد مؤرخي الإفرنجة تحاملاً على الإسلام لا يتعدى أن يحاول التصغير من شأن مدنيته….. فقصارى هذه الفئة أن ينكروا كون المسلمين قد ابتكروا علوماً وسبقوا إلى نظريات صارت خاصة بهم، وغايتهم أن يقولوا إنّ المسلمين لم يزيدوا على أن نقلوا وأذاعوا وكانوا واسطة بين المشرق والمغرب. وهذا القول مردود عند المحققين الذين يعرفون للمسلمين علوماً ابتكروها وحقائق كشفوها وآراء سبقوا إليها، فضلاً عمّا زادوا عليه وأكملوه، وما نشروا ونقلوه، ومن استرقَ شيئاً وقد استرقّه فقد استحقّه.» (120)

لكنَّ شكيباً، المؤرخ الموضوعي المنصف لا تأخذه نعرة عصبية، ولا تدوّخه لحظة غرور وفخار قومية، فإذا به يسرع الخطى إلى صياغة قاعدة تليق لا بالتاريخ فقط، بل بفلسفة التاريخ، وتاريخ الحضارات – وقد سبق فيها غارودي وغيره ممّن أنصفوا الحضارة العربية والإسلامية – فينتهي من نصّه الدقيق الهادئ إلى خلاصة تاريخية، فيقول:
«وبعد، فلم نعلم مدنية واحدة من مدنيات الأرض إلاّ وهي رشح مدنيات سابقة، وآثار آراء اشتركت بها سلائل البشرية، ومجموع نتائج عقول مختلفة الأصول، ومحصول ثمرات ألباب متباينة الأجناس.» (120)

نكتفي الآن، ولنا عَوْدٌ إلى الموضوع لاحقاً، بهذه الخلاصة التاريخية الساطعة التي لا ينكر صدقيتها وشمولها إلّا العنصري المتعصب المُكابر الذي يضع أوهامه، بل مرضه، بديلاً للحقائق الموضوعيّة التي تقدمها صفحات التاريخ لكل ذي بصر وبصيرة، ولكل عالم منهجه في طرائق العلم، ومستنده في تناول الوقائع، لا أوهام زمن الاستكبار والإقصاء والاستعلاء: زمن لا قاعدة علمية، ويجب أن نكون قد تجاوزناه – لكنّه يطلّ من جديد مع الأسف في طيّات خطاب شعبوي عنصري مقيت، لكنّه أقلّوي حتى الآن، والحمد لله.

ولنا في مقالة لاحقة إن شاء الله عرضٌ لتحليل الأمير شكيب العميق لموقع الدين، كل دين، في صعود الحضارات وأفولها.

قراءة نقدية في تاريخ الجمهورية الأولى

يبدو هذا المقال وكأنه خارج السياق الزمني الذي يفترض ان يتم التركيز فيه على ما جرى ويجري في مسار الجمهورية الثانية، ولكن العودة، برأيي، الى قراءة نقدية لمسار الجمهورية الاولى، يساعد في فهم التحديات والتداعيات التي ادخلت الجمهورية الحالية في مأزق يعبر عن عدم القدرة على انتاج حلول لمختلف المشاكل التي تواجه اللبنانيين.

يصنف النظام السياسي في لبنان من بين الانظمة التوافقية او انظمة المشاركة، التي تعطي الطوائف او المجموعات الثقافية او الاثنية حقوقاً في التمثيل السياسي يضمنها الدستور والاعراف. وتترافق هذه الحقوق مع نصوص تحدد بدقة آليات اتخاذ القرار في المؤسسات الدستورية، بشكل يمنع طغيان فئة على اخرى كما يمنع تعطل المؤسسات.

يتميز النظام التوافقي أيضًا بأنه «نظام النخبة» التي تتمتع بثقافة التسوية والقدرة على تسويقها إن عقدت لدى جمهور الطوائف او المجموعات، ويذهب البعض الى تشبيه دور النخبة في النظام التوافقي، بالدور الذي يلعبه «القفل» في قنطرة العقد، فإذا تداعى القفل، تتداعى معه القنطرة بأكملها والأمثلة على ذلك كثيرة في الجمهورية الاولى والثانية. وتركز النظرية التوافقية منذ عقود على عوامل الاستقرار في هذه الانظمة والتي تفترض توازنً ديمغرافياً مقبولاً وكذلك توازن اجتماعي- اقتصادي يمنع تركز الثروة في ايدي احدى المجموعات الطائفية او الثقافية او بيد قلة من المجموعة ذاتها، كما تفترض الوحدة في وجه التهديدات الخارجية.

غير أن بعض الدول مثل لوكسمبورغ اتفقت فيها النخب على آليات متقدمة لضمان الاستقرار ومنها اعتماد دبلوماسية القمة اي مأسسة الحوار بين النخب الاساسية وتسويق اي تسوية يتم الاتفاق عليها، وعدم إدخال القضاء والاجهزة الامنية في لعبة موازين القوى وترك الحكومة تحكم بمجرد تأليفها وحصولها على ثقة المجلس النيابي.

في المقابل فإن خصوصية هذا النوع من الأنظمة، لم تكن حائلاً أمام تكريس مبادئ دستورية تعتمدها الانظمة والديمقراطيات الاخرى وهذا ينطبق على لبنان، مثل الفصل بين السلطات الدستورية واستقلالية القضاء واعتبار الشعب مصدر السلطات، كما لم يمنع من تكريس مبادى وقيماً مثل حكم القانون وتحمل المسؤولية والمحاسبة والشفافية وقيام ادارة عامة تعتمد حيادية الخدمة العامة، كما تعتمد الكفاءة المعيار الاساسي في تولي الوظائف العامة. ولا تخرج الانظمة التوافقية عن فكرة العقد الاجتماعي وفقاً لمفهوم توماس هوبس وجان لوك، وإن يكن لهذا العقد خصوصيات معينة، حيث تحل الطوائف او المجموعات الثقافية كطرف في هذا العقد بديلًا من المواطن، ولا تسلم هذه الطوائف كما في التجربة اللبنانية بكافة الصلاحيات للدولة ومؤسساتها مقابل الحماية التي يفترض بالدولة تأمينها سنداً لفكرة العقد الاجتماعي.

وبالعودة الى التجربة اللبنانية منذ الاستقلال نرى أن النظام السياسي اللبناني مزج بين بعض مبادئ الديمقراطية التوافقية والنظام البرلماني، وتكرست فيه بعض الاعراف التي حافظت على التنوع في رئاسة مؤسساته الدستورية، كما تكرست فيه امتيازات لإحدى الطوائف في المواقع الدستورية والادارية والعسكرية، قيل انها اعطيت كضمانة للوجود المسيحي في لبنان الكبير بعد انضمام الاقضية الاربعة وغالبيتهم من المسلمين.
في المقابل، قام ميثاقه الوطني غير المكتوب على تناقضات تعكس الخلاف على هوية لبنان وموقعه وانتمائه الى محيطه العربي الطبيعي، كما ان العقد الاجتماعي الذي بني عليه الميثاق الوطني عام ١٩٤٣ كان عقدًا سياسيًا بامتياز، وذلك بعد أن قبل المسلمون السنة بالمشاركة في النظام، مقابل التخلي عن مطلب الوحدة، كما قبل المسيحيون بطريقة ملتبسة فكرة لبنان ذو وجه عربي. والعقد ايضاً، كان عقداً اجتماعيًا، بمعنى انه لاقى موافقة النخب المدينية والتجارية السنية والمسيحية، مع ارجحية للقوى الاقتصادية المسيحية لاسيما في قطاع المصارف وفي الصناعة والخدمات والوكالات الحصرية. هذا العقد بأطرافه المدينية التي تمتلك الجزء الاكبر من الثروة الوطنية لم يجد ارضية تفاهم مع فكرة لبنان الكبير التي قامت على ضم الاقضية الاربعة من الأطراف، والتي كان من المفترض ان يشملها العقد، كي تندمج مع اقتصاد المركز في بيروت والقسم الشمالي من جبل لبنان ليتشكل اقتصاد وطني، يساهم في الاندماج الاجتماعي لدولة لبنان الكبير، ويخفف من حدة الانقسامات الطائفية، ويتيح تطوير نموذج سياسي يجمع بين المنافسة السياسية والمواطنة وايجاد الاليات الدستورية لطمأنة الطوائف . لكن هذا الامر لم يحصل، ولم تمتلك النخبة السياسية المدينية الشجاعة والرؤية الحكيمة في تطوير هذا العقد، الذي بقي قاصرًا عن استيعاب الاطراف وتحولاتها الاجتماعية ومتطلبات نموها، من خلال السياسات التي ركزت على تطوير المركز واهملت الاطراف، ومن خلال نظام ضريبة غير عادل ساهم في تقويض فكرة التعاضد الاجتماعي، وساهم بانتاج فوارق اجتماعية هائلة حتى في قلب نقاط المركز الذي غلب عليه طابع تركيز الثروة بايدي قلة. لكن فؤاد شهاب الاتي الى رئاسة الجمهورية من المؤسسة العسكرية، وبعد ثورة ١٩٥٨ التي تختزن ما يكفي من الابعاد الاجتماعية والاقتصادية، حاول بالتعاون مع كمال جنبلاط وبيار الجميل التخفيف من حدة التحالف المديني والتجاري وعبئه الكبير على مناطق الاطراف وعلى الاستقرار، فانتهج السياسات التي اعطت الاطراف بعض الفرص في الكهرباء ومياه الشفة والطرق ونشر التعليم الثانوي -من خلال الدور الذي لعبه كمال جنبلاط في وزارة التربية – بعد ان اظهرت بعثة ايرفيد حجم التفاوت الاقتصادي والاجتماعي حيث سيطر ١٪ على نصف الثروة الوطنية الامر الذي وضع قيام طبقة وسطى قبل الصلاحات الشهابية امراً مستحيلا. كما حاول فؤاد شهاب أن يصالح الديمقراطية التوافقية في لبنان مع فكرة دولة القانون والمؤسسات لذلك انشىء التفتيش المركزي وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية، وقد شكلت هذه الخطوة المحاولة الاولى الجدية في بناء حكم القانون.

نجحت المرحلة الشهابية في ارساء بعض قواعد الاستقرار للديمقراطية التوافقية من خلال اعطاء اهمية للسياسات الاجتماعية والتربوية وبناء الخطوات الاولى لاندماج الاطراف. كما نجحت لاول مرة، في ارساء سياسة خارجية تأخذ بعين الاعتبار تحديات صعود المد القومي مع جمال عبد الناصر والتعاطف الداخلي القائم ومتطلبات الحفاظ على السيادة اللبنانية والحفاظ على التوازنات المحلية المعقدة.

ولكن التحولات الاقليمية المتمثلة بانتكاسة حزيران في العام ١٩٦٧ والتي تلاها فوز الحلف الثلاثي في الانتخابات النيابية والذي وصفه غسان تويني انه «طليعة دولة النصارى»، هذا الحلف المتخاصم مع التجربة الشهابية غيّر في موازين القوى في الساحة المسيحية ومهّد لنهاية الشهابية.

ولا شك في أن قيام اتفاق القاهرة في العام ١٩٦٩ وتعاظم مشكلة الوجود الفلسطيني بعد ايلول الاسود في الاردن وتحول الجنوب الى ساحة مواجهة مع العدو الاسرائيلي وصعود دور الامام موسى الصدر وبداية مأسسة حركة المحرومين سيغير في موازين القوى في مناطق الاطراف لاسيما ذات الغالبية الشيعية .

إن التشوهات التي رافقت تلك المرحلة ادت الى انقسامات سياسية ووطنية حادة ولم تكن فيها الخلافات فقط على الامتيازات والسياسات وميزان القوى الذي حكم تسوية ١٩٤٣، بل على موقع لبنان ودوره في الصراع العربي الاسرائيلي وعلاقته في محيطه العربي ودور منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ، واظهرت طبيعة الانقسامات في تلك المرحلة مدى التفكك وعدم القدرة على صياغة قيم مشتركة تحمي الديمقراطية التوافقية الناشئة في محيط تحكمه انظمة دكتاتورية وعسكرية، والانقسام الوطني والسياسي حمل معه الانقسامات ذات البعدين الاجتماعي والاقتصادي وذلك بين بيروت واطرافها من احزمة البؤس، وبين المدن بشكل عام والاطراف وبين المناطق والطوائف، وعبرت حركة كمال جنبلاط السياسية وقيادته للنضال المطلبي عن هذا الواقع المرير ، كما عبرت حركة المحرومين بزعامة الامام موسى الصدر عن مشروعها السياسي بعنوان التهميش والحرمان فيما مضمونه الحقيقي هو الاعلان عن التحول الكبير في الاجتماع -السياسي الشيعي كمقدمة للبحث عن دور اكبر للطائفة الشيعية في النظام السياسي ،في الوقت الذي فشلت فيه كل محاولات النخب الشيعية من العائلات التقليدية البقاعية على وجه الخصوص في ايجاد القواسم المشتركة مع القوى المتحكمة بموارد المركز لتأمين متطلبات نمو البقاع الشمالي ذي الاكثرية الشيعية واندماجه الفعلي بالدولة المركزية، وفي الوقت الذي خسر فيه الجنوب بعد اقفال الحدود مع فلسطين المحتلة اهم الاسواق التي كانت جزءا من تنمية اقتصاده ،فاندثرت اقطاب اقتصادية محلية مثل بنت جبيل التي كانت تستقطب استثمارات كبيرة وتؤمن فرص عمل هائلة ، وكذلك مرجعيون والخيام فضلاً عن خسارة مئات العمال من حاصبيا لفرص عملهم في حيفا ويافا ودون ان تؤمن الدولة اي بديل آخر ، وفي الوقت الذي تخلفت فيه الدولة بعد احتلال اسرائيل لمزارع شبعا في سنة ١٩٦٧ عن سداد اي تعويضات لاهالي مزارع شبعا عن مئات البيوت التي تدمرت وخسارة الاملاك الزراعية التي كانت تشكل موردًا مهماً لسكان المنطقة . في هذا الوقت ، تحول الجنوب بعد اتفاق القاهرة في العام ١٩٦٩ بغالبيته الشيعية ساحة مواجهة غابت فيه الدولة ايضاً عن اي خطط تدعم صمود الجنوبيين، على غرار ما كان يطالب به كمال جنبلاط على الاقل ،انشاء الملاجىء لحماية السكان المدنيين من الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة.

في المقابل تمكن كمال جنبلاط من توحيد اليسار والاتفاق على رؤية وطنية لاصلاح النظام سياسيًا وإداريًا واقتصاديًا من خلال البرنامج المرحلي للاحزاب والحركة الوطنية، ولكن للاسف العناد الذي واجهه كمال جنبلاط من الجهة المقابلة برفض الاصلاح والتخلي عن الامتيازات والرهان على الخارج، قوض كل الآمال بايجاد تسوية سياسية تمهد لتحديث النظام السياسي في لبنان.

شكل اغتيال كمال جنبلاط في العام ١٩٧٧ ضربة كبيرة للمشروع الوطني الذي كان يمثله، الامر الذي سيفتح الطريق امام الانهيارات الوطنية اللاحقة. ولا شك في أن رهان بعض الاطراف اللبنانية على الخارج، والتغيير في ميزان القوى الاقليمي بعد اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع العربي الاسرائيلي، شكل عاملًا حاسمًا في تعميق الانقسام الوطني وانهيار الثقة بين الطوائف، ووضع لبنان امام تحديات جديدة وباتت كل طائفة تبحث عن حماية اقليمية او دولية. وقد ادت هذه الرهانات الى اضعاف سيادة لبنان وتقويض الثقة بالدولة المفترض انها المؤسسة الوحيدة التي تقع عليها مسؤولية حماية الناس والطوائف، وتحول لبنان الى ساحة حرب دامت خمسة عشر عاماً، اختلطت فيها الابعاد الداخلية والاقليمية والدولية. وشكل الحزام الامني الذي اقامته اسرائيل في جنوب لبنان واعتداءاتها المتكررة واحتلالها العاصمة بيروت في حزيران من العام ١٩٨٢ واجزاء من جبل لبنان أصعب التحديات على وحدة البلاد وسلامة اراضيها.
تمكن التحالف الذي اقامه وليد جنبلاط ونبيه بري بدعم سوري من اسقاط اتفاق السابع عشر من ايار، وتمكن وليد جنبلاط من تأمين طريق المقاومة الى الجنوب وإعادة فتح طريق الشام الى بيروت. واتساءل، كم كانت التداعيات السياسية كبيرة على سوريا ولبنان لولا هذا الانجاز الجيو-ستراتيجي الكبير الذي حققه وليد جنبلاط ومعه شرائح وطنية متعددة. لكن للأسف بقي النظر الى هذا الانجاز من زوايا ضيقة ودون اعطائه البعد الاستراتيجي الذي يستحق، وجاءت التطورات الاقليمية خصوصاً مع استمرار احتلال اسرائيل لجنوب لبنان ، ومغادرة منظمة التحرير الفلسطينية، وفشل كل محاولات ايجاد تسوية سياسية لإعادة ترتيب اوراق النظام وتوازناته ، فسقط الاتفاق الثلاثي ودخل النظام السياسي في مرحلة دقيقة، حيث انشطر القرار بين حكومتين متناقضتين في الاهداف والممارسة الامر الذي عرض وحدة الدولة ومؤسساتها لأخطر الامتحانات والتداعيات. وقد تبين لاحقاً ان احد الاهداف الرئيسية لحكومة ميشال عون العسكرية كان التشبث والامساك بالسلطة، وتعطيل اي مبادرة عربية او دولية لعقد مؤتمر وطني لإصلاح النظام، ما لم تكن على جدول اعمال التسوية انتخابه لرئاسة الجمهورية، مما وضع البلاد امام تحديات اتساع دائرة العنف من خلال إعلان الحروب المتعددة والتي اعلنها في سياق تحقيق هذا الهدف.
انتهت الحرب اللبنانية التي دامت خمسة عشر عاماً في مرحلة تحول في المسار الدولي، حيث نشأ تفاهم اميركي سعودي وسوري ادى الى انعقاد مؤتمر الطائف، طبعًا بعد ان جرت بعض التحولات في ميزان القوى الداخلي، لاسيما بعد معركة سوق الغرب في ١٣ آب ١٩٨٩، التي أسهمت في إعادة بعض التوازن إلى ميزان القوى المحلي، مجرد تصحيح صغير في جبل أزمات كان يعلو يومياً.

خلاصة:

لعل من اهم استنتاجات مرحلة الجمهورية الاولى هي أن النخبة التي قادت هذه الجمهورية من الاستقلال وحتى مرحلة الدخول السوري، استطاعت ان تجد ارضية للتسوية في بعض المسائل التي تتعلق بآليات النظام وتشغيل مؤسساته الدستورية بطريقة مقبولة، لاسيما في مجلسي النواب والوزراء، وتمكنت هذه النخبة من تطوير اعراف حافظت على الحد الادنى من الشراكة الاسلامية المسيحية، ومن الاحترام والتسامح المتبادل الامر الذي مكن المجالس النيابية من ان تقوم بدورها التشريعي ومراقبة عمل الحكومة وبرزت كتل نيابية هامة في هذا المجال، كما تمكنت حكومات عديدة، من تأمين الخدمات الاساسية وتطوير المناخ الاستثماري الذي ساعد في الكثير من الاستثمار في الاقتصاد الوطني. وحافظت هذه النخبة على اعراف مثل حرية الصحافة وسيادة القانون وحرية التعبير وحماية الملكية وغيرها من الاعراف، وكان لهذه النخبة الكثير من المواقف ذات الابعاد الوطنية وكانت على مستوى من الالمام الواسع بتاريخ لبنان الحديث والتحولات التي حصلت على الصعد كافة لقيام دولة لبنان الكبير ومرتكزاتها السياسية والايديولوجية.

استطاعت هذه النخبة بناء ادارة حديثة مع قيام اجهزة رقابة ادت دورها بفعالية، وكان على رأسها اداريون مميزون، وتمكن مجلس الخدمة المدنية من اجتذاب كفاءات ادارية هامة من خلال الامتحانات التي اعتمدت الكفاية سبيلًا لتولي الخدمة العامة. كما استطاعت آليات النظام في ذلك الوقت من تأمين الخدمات الاساسية، لاسيما الكهرباء حيث كانت مؤسسة كهرباء لبنان من اهم المؤسسات الحكومية في دول الشرق الاوسط. واستطاعت مرافق مهمة مثل المرفأ والمطار من القيام بدورهما الاقتصادي الكبير، وشكلت شركة طيران الشرق الاوسط وما تزال علامة مميزة في تاريخ لبنان ، وتمكن مصرف لبنان من انتهاج سياسة نقدية حافظت على قيمة مميزة للعملة الوطنية تجاه العملات الصعبة مما عزز القيمة الشرائية للمواطنين.

وفي الاطار السياسي ، تمكنت هذه النخبة من ابعاد لبنان عن كأس الوحدة المصرية والسورية واستيعاب انعكاسات حصولها وانفصالها، وتولى المسؤوليات في وزارة الخارجية في حكومات متعددة ، شخصيات دبلوماسية عريقة، استطاعت قيادة سياسة لبنان الخارجية ببراعة، ومارست مهامها الديبلوماسية بحرفية عالية، مكنت لبنان من تعزيز انفتاحه الدولي وتقوية اواصره مع العالم العربي، لاسيما دول الخليج التي وفرت اسواقها آلاف فرص العمل للبنانيين وحققت استثماراتها في لبنان نموًا كبيراً للاقتصاد الوطني.

برز من بين النخبة في الجمهورية الاولى ايضاً رجال دولة مثل كمال جنبلاط وريمون اده وفؤاد شهاب وموريس الجميّل والياس سركيس وحسين الحسيني ورشيد كرامي وفيليب تقلا وغيرهم، ممن عرفوا كيف يخاطبون الناس ويجعلون الخيارات اكثر عقلانية. في هذه الجمهورية، قامت الجامعة اللبنانية التي كانت احدى ثمرات نضال كمال جنبلاط ومعه احزاب اليسار، والتي حققت لاحقاً توازناً وطنيًا كبيراً في عملية تطور الاجتماع السياسي اللبناني وساهمت في خلق طبقة وسطى . كما تمكن اكاديميون كبار في الجامعتين الاميركية واليسوعية من جعل لبنان جامعة للنخب العربية.

تمكن القطاع الخاص في لبنان في تلك الفترة ان يلعب الدور الاساسي في الاقتصاد اللبناني الذي بلغ مستوى هائل من النمو في مرحلة الخمسينات، وحافظ لبنان لعقود على ميزان تجاري مقبول من خلال قدرة القطاع الصناعي على الانتاج القابل للتصدير ومن خلال السياحة واستطاع رجال الاعمال تطوير ميزات تفاضلية في الصحة والمصارف والخدمات الاخرى حيث غدا لبنان ايضاً مستشفى العرب.

باختصار، تمكن لبنان في تلك المرحلة من بناء ثقة عربية ودولية جذبت اليه استثمارات متعددة ساعدت في تطوير وظيفته الاقتصادية خصوصاً بعد قرار المقاطعة العربية، الذي فتح الطريق لمرفئ بيروت كي يلعب دورًا هامًا في تجارة الترانزيت.

اما الدروس المريرة المستقاة من تلك التجربة فهي، أن النخبة التي ورثت تفاهمات الميثاق الوطني، لم تتمكن من ادراك اهمية السياسات الاجتماعية والاقتصادية في عملية الاندماج الاجتماعي وتكوين عناصر الاستقرار للنظام حيث بقيت مناطق الاطراف كالبقاع والجنوب وعكار الغارقة في الفقر معزولة عن الاقتصاد الوطني، كما لم يتمكن بعض من هذه النخبة، من ادراك تداعيات الاستقواء بالخارج للوقوف في وجه محاولات تطوير وإصلاح النظام، الامر الذي تسبب بانهيار الثقة واستجلب الى جانب اسباب اخرى مقدمات انهيار النظام السياسي المستقل إلى حد كبير.

ولا شك في أن اعقد التداعيات على الجمهورية الاولى كان في قيام ونشأة الكيان الصهوني وفي مواجهة سياساته العدوانية واطماعه في المياه اللبنانية، ومحاولاته المستمرة في ضرب التجربة اللبنانية التي تشكل نقيضًا لهذا الكيان. وفي المقابل، لم تتمكن الدولة من صياغة استراتيجية وطنية للتعامل مع هذه التحديات نظراً للانقسام الوطني حول هوية لبنان وموقعه من الصراع العربي الاسرائيلي وميثاقه الوطني الملتبس الذي قام على نفيين «لا للشرق ولا للغرب». وتعاملت النخبة اليمينية مع هذه التداعيات بخبث انطلق من احقاد عنصرية، رغم الدور الذي لعبه الرأسمال الفلسطيني القادم والعمالة الفلسطينية في انعاش الاقتصاد اللبناني، وبقيت هذه النخبة تنظر الى اللاجئين الفلسطينيين كمصدر خطر على التركيبة اللبنانية، الامر الذي ادى الى حرمانهم من ابسط الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وجعل من المخيمات احزمة بؤس وحرمان وقنابل موقوتة.

وعلى الضفة الأخرى، ساهم رهان اليسار على منظمة التحرير الفلسطينية في تكوين ميزان قوى داخلي لصالح تغيير النظام في خلق تداعيات على صعيد العلاقات بين مكونات النظام، وربما ساهم ايضاً بتصعيد جولات العنف المتكررة، وقد فتح الطريق لمنظمة التحرير بالاضافة الى عوامل اخرى الى ان تصبح دولة ضمن الدولة. كما ان تحول لبنان الى ساحة مواجهة برعاية سورية، كانت له تداعياته على دور لبنان في المنطقة وكلفته الانسانية والاقتصادية والسياسية، فضلًا عن التداعيات التي عانى منها اهل الجنوب في مرحلة الوجود الفلسطيني، ولاحقًا في مرحلة الاحتلال الاسرائيلي المباشر.

أختم لأقول آسفاً ان التاريخ قد اعاد نفسه في الجمهورية الثانية في المحطات البائسة من الجمهورية الاولى، من خلال إنعاش تحالف الاقليات ليضع لبنان مجددًا امام تحد وجودي، كما عادت محاولات الاستقواء بالخارج لتعديل ميزان القوى الداخلي، وعادت مقايضة السيادة الوطنية بالمناصب والكراسي والنفوذ الداخلي، في الوقت الذي يتشكل فيه مشهد جيوسياسي معقد في المنطقة قد يطيح في لحظة معينة بالكيان واسسه. وبدل ان تستقى الدروس من الذين يحتلون ارفع المناصب في الدولة، قاموا وسنداً للرهان على تحالف الاقليات وتحت شعار تحقيق التمثيل المتوازن بالضغط لاقرار قانون انتخاب يستجيب لهذا التحالف، الامر الذي ادى الى اخلال كبير في التوازنات الوطنية وضاعف من حدة الانقسامات المذهبية والطائفية، واقفل كل فرص التغيير على الشباب اللبناني .

اعتقد انه على الرغم من الخلل الكبير في ميزان القوى المحلي، وعلى الرغم من عدم نضوج الظروف لقيام اي تكتل يحمل مشروعاً للتغيير الحقيقي حتى الآن. ومع ذلك فتجديد الآمال وعدم الوقوع في اليأس يقضي بالقول، انه حان الوقت لمشروع سياسي متماسك اساسه استعادة الدولة لسيادتها على سياستها الدفاعية والخارجية، وارساء تفاهم وطني لعقد اجتماعي جديد، يقوم على الحياد الايجابي وبناء اقتصاد وطني منتج وتوزيع عادل للثروة، وقانون انتخاب يعيد الثقة الى جيل الشباب بامكانية التغيير.

وحدةُ الحقيقة

ميخائيل نعيمه

ميخائيل نعيمه الذي يعرفه جيّداً الوسط الأدبي والفكري والثقافي في غير جزء من هذا العالم، من الهند وموسكو إلى العراق ومصر وبلدان المغرب العربي إلى شمال أمريكا، ظلّ في وطنه من حيث الرعاية والتعريف بأعماله على «القائمة السوداء» السريّة تقريباً، ولأسباب غير معروفة تماماً. ورغم السمعة العالمية والعربية العالية، ورغم فوزه بجائزة الدولة اللبنانية سنة 1961، ثم تكريم رئيس الجمهورية له في مناسبة بلوغه التسعين سنة 1979 لم ينلْ نعيمه من مؤسسات وطنه الثقافية والتربوية الرسمية والخاصة من يوازي من حيث الاهتمام والتكريم الأعمال الضخمة والمبدعة وغير العادية التي أنجزها طوال سبعين سنة من عمره الذي امتد أكثر من تسعين عاماً، وإسوة بما قامت به بإزاء أدباء ومفكرين لبنانيين وغير لبنانيين آخرين كانوا دون نعيمه إبداعاً وغنًى فكرياً أو أنهم على الأقل ما كانوا بأعلى كعباً منه في أي باب من الأبواب. هذا في التكريم المعنوي، أمّا التكريم أو التقدير في المجال المالي أو المادي فكان معدوماً، وقد عاش نعيمه الشطر الأخير من سنوات عمره وفق ما أعرف من أكثر من مصدر من المردود المالي السنوي لمبيعات مؤلفاته من دار نشر لبنانية محترمة، مردود لم يكن ليتجاوز يومذاك- نهاية الستينيّات وسحابة السبعينيّات- بضع عشرات من آلاف الليرات اللبنانية سنوياً.

وعليه، يأتي تكريم البيت اللبناني في موسكو، ومؤسسات روسيّة أخرى، لنعيمه في ذكرى ميلاده الثاني والأربعين بعد المئة، لفتة علمية وإنسانية مهمة؛ في مكانها الطبيعي (لأن نعيمه خريج بولتافا الروسية يومذاك)، وفي توقيتها أيضاً: إذ العالم برمّته يشكو أزماته، ولا يخرج من أزمة إلّا ليدخل أزمة جديدة أشد وأدهى. وهو ما أشار إليه نعيمه في كتبه كافة، أي إنّ نوع المدنية التي نحياها مدنيةٌ مولّدة للأزمات، في ذاتها، وبطبيعتها. فلا نبحثنّ إذاً عن دواء لأزماتنا في ما هو الداء في الحقيقة، أي إن مدنيتنا عاجزة عن تقديم العلاج لمشكلاتها (كما يتبيّن بالملموس يومياً)، وإن العلاج، والكلام لنعيمه، إنّما يكون في بناء مدنية مختلفة تماماً في مبادئها وقيمها وأساليب إنتاجها وعيشها أيضاً.
المدنية العاجزة عن تقديم الدواء والعلاج لمشكلات البشر ومجتمعاتهم والتي باتت في ذروتها منذ بعض الوقت، هي المدنية «المادية»، وثقافتها المادية؛
فيما المدنية القادرة على تقديم الدواء والعلاج المطلوبَين لمشكلاتنا تلك هي المدنية «غير المادية» – ولا أريد أن أحصرها في شكل واحد ضيق حصراً. المدخل إلى حلّ مشكلات البشر التي تبدو اليوم ضاغطة بل مستعصية يكمن في الثقافات غير المادية، (ولا أقول بثقافة واحدة)، وبالمقاربات غير المادية التي تتبنّاها لمشكلات الإنسان والمجتمع. وهنا يكمن إسهام نعيمه الحاسم منذ بدأ يكتب قبل مئة سنة تقريباً، وإلى آخر كتاب كتبه؛ بل لكأنما كلّ ما كتبه كان كتاباً واحداً، وفيه فكرة واحدة، وقد حاول أن يوصلها إلى قارئه في أشكال مختلفة: من المقالة إلى الشعر فالمسرحية فالأقصوصة وأخيراً الرواية – كأتم شكل أدبي – إلى البحث الفلسفي الدقيق إنما بأسلوب رشيق سهل ومفهوم من أكثرية القرّاء. وقد أسميت ما تركه نعيمه من آثار فكرية بـ «الأدب الفلسفي»، أي هي فلسفة بالكامل لكنها صيغت بأسلوب أدبي، لأن الأدب الجميل أسرع إلى قلب الإنسان من المبحث الفلسفي الجاف كما يُظنّ عموماً.

هذا هو موقع نعيمه تحديداً: لم يكن يلهو، ولا يلغو، بل كان صاحب مشروع لتحرير الإنسان والإنسانية من مشكلاتهما الكثيرة، قدّمه على نحو واضح دقيق، ودافع عنه بأكثر من طريقة وأسلوب، في كل ما كتبه أو تركه من آثار فكرية تبلغ العشرات.
هوذا ما سأظهِره في محاضرتي، وسأختمها بتركيز إضافي على مسألة تعني هذه المناسبة كما أعتقد، وهي أن نعيمه لم يغادر ربما التأثير الروسي الذي اختبره في حقبة بولتافا، وإنما أضاف إليه لاحقاً التأثير الشرقي عموماً.

الملاحظة الثانية، وإن تكُ شخصية في الظاهر، فهي متصلة في الواقع بسؤال «هل نعيمه فيلسوف» موضوع هذه المحاضرة. كانت رسالة تخرّجي في الدبلوم من كلية التربية في الجامعة اللبنانية سنة 1973 (أي قبل ما يقرب من سبع وأربعين سنة) تحت عنوان: «مدخل إلى فلسفة نعيمه»، وأحسب أنه قُيِّض لي أن أكون بين أوائل من استخدموا تعبير «نعيمه الفيلسوف»! ولضخامة الإبداع الفلسفي الذي عثرت عليه في أعمال نعيمه لم أكتفِ بالمدخل، فكانت مباشرة أطروحتي في الدكتوراه والتي أشرف عليها مؤرخ الفلسفة المفكر اللبناني الراحل الدكتور خليل الجرّ والتي نوقشت سنة 1977، أي قبل حوالي ثلاث وأربعين سنة. الأكثر أهمية في الحدث هذا، بعيداً عن الجانب الشخصي، هو أن بعض أعضاء لجنة المناقشة رفضوا فكرة نعيمه الفيلسوف وجادلوني في الأمر لثلاث ساعات كاملة، وكانت حجتهم (الضعيفة كما فنّدت) أن نعيمه شخصياً لم يُسمّ نفسه فيلسوفاً فكيف يجرؤ الباحث على ما لم يُقدِم عليه نعيمه نفسه، ناهيك بالآخرين! أمّا ما كان مثيراً واستثنائياً بحق فهو أن ميخائيل نعيمه كان حاضراً شخصياً هذا النقاش الطويل الذي تناول أعماله: أهي أدب فقط، أم هي أدب، وفلسفة كذلك، ومن النوع الأصيل أيضاً؟ وكانت الذروة حين طلب الدكتور الجرّ (رحمه الله) من نعيمه أن يدلي بدلوه في المسألة موضوع الجدل، وأن يحسم النقاش بالتالي. فقام نعيمه إلى المسرح، وتحدّث لثلث ساعة – وقد نشرت الصحف في اليوم التالي الكثير الكثير من حديثه- ومن بين ما قاله: «رأيت نفسي ممدَّداً لثلاث ساعات على طاولتكم، وقد شرّحتموني وحللتم أعمالي وأفكاري…» ثم ليختم مداخلته بالقول: «إني أوافق على كل كلمة وردت في البحث موضوع النقاش.»

رغبت من هذه المقدَّمة أن أُدخِلكم مباشرة في جو النقاش الذي اشتعل في زمن انقضى بخصوص تصنيف أعمال نعيمه، وتصنيف نعيمه شخصياً، في خانة الأدب الرفيع فقط، أم في الخانة الصعبة الملتبسة: أدب وفلسفة معاً- وإسوة بأدباء كبار آخرين من المعرّي إلى غوته إلى سارتر وغيرهم من الشعراء والأدباء وكتّاب الرواية والمسرح من أرباب هذا اللون الرفيع من الأدب الفلسفي الذي ميّز معظم أعمال نعيمه والذي تمكن بمهارة واقتدار من التأليف (ولا أقول الجمع) بين بهاء الأدب وتفرّد أدوات التعبير فيه وبين عمق الفلسفة وتماسكها وشمولها!

أودّ أن أقول، وكما أشرت في مقدَّمه كتابي الصادر قبل أربعين عاماً، «فلسفة ميخائيل نعيمه»، (منشورات بحسون الثقافية) إن هذا النقاش (نعيمه أديب أم أديب وفيلسوف) لم يكن ليعني نعيمه في شيء، وهو الذي تجاوز أشياء كثيرة في حياته، وزهد، منذ عودته إلى كنف صخرته في الشخروب سنة 1932بُعيد موت صديقه ورفيقه جبران، في ما سعى كثيرون إليه، فبات لا يشغلُ باله لقبٌ أو جاهٌ من هنا أو تصنيف من هناك. كان الأمر يعنينا نحن، الباحثين في تراث نعيمه. بعضُ ما أدهشني إلى حد بعيد هو أن الداخل إلى حقل كتابات نعيمه يقعُ في المؤلفات تلك، وكيفما التفتَ في أرجائها، على صور جليّة من الفلسفة بأوسع معانيها، من المشكلات والإشكاليات، إلى عمق التحليل، ووحدة الخطاب وتماسكه وصولاً إلى استنتاجات وخلاصات جديدة، كلياً أو جزئياً كحال الفلسفة دائماً. كانت الأفكار أو المكوّنات تلك أشبه بحجارة وأعمدة وقباب وتيجان وزخارف مشغولة ومصقولة بكل مهارة ودقة، لكنها غير مرصوفة بل متناثرة في كل مكان. كان في وسع جميع الداخلين إلى حقل نعيمه ذاك أن يروا في المشهد ذاك آياتٍ من إبداعات نعيمه الجمالية، فناً وأدباً وشعراً، رواية ومسرحاً وإلماعات، وأساليب في الكتابة كانت تجديداً ذا شأن أدرك أهميته كتّاب وطالبو أدب كُثُر. إلاّ أنه كان في وسع زائرين أو متعبّدين آخرين في حقل كتابات نعيمه أن يروا في هذه الجماليات المتناثرة، أيضاً، ما هو أبعد أو أعمق من ذلك قليلاً. لم يكن الزائر أو المتعبّد في معبد نعيمه الجمالي يحتاج لأكثر من بعض التجربة وبعض القدرة على التحليل والمقارنة ليكتشف ودونما كبير عناء أنه بإزاء بنيان فلسفي كامل، هيّأ له صاحبه، في طولِ أناة وانتباه واضحين، كل ما يلزم من أفكار وتحليلات ومواقف بل وخلاصات، لكنه لم يدفع بها، بقصد أو بدون قصد، لتؤلف صرحاً أو مَعلماً فلسفياً واضحاً وكبيراً، وكما الصروح الفلسفية الشاهقة عند فلاسفة كلاسيكيين معروفين. كان الأمر يشبه إلى حد كبير حال نحّات أو بنّاء ماهر صرف عمره ليل نهار يهذّب أحجاراً بغير عدد، يصقلها أنواعاً وأشكالاً وتُحَفاً ليؤلِّف منها يوماً بناءً أو عمارة جميلة، ثم فجأة ترك ذلك كلّه، ودون أن يوضح لماذا. وكأنما نعيمه قد ترك لنا نحن، قارئي أعماله وقادري تراثه الجمالي والفكري، أن ننظر في ما تركَ، وأن نحاول من ثمة إعادة ترتيب بل تركيب عالم نعيمه الفلسفي. ذلك هو تحديداً حال الداخل إلى «همس الجفون» و«المراحل» و«مذكرات الأرقش»، وتحفته «مرداد»، و«اليوم الأخير» و«نجوى الغروب» وغيرها من إبداعات نعيمه والتي لا يخفى طابعها الفلسفي العميق على القارئ المُدرك للأبعاد الفلسفية الكامنة في ثنايا ذلك الأدب الجميل الذي قدمه أو رسمه نعيمه على نحو متناثر منذ بواكير إنتاجه الثقافي في العقد الثاني من القرن العشرين، وعلى نحو أكثر اكتمالاً في أعماله التي صدرت منذ أربعينيّات القرن ذاك.

حجة الفلسفة في أفكار الأعمال النعيمية بسيطة ومباشرة. إذا كانت الفلسفة- وهي ليست كذلك – مجرد براهين منطقية، رياضية، شكلانية، جافة، باردة، وتعني الخاصة فحسب، فميخائيل نعيمه وفق هذا الفهم ليس فيلسوفاً. هذا الفهم الأداتي الضيّق لا يستبعد نعيمه وحده من دائرة التفلسف والفلسفة، بل يستبعد معه أيضاً رهطاً غير قليل من الكتّاب في الفكر الفلسفي قديماً وحديثاً، منذ قصيدة الشمس/الإله لإمحوتب قبل نحو من أربعة الآف وخمسمائة سنة، إلى جلجامش وأعمال أخرى في ميسوبتاميا القديمة، إلى تجليات الفكر الفلسفي في أعمال علماء ومفكرين في اليونان القديمة والهند، إلى سلسلة طويلة من العلماء الفلاسفة والأدباء الفلاسفة في ثقافتنا والثقافة الغربية الحديثة وغيرهما من الثقافات. لم تستوِ الفلسفة اختصاصاً منهجياً منطقياً دقيقاً إلّا مع أفلاطون ثم تلميذه أرسطو، ثم مع فلاسفة العصر الوسيط العرب واللاتين، وحديثاً في مدرسة ممتدة من ديكارت إلى كانط وهيجل وصولاً إلى المناطقة التحليليين المحدثين، وآخرهم فيجنشتاين منتصف القرن العشرين. هذه المدرسة الصارمة في القول الفلسفي والتعبير الفلسفي ليست بالضرورة- وعلى أهميتها- الشكل الوحيد والمطلق للقول والتعبير الفلسفيين، وبخاصة بعد نقد كيركجارد الوجودي النافذ لها حين قال إنّ الفلاسفة هؤلاء يشبهون من يبني صرحاً معمارياً ضخماً لكنه ليس صالحاً للسكن، فيسكنون بدلاً منه كوخاً صغيراً خارج الصرح الذي ابتنوه أو اصطنعوه. هذا النقد، مع أسباب أخرى معرفية واجتماعية، هي التي تعطي التبرير والمشروعية لتجارب فلسفية شخصية، خلاّقة، وحرّة إلى حد بعيد، قبل أفلاطون وذروتها عند أستاذه سقراط، ومن بعد أفلاطون وأرسطو في سلسلة طويلة من الأعمال الفلسفية الإبداعية الحرّة عند عدد غير قليل من الفلاسفة وصولاً إلى كتّاب وفلاسفة ما بعد الحداثة.

في هذه التجارب الفلسفية الشخصية الحرّة يقع إسهام نعيمه الفلسفي، الأصيل والمبدع في آن معاً. التجربة النعيمية هذه هي أدبية فنيّة في أدواتها التعبيرية، وهي فلسفية بامتياز من حيث المضمون والفكر فيها. في الجانب التعبيري والأداتي استخدم نعيمه ما هو متاح من أدوات تعبير وإبلاغ، وبمقدار ما تحتاجه الفكرة لتظهر وتتبلور وتتطور إلى أقصى ما هي عليه من مكوّنات وإمكانيات، وبما يمكّنها من ناحية ثانية من الوصول السهل وربما الممتع أيضاً إلى القارئ، بل إلى أكبر عدد ممكن أو متاح من القرّاء. وهنا أيضاً موضع خلاف آخر بين نعيمه ومعه المدرسة الأدبية/الفلسفية وبين الفلاسفة المناطقة الصارمين وغير المعنيين- على حدّ زعمهم- بمسألة إيصال فكرة ما إلى القارئ والجمهور بعامة. أقول على حد زعمهم لأنّ هذه الدعاوى المزعومة مجرّدة وصارمة حتى منتهى التطرّف غالباً ما تحمل من الإيحاء ومن الإيديولوجيا بل ومن الهوى والميل ما يتناقض مع ما تزعمُه من نقاء فلسفي، وإحكام منطقي صرف.

ميخائيل نعيمه- حتى في تنسّكه صيفاً في الشخروب- كان بخلاف ذلك تماماً. لقد أظهر حرصاً واضحاً أن يكون خطابه الأدبي والفلسفي من ثمة خطاباً لقارئ، ولجمهور، بل لأوسع جمهور ممكن أو متاح. إلتزام نعيمه ذاك هو- إذا شئت- مظهر آخر لانتماء نعيمه لضفة الفلسفة بوضوح، أي الانتماء إلى فكرة، أو جملة أفكار، ثم الالتزام وعلى مدى عمره الأدبي المديد بإبلاغ أو إيصال الفكرة تلك، وجعلها خياراً متاحاً للقارئ، وعبر الوسائل والأدوات التعبيرية، وفي مقدّمها الفنون الأدبية والجمالية. لم يكنّ نعيمه في صف دعاة الفنّ للفن، أو نقاء الفن، ولا في صف أصحاب الفكر الجوّاني أو المنطقي الصّرف الخالص اللذين ينفيان عن الفلسفة والأفكار الفلسفية أية أدوار أو وظائف اجتماعية وإنسانية وتنويرية. نعيمه ليس في هذه الخانة أو تلك. هو ينتمي تحديداً إلى مدرسة ترى أن على الإنتاج المعرفي والثقافي برمّته- وبعضه الأدب والفلسفة- أن يكون له مضمون، وأن يكون فيه فكرة أو إشكالية أو تناول لمشكلة أو مشكلات، وأن يخدم في النهاية – بالمعنى المعرفي والأدبي لا النفعي المباشر- الإنسان، الغاية الأخيرة لكل معرفة وثقافة واجتماع بشري، والقضية الكبرى الجامعة، قضية تقدّم الإنسان، وتحرره، واكتشافه لوحدته الجوهرية وما يجمعه بكل إنسان آخر، ومساعدته من ثمة في إعادة اكتشاف وحدته تلك التي مزّقتها صراعات البشر ومصالحهم المادية، وحجبتها أقنعة مزّيفة بغير عدد. اكتشاف وحدة الإنسان الجوهرية تلك، عبر تحرره من كل ما يحجبها ويشوهها أو يعلق بها من أدران، يجري ترجمتها عند نعيمه في قضية واحدة، عنوان مشروعه الفلسفي: وهي كيفية تحقيق خلاص الإنسان كفرد، وخلاص الإنسانية كجنس ومجتمعات وحضارات بالتالي. تلك هي القضية الوحيدة الكبرى التي شغلت نعيمه دائماً وكانت المحور أو المضمون الأساسي لأعماله الأدبية كافة. هي المضمون الدائم بل الوحيد لأعماله الفنيّة الأدبية، وهي إلى ذلك نقطة البيكار في مشروعه الفلسفي، كما سنرى. فما هي المفاصل الأساسية في مشروع نعيمه الفلسفي؟

في مضمون كل مشروع فلسفي هناك مشكلة اجتماعية أو معرفية حقيقية، أي كبيرة إلى حد كافٍ، لتستحق الجهد المبذول في عرضها ونقاشها وتحليلها، وفي البحث عن حلّ لها، أو على الأقل التقدّم بها تحت ضوء أفضل وفهم أفضل، فتتجمّع وتتراكم في انتظار لحظة أخرى أو زمن آخر مستلزمات حلّها. ولا معنى في الواقع لبعض المزاعم الجوّانية الشكلانية أو المجرّدة التي لا ترى دوراً للتفلسف وللفلسفة في البحث عن حلول لمشكلات البشر المختلفة. وحقيقة الأمر أن الفلسفة نفسها، وبخلاف زعمهم ذاك، إنما نشأت تاريخياً من أولى محاولات الإنسان للعثور على حلول لمشكلاته الواقعية، ثم تطورت باعتبارها أرقى المحاولات العلمية والفكرية تلك وأكثرها منهجية في تصديه لمشكلاته الكثيرة حتى اليومي منها.

وليم جايمس

بعد استبعادنا للتعريف الشكلاني الصّرف باعتباره أحد تعريفات الفلسفة وليس تعريفها الوحيد، في وسعنا استذكار تعريفات عدة أخرى، بدءاً ممّا تعنيه ألفاظها في اليونانية أي «الحكمة»، إلى تعريف وليم جايمس أواخر القرن التاسع عشر، وصولاً إلى تعريف برتراند راصل أواسط القرن العشرين. إذا كانت الفلسفة هي محبة الحكمة، وفق أوّل تعريف يوناني، أو هي علم القوانين الكلّية والشمولية، حسب أرسطو، فنعيمه في الحالين فيلسوف بامتياز. فكل ما خطّه قلمه يندرج بعمق في خانة الحكمة ومن النوع المبرّر العميق الأثر. وإلى ذلك فنعيمه انتهى من أعماله إلى تصور شامل للقوانين الأكثر عمومية وشمولية والتي تحكم حركة أجزاء هذا الكون. وبحسب وليم جايمس، يقول:» لقد غدا اسم الفلسفة بعد أن انحصر مجالها نتيجة لتنحية العلوم الخاصة، أدلّ على أفكار لها نطاق عام فحسب، فأصبحت المبادئ التي تفسّر الأشياء جميعاً دون استثناء، والعناصر المشتركة بين الآلهة والبشر والحيوانات والأحجار، وأول تساؤل عن بداية الكون وآخر استفسار عن نهايته، وشروط معرفة الأشياء كلها، وأعمّ قواعد الفعل الإنساني. أصبحت هذه المسائل تزودنا بالمشكلات التي توصف بأنها مشكلات فلسفية في الحقيقة. والفيلسوف هو الشخص الذي في جعبته الكثير ليقول بصددها» ( Problems of philosophy,p.5). وبحسب برتراند راصل، فإن الفلسفة، وبعدما خرجت منها تباعاً التخصصات المعرفية المادية والكمية الدقيقة، فقد باتت تعني المقاربة التحليلية، النقدية، الموضوعية، لمشكلة ما وبما يقود إلى فهم شمولي أفضل لأبعاد المشكلة تلك من جهة، ولتوسعة قدرات العقل الإنساني من جهة ثانية وعلى نحو يساعده في اتخاذ مواقف عملية من المشكلات تلك. استناداً إلى هذه التعريفات وكثير مما يشبها، يمكن لقارئ نعيمه المدقق أن يستنتج وبكثير من الثقة والموضوعية أن إسهام نعيمه الفكري ينتمي تحديداً إلى تعريفات الفلسفة هذه، من حيث محبة الحكمة، والبحث عن قوانين تفسير عامة، ومن حيث طبيعة المشكلات التي ناقشها بل انكبّ عليها طوال عمره الأدبي، كما باعتبارها مقاربة تحليلية نقدية موضوعية لمشكلات محددة وبهدف اتخاذ أو تطوير موقف أو مواقف من المشكلات تلك. هنا يقع تحديداً إسهام نعيمه الموسوم بالفن والأدب والذي كان يقارب فيه ومن خلاله وعلى الدوام مشكلات حقيقية تسمى الآن فلسفية، وعلى نحو تحليلي نقدي وموضوعي، ولينتهي به المطاف إلى تطوير مواقف فكرية وفلسفية متماسكة، في وسعي الزعم وكما كان رأيي دائماً أنها تشكل نظرية أو منظومة فلسفية عامة وشاملة. ومع ذلك فإن رغب البعض في نفي حد النظرية الشاملة عن إسهام نعيمه الفلسفي، والاكتفاء بدلاً من ذلك باعتبار أفكاره مواقف تذهب في اتجاه فكري واضح، فلا ضير في ذلك إطلاقاً ولا يغيّر في النتيجة شيئاً- إذ إن بلوغ النظرية الفلسفية المتماسكة لم يعد اليوم حدّاً إلزامياً أو شرطاً في تعريف فعل التفلسف والفلسفة، ويبقى نعيمه حتى مع هذا الاستدراك كاتباً فلسفياً بامتياز على مستوى المشكلات التي عالجها والنتائج التي بلغها، بل وفي الطرائق المتعدِّدة التي قارب بها مشكلاته وموضوعاته.

المشكلة أو المشكلات المحرّكة لتفكير نعيمه، ولإسهامه الفلسفي من ثمة، هي المشكلات الواقعية التي ما انفك يعانيها الإنسان (كفرد وكنوع) في كل مكان وزمان وصولاً إلى زمن نعيمه غير البعيد عن زمننا ومكاننا الحاليين. عبّر نعيمه عن وعي أوّلي بالمشكلات هذه بدءاً من أولى أعماله (مسرحية الآباء والبنون سنة 1916)، ثم في «همس الجفون»، و«المراحل» وسواهما، ولينتهي من ثمة إلى وعي واضح مكتمل تقريباً تبدّى في أعماله المهمة المتقاربة زمنياً «البيادر» 1945 و «الأوثان» 1946، «مذكّرات الأرقش» 1949، والتي اكتملت كليّاً في «مرداد» الصادر بالإنجليزية سنة 1948 ثم بالعربية سنة 1952. عند هذه النقطة، أي بين أواسط الأربعينيّات ومطلع الخمسينيّات، كان البناء الفلسفي النعيمي قد اكتمل تماماً – أقول اكتمل لمن أراد أن يبصره خلف أو في ثنايا الأدب أو الفن الجميل الذي كان بمثابة القميص أو الجسد له. أمّا أعمال نعيمه المهمة التي تلت ( وبعضها «اليوم الأخير» سنة 1963، و«يا إبن آدم» سنة 1969، «نجوى الغروب» 1973 و«من وحي المسيح» 1974 ) فقد كانت تشرح، أو تتوسع، أو تقارب من زوايا جديدة، الأساس الفلسفي المتين الواضح المتماسك الذي كان قد اكتمل تقريباً مع «مرداد». وفي أهمية بل مفصلية المرحلة هذه أنقل عن نعيمه نفسه قوله لمجلة المجالس البيروتية في عددها الصادر بتاريخ 5/8/1955: « لقد أنفقت حتى اليوم أكثر من عشرين سنة من حياتي وأنا اشرح للناس الخطوات التي خطوتها قبل أن أصل إلى الفكرة التي تسيطر الآن على كل ما أكتب «! كان في وسع محاضرتي أن تكتفي بهذا النص الذي يظهر وعي نعيمه الكامل لما أنجزه أو كان في صدد إنجازه، وفي طبيعة «الفكرة» التي باتت مهيمنة على كل ما يكتب، ووعيه الدقيق لماهية مشروعه، وهل الفلسفة غير ذلك! ومع ذلك، فنحن لا نكتفي بالنص هذا، بل نستمر في الطريقة التي رسمناها في بيان أن نعيمه فيلسوف ومن النوع الأصيل، ثم في بيان طبيعة بنيانه أو على الأقل مشروعه الفلسفي. إذا كان كل مشروع فلسفي هو في النهاية تناولٌ أو مقاربة لمشكلة، فالمشكلة التي يقاربها إسهام نعيمه الفلسفي هي مشكلة الإنسان والإنسانية، في كل مكان وزمان، وفي زمن نعيمه على وجه التخصيص. يقدّم نعيمه مشكلات الإنسان تلك من خلال الصور الأدبية والفنية، شعراً أو نثراً، رواية أو مسرحاً أو شذرات أدبية، كما يقدّمها أحياناً (كما في «الأوثان») في صيغ نثرية تقارب حتى في الشكل لغة الفلسفة. واختيار نعيمه للصورة الأدبية مادة تعبيرية اختيار ليس بالسهل أو بالعارض، بل يعرف المشتغل بالأدب كما القارئ مدى قوّته ونفوذه. ولهذا كان اختيار نعيمه، أو فوق اختياره ربما، أن تكون الصور عنده مجبولة بالأفكار، وأن تكون الأفكار بدورها مصنوعة من صور، ولا يخفى ما في التلازم ذاك من كسب للأدب والفلسفة على حد سواء. قدّم نعيمه في عشرات الصور الأدبية والفنية معاناة الإنسان، الفرد، والمتجسدة في مظاهر الكراهية والتنازع والمعاناة والتمزّق والاغتراب والصداع وصولاً إلى الجنون؛ ومعاناة الإنسان، كجماعة وحضارة، في أشكال الصراعات والحروب والأزمات من كل نوع والناشبة أظفارها بين طبقات المجتمع الواحد أو ما بين المجتمعات والأمم والثقافات المختلفة – وذروتها المآسي التي جلبتها حروب القرن العشرين والتي حصدت ما يقارب المئة مليون قتيل، ناهيك عن الجرحى والمعوّقين والأرامل والأيتام، إلى الخسائر المادية التي تتجاوز كل وصف – وللعلم فقط فقد أُرسل نعيمه جنديَّاً إلى فرنسا وكانت الحرب العامة الأولى قد أشرفت على نهايتها. أبدع نعيمه في تصويره الأدبي والفني الجمالي – وتلك هي قوة الأدب- للمشكلات التي قوّضت استقرار الأفراد وفرص طمأنينتهم وسعادتهم، كما قوّضت بالقوة نفسها استقرار المجتمعات وفرص تطورها الصحيح. يقول نعيمه في «دروب»: «هذه الجريدة والآلاف منها في العالم، تنقل في كل يوم إلى الناس أخبار الناس…أحلاف عسكرية، قنابل جهنمية، سعايات ونكايات، عربدات ودعايات، تهويش وتهديد، تبجّح ووعيد، جرائم بالقناطير، وكذب بغيركيل أوميزان» (ص166). ويقول في «نجوى الغروب»:«لست غير واحد من ملايين أبناء الأرض، يمزّقني القلق والخوف من سوء المصير. ففي كل يوم، بل في كل ساعة، تتواثب عليّ مشكلاتي ومشكلات الناس، من أفواه الناس، ومن أعمدة الصحف، ومن المذياع، وشاشة التلفزيون، ومن أرصفة المدن، وشعاب الدساكر. فينبري العقل لحلّها، إلّا أنه لا يحلّ واحدة منها – أو يظن أنه حلّها – حتى يخلق اثنتين.

فمن شأن المشكلات أن تلد المشكلات، والمشكلات لا تلد إلّا التوائم، بل أكثر من توائم، وهكذا أعيش ويعيش الناس في دوّامة رهيبة « (ص31-32). ثم ما أشبه اليوم بالبارحة، ما أشبه كوارث بورصة «مادوف» سنة 2009 بما عاينه نعيمه شخصياً في أزمة سنتي 29-30 في نيويورك، وليكتب فيها بعيد عودته منها سنة 1932 يقول:» تركت نيويورك وفي أذني ولولة الإنسانية بأسرها. ولولة تكاد تحسبها حشرجة الموت. ولولة لا تسمع منها إلاّ كلمة واحدة: الأزمة، الأزمة، الأزمة!» (زاد المعاد، ص36). لكنها ليست أزمة هذا الفرد أوذاك، هذا المجتمع أو ذاك، بل أزمة مدنية برمّتها، حسب نعيمه، لكأنّما الأزمات وعدم الاستقرار ومعاناة الشر معها هي هوّيتها الحقيقية خلف ما تظهر من ألوان وأشكال وإغراء. يقول نعيمه: «مدنيّتنا تجرّ خلفها أثقالاً باهظة من الآثام والموبقات، وتحمل في قلبها من الضغائن والأحقاد ما لو دفن في جوف طود لحوّله إلى بركان، وصراخ الدماء المهدورة وعويل المشردّين والمقعدين والمشوهين ونوح الأيتام والأرامل والثكالى في مسامعها ليل نهار. إنّه لَعبء ثقيلٌ، ثقيل، ثقيل» (صوت العالم، ص178). أكتفي بهذه النصوص تختصر آلافاً من الوقائع العملية والحيّة الممسكة بإنسان المدنية التي نعيشها منذ فترة ومضمونها الجامع واحد كما رسم نعيمه: الأزمة، ثم الأزمة، ثم الأزمة، في كل مجال، وفي كل اتجاه. وهي مدنية ستنهار يوماً ما برأي نعيمه، يقول: «ستنهار هذه المدنية وسيكون لانهيارها دويٌ مروّع» (نفسه، ص182).

لكن السؤال العملي الذي لا بد أن يرتسم فوراً بعد أن نتحدث عن الأزمات التي لا تنتهي ومعاناة البشر من مدنية «محبتها في جيبها وخيرها في بطنها وإيمانها في مختبراتها»، حسب نعيمه، هو: ثم ماذا؟ لماذا لا يستطيع البشر وقد تعبوا من أزمات مولّدة لأزمات أن يأخذوا الخيارات الصحيحة؟ هنا تكمن متاهات البشر، وضياعهم، وعجزهم عن العثور على الطريق الذي يبتعد بهم عمّا يشكون منه، أو حتى عجزهم عن معرفة ماذا يريدون حقاً – غير الركض خلف إغراءات هذه المدنية ثم الموت في دخان فشلهم وإخفاقاتهم المرّة تلو المرّة. يصوّر نعيمه بالكلمات ويختصر حال معظم البشر في قصيدته التي منها:
نحن يا أبتي عسكر قد تاه في قفر سحيق
نرغبُ العودَ ولا نذكر من أين الطريق!

إذا كان حال الإنسان ومدنياته، بكل أبعادها، هي كذلك، فلا يستطيع بالتالي الأديب والفنان والمفكّر والمثقف، أو حتى الإنسان العادي الذي يمتلك الحد الأدنى من الشعور بإنسانيته، والحد الأدنى من الشعور بواجبه الأخلاقي، إلّا أن يقف مع ذاته للحظات على الأقل فيتساءل، ماذا بعد؟ إلى أين؟ هل نبقى صامتين في انتظار كوارث أعظم؟ ثم ما العمل للخلاص من ذلك كلّه؟ هي ذي المشكلة الأم أو الأصل التي حرّكت مشاعر نعيمه وتفكيره، والتي ردّ عليها في مشروع أدبي/ جمالي/ فلسفي لن تجد كلمة تصفه حق الوصف أفضل من القول إنّه مشروع نعيمه لخلاص الإنسان والإنسانية. محاور هذا المشروع وتفاصيله هي التي تشكّل البنيان الفلسفي النعيمي والذي لا يقصر شبراً واحداً عن أعلى الصروح الفلسفية الأخرى المكتملة النصاب والقوام والمشروعية.

لن أثقل على اسماعكم بتفاصيل مشروع نعيمه الفلسفي، فالأمر يستغرق وقتاً طويلاً وقد وقفت له مئات الصفحات في غير كتاب ومقالة ومحاضرة. ولكن في وسعي باختصار شديد أن أشير إلى المفاتيح والمحاور الرئيسة في بنيان نعيمه الفلسفي أو منظومته الفلسفية.

يبدأ مشروع نعيمه الفلسفي من رحم الرفض الإنساني اليومي والأخلاقي لواقع البشر المأزوم في كل جانب، وللخداع الذي ما انفكوا عرضة له باسم عشرات العناوين، والتفكير من ثمة في طريق تخرجنا من هذه المتاهة القاتلة. لكن الرفض هذا الذي يجعلنا نمسك بأوّل طريق الخلاص لن يكون ممكناً أو مُتاحاً لنا إذا استمرّينا لا نفكّر إلاّ بالطرائق الخادعة التي علمتنا إياها مدنية الأزمات التي نشكو منها، ولا نتعامل إلّا بالأدوات السامة التي أورثتنا إياها المدنية تلك. بكلام آخر، كيف نخرج من مدنية مادية نشكو منها ونحن لا نفكّر إلاّ بالطرائق التي تريدنا أن نفكّر بها، ولا نتعامل إلاّ بأدواتها ووسائلها؟ يجب إذاً، برأي نعيمه، إذا أردنا حقاً الخروج من متاهة الأزمات تلك أن نفكّر بطرائق أخرى، وأن نمتلك ونستخدم أدوات ووسائل عمل وسلوك أخرى؟

الطريق إلى البديل النعيمي هي المعرفة، وذروتها الوعي، وبعض ثمارها الحرية المفضية إلى أول الخلاص. المعرفة أو الوعي الحقيقي بالمعيار النعيمي تتبدّى عند مستوى معيّن في تجاوز ظاهر العالم كما يبدو من الخارج أو على السطح، إلى العالم كما هو حقاً تحت السطح الخادع، من الخارج والداخل معاً. العالم في صورته الأولية الخادعة عالم فردي، ثنائي، ومادي- وكمّا يتبدّى لطفل بدأ للتو رحلة اكتشافاته. ولأنّه كذلك فوعينا اليومي القائم على مثل هذا العالم وعي جزئي، قاصر، وعي شقِيّ منقسم، كما كان يقول هيجل. ولهذا تحديداً لا ينتج العالم ذاك إلّا الشقاء والآلام، يقول نعيمه في «المراحل»: «وهكذا يلتقط الإنسان العافية ومعها المرض، الحب ومعه البغض، الإيمان ومعه الإلحاد، القوة ومعها الضعف، الراحة ومعها التعب، الوفرة ومعها القلة، الفرح ومعه الحزن، الطمأنينة ومعها الخوف، الأمل ومعه اليأس، المعرفة ومعها الجهل، والنور ومعه الظلمة» (ص 134-135). ولأن الخلاص من المعلولات لا يكون إلاّ بالخلاص أولاً من العلل، يتوجب بالتالي البحث عن وعي مختلف بعالم مختلف لا يكون مادياً، أو ثنائياً، أو فردياً حتى درجة الأنانية القاتلة.

يجب إذاً تجاوز ظاهر العالم نحو حقيقته. ولا يكون ذلك إلاّ إذا مزّقنا القُمُط والحُجُبَ التي تخدع أبصار البشر، وتخلّصنا من القيود التي تثقل على وعينا وحريتنا وإرادتنا الخيّرة. إذا تجرّانا وفعلنا ذلك، وإذا تمكّنا من ذلك حقاً، لرأينا العالم على حقيقته، غير الظاهر الخادع الذي يعمي أبصارنا. العالم في حقيقته، إذا تمكنا من اكتشافه، ليس عالماً فرديّاً، تبدو الأنا فيه مطلقة نافية لكل ما سواها وقاتلة بالتالي. العالم في حقيقته هو عالم وحدة شاملة، لا وجود فيه لأنا فردية أنانية مطلقة وقاتلة. هذه الوحدة هي السمة الحقيقيّة للأشياء كافة، وللبشر أيضاً. يقول نعيمه في سبعون:« إذا شربتم قطرة من الماء فإنكم شربتم البحار كلّها». أو قوله في مرداد:» إن الكون جسد واحد»، أو قوله في مرداد أيضاً:« أذكروا أن الكلمة واحدة،…. وكمقاطع في الكلمة لستم غير واحد، إذ ليس من مقطع أنبل من مقطع آخر».

ومع بطلان الفردية تبطل الثنائية المتحكمة بكل شيء في ظاهر العالم والكون. يبطل العالم أسود أو أبيض، عقلاً أو جسداً، روحاً أو مادة …..إلى آخر السلسلة. أما الحقيقة فغير ذلك تماماً. العالم ليس ثنائيات ومتناقضات سرمدية: داخل/خارج، أنا/ألله، العالم/ألله، خيراً/شراً، إلخ. هذه الحدود والسدود والسياجات هي من نسجنا نحن نضعها لنشطر العالم أقساماً وأنصافاً وأجزاء وأفراداً. أمّا في الحقيقة فإنَّ «الذي داخل السياج والذي خارجه توأمان لا ينفصلان»(مرداد ص68). وإلى أن يكتشف الإنسان وحدته الجوهرية مع كل إنسان آخر، بل مع كل كائن آخر، فسيبقى ممزقاً ومعلّقاً على صليب آلامه ومعاناته. يقول نعيمه في «المراحل»: «في فجر الزمان الأول ولد للعالم ولد. ودعي الولد إنساناً. وكان الإنسان جميلاً وكاملاً، وكان واحداً مع العالم إلى أن سأله العالم مرةً: من أنت؟ فأجاب: أنا – أنا. فسأله العالم: ومن أنا؟ فقال: أنت العالم. حينئذ خلق الإنسان الشقاء لأنّه شطر نفسه شِطرين فدعا الواحد أنا، والآخر العالم» (ص131).

وإذ يكتشف الإنسان وهم القسمة بينه وبين العالم، تنهارمعها كل قسمة تبعد الإنسان عن الحقيقة، وتنهار أيضاً مزاعم الحظ العاثر، والقدر الغاشم، ومعها مظاهر التباغض والتنابذ والتحاسد بين البشر، وهم لو بلغوا الحقيقة لقالوا مع نعيمه في «همس الجفون»:
ذمّك الأيام لا ينفعُك،
إنما الأيامُ لا تسمعك،
هي منك الظلُ يا صاحبي،
عجباً ظلُّك كم يخدعك! (ص 82)
لكن نعيمه لا يتوقف عند المستوى العملي أو الأخلاقي فحسب، بل يتقدم أكثر باتجاه الأساس الأونطولوجي للوجود نفسه، أي للوجود الشامل والكينونة، وهي لبنة فلسفية إضافية في منظومة نعيمه الفلسفية. فحين تبطل من العالم في حقيقته الأنا الفردية وكل قسمة ثنائية، بل لكي يبطل كلاهما حقاً يجب أن يبطل معهما أيضاً وهم المادي كصنو أو أساس للحياة، أي المادة بمعناها الحسّي المباشر والمطلق. لنعيمه: «المادة وهم، هي من الروح ولا وجود لها إلّا بالروح» (يا إبن آدم، ص48). وبالمقابل فالروح هو الحقيقة الداخلية للكون: «الروح هو الحقيقة الأزلية الأبدية» (نفسه، ص48). وإذا أصرّ البعض على واقعية المادة كما هي أمامنا، فلا ضير في ذلك، لكنه لا يغيّر في المبدأ عند نعيمه، يقول: «يتكثّف الروح فيغدو مادة». ويبقى السؤال: ولكن أليس هناك محسوسات؟ نعيمه يجيب: بلى، لكنها عارضة ونسبية. هي موجودة في مستوى ما، على نحو ما، ولوعي ما، لكنه وجود عارض وليس جوهرياً، أو بلغة نعيمه «فقاقيع على وجه محيط اللاّمحسوس» (نفسه ص81). يجب عدم أخذ كلام نعيمه على نحو تصويري فحسب، بل هو يقدم في غير مؤلّف له تفسيراً علمياً حديثاً بل معاصراً في انتفاء حقيقة ما ندعوه توهماً مادة حسية صلبة متماسكة، بينما هي في حقيقتها «طاقة»، أو شكل من أشكال الوعي، أو الروح، أو العقل لا فرق. وهذا تفسير يعود إلى هيراقليطس، وتجده في الفلسفات الهندية، كما أنه تحديداً تفسير هيجل، ناهيك عن أنه تفسير علمي حديث ومعاصر.

لن أثقل عليكم أكثر بهذه التفاصيل الفلسفية النعيمية، لكني أنتهي إلى القول إنّ تركيب ما رأيناه ورأيتموه عند نعيمه، ما ينفيه وما يدلل عليه، يشكّل منظومة فلسفية أطلقتُ عليها اسم الأحادية الروحانية الشاملة. لكن المثير في الموضوع أنك ربما تجد بعض أشكال هذه الأحادية في فلسفات ومعتقدات سبقت، لكنها كانت دائماً أحديات سكونية ستاتيكية. أمّا ما تفرّد به نعيمه فهو ربطه، بل إحكامه الربط، بين الأحادية وحركة الكون الجدلية أو الديالكتيكية، وجعله هذا الجدل أو على الأقل هذه الحركة المتداخلة الصاعدة جزءاً داخلياً من الأحادية الكونية ومكوّناً جوهرياً من مكوناتها. وهو ما جعلني أصنّف تلك الفلسفة باعتبارها: فلسفة مثالية- جدلية، واقعية، متعددة الأصول. وأعود عرضاً إلى سؤال المحاضرة الأول، فأقول، تكراراً، أن نعيمه لم ينجز فقط مشروعاً فلسفياً، بل كان كذلك ومنذ الأربعينيّات على الأقل مُدركاً بدقة لماهية ما ينجزه من عمل فلسفي، إلاّ أنه وعلى طريقة الزهاد والنسّاك، ونعيمه واحد منهم، لم يكن مهتمّاً جداً لا بالعناوين والأسماء الكبرى، ولا بحشر نفسه في اللائحة تلك. يقول نعيمه في لقاء صحافي أعاد نشره في كتابه «أحاديث مع الصحافة»: «… هذه الفلسفة (عندي) تبرز واضحة في أكثر من مقال أو كتاب وضعتهُ، وعلى الأخص في كتاب «مرداد»… فهناك أتكلم عن الإنسان كما لوكان إلها طفلاً ولكنه يملك جميع أسرار الألوهية وهو في سبيله لاكتشافها سرّاً سرّا… إلى أن تتحقق جميع أشواقه إلى المعرفة…. معرفة الله في ذاته، وحرية الله في ذاته».

هذا بعض ما يمكن قوله باختصار في «نعيمه فيلسوفاً»، وعلى سبيل الإجمال أنتهي الى القول وعلى مستوى العناوين إن فلسفة نعيمه الكونية تمتاز من حيث المضمون بما يلي:
1- الطاقة أو الوعي أو العقل هو جوهر العالم وطبيعته الأساسية،
2- الحياة – والطبيعة – هي لامادية في الحقيقة، والمادة ليست غير ظاهر الوعي أو تكثّفاته.
3- فلسفة نعيمه مثالية، أحادية، شمولية، في تجاوزها للمباشر والجزئي والفردي، من دون نفي وجودهم.
4- رغم الطابع النظري، فلسفة نعيمة أخلاقية، أي هي أفكار للعمل بها أو في ضوئها.
لكن المبادئ الفلسفية هذه وإن بدت مطلقة شمولية فهي لا تستبعد المباشر والجزئي واليومي والحسّي. هذه كلها موجودة، بل هي البدايات الضرورية التي لا بد أن نبدأ بها- وهنا تبدو واقعية نعيمه. لكن الأكثر أهمية هو أن لا نبقى في مستوى الظاهر هذا بل أن نتجاوزه إلى ما هو أكثر حقيقة منه. وإلى ذلك، فالكون ليس مجموع أجزاء عارضة مبعثرة ساكنة تأخذ مكانها وقيمتها على نحو أبدي وسرمدي. هو بالعكس كلٌ جوهري عضوي، متماسك، ترتبط مكوّناته بعلاقة حركية صاعدة، في وسع البعض أن يقول إنها حركة جدلية صاعدة، وفي وسع بعض آخر أن يقول إنها حركة متغيّرة صاعدة وليست بالضرورة جدلية. ويجوز الأمران.

منحوتة لميخائيل نعيمه من ابداع الاخوة عساف

وأنهي بالجانب الأخلاقي، وهو ركن أساسي في فلسفة نعيمه. ففلسفة نعيمه ليست نظرية فحسب، بل أخلاقية كذلك. فنعيمه يترجم المبادئ أعلاه برنامجاً عملياً جديداً ومختلفاً. هو يبدأ كما فِعْلُ التفلسف بالدهشة، ويتطور بالحدس كما لدى المتصوفة، وينتهي إلى الإيمان وكما الإيمان الديني الحقيقي المبصر. وهذه – لمن يرغب – ملامح واقعية أخرى عند نعيمه تخفف من غلواء المثالية التي ربما اتسم بها نظامه الفلسفي. وهو ما يسمح بالقول مرّة ثانية بمثالية-واقعية عند نعيمه، مختلفة عن المثاليات الطوباوية من جهة، وعن الواقعيات المادية الفجّة من جهة ثانية. وأخلاق نعيمه التطبيقية هي مجال عملي لترجمة أو تجسيد تلك المثالية الواقعية. فحين أتمكن من الوصول إلى الوعي الحقيقي أي إلى المعرفة الشاملة أتحرّر من جهلي وأتحرر من أناي الفردية وتسقط الحجب الخادعة، وتنهار الجواجز التي كانت تفصل بيني وبين البشر الآخرين، بل وكل جزء من الكون الواسع الأرجاء. تلك هي مفاتيح الخلاص – المُفضية إذا أردنا- إلى الحقيقة والوعي والحرية والسعادة بمعناها الرفيع الدائم، بل وإلى لحظات قصيرة أو طويلة من الأبدية نفسها. ننتهي مع نص من نعيمه، يقول:
يا إبن آدم!
حيث الموت بالمرصاد
لكل ما يولد وينمو،
ولكل ما تصنعه يداك،
وتضحكُ أو تدمعُ له عيناك،
جدير بك أن تفتّش عمّا لا يموت،
حتى إذا اهتديت إليه،
تمسكتَ بهِ،
تمسُّك الغريق بخشبة النجاة…
يا إبن آدم،
الحياة لا تموت،
الضمير لا يموت،
الإيمان لا يموت،
والذات التي هي أنت لا تموت
حتّى وإن ذابت في النهاية
في ذات أمك الحياة،
ففي ذوبانها حياتها!
(يا إبن آدم، ص 199- 200)

(أجزاء من محاضرة أُلقيت في موسكو في تشرين ثاني 2019 في الذكرى 130 لمولد ميخائيل نعيمه)

الحضارةُ والأخلاق

يقولُ كانط:»شيئان يثيران في نفسي الإعجاب والاحترام: السماء ذات النجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في داخلي».
أجل.. ففي حياة الإنسان ما هو أعظم من الحسب والنسب والجاه والموقع، وأكبر من الكسب، وأسمى من العبقرية. ألا وهو الأخلاق..
فقد جعل الله مكارم الأخلاق وصلاً بيننا وبينه..
إذ لا صلاح لأُمّة فسدت منابت أطفالها، وهذه عبر التاريخ ماثلة لعيان لمن يريد أن يرى.. أفما كانت الأمم التي اندثرت واستُعبدت تمرُّ أوّلاً في مرحلة تدنّي الأخلاق، وانطلاق الشهوات، عابثة بأشرف ما خلق الله في الإنسان؟!.
إذن، فإنّ أشرف موازين الأمم أخلاقُها.. وأكمل الناس عقلاً أحسنُهم أخلاقاً..

وعليه فإنّ كل شريعة تؤسَس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة، صحيح أنّ الأخلاق لا تقوم باشتراع الشّرع في الأمم، وإنّما هي المؤلّفه من مجموع نسيج الأخلاق لكلّ فرد.
لذا يمكننا القول :إنّ الأخلاق دعامة الحياة المُثلى، والقوانين الوضعية هي الإطار الخارجي لذلك…
أمّا مبدأ الأخلاق الرئيس.. فهو الحرص الدائم على أن نفكّر جيداً وتحت إشراف – حضور الله في الإنسان- أي الضمير..
فالضمير هو الحارس اليقظ الذي يقف لنا بالمرصاد. فلولا أن الضمير يمسك بنا ويشدنا، لارتكبنا كثيراً من الهفوات والآثام..
فالضمير والأخلاق هما العنصران الأبرز والأهم في مكونات عناصر الحضارة الإنسانية، ولهما الأسبقية على الدين..
فمن أعظم أضرار تفسخ الأخلاق وانحلالها، وانحطاط المناقب، وغياب الضمير، فساد الحقيقة، وذهاب الرجولة، وفقد الأهليّة، وتفكّك الاجتماع الإنسلني، وتهدم القضايا، وزوال الممالك والأنظمة، وركوب العار…
لأن أسمى الألقاب وأقدسها طُرّاً هو لقب الإنسان…
لذا تقتضي الأخلاق أن يكون الانسان «كائن» متعادل مادياً وروحياً، فهذا سرّ حياته، والاعتدال خيطٌ حريريٌ يربط كلّ لآلِئ الفضيلة، والخروج عن الاعتدال انتهاك لحرمة الانسانية، وإنما تُعرَف النفس الإنسانية بقدرتها على الاعتدال، لا بقدرتها على التجاوز.. الاعتدال أبو جميع الفضائل..
فبالاعتدال تأتي ثقافة المرء التي تحدّد سلوكه و مساره ومصيره وموقعه..

أجل: إنّ المدرسة الحقيقية للقيادة هي الثقافة العامة المُجَلْبَبة بالأخلاق. والمقرونة بالضمير، فبالثقافة العامة، يعمل العقل بانتظام، ويُميّز الجوهري من الثانوي، ويرتفع إلى مرتبة تتراءى له منها المجموعات منزّهة حتى عن الفروقات الصغيرة، وإنَّ القادة العظام الذين خلّدهم التاريخ كانوا يتذوقون التراث الفكري… فوراء انتصارات الإسكندر نجد دائماً أرسطوطاليس..
الثقافة هي طهارة العقل.. فالكبيرة منها لا تنتفخ ولا تتعصب، ولا تُقصي تُراثاً لأن شيئاً إنسانياً ليس عنها بغريب، إنّها تدرك أنّ المجد هو في كل أرجاء الأرض، وأنّ هذا المجد حقّ كل مواطن، وهو لن يكون صالحاً مالم يحبَّ كل خير أنتجه العالم منذ فجر التاريخ..

إيمانويل كانط

فالثقافة كما الأخلاق ليست ذلك البهاء الذي يهبط علينا من القمة، وهي لا تأتينا آلياً، ولكنها تؤهّلنا في ذراها للصدق الداخلي، ولتواضع الفكر، ولِصدقٍ كبير..
وما كانت هذه الفضائل والخصال والقيم لَتُتَناقل وتُتَداول بين الأمم لولا وجود- الكلمة – اللغة..
إنّ لغة الكلمات والأصوات هي بوابة الإنسان الرئيسة التي يصل من خلالها الى عقول وأذهان وأحاسيس أبناء جنسه في كل زمان ومكان، ليغترف مما تفيض به هذه العقول والأذهان والأحاسيس، ويشكّل بما يكتسبه منها ثقافته الخاصة، ويطوّر مهاراته اللاذعة، فعجزه عن إمتلاك هذه الوسيلة، أو السيطرة عليها، يعني عجزه عن اكتساب المعارف والخبرات الكافية، وتعثُّره في فهم وهضم ما يُنقل اليه من هذه المعارف والخبرات يعني عجزه عن تطوير ما يحتاج إليه من المهارات اللازمة، فالإبداع الفكري والفني لدى الانسان قائم أساساً على ما يجنيه من ثمار عقول وتجارب الآخرين، فذلك يصبح القاعدة الأولى التي ينطلق منها لإيجاد إبداعاته وابتكاراته ضمن منظومة الأخلاق، التي تعمل بإشراف الضمير..
إنها الخامات الأساسية التي يعمل فيها الفكر، ويصهرها الإحساس، وتصقلها الموهبة، ويبلورها الذهن، فيوجِد منها نتاجاً جديداً أصيلاً مطبوعاً بطابع شخصية وروح وعقل وإحساس مُنتجها.
هذا ما يقصده علماء النفس من تعريفهم للجهد الإبداعي بأنه « انتاج أفكار قديمة في ارتباطات جديدة»
فبروز شخصية الفرد وظهور مكانته يقومان بحسب المقياس الحضاري على أساس ما يسهم به من إنجازات مهمّة، وما يقدّم أو يبدع من نتاج فكري أو فني نافع أصيل.. وإنّ عظمة الأمم ومكانتها تعتمدان على ما لديها من تراث عقلي وروحي وأخلاقي، وما يصنع أفرادها من منجزات حضارية، وما تتمخض عنه مواهبهم عامة من إبداعات تساهم مساهمة فعّالة في التقدم الحضاري للإنسانية جمعاء.
لذلك فإنّ تراجع أفراد أمة من الأمم عن الإنتاج الفكري معناه الهبوط في مستوى مكانتها، والتقليل من شأنها ومن شأن ناسها..
فالمثقّف.في المجتمعات الممزّقة، إنّما هو شاهد عليها، ذلك لأنه استبطن تمزقاتها، فيكون والحالة هذه نتاجاً تاريخياً، فليس هناك بهذا المعنى، من مجتمع يمكنه أن يشتكي من مثقفيه وينتقدهم، دون أن يتهم هو نفسه بنفسه، ذلك لأن ليس له إلّا أن يتهم أولئك المثقفين الذين يصنعهم ويخلقهم على صورته..
المثقف العضوي.. هو ذاك الذي ينخرط في قضايا مجتمعه ويُعبّر عن تطلعات شعبه بالممارسة العملية والفعل اليومي.. فحذار أن يعيش مثقفو وطني على هامش الحياة، أو يتملقوا سلطاناً إرضاءً لأعناقهم أو لجيوبهم..

المثقف الفعلي الخلوق هو الذي يستبطن مشاكل مجتمعه وإنسانه، ذاك الدائمُ القَلَق، الدائب التنقيب والبحث والغوص خلف دُرٍّ ثمينٍ، أو تأميناً لاشعاع نوراني.. حتى ولو نظر الساسة إليه كمشعوذٍ أو كمشاكس في أحسن الأحوال!! ما من هَم..
فالثقافة عبر العصور خمير عجين المجتمعات والمثقف هو الخبّاز، والتثاقف خبز العقول، وماء النفوس، وإكسير الحياة.. وصاقل الأخلاق..
قَدَرُ المثقف العربي تحديداً، أن يعيش مخنوقاً في أجواء القمع، وكبت الحريات والتغريب، والفاقة.. وهذا ما يجعلنا في لُهاث دائم..
أجل إنه قدرنا العلمي الموضوعي، وعلى الرغم من هذه المرارة، علينا مواصلة الجهود لعلّنا نقدم شيئاً ذا قيمة!!
نعم نحن الآن بلا زمان، ولهذا أراني أمقت عصري الذي أعيش فيه، فنحن في الحق لا نتحرك، إذ ما من مَلأٍ بغير زمان، وما من زمانٍ بغير جوهر، والجوهر هو الهُوِّية بأم عينها – هو الانسان- صانع زمانه ومكانه..

لذا علينا الامتثال للعقل، للموضوعية.. وإلاّ فسيبقى الجوهر والزمن الى أجل غير مسمى، وسنبقى عاجزين عن تزمين الزمان، عن جعله زماناً، عن افتدائه، واستخلاصه من جوف الفراغ.
نحن شرقيون – آسيويون – وسنبقى كذلك، حتى لو امتلكنا التكنولوجيا والحضارة الحديثة والعلم الحديث، فالتاريخ برهة فرقٍ آبدةٍ، لأنّه ما من هُوِّية تدخل صلب الوجود، في سداه ولحمته معاً، برهة الفرق تماماً كبرهة الجمع، أو برهة الوحدة السرمدية.. وإلاّ صار الحجر والشجر سِيّان.. وعدنا الى الخواء البدعي وانطفأ نور العقل.
إنَّ ما يؤوب بنا الى اعادة امتلاك الجوهر والزمان، أوقل: التجوهر والتزّمن، هو الإنابة الى روح الشرق، إلى البوذا العظيم الصارخ قائلاً: «دامياتا» أعطوا، وإلى يسوع الهاتف بكل رقةٍ «أحبوا»، وإلى قرآن مُحمَّد القائل :»لتعارفوا».
نعم الإنابة الى آمون، وأخناتون، وحمورابي، إلى زرادشت، وكونفوشيوس، إلى الحلاّج والسهروردي، وابن عربي.. إلى كل ما في الشرق من إشراقٍ وحرارةٍ وقِيَم..
فنحن دون هذه الإنابة، لا صيرورة ما ولا مصير- كما أتصور – لا تجوهُر ولا جَوهر، وإنما انتصار الفراغ على الزمان، الخلاء على الملأ، على الروح الذي هو حضور الزمان وإرادة الزمان..
ثمة وحدةٌ، وثمة فرقٌ، والعاقل من فرّق ووحّد في آن معاً..
فنحن بشرٌ، عالميون أمميّون، ولكننا شرقيون في الوقت نفسه كما أننا عربٌ على وجه التحديد، لنا قضية تخصنا قبل سوانا من الأمم..
من دون الإنسان سوف نختنق في الخصوصية، ومن دون الخصوصية سوف نضيع في العالمية الأوسع منّا بالضرورة، فبسبب من سعتها أراها تمتلك القدرة على ابتلاعنا، إن لم نحرس هُوِّيتنا الخاصة.

إذن، فلنضرب جذورنا في تربة بلادنا وتاريخنا، ولكن لندع الأغصان تتنفس الأنسام من الجهات الأربع.
وما دمنا بغير زمان فنحن في الفراغ، نحن إذن، تعليق «إرجاء» ولسنا علاقة، وكل ما هو في التاريخ، أو الزمان، هو بالضبط علاقة، يمارس تبادل الفعل والانفعال، يمارس الحرارة..
نعم.. المثقف الخلوق هو المنافح دون الروح ضد تفسخ الروح، إنّه اذن سادن قيم الروح الجُلّى، القِيَم التي لا نصر لأحد من دونها البته.. إنّ هذا ما لا يستوعبه الاّ القلة، إذ الغالبية الساحقة في عصر التضخمات والكميات، لا تطالبك إلاّ بشيٍ واحد، بل بشيٍ واحد وحيد: أن تتنازل عن عقلك، والتنازل عن العقل هو الاسم الآخر للتنازل عن الحرية، عن العلو، عن السمو، عن القيم، عن إنسانك!!

الغالبية الساحقة تحدّد لك وظيفة واحدةً ليس إلاّ: أن تتكلم مباشرةً عن اليومي والآتي والمُلّح.
أمّا الدَّيمومي القادر وحده على أن يصنع الزمان، أن يجعل من أي عصر زماناً لا فراغاً – والقيم الكلية التي تظل هي إياها في كل زمان ومكان، والتي بها وحدها يتجوهر كل زمان ومكان- والتي بها وقبل سواها نملك ان نخلّص الزمان من أشواك الفراغ، فهذه لا تخصّ أحدا، إلاّ على ندرة أو قلة، وذلكم هو، على وجه التحديد والحصر، قلب أزمتنا الثقافية- الأخلاقية.

أخي في الإنسانية:
ما من سقوط ولا انحطاط، ولا أفولٍ سوى سقوط القيم وأفولها، وانحطاطها.. وما من خواء سوى استفراغ الروح لمضامينه الجوهرية…
أمّا الدَّيمومي… فسوف يتعذر علينا كعرب أن نستعيد مجدنا التليد من غير استعادة القيم والعمل بها.
بذلك يُستَعاد الجوهر، فيجري الزمن المتجمد ويسيل، ونخلص من لعنة الانحطاط الجديد.. بهذا نخرج من الخواء إلى الملأ، من الفراغ إلى الزمان…
أصدقُ الناس في زمن البوار هذا، نعم، أولئك الذين يسدنون القيم والفضائل، والفكر والتفكُّر، ويرون في الأدب والفن والفلسفة صوناً للأبدية التي منها وحدها يندلق كل زمان صيروري.

تحدّيات صفقةُ القرن

يبدو أنّ محدّدات العقل السياسي العربي: القبيلةُ والغنيمةُ والعقيدةُ كما نظّر لها محمّد عابد الجابري صحيحة ومعقولة تاريخيًّا في إطار التّراكمات التاريخيّة والأحداث التي لا زالت تغذّي هذا العقل في الفعل والسياسة وتشكيل العلاقات داخل المكان وخارجه.

فبالنظر إلى السياسة أصبحت بنية العقل العربي منغلقة وثابتة في الميل للقواعد السياسية القائمة على التحالفات القبَلية والمذهبية والطائفية، والتوجّه نحو المكاسب والغنائم من خلال رؤية الفاعل السياسي للسياسة العالمية والنظام العالمي الذي ترسمه أمريكا في إرادة الأقوى وتحديده وفق منافع وغايات استراتيجية، تُبقي على التفوّق من جهة وتترك الكيانات العربية في تبعية دائمة للغرب من جهة أُخرى.

في مخطّطات سايكس بيكو الثابتة وتعميم الفكرة على الجميع في دخول الوطن العربي للحداثة والتغيير عبر القطع مع الفكر السياسي التقليدي ونزعة العداء للكيان الصهيوني وللغرب لا بدّ للعقل العربي أن يستوعب مُقتضيات العصر ومستجدّاته والقبول بحل المشاكل والأزمات العالقة بالتنازل وبالشروط المُملاة. لابدّ أن يحتوي العقل على المبادئ والحقائق والذكريات والآمال للمستقبل: في تطلّعات الجماهير العريضة التي تؤرّخ للحدث بالذاكرة والتذكّر، والتي ستلعنه في التاريخ على الفعل السياسي والفاعل الذي قبل الصفقة نتيجة ضيق الأفق في قضية مركزية في الصراع على الارض والوجود.
العقل العربي الذي يتغنّى بالماضي والتاريخ ويتحايل ويتمايل بالمكاسب والمغانم لن يحصل من صفقة ترامب – كوشنر – نتنياهو إلّا على تصفية لقضيّة ليست قوميّة فقط وإنما عالمية وإنسانية من الدرجة الأولى.

في صفقة القرن، التي من أهم بنودها ضمّ كلّ المستوطنات، ضم الضفّة الغربية للكيان الصهيوني، والقدس غير المقسّمة عاصمة له، والدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح لا حدود لها، وغَور الأردن خاضع لسيادة الكيان الصهيوني، ودولة الكيان هي للشعب اليهودي. فالتصريحات العربية هنا وهناك،جميعها، تنطوي على التناقض بين القول والفعل، بين الرفض والإذعان، بين المشاركة والتفرُّج. فالأهداف واضحة لأن الغنيمة التي لا تاتي إلَّا عبر القوّة وغلبة المنتصر، وغنيمة البلدان في مساعدات مالية لاستمالة العرب بالإغراء الاقتصادي ستصبح فلسطين غنيمة اقتصادية، وهذا تعبيرعن فَهم العقل السياسي الإسرائيلي والغربي للعقل العربي. فهو، أي العقل الإسرائيلي، من شدَّة الذكاء لم يفاوض وإن فاوض فبدون تنازلات منه..

صفقة القرن قديمة بلباس جديد، كانت فاتحتها اتفاقية أوسلو وعرّاب الصفقة كوشنر الذي جال الدول العربية وجمع المعطيات الكثيرة عن رغبة الأطراف بقبولها في إنهاء الصراع الذي رسم معالم المنطقة منذ زمن بعيد، ولا زالت قضية فلسطين حاضرة وباقية في نهاية غير محسومة.

في صفقة القرن والشقّ الاقتصادي غير منفصل عن الشق السياسي، ففلسطين أرض عربية، دولة للفلسطينيين، أمّا تهويد الأرض وسلب الإنسان الفلسطيني حق العودة وتنمية وطنه بدون الحاجة للمساعدات الغربية وخنق الإرادة إنَّما هو تصفية القضية بأدوات عربية. فأين معيار القبيلة ودور القرابة الذي ينبغي أن تشد الناس إلى بعضهم بعضاً في المجال السياسي والاجتماعي؟ هل يُعقل أن يساوم العقل السياسي العربي على فلسطين؟
العقل العربي يعلوه الصَّدأ، يقوم أساسا على الاعتقاد وليس
على البرهان وليس عقلاً جدَلياً، عقل جماعة وليس عقل فرد، يتأسّس على رموز مخيالية تؤسّس الاعتقاد وليس الجدل والبرهان، لا يستقر على مبادئ خالصة، فهو عقل تبريري وتقريري، يسكنه التناقض، ويستبق الوقائع والأحداث وفق ما يرسمه الآخر من مخططات، ولا يقرأ ردود الأفعال ومشاعر الملايين من الناس الذين يعتبرون قضيّة فلسطين قضيتهم.

ربما لصفقة القرن أتباع ومريدون في الوطن العربي، لكن هؤلاء يجب الا يرضوا ضياع حقوق الشعب الفلسطيني في ارضه، ان لم يكن من موقع سياسي، فمن موقع اللحمة العاطفية ورابطة الدم داخل الجماعة الوطنية الواحدة. كما أنه من المعروف أنّ العقيدة سواء كانت على شكل دين أو أيديولوجيا أن تحرّك الأفراد والجماعات وتؤطرهم داخل ما يشبه القبيلة الروحية وتشدهم بعضاً إلى بعض لدفع الضّرر وإنصاف المظلوم، والشدّة على المعتدي والرّحمة بين الاشقّاء والأخوة.
في ضوء ما تقدم يبدو أنّ محدّدات العقل السياسي العربي مفكّكة بفعل التغيير الذي أصاب بنية هذا العقل. فهل هذه المحددات صادقة ويمكن تعميمها أم إننا بحاجة إلى مُحدّدات جديدة في عالم سياسي تغيرت فيه الأيديولوجيات ؟.

إنّ العقل السياسي العربي وليد ترسّبات الفعل التقليدي ووليد الصراعات والنزاعات على الفكرة ووليد الصراعات على السلطة ووليد الجدل السياسي مع الاخر. والمجتمعات هي التي تخوض تجارب، ويخوض عقلها هذه التجارب ويعيش مخاضاً في ولادة رؤية جديدة في السياسة تقود المجتمعات إلى العدل والحق وترغم الآخر أن يحترم منطق الشعوب من باب المصالح المتبادَلة. وصفقة القرن هي برنامج أو خطّة محفوفة بالمخاطر من كل الانواع، هي عرس بدون عريس، وحفل زفاف بدون أصحابه، وهي صفقة تسعى إلى إزالة الحواجز وتؤسّس إلى علاقات جديدة تتضمن في المحصلة خطر تصفية القضية الفلسطينيّة من منظور أحادي في السياسة الخارجية الأمريكية. إنّها في المحصلة تصفية للقضية الفلسطينية، على الشعوب العربية والفلسطينيين، وبالأخص: دفنها

رحلةُ السيّد المسيح إلى فينيقية والمدن العـشر

في خطبةٍ ألقاها الأب الفـرد دوران، مُـدرّس شرح الأسفار المقـدّسة في المكتب الشرقي، نشرتها مجلّة المشرق في العـدد الثاني لشهر شباط سنة 1908، تحت عنوان: «رحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العـشر». بحضور القاصد الرسولي، ومطران بيروت للروم الكاثوليك، ورئيس أساقفة صيدا، ورئيس أساقفة قبـرص، وأسقف طرابلس للروم الكاثوليك (1).

يخبرنا الإنجيل الشريف، إنَّ السيد المسيح في أيام بشارته، «ذهـب إلى تخـوم صور وصيدا» (مرقس 7: 24). ولم تكن تلك الرحلة فقـط إلى جهات الجليل المجاورة لفينيقية، بـل دخـل فينيقية وتجـوّل فيها. كما يظهر من كلام القـديس متّى، حيث يقول: «إنه دخـل إلى جهات صور وصيدا»، (متّى 15: 21). فإنّ النص اليوناني يـدلّ على توغّله في أصقاع فينيقية وتجوّله في أنحائها. وقـد صدّر الإنجيل هـذه الآية، بلفظة تـدل على أنه لـم يـزر فقـط تلك الجهات، بـل تـردد في جنباتها مـدّة مـن الزمان معـتـزلاً فيها، لينجو مـن دسائس أعـدائه، ويبتعـد عـن البلاد الخاضعة لحكم هيرودس انتيباس، الذي كان ينتظر الفـرصة الملائمة ليلقي عليه الأيـدي، وهـذا ما حمله على أن يتجاوز حـدود الجليل، ويطلب لـه ملجأ في فينيقية، لا بسبب خـوفه من أولئك الأعـداء، بـل لكونه أراد انتظار الساعـة المحـدودة من أبيه السماوي لإنجـاز سـرّ الفـدى. وهـذا مـا دفعـه أيضاً إلى أن يجيب الهيرودسيين الذين أتـَوا بعـد ذلك ليجسّوا أعماله وينقلوها لسيّـدهم. (لوقا13: 32). «اذهبوا قولوا لهذا الثعلب: هـا أنا أُخرج الشياطين وأجـري الشفاء اليوم وغـداً، وفي اليـوم الثالث أكمّـل». كأنه يقـول لهم: ليس لأحـد من البشر أن يمـدّ لي يـداً قبـل الساعة المعيّنة في حكم أبي الذي في السـموات.

ويذكـر الأب دوران بأن السيد المسيح، جـاء إلى بلادنا وقـدّس وطننا. كما ورد في إنجيـل مرقس، (7: 24)، «ثم خرج من تخـوم صور ومـرّ في صيدا، وجاء في ما بين تخوم المـدن العشر إلى بحـر الجليل»، ونشر خارطة الطريق التي يحتمل أن يكون قـد سلكها السيـد المسيح.

كان أهـل ذلك الزمان يـَدعـون بهـذا الاسم مـدناً متحالفة مـن المدن اليونانية الرومانية الواقعة في عبـر الأردن، في شرقيه وشرقي دمشق إلى عمّـان، فكان موقع المـدن العشر، يوافق بما نـدعـوه اليوم ببـلاد الجولان وحـوران، بالإضافة إلى دمشق وقسم من شرقي الأردن. وكان تحالف هـذه المـدن ينحصر في عشر مـدن فقـط، ذكرها الكاتب الروماني بيلينيوس في كتاب النبات (18-16 .V, Pline). وهي التاليـة:
1- فيلادلفيا (عمّان المعاصرة). 2- أبيـلا أو (حـرثا). 3- جـراسا (جـرش). 4- جـدارا (أم قيـس). 5- كانثـا (أم الجمال). 6- بيـلا (طبقة فحـل). 7- دايون (إيـدون). 8- هيبوس (الحصن). سكينوبوليس (بيسان). 10- داماسكوس (دمشـق).
وقـد دخلت هـذه المـدن العشر في حكم بني حشمناي على عهـد اسكندر ياناوس، في بداية القـرن الثاني قبـل المسيح. ثـم نالت من فضل بيمبيوس (بومبيوس) سنة 64 (ق. م) أن تـدبّر أحوالها بنفسها، مُعتزلة عن حكم فلسطين، خاضعة لعاصمة المملكة الرومانية، ثـم غلب عليها العنصر اليوناني. وكان أهلها يتعصبون ليردّوا عنهـم غـزوات القبائل المقيمـة في جوارهم. وربّما تمكّنت منهم تلك القبائل حتى مـدّت سيطرتها عليهم. واختلطت الحضارة السامية بالتمـدّن اليوناني، كما حـدث في دولة النبطيين الذين قويت شوكتهم وامتدت سلطتهم إلى دمشـق. وكان المالك عليها في عهـد السيد المسيح وبـولـس الرسول، الحـارث الرابع كما يستفاد مـن رسالة بولس إلى أهـل غلاطيـة.

المناطق التي زارها المسيح في لبنان

كـم دامت رحلة السيد المسيح إلى فينيقيـة والمـدن العشـر؟

الأمـر ليس معلوماً، لكن علينا تعيين الطريق التي سلكها السيد المسيح.
المـرجّح أن السيد المسيح وتلاميذه اتّجهوا إلى صور على خـطّ مستقيم. فقطعوا بـلاد الجليل العليا، على سكة كان الرومان اصطنعوها هناك. وكان يسكن تلك الجهات اليهود والوثنيون معـاً. ولذلك كانت تدعى بـ «جليل الأمـم». وهي المعروفة اليوم ببـلاد بشاره، التي كانت في ذلك العهـد مـن أخصب بـلاد الشـام، تُجـاري بـلاد الجليل السفلى، مـن بحيـرة طبريا إلى مـرج بني عامـر في خصبها ووفـرة غـلّاتها، حتى أن المـؤرخ يوسيفوس، كان يدعـوها بجنّـة عـدن، وفيها تمّـت نبـؤة يعقـوب. وقـد سمـع كثير من أهلها تعاليم السيد المسيح مـع القوم المزدحمين عنـد بحيرة طبريا. ورأوا معجزاته وآمنوا بـه، فسارعـوا إلى دعـوته وضيافته عنـدهم، وحـلّ ضيفاً كـريماً في المـدن التي يسكنها سبطا بني إسرائيل: «أشـير» و «نفتالي»، فـزار مـن مـدنهم صفـد، حيث كان ذكـر طوبيا البـار حيّـاً مكـرّماً، ثـم جـش مـوطن بولس الرسـول على رأي القـديس أورنيمـوس، وكفـربرعـم مـدفن القاضي بارق والنبي عبـديا، وقـانا وصرفنـد. وكان الأب الفـرد دوران قـد نشر خريطة تُظهر الطريق التي يحتمل أن يكون قـد سلكها السيّد المسيح.

إنّ السيّـد المسيح بعـد زيارته إلى صيـدا، عـرّج نحـو اليمين ومـال إلى الشرق، في وجهـة بـلاد الجـولان، ومـن ثـمّ قطع جبل لبنان. وعنـد وصوله إلى البقـاع، هناك طريقان: الطريق الأولى كان قـد مـدّها الرومان حـول جبل الشيخ إلى قيسارية فيليبس، أي بانياس، وتتـفرّع من هـذه الطـريـق طريـق ثانية، تتّجـه مـن بلدة جب جنين فتصل إلى راشيا ثم تمـر بقطنا. ويُعتقـد أن السيد المسيح كان قـد سلك هـذه الطريق لقلّـة سابلتها. ولأن سـياق الرواية الإنجيلية ينطبق على هـذه الطريق التي هي طـريق دمشـق. ولـم تـذكر الأناجيل أنـه دخـل مـدينة دمشـق. وغاية ما نعلمـه، أنـه عـاد إلى الجليل عـن طـريق بحـيرة جنـاسر (بحيـرة طبريا)، مـارّاً وسـط نـواحٍ كان الشرك يمـدّ أطنابه على قسم كبير من أهلها. فقـدّس الـرّب منازلهم وشـفى عاهاتهم وزرع في قلوبهم بـذور الخلاص، التي نمت بينهم بعـد صعوده نمـوّاً عجيبـاً. وكان سكان المـدن العشر يعرفونه عـزّ وجـلّ، قبل مـروره في جهاتهم. فجاؤوا غيـر مـرّة إلى الجليل لاستماع كلامه. وقـد صرّح متى الإنجيلي بذلك، (4: 25)، عنـد ذكره خطبة السيد المسيح إلى الجموع الذين «تبعـوه مـن الجليل والمـدن العشر واورشليم واليهودية وعبر الأردن».

فـلا غَـرو أنّ أهل تلك المـدن ذكروا تلك النّعـم، فتقاطروا إلى يسوع لمـاّ عرفـوا بقـدومه إلى بلادهم، فجـدّد بينهم الخوارق والآيات. ومن نعمـه الحـديثة على أهل تلك البلاد، شفاء ذلك المجنون الذي بلي بشيطان نجـس، أو بجـوقة من الشياطين (مرقس 5: 1- 20)، فطرد السيد المسيح الأبالسة الأشرار وردّ إليه عـقله سليماً، ولمّـا سأله ذلك الرجل أن يكون معـه قال له طبيبه الإلهي: «إذهب إلى بيتك إلى ذويك، واخبرهم بما صنع الرب إليك وبرحمته لك». وكذلك المعجرة الباهرة التي اجترحها مـع أصم أخرس، نحّاه عـن الجمع وجعل أصابعه في أذنيه، ولمس لسانه قائلاً: «انفتـح» فانفتح مسمعاه وانحلّت عقـدة لسانه وتكلّم بطلاقة. وكان الرب أمر ذلك الإنسان أن لا يخبر بأمره أحـداً. لكن الشكر أطلق لسانه ولسان أهله، فبَشَّروا بشفائه في كل ناحية حتى كان الجميع يصرخون: «لقد أحسن في كل ما صنع، جعل الصُّمّ يسمعون والبكم ينطقون» (مرقس 7: 32- 37)، وقال متّى (15: 30)، «إنّ جموعاً كثيرة دنت إليه، معهم خرس وعميان وعـرج ومعوهون وآخرون كثيرون، فطرحوهم عنـد قدميه فشفاهم… وكانوا يمجّـدون الإلـه».

وكانت تلك الجموع تتراكم حول السيـد المُخلّص وتزيد يوماً بعـد يوم، حتى بلـغ عـددهم أربعة آلاف سـوى النساء والصبيان. وتبعـوه مـدة ثلاثة أيام في القفار، حتى نفذ ما اصطحبوه معهم من الزاد. فتحنن عليهم الـرب «ولم يشأ أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق». فجـدّد بسببهم آية كان قـد اصطنعها سابقاً مـع غـيرهم، وقـات أولئـك القوم بسبعة أرغفة وبيسير من السمك. وقـد جـرت تلك الآية في ضفة بحر الجليل الشرقية، في مكان لم يكن اليوم تعيينه بالتدقيق. ثـم صرف الجمع وركب السفينة (2).

وفي مقالة للناشط البيئي ورئيس الحركة البيئة اللبنانية بـول أبي راشـد على صفحته على الفايسبوك، حـول مطابقة الخريطة القديمة التي كان قـد نشرها الأب دوران، وذلك بمساعدة المهندس سامر هاشم على برنامج غـوغـل. وتبيِّن أن الطريق المرسومة تمـر من صيـدا إلى وادي أشمون ومـرج بسري، وتمـر بمحاذاة ثغـرة مرستي التي كانت تعبرها القوافل، ثـم تصل إلى البقاع وعبـور نهـر الليطاني باتجاه جبـل الشيخ والمـدن العشر للعودة إلى كفرناحوم.

طـريق صيـدا البقاع دمشـق

الطـرق والمعابر هي من ضرورات الأمن والاقتصاد، لذلك كانت الدول المتعاقبة على حكم بـلاد الشام، من يونانية ورومانية، وبعـدها الدول الإسلامية كافّـه، تعمل كل منها على ربـط الساحل اللبناني بمركزها السياسي العسكري في دمشق بطـرق عـديدة. وهـذه الطرق كانت معروفة في القرون الماضية. منها طريق «صيـدا – الشوف – البقاع – دمشق. حيث يُحـدَّد مسار هـذه الطريق كما يلي: «صيـدا جسر الأولي- وادي أشمون – مرج بسري – ثغـرة مرستي – صغبين أو عين زبده – جب جنين – ميسلون – دمشق». ومن جب جنين تتفـرع منها طريق إلى راشيا وتمر بقطنة. ويُعتقد أن هـذه الطريق هي التي سلكها السيد المسيح عبر راشيا إلى فلسطين. وهـذه الطريـق كانت معروفة في نصوص مؤرّخي بـلاد الشام. وكانت تستخـدم في جميع العهود، من قبل الجيوش والقوافل والمارة والمكارين، وبقيت تستخـدم حتى بعـد الحـرب العالمية الثانية. ويشير صالح بن يحيى إلى هـذه الطريق دون أن يسميها (3).

في سنة 1400م، سلك هـذه الطريق السلطان فـرج بن برقوق، سلطان المماليك على مصر، الذي أنجـد دمشـق بحملـة عسكرية أثناء غـزوة تيمـورلنك لهـا. فقـدّم لهم الغلال والسلاح وبات ليلته في دمشـق، حتى دخـل عليه أحـد أمـرائه وحـدّثه أن تيمورلنك لا بـدّ أن يأخـذ دمشق. فخشي السلطان على مصر، وخـرج من قلعة دمشق في حكم الليل، وذهب عـن طـريق البقاع العـزيزي وجعل دربـه على الجبال، وتـوجه نحـو طريق الساحـل. وقيل إنـه بات ليلته بسفح جبل لبنان إلى جهـة الغـرب، بمكان يقال له الصفصاف بين قريتي نيحا وجباع، لئـلا يعلم بـه أحـد. وتوجـه على طـريق الساحل، ودخـل مصـر في سـفر حثيـث (4).

في سنة 1436م، سلك هـذه الطريق الأمير صالح بن يحيى التنوخي، (مؤلف كتاب تاريخ بيروت)، بعـد مشاركته بالحملة العسكرية التي جرّدها الملك الأشرف سيف الدين برسباي سلطان المماليك على جزيرة قبرص. وذلك اثناء عـودته من دمشق إلى عبيه، حيث رافقه جماعة من وادي التيم. وكان قـد كمن للأمير صالح في قرية صغبين المدعـو أمير حاج من بني الحمرا يريـد قتله، وكان التنوخيون قـد أجلوا بني الحمرا عـن بيروت. وحضر جماعة كثيـرة من الشوف إلى فـوق صغبين لملاقاة الأمير صالح، حتى خاف من في صغبين من اجتماع الناس حولها. ووصل الأمير صالح إلى عبيـه بتاريخ 25 ذي الحجّـه سنة 1436م (5).

منذ بداية العهد الشهابي، وبخاصة على أثر معركة عينداره التي حصلت بين القيسية واليمنية في العام 1711م. وهجرة أعـداد كثيرة من الأهلين إلى جبل حوران، كان الناس من الأشواف يسلكون هـذه الطريق إلى جبل حوران ذهابا وإيابا، للهجرة والاشتراك بالحروب وإحضار الحنطة وزيارة أقاربهم، وكذلك خلال الثورة التي أطلقها سلطان باشا الأطـرش ضـد حكومة الانتـداب الفرنسي، وغيـر ذلك.

في العام 1958، عنـدما قام زعماء المعارضة في لبنان، بثورة مسلحة، كان الثوار يسلكون هـذه الطريق عبر ثغـرة مرستي سيراً على الأقـدام إلى قرية دير العشائر الحـدودية.
في العام 1976م، وأثناء الحرب الأهلية التي حصلت في لبنان والتي دعيت بحـرب السنتين، وبسبب انقطاع مادة البنزين عـن قـرى الشوف حينـذاك، وتوفّـرها في منطقة البقاع. قام بعض الشبان من قـرى الشوف، بسلوك هـذه الطريق إلى البقاع، لإحضار مادة البنزين، حيث كانت تُعَبّأ بغالونات وتُنقـل على ظهور البغال والحمير وتباع في قـرى الشوف (6).

ثـغـرة مـرســتي

الثّـغـرة أو ثـغـرة مـرسـتي، هي سـهل منبسط على سطح جبل مرستي، منخفضة عمّـا حولها من قمـم. تشـرف على منطقة الشوف غـرباً وعلى سهل البقاع شـرقًا، تمـرّ وسطها طـريق المشاة التي تنطلق من صيدا إلى الشوف والبقاع ودمشـق، وتُتَّخَـذ من قبل القوافل والمـارّة والمكاريـن نقطـة اسـتراحة من عـنـاء السفـر في الذهاب والإياب.

بعـد أن استقـرّ الـوضع الأمني في الشوف، في عـهـد المتصرّفية، بـدأت الأسـر التي كانت قـد هاجرت إلى قـرى جبل حـوران بالحضور إلى الشوف والتواصل مـع الأقارب والأصدقاء، وحصول زواج فيما بينهم. فكان العـريس ومرافقـوه من الأهـل والأصدقاء، يحضرون من جبل حـوران إلى ثغـرة مرستي، وتـذهب العروس ومرافقوها حيث يلتقيان في الثغـرة، يمضون ساعات في الثغـرة يحتفلون معاً بالمناسبة، وبعـدها يـذهب كلُّ إلى بلـده. واستمـرّ هـذا التقليـد لسـنوات عـدّة، وتـوقّف مـع بـداية الحـرب العالمية الأولى (7).


المراجع:

1 – مجلة المشرق، السنة الحادية عشرة، العدد الثاني، شباط 1908. ص 81 وما بعد.
2 – يوسف ابراهيم يزبك، أوراق لبنانية، دار الرائد اللبناني، 1983، مج 3 ص 159و 249 و 296.
3 – صالح بن يحيى ، تاريخ بيروت، تحقيق فرنسيس هورس وكمال الصليبي، دار المشرق ، بيروت 1986، 246
4 – تاريخ ابن سباط، صـدق الأخبار، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس، 1993، ج2 ص 764.
5 – صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، م، س، ص 249
6 – نديم الدبيسي، مرستي الشوف تاريخ وذاكرة، لا دار، ص 126و 127و 128
7 – نديم الدبيسي، م، س، ص 131

قصّة أميرة معروفيّة “مَيْثا الأطرش”

كان العثمانيون في عقد التسعينيّات من القرن التاسع عشر قد نجحوا في شق الموقف الموحّد للدروز الذي سبق له أن كان يحول دون احتلالهم للجبل. في تلك الفترة أرسل العثمانيّون سلسلة من الحملات على الجبل لبسط سيطرتهم عليه مستغلّين حالة الانقسام الاجتماعي بين عامة الدروز وإقطاعييهم، ومن بين تلك الحملات التي بدأت عام 1888كانت حملة بقيادة الجنرال ممدوح باشا، خلال سنتي 1894 و1896 احتلّت السويداء بعد مواجهات دامية عديدة.

فرض العثمانيون ضرائب باهظة على السكان منها تأمين طعام الجنود والحطب للطبخ والتدفئة وتأمين التّبن والعلف لبغال وخيول الجيش العثماني الذي يحتل الجبل، وقاموا بنفي زعيم الدروز الثائر،الشيخ شبلي الأطرش وعدد كبير من الزعماء والمشايخ ومنهم الشيخ حسن الهجري والشيخ حسن جربوع والشيخ حسين طربيه، ونفوهم إلى منافٍ متفرّقة في الأناضول وجزر بحر إيجة في شباط من عام 1896.

مقابلة الأميرة للباشا العثماني تَسْتَجِرّ حرباً!

كانت السيدة مَيثا ابنة شيخ قرية عرمان، حسين الأطرش، وهي أرملة المُتَوفّى محمّد الأطرش شيخ بلدة صلخد قد دخلت في قضية خلاف على ميراث بين ابني زوجها المُتَوفّى وابنها القاصر (نجيب)، وهو الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر.

قابلت ميثا القائد العثماني ممدوح باشا في السويداء بخصوص الحفاظ على حقّ صغيرها، وبحسب سعيد الصغير، صاحب كتاب «بنو معروف في التاريخ» (1)، وهو ابن بلدة عرمان والقريب زمنه من زمن ميثا. طلب ممدوح باشا الزواج من ميثا فرفضت، والتجأت إلى والدها حسين الأطرش في عرمان وهناك تعهّدَ رجال قريتها بحمايتها (2).

كانت قرية عرمان آنذاك قد شكّلت ملجأً آمناً للممتنعين عن الخدمة في الجيش العثماني وللثائرين المُلاحَقين من درك (جندرمة) السُّلطة، ومنهم «فارس وقبلان الحمود الأطرش» من شيوخ قرية بكّا وغيرهم.
ولما كان ممدوح باشا مَعْنيّاً بتتبع موقع لجوء ميثا، في قرية عرمان التي أصبحت تزعجه بسبب كلّ ذلك، فقد أوعز إلى بدو من عشيرة الصّفَيَّان بالاعتداء على حِمى عُرمان ومزروعاتها، ولهذا السبب قام حُرّاس المزروعات (النواطير) بمعاقبة البدو المعتدين الذين اشتكَوْا إلى السلطة العثمانية المتواطئة معهم، والتي تستعملهم كفتيل صاعق لتفجير الأوضاع المحلية بين الدروز والبدو لتبرير تدخُّلها بحجة ضبط الأمن في الجبل…
هنا جاء دور القائد العثماني لِيُدلي بِدَلْوِه في النّزاع، فأرسل طلباً يقضي بقدوم أربعة من وجهاء عرمان إليه في السويداء، وعلى هذا فقد توجه إلى السويداء كلٌّ من: ابراهيم الجرمقاني وصالح الحلبي وهلال العطواني ومحمود صيموعة.

كانت العادة في ذلك الزمن حيث ما من وسائل نقل آلية في البلاد أن ينتقل الناس على ظهور الخيول وغيرها من الدواب. وصل الرجال على خيولهم من عرمان إلى السويداء على نِيَّة مقابلة الباشا في اليوم التالي، ولمّا كانوا لا يطمئنّون لنواياه فقد عرّجوا إلى بيت مختار السويداء محمود جربوع، الذي نصحهم بعدم مقابلة ممدوح باشا خيفة غدره، فعادوا مُسرعين إلى حيث أتَوْا، ودعَوْا وجهاء المقرن إلى اجتماع سِرِّي في خربة المجدل الأثريّة قرب عرمان.
هناك تعاهد الأعيان على نجدة كلّ قرية تتعرّض للعدوان العثماني.

عرمان تدافع عن كرامتها

وتتابعت الأحداث، مُتسارعة، إذ أرسل ممدوح باشا مَفْرَزة تركية من ثلاثة وثلاثين عسكريّاً وصلت إلى منزل المختار ابراهيم الجرمقاني يوم الخميس الثاني من تشرين الثاني 1896 (3) بقيادة ضابطين أحدهما اسمه مشرف رضوان من مواطني السويداء، بهدف اعتقال (النواطير)، وهم حرّاس المزروعات والحِمى حيث كانوا قد ضربوا الرّعاة البدو وطردوهم منه «ولأخذ ميثا بعد أن تبيّن أنّ هناك مداورة وتهرّباً من الانصياع لمشيئة ممدوح باشا بخصوصها وبعد أن اتّضح له أنّ مغادرتها إلى عرمان كانت رفضاً ضمنيّاً لطلبه (حسب بعض الروايات)» (4) ولمّا كان الضابط في الجيش العثماني مشرف رضوان يتبعه بعض الجنود يبحث عن الأشخاص المطلوبين مارّاً من أمام مضافة الوجيه محمود أبو خير وكان هذا معنيّاً بتقديم الطعام لضيوفه من آل سلّام القادمين من قرية سالة البعيدة، فقد دعاه للغداء كما هي عادة الكرماء بدعوة المارّة لطعامهم قائلاً له:
ــ تَفَضَّلْ للغداء، لاحِقْ تأخذ زُلْم. (أي لديك وقت كاف لتعتقل الرجال الذين تلاحقهم)، فأجابه مشرف بفظاظة:
ــ سآخذ زُلْم وسآخذ رأسك أيضاً.

غضب محمود أبو خير، فاستل سيفه وهجم على مشرف، لكنّ مرافقيه من الجنود عاجلوه برصاصة من خلفه فأردَوْه قتيلاً.
سريعاً ما شاع نبأ مقتل محمود أبو خير، فهبّ رجال عرمان وانتقموا له بقتل بعض الجنود العثمانيين، وقد قام علي الدبيسي بضرب مدير ناحية صلخد العثماني بالسيف فقتله، وتحصّن من بقي من الجنود ومن بينهم الضابط مُشْرِف نفسه في مضافة المختار ابراهيم الجرمقاني، وقاموا برمي بندقية أمام باب المضافة كمصيدة لإغراء كلّ من يتقدم لتناولها ومن ثم قَتْلِه، مُسْتَغلّين طمع الرجال الذين لا بنادق حديثة لديهم كالبنادق العثمانية الألمانيّة الصّنع، وبهذا فقد قتلوا عدداً من الأهالي بهذه الحيلة، لكنّ رجال عرمان لم يطيقوا صبراً على مطاولة حصار المعتدين فتسلّقوا سطح المضافة وثغروه من الأعلى ونزلوا إليهم من فوقهم وأجهزوا عليهم بالسيوف والخناجر ولم يسلم منهم سوى ثلاثة بينهم ابن الضابط مشرف (5) والضابط سليم الجاري (وهذا من دروز لبنان، من قرية مَجْدَلْبَعنا) (6) وجندي آخر اسمه موسى «كانوا قد استجاروا بالنساء فأجرنهم» وتقول بعض المصادر النقليّة أنّ موسى قد قَتَلَ مُلْحِم الحلبي (أحد أهالي عرمان الذي رشقه بالحجارة أثناء هربه على حصانه باتجاه صلخد) (7). وهكذا وصل إلى قيادة ممدوح باشا في السويداء نبأ ما حلّ بمدير النّاحية وجنوده.

تقول الباحثة الألمانية بريجيت شيبلر إنّ «للدروز الحق في الدفاع عن شرف زوجة محمّد الأطرش الجميلة التي رغب ممدوح باشا في سَبْيِها، بينما أثيرت احتمالات أخرى لأسباب الحادث تقول بأنّهم قاوموا تسجيل الأراضي (وما يترتب عليها من ضرائب لا ترحم) ولربّما كان رجال الأمن أرادوا اعتقال بعض شيوخ القرية فكانت ردّة الفعل هذه…» (8).
جُن جنون الجنرال ممدوح باشا لهذه النكسة التي أصابت مبعوثيه إلى عرمان.

هزيمة ممدوح المُدَوّية في «الخراب»

جهّز ممدوح باشا حملة من ألفي جندي بينهم أربع كتائب من المشاة وكتيبة من الخيّالة بقيادة خسرف باشا (وهو الشركسي، قائد الدرك السابق في دمشق وقائمقام السويداء حينها) (9). وأيوب باشا وغالب بك وأَمَرهم بالتوجّه لتدمير عرمان والانتقام من أهاليها.
تقصّد العثمانيون مفاجأة أهالي عرمان بضربة ساحقة، وقد قال ممدوح في أمر القتال لقادته: أريد أن أسمع وأنا في السويداء وقائع القتل والفتك والتنكيل بأهالي عرمان، وإن بدرت أية بادرة من أهل الجبل والسويداء سأقوم بتصفية هذه الطائفة نهائياً.

كان الضابط سليم الجاري حاضراً وقد سمع أمر جنراله، فأصر سرّاً على التضحية بالنفس والرّتبة والمستقبل لتجنيب أهالي عرمان ما يُخَطّط لهم من الكيد، فتطوّع أمام ممدوح باشا ليكون دليلاً للحملة، وممّا قاله ممدوح لسليم: عند نجاحكم بتنفيذ المهمّة سأرقّيك إلى رتبة أعلى.
وعلى هذا توجّه ذلك الجيش نحو عرمان على مسافة نحو 25 كيلومتراً من السويداء في يوم الأحد الخامس من تشرين الثاني 1896.

كان انطلاق الحملة من السويداء قبيل العصر، فوصلت قرية الكفر مساء، وعندما انطلقت منها في أوّل الليل وبدلاً من أن يقودها الدليل رأساً باتجاه عرمان قادها إلى مشارف قرية مياماس، وأثناء وِقفة استراحة قصيرة تمكّن سليم من إرسال أحد أهالي قرية مياماس وقد حَمّله ورقة تنطوي على إنذار إلى الشيخ أبو قاسم محمّد الجرمقاني وأبلغه أنّه سيقود بالحملة ليلاً إلى مشارف قرية طليلين شمال شرق عرمان تضييعاً للوقت، ومن ثم يعود بها باتّجاه عرمان ليكون قريباً منها عند طلوع الفجر وأنّه سينضمّ إليهم مع رفاقه من أبناء الدروز عند بدء القتال (10).

وصلت تلك القوّة فجراً إلى شمال شرق صلخد، شمال غرب عرمان، ومن ثمّ تعمّد الجاري السير بالحملة شرقاً نحو ما يسمّى (خراب عرمان / عيون) وهي عبارة عن كروم قديمة مهجورة وخَرِبَة كانت تُزرع عنباً وتيناً وأشجار فواكه تعود لعصور الأنباط والرّومان، غير أنّها وعرة المسالك وطرقاتها جبليّة صعبة وضيقة وجدرانها حجريّة عالية تحجب الرّؤية وتصلح للتّمترس والقتال.

كان هدف سليم الجاري من ذلك توفير الوقت المناسب لأهالي عرمان ليستعدُّوا من جانبهم، وعدم إتاحة الفرصة للجيش العثماني الدخول إلى القرية من جانب آخر، فضلَّل الحملة طوال ذلك الليل بين حيطان تلك المنطقة إلى أن بزغ الفجر. بينما كان من خطتهم دَهْمُ القرية ليلاً للانتقام مِمّن فيها من سكّان.

مع الفجر كان نفرٌ من الأهالي يراقبون في غرب القرية فلمّا شاهدوا طلائع الجيش أسرعوا بدعوة الرجال لمواجهة المعتدين وهناك، في كروم خراب عرمان دارت المعركة لعدّة أيام انتصر فيها الأهالي رغم التفوّق العددي للحملة العثمانية (2000 جندي مقابل 150 من أهالي عرمان قبل وصول النجدات من القرى المجاورة بالإضافة إلى تفوّق الجيش بأسلحته من مدافع ورشاشات وبنادق حديثة، ولم تتأخر النساء عن المشاركة في المعركة فكنّ ينخين الرجال ويقدمن لهم الماء والزاد واشتهرت من بينهنّ سعدى ملاعب وكان من بين المقاتلين المسيحي طحيمر الصيقلي (11) قد ركب جواده وأسرع يَنْخى أهل صلخد (تقع على مسافة نحو 4 كلم غرباً) ويستنهضهم لنجدة عرمان فكانوا أوّل من وصل من رجال القرى، ويقول سعيد الصغير في فعل رجال صلخد في تلك المعركة «وأظهروا بسالة كبيرة في القتال لأنهم شعروا بمسؤوليّتهم إزاء هذه الحرب التي كان من بين أسبابها دفاع عرمان عن أرملة شيخهم، وقد استشهد منهم اثنان وسبعون محارباً ولشجاعتهم في الحرب لُقّبوا بالزّغابة (الزّغابة هم مجموعة من أشدّاء قبيلة بني هلال التي اشتُهرت ببسالتها في الحروب حسب رواية تغريبة بني هلال التي كانت مصدراً من مصادر الثقافة الشعبية في تلك الفترة من الليل العثماني الذي ران على العرب طوال أربعة قرون ونيّف).

وتواصلت نجدات قرى الجبل (من المقرن القبلي والشرقي كملح القريبة شرقاً من عرمان وامتان إلى الجنوب منها وغيرها من قرى الجبل التي فزعت للنجدة) وقد هوجم الجيش العثماني من ثلاث جهات تاركين له الجهة الغربية فبدأ بالتراجع أمام شدة الهجوم عليه وأخذ الدروز يتسابقون إلى القتال معظمهم يقاتل بالسلاح الأبيض من سيوف ورماح وبلطات وفؤوس ومقاليع «والقليل من البنادق القديمة التي تُحشى من الفُوَّهة» وكل هذا لا يرقى إلى مستوى أسلحة الجيش العثماني الذي صمدوا في وجهه وأوقفوا تقدمه باتّجاه قريتهم إلى أن وصلت نجدات القرى إليهم ودامت المعركة سبعة أيام.

المُعْجزَة تفعل فعلها

وفي تلك المعركة وقعت حادثة غريبة أثناء تلك الاشتباكات العنيفة أثّرت تأثيراً عظيماً في سير القتال بحيث رفعت من معنويات مقاتلي الدروز؛ ذلك أنه في ظهيرةٍ من نهار آخر يوم من المعركة وقد توازنت القوى بين المتحاربين فما من قادر أن يحسم المعركة، هَبَّ ذئبٌ حاصره القتال بين المتحاربين، واعتلى رُجْماً عالية من الحجارة وأخذ يَجُوْحُ في مواجهة العسكر العثماني بصوت مُرْعِب (الجَوْح: نوع من عواء الذئاب عندما تكون جائعة: عاميّة) فاعتبر المقاتلون الدروز أن تلك الحادثة إشارة من العقل الإلهي لنجدتهم، فَكَرُّوا غير عابئين بالموت نحو العسكر العثماني الذين ولَّوْا هاربين ولم يُعْثَرْ للذّئب على أَثَرٍ بعدها.
تحوّلت المواجهة مع العثمانيين في موقعة الخراب إلى هزيمة نكراء، لأنّ الجنود الذين كانوا يرون مصارع رفاقهم أَوْهَنَ عزائمهم الخوف وأصبح همُّ كلّ جندي منهم النّجاة بنفسه. وكان ممدوح باشا قد أرسل فرقة أخرى بقيادة محمّد آغا الجيرودي لنجدة الجيش الأوّل ولما وصلت تلك الفرقة إلى تلول الأشاعر القريبة من المكان وأشرفت على موقع ساحة القتال ورأى قائدها فلول الجيش السابق تتراكض غرباً والدروز خلفهم يقتلون الجنود الهاربين الذين يرفضون الاستسلام، فما كان منه إلّا أن لوى عنان فرسه الصّفراء اللون وانضمّ مع فرقته إلى الجيش المهزوم هارباً في الوقت الذي كان المقاتلون الدروز يلاحقونهم وهم يَحْدون مُغَنِّين هازئين به:

صَفْرة جيرودي غَرَّبَت قَوْطَرْ يَحثّ رْكابـها
يا مْحمّــــد خبّــر دولتك حنّا خذينا طوابهــــا

بينما تخلّف عنه جنديّان درزيّان انضمُّوا إلى الثوار، وكانت نتيجة المعركة وبالاً على العثمانيين فقد قُتِل عددٌ كبيرٌ من أفراد تلك الحملة وأُسِر في ذلك اليوم أعداد كثيرة من الجنود، وكان تعداد من وقع من بيد مفازيع من قرية أم الرمان وحدها 31 أسيراً منهم جندي عربي من ليبيا. وغنم الأهالي عدّة مدافع ومئات من البنادق وتجهيزات الحملة.

دور المرأة في معركة الخراب

يقول المحامي متروك صيموعة وهو ابن عرمان وحفيد أحد مجاهدي تلك المعركة أنه كان للمرأة دور حاسم في تلك المعركة، سواء أكانت أُمّاً أو أُختاً أو زوجة، وأشهرهنّ سعدى ملاعب (12). نعم لقد شاركت العديدات من النساء في تلك المعركة وتحملن مآسيها…
الشاب عجاج الجرمقاني الذي كان وحيداً لأمّه كان قد استشهد على ظهر فرسه في ساحة المعركة وقد قام رفاقه بدفنه في ميدانها، وبعد انتهائها عادوا بفرسه بعد أن علقوا سيفه والبارودة العثمانية التي كان قد غنمها في سرج فرسه وعندما وصلوا مدخل البلدة أبصروا أمّه ترقب عودة وحيدها بلهفة المستريب، فبادر فندي المتني منشداً هجينيته التي لم تزل تتردد في مناسبات مجتمع الجبل إلى يومنا هذا ومنها:

يا اْمّ الوحيد إبكي عليهْ الموت ما يرحم حَــدا
لا بدّْ ما تنـعي عليــــهْ إن كان اليوم ولّا غدا

فما كان من الأم الثكلى المفجوعة إلّا أن رددت الحداء على بكائها مع الحادين…

أمّا نمر عبد الله بَحَّة من قرية سالة فقد خسر أبناءه الشبان الثلاثة في تلك المعركة ودفن أحدهما في ميدانها، بينما حمل جثمانيّ الشهيدين الآخرين على ظهر جمل متوجّهاً إلى قريته عائداً مع الفازعين، وما أن رات الوالدة المشهد حتى أُغميَ عليها وماتت بعد أيام قليلة من هول الفاجعة…

يقول حنّا أبوراشد: «وقعت معركة هائلة دامت سبعة أيّام إلى أن انكسر الجيش العثماني شر انكسار وقُتِل منه ما يزيد على ألف جندي، أمّا الدروز فقد مُنُوا بخسارة عظيمة وفقدوا معظم أبطالهم ومنهم:عقاب البربور ومحمّد أبو خير ومحمود غزالي ومنصور الشوفي وجبر الحجلي وحمد الصّغير وحسين أبو خير ويوسف ياغي وعباس المتني وسليمان طربيه و146 فارساً غيرهم…» (13)

وإلى يومنا هذا لم يزل مكان يقع غرب عرمان يطلق عليه اسم «رقَّة المدفع» حيث كان العثمانيون قد نصبوا مدفعاً هناك من بين مدافعهم الستة لتدمير عرمان.

من أصداء المعركة
الشاعر شبلي الأطرش

يقول المؤرّخ محمّد كرد علي الذي كان متعاطفاً مع العثمانيين ضد الدروز حينها «أحدق الدروز بالقوات التركيّة من كل جانب وقتلوا نحو ألفي جندي بالفؤوس والسيوف في محل يدعى «العيون» قرب عرمان وغنموا مدفعين وجميع الأسلحة والذخيرة». (14)

كتب متروك صيموعة: «انقشعت ساح المعركة عن نتائج مهولة حيث تكدست مئات الجثث في مساحة محدودة بعد أن أُبيدت الحملة إلّا بضع عشرات لاذوا بالفرار لتتعرض هذه الحملة للسحق والإبادة في أشرس المواجهات التي تعرّض لها الجيش العثماني وأكثرها فداحة ومأساوية وتناثرت جثث أكثر من ألف وتسعمائة جندي في ساحة المعركة لأشهر طويلة فجسّد الأدب الشعبي ذلك النصر لدرجة أن الضواري تداعت للولائم واحتفت هي أيضاً بالنصر وفي هذا يقول الشاعر شبلي الأطرش:

ضَبع الكويرس عازمه ضبع حبران وصار اللحم بعيون مثل التِّلالِ

ومن وحي الانتصار الباهر على هذه الحملة رغم عدم التكافؤ في العدة والعدد أن راق لأحد المؤرّخين اللبنانيين أن يشبه عرمان بـ إسبارطة في مقال نشره عام 1996 في مجلة الضحى اللبنانية بعنوان: «عرمان إسبارطة العرب».. (15)

وقد أرسل الشاعر عبدالله كمال وكان ممّن قاتل في المعركة قصيدة إلى شبلي الأطرش شيخ مشايخ الدروز الذي كان العثمانيون قد نَفَوه إلى إزمير غرب الأناضول يخبره بالذي جرى فيقول:

تـــاخبّْــرك، عُــرمان والْلّي جرى فيه تْقَدَّم دَرَكْ عَبدو أفندي، نِداويـه
يـــومٍ طَـغى قـــام ربـّــك يــــجازيــــه هُوّ ورَبْعَهْ شربْ كأس الحِمامِ
نْهار الخرابْ شَيّبْ الاْطْفال المَراضيع مثل النّحل مِنّا ومنهم مجاضيع
وســعدى تـِـنْخي بـــالعيـــال المَفاريـع مَرْحُوم اَللّي مَسْكَنَهْ بالـــرِّجــامِ
حيــن الظُّــهر رَبّــك فــرجــها علينــا هُــمَّ قَــفُوا وحِنّــا وراهم حَدِينـا
مثـــل اللّيـــوث الكاســـرة حِنَّا غَدِيـنـا مثل الجرس تسمع رنين الحسامِ

ومن منفاه في إزمير أرسل شبلي الأطرش قصيدة طويلة منها:

جانا خَبَر من يَمْ صلخد وعُرْمــان نِعْمِيْن يا وجوه الذّياب المَشالِي
عَبدو أفندي شارب الخمر سكران جــــاهُمْ يهادر مثل فَحْلِ الجِمالِ
اْجُـوْه النَّشامى وبعد الصُّبح ما بــان هَـدّوا عَليه قصور شُمَّخْ عَوالي
ألفين من حُمْرِ الــطرابيش سُـــكمان بعيون ذِبحوا من القروم العيالِ
ضَبع الكويرس عازْمَهْ ضبع حُبْران وصـار اللّحْم بِعيونْ مثل التّلالِ
ومن عقبها صارت مَعاريـك واكْوان تْشَيِّب الطّفل الرّضيع الاهْوالِ
تَضعضعت حَـوران من كُلّ الأركان عافت لِحــاها والدَّبَش والحَلالِ
من فعل ربعي ينطحوا الضدّ بطعان صِلفين يوم الهُوش، يـوم القتالِ
ببْــلاد ســوريّــة بلا شـــكّ فُــرسان مــن غيرهم إيّاك تحسب رجالِ

بعد تلك المعركة «ذُهِلَ الناس في دمشق وتخوّفوا بكل جدّية من قدرة الدروز على مهاجمة المدينة … لكنَّ العثمانيين اعتبروا الواقعة ثورة مقاومة يجب قمعها… فاستقدموا قوات جديدة من سالونيك (في البلقان) ومن إزمير (غرب الأناضول) ومن طرابلس الغرب (ليبيا) ونُقلت من بيروت مباشرة إلى حوران (16) لخضد شوكة الدروز…

أمّا «ميثا» فقد أكملت حياتها سيّدة حرّة كريمة في حمى قومها بني معروف.


المراجع:
1- سعيد الصغير، بنو معروف في التاريخ، مطابع زين الدين، القْرَيّة (لبنان)، ص 462.
2- المصدر السابق، ص 463.
3- متروك صيموعة، عرمان أسبارطة العرب، ط1، السويداء،2011، ص 74.
4- متروك صيموعة، م س، ص 75.
5- سعيد الصغير، م س، 463.
6- سليم الجاري: في مقابلة مع الصحافي والباحث حسين خويص وهو من أهالي عرمان؛ أفاد بأن البطل سليم الجاري هو ضابط في الجيش العثماني من أصل لبناني جده الأول سليمان بن شاهين نصر من مَجدلْبعنا ولُقِّب في لبنان بالجاري، وكان دليلاً للحملة العثمانية التي أرسلها ممدوح باشا لقهر عرمان فقام سرّاً بإرسال خبر مع بدوي يثق به لتحذير أهل عرمان من الهجوم العثماني الوشيك، وضلّل الحملة في الوعورالجبلية ريثما تأهب أهالي عرمان الذين استنصروا بالقرى المجاورة، ومن ثمّ انضمّ سليم الجاري أثناء القتال إلى قومه الدروز ولجأ بعدها إلى بيت الشيخ الهجري في قنوات مدة خمسة عشر يوماً ثم غادر خفية إلى اليونان دون أن تعلم به السلطات التركيّة وبعد تحرير البلاد من الأتراك عاد الجاري إلى لبنان وتوفي فيها عن ثمانين عاماً
7- متروك صيموعة، م.س، ص 76.
8- بريجيت شيبلر، انتفاضات جبل الدروز، من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال، دار النهار، ط1، 2004، ص 152.
9- Documentary Editor Emad Al Halah (فيديو).
10- بريجيت شيبلر 152 انتفاضات جبل الدروز من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال. بيروت دار النهار 2004.
11- حسين ناصيف خويص، عرمان قصة الإنسان وقدسيّة الأرض والمكان، ص 98.
12- طحيمر الصّيقلي: في مقابلة مع الصحافي والباحث حسين خويص أفاد بأن طحيمر الصيقلي هو من مسيحيي صلخد وأحد فرسانها وكانت هناك حال من الجفاء بين قريتي عرمان وصلخد ولكن عندما وصل رسول عرمان لطلب النجدة من رجال صلخد ركب طحيمر فرسه وأخذ يصول ويجول في الشوارع وينخي رجال صلخد الذين هبّوا سراعاً وهاجموا الحملة من عن ميمنتها من جهة قرية “عيون” ممّا ساهم بتعويق تقدم الحملة باتجاه عرمان. وبعد دحر الحملة كرّم أهالي صلخد طحيمر بوضع عمامة بيضاء على رأسه …
13- متروك صيموعة، م س، ص 82.
14- جبل الدروز، حوران الدامية، ط2، بيروت 1961، ص 108، 109.
15- محمّد كرد علي، خطط الشام، ج 3 ص 111.
16- متروك صيموعة، م س، ص 84.

فِكرةُ المَوت عندَ أبي العَــلاء المَعَرِّي

في المَوت والأسئلة المرتبطة به

صدقَ أبو العلاء المعرّي، عبقريُّ كلِّ الأزمنة، حين اعتبر وبجرأة نادرة، أنَّ ما من حقيقة عَصِيّة على الشك، أكثر من حقيقة الموت:

سألتُ عن الحقائق كلَّ يومٍ فما ألفيتُ إلاّ حـرفُ جَحْـدِ
سوى أنِّي أموتُ بغيرِ شكٍّ ففي أيِّ البلاد يكون لحدي!

من يجرؤ غير المعري على القول أنّ كل ما لديه أو ما بلغه من حقائق يمكن الشكّ بها كلّها، خلا الموت (سوى أنِّي أموت بِغَير شكٍ). جرّ البيتان أعلاه عليه أكثر من اتّهام ممَّن كانوا يتربّصون به الدوائر، فيما هم كانوا قاصرين عن إدراك المعنى العميق الكامن في البيتين أعلاه. وسأعود إلى تحليل تَفرُّد هذين البيتين من الشعر بكلِّ المعايير في ثقافتنا، وربّما في الثقافات العالمية الأُخرى. لكنَّنا لِنمرَّ أوّلاً بفكرة الموت نفسها، وما تحتويه من أهمّية بل وأولوية.
أجَلْ، لا شيءَ مُشترك بقوَّة بين كائنات الكون كافة، كمثل الاشتراك في حقيقتَيِّ الولادة والموت.
وإذا كنّا في الكثير من الحالات – وبخاصّة في تلك البالغة الصِّغَر (الميكرو) أو البالغة الكِبَر (الماكرو) أو البعيدة جدّاً، far distant – لا نستطيع ملاحظة حالات الولادة، فإنَّ حالات الموت (أي الزّوال والاختفاء) هي بالمقابل ساطعة، من موت شجرة في الحديقة، إلى موت قريب، إلى موت حضارة، وصولاً إلى «موت» مَجَرّات بأكملها في الفضاء البعيد، تبعد عنا ألاف ملايين السنوات الضوئية، لا نكتشفها إلَّا لِلَحظات وقبل أن تتلاشى وتبتعد، أي «تموت» بمعنى ما.
ما الموت إذاً؟ في المعاجم الدقيقة الموت هو: «نهاية أي شكل من أشكال الحياة في الإنسان، أو الحيوان، أو النبات» إلَّا أنّه يمكن الحديث كذلك على «ما يشبه الموت»: موت صحيفة، موت إمبراطورية، موت آمالنا، موت قلب، موت حُب، وما يشبه ذلك على سبيل المثال.
وفق جورج أليوت، وغير بعيد عن فكرة أبي العلاء في بيتَيِّ الشعر أعلاه، «الموت قائم في كلّ جزء من الوجود»
باختصار، الموت هو المُتَغيّر الطارئ، بل القوَّة التي تنهي الحياة. قوّة مكروهة، غير مُسْتَحَبَّة؛ قوّة قادرة، أقوى منَّا، ولا سبيل لنا لردّها، تخطف منّا في لحظةٍ مَنْ أو ما نُحب من دون أن تكون لنا القدرة على منعها؛ قوّة مخيفة، أقوى من الوِلادة، بل أقوى من الحياة نفسها – لذلك سيقول المعرِّي في بيت من الشعر في قصيدته الخالدة:

إنَّ حُزناً في ساعة الموت أضعافُ سُرورٍ في ساعة الميلاد

في كلّ الأحوال، ودون استثناء: الموت أقوى مِنّا (لاحِظْ معي المعنى العميق والمُتداخل بين «الموت حقّ»، و «الله حق». ذلك صحيح على وجه الإطلاق، حتى حين يختار شخص أن ينتحر – أي يميت نفسه إراديّاً – فهو في الحقيقة إنَّما يخضع بطريقة مختلفة لسلطة الموت. خذ مثلاً حين تَجَرّع سقراط كأسَ الموت في مُعتقله، فهو إنَّما كان يمتثل لسلطة القانون، وإنْ يكُ غير عادل: اختار الموت، كأسَ السمّ، على أن يخالف القانون الذي طالما دعا إلى طاعته.
الموت الإرادي هو من دون شك أقوى أشكال الموت الصادمة، ولكن لعلّ قوته وصداه في هذه الحياة، كما بعدها: لذلك يستشهد الأبطال طائعين، ويستشهد القدّيسون والرّسل طائعين، وأعظم مثال على ذلك قبول يسوع الاستسلام لجلاّديه – وكان في وسعه كما قيل تفاديهم – والعبرة جليّة: التخلّص من الفكرة المادية التقليدية في أنَّ الموت هو نهاية الحياة. أراد يسوع أن يعطي درساً شخصيّاً، أنه بالإمكان قهر الموت بالموت. أي الخلاص عبر الموت. ولا أخرج عن الموضوع إذ قلت: إنَّ إقدام سقراط طائعاً على تجرّع كأس الموت (وكان يستطيع الهرب من السجن وتفاديه)، وإقدام يسوع على قبول الموت والصّلْب راضياً (وكان يستطيع تجنبّه)، إنّما كسراً نهائياً مع سُلطة الموت، بل ومع الديانات البدائية الطبيعيّة التي عبدت الموت (أو إله الموت تجنُّباً له): مثال سقراط، ويسوع، إضافة إلى مُعتقد الحياة بعد الموت، هي رمز لانتصار الحياة على الموت – أي كسر لحتميّة الموت المخيف المطلق والذي لا رادّ له.
إلّا أنَّ الموت يبقى أكثر من ذلك. رغم ألّا نقاش في حتمية الموت الذي سيعقب عاجلاً أو آجلاً كلَّ ولادة، في الإنسان والحيوان والنبات، إلّا أنّ البشر توقفوا دائماً وطويلاً عنده، فتأمَّلوا ما انطوى عليه من معانٍ كُبرى. خاف منه البعض، هَزِئَ به بعضٌ آخر، وتفكّر فيه قلَّة من المفكّرين (مثل المَعرّي قديماً وشوبنهاور حديثاً) والقدِّيسين (من أمثال القديسة تريزا)، وبعض المتصوِّفة الذين تمنَّوا الموت ليُسرعوا في التخلُّص من الجسد، الحجاب الكثيف الذي يعيق انطلاق الروح لتشاهد الله روحاً وعقلاً خالصاً، وربَّما لتتَّحد به عند بعض غُلاة المتصوِّفة.
وفي السياق هذا تحديداً يأتي الوعي العميق للطابع الإشكالي الذي قدّمته المسيحيّة المُبكِّرة حين جرى ربط الخطيئة بالموت، وفي سيرة يسوع الناصري القصيرة على وجه التحديد «الذي قهر الموت بالموت».

الطابع الإشكالي غير البسيط للموت يمكن متابعته قبل ذلك في الأشكال الثقافية المختلفة للبشر، وتحت غير عنوان: الحياة والموت، الدّين والموت، الحضارة والموت، الفن والموت، الحب والموت، العبقرية والموت، الانتحار والموت، الجنون والموت، التقمّص والموت، الموت والليل، الموت في الفلسفة، الموت في الأنثروبولوجيا، وغيرها من الأبواب والمباحث.
وعليه فالدرس الأوّلي والأكثر أهميَّة الذي نستخلصه من المقارنات تلك هو أنَّ الموت، وفي كلِّ الأحوال، هو جزء من الحياة وليس نقيضاً لها: فالحياة إنَّما تكون بالولادة والموت معاً. الموت، إذاً، مكوّن آخر من مكونات الوجود، أو عنصر من عناصره. وعليه فأنت تَجدُه حاضراً بقوّة في نتاجات البشر كافّة، وفي دياناتهم وممارساتهم الدينية على وجه الخصوص.

الموت في ديانات البشر، البسيطة ألأوّلية ثم التوحيدية اللّاحقة

لا تخلو ديانة قديمة من الديانات، أو دين حديث من الأديان، من اتِّكاء حاسم إلى فكرة الموت.
فكل ما بقي أو بلغنا من الثقافات الأولى البسيطة، أو ما سنُسَمِّيها على ما هو شائع ثقافات الجماعات «البدائية» يشير إلى أنّ البدائيين، جماعاتٍ وأفراداً، مَحَضُوا ظاهرة الموت أقصى درجات التوقير والاحترام، فتشكّل نسيج حياتهم المادي والرّوحي والاجتماعي حولها ومن خيوطها، بل لعلّها كانت حجر الزاوية في دياناتهم الأوّلية البسيطة. وليس في ذلك ما يدعو للاستغراب. فَحدَثُ الموت في جماعة صغيرة جدّاً (أكان في الخليّة الأصغر أو في الأوسع قليلاً) هو أمر صارخ لا تمرّ به الجماعة مرور الكرام. فأن يكون بينهم فردٌ شديد الالتصاق بالأفراد الآخرين في الجماعة ثم فجأة يزول، يختفي، يغدو غير موجود (أي يموت) ومن دون سبب واضح للبدائي ذاك، لأمرٌ صعب التصديق. لذلك يمرّ ردّ فعل الانسان (البدائي وغير البدائي) حيال موت أحد أفراد أسرته أو جماعته الصغيرة، بثلاث حالات متعاقبة:
1) الصدمة النفسية والجسدية، ثم: 2) الطّقوص التي تُظهرُ التوقير والاحترام، وأخيراً 3) التأمُّل في واقعة الموت نفسها وربما استخلاص أفكار إضافيّة منها وبسبب منها.
تظهر الصدمة رمزيّاً وجسديّاً في التَّفَجُّع الذي يصيب أفراد أسرة الميت، من عدم التصديق إلى الرغبة في التماهي معه حتى في الموت: وتفجّع عشتار أمام مشهد موت أدونيس ظل يُلهِم الفنّانين والشعراء طويلاً.
أمّا التوقير فهو فعلُ الاحترام الهادئ لِلمَيْت الذي يلي صدمة الموت. تستمرّ الطقوس المعبّرة عن توقير الأسرة والجماعة للفرد الميْت لأيّام وأحياناً لأسابيع، وفق تفاصيل وطقوس تتعمّد إظهار أقصى درجات المحبّة للفرد الميت (وفي وسعك أن تقول الخوف منه أيضاً) والاحترام لذكراه وكأنَّه لم يغِب أبداً، إلى درجة أنّ بعض القبائل في إفريقيا، وربما في أمكنة أخرى، وحتى اليوم، لا تقوم بدفن موتاهم إلّا بعد حين، أيّام، أسابيع، وربّما أكثر من ذلك.
وأخيراً، وبعد انقضاء الدّهشة والطقوس، ينشأ حال من التأمُّل في واقعة الموت التي حدثت، التفكير فيها وربَّما أستخلاص أفكار إضافية منها كما سنرى. أُقدّم حالات التأمُّل والتفكير التي تعقب حدث الموت والطقوس المرتبطة به ما نجدها في ملحمة «جلجامش» في بلاد ما بين النهرين (قبل نحو خمسة آلاف سنة) في الأفكار التي ضجّ بها جلجامش، ثم التبدّل الشديد الذي حدث في سلوكه بُعيد موت «أنكيدو»، منافسه أوّلاً ثم صديقه لاحقاً. جلجامش قبل موت صديقه هو غير جلجامش بعد موته كلِّياً.
قبل حَدثِ موت صديقه؛ كان جلجامش هو البرِّيّة المتوحشة في أقصى تعبير لها من غريزة وتخريب، ونهب، واعتداء، وفوضى وسواها. أمَّا بعد حدث موت صديقه «أنكيدو» فهو شخص مُندَهش، مصدوم، يمسك بصديقه الميت غير مُصدّقٍ موتَه، يريد إعادته إلى الحياة؛ وحين يُخْفق، ويتأكد من إخفاقه، يخرج إلى أقاصي الدنيا يفتّش عن «نبتة الحياة» المقاومة للموت؛ وحين لا يجدها في كلِّ الأمكنة، يصل إلى فكرة «ما يتجاوز الموت» فإذا هي في الفن، في عمارة سور ضخم، يقي المدينة شرّ الموت، أي يمنعه من أن يصل إلى من نُحِب. ورمزية «السور الضخم» واضحة وهي تؤسّس لكل الأشكال الثقافية التي تنتصر على الموت – الفن، الدين، الأفكار، والأعمال الحسنة أو الصالحة التي تجعل من صاحبها أقوى من النِّسيان والزوال، أي أقوى من الموت.
هذا السياق، في تعبيراته المختلفة والمتغيّرة، مشترَكٌ في ثقافات البدائيين كافَّة، بل إنَّه لَأمرٌ معبِّرٌ جدّاً أن تكون طقوس الموت عند البشر لا تزال منذ زمن البدائيين وإلى زمن قريب واحدة في جوهرها، رغم تباعُد الأمكنة والأزمنة والحضارات.
لا نجانب الحقيقة إذا قلنا: إنَّ جزءاً كبيراً من ثقافة الجماعة البدائية الأولى البسيطة قد نشأ من رحم فكرة الموت أو اتّصل بها على نحو وثيق. فجثمان الميت وبخاصة إذا كان كبيرَ أسرته أو جماعته يُسَجّى لفترة ما بين أفراد الأسرة أو الجماعة وقبل أن يُوارى الثّرى – والمدفن الأوّل عند البدائيين كان داخل مكان سكن الأسرة أو الجماعة الصغيرة. ثم انتقل الدّفن ليصبح خارج المسكن، ولكن غير بعيد منه. وفي كلِّ ذلك تستمرُّ صور الميت حيَّة في أخيلة أفراد الجماعة، في نهاراتهم كما في أحلامهم. وكانت لذلك مَبعثاً إضافياً للخوف ومن ثمَّة للتوقير وإظهار الاحترام والتمسّك بذكرى الميت حتى درجة التماهي. ما جرى التعبير عنه في الديانات الإحيائية animism المنتشرة في الجماعات البدائية، إنَّما يعني بمعنى ما أنَّ الميت لم يمت وهو مستمرٌّ وباق بشكل من الأشكال، وهي تَظهر في الطقوس وفي استعادة أحزان لحظة الموت والتَّماهي معه وبخاصة في الالتصاق به إلى درجة الرّغبة في الموت معه – الأمر الذي بقي بقوة في بعض ألوان الديانات الهندوسية. ولا يخفى ما لذلك من اتّصال وثيق بسائر أشكال التنظيم الاجتماعي والروزنامة الاجتماعية للأسرة الصغيرة، كما للجماعة ككُل.
وديانات البدائيين غير منفصلة إطلاقاً عن قوة صدمة الموت في حياة هؤلاء. فبحسب ديورانت في موسوعته «قصّة الحضارة»، المجلّد الأول، الفصل الرابع:
«مُعظم الآلهة البشرية قد كانوا في ما يظهر عند البداية رجالاً من الموتى، ضُخّموا بفعل الخيال… فظهور المَوتى في الأحلام كان وحده كافياً للتّمكين من عبادتهم.» ويضيف:
«لذلك تجد الكلمة التي معناها «إله» عند كثير من الشعوب البدائية معناها في الحقيقة «رجل ميت»، وحتى اليوم ترى كلمة spirit في الانجليزية أو geist في الألمانية معناها رُوْح أو شبح، وكان اليونانيون يتبرّكون بموتاهم على نحو ما يتبرّك المسيحيون بالقديسين.» (ص 108 الترجمة العربية)

أكثر من ذلك، فإنَّ حياة ما بعد الموت في ثقافات وديانات كثيرة (في المصرية القديمة كأوضح مثال) هي أهم بكثير من الحياة الدنيا قبل الموت. بل إنَّ حياة ما بعد الموت هي التي تنظّم حياة ما قبل الموت: بحيث يتَّجه كل جزء منها نحو الحياة الثانية كيما يجعل رحلة ما بعد الموت للشخص سهلة وخالية من العذاب الشديد. وفي السياق نفسه تحديداً، نذكر أنَّ «كتاب الموتى» لدى المصريين القدامى هو جامع ثقافتهم المادية والروحية والفكرية والاجتماعية برمّتها، ولم يُنقَل عنهم أي كتاب مكتمل آخر خلا ذاك: «اقترب رهيباً أيها الموت»
هذه الملاحظات تنسحب على معظم الديانات الأولى للبشر، كما لو أنّها في جزء كبير منها «عبادة الأسلاف»، أي عبادة الموتى في الأسرة أو الجماعة. وعليه، يمكن القول: إنَّ الموت في الجماعات البدائية كان، كما يبدو، أكثر أهمية من الحياة.
وفي الديانات الهندوسية والشرق آسيوية عموماً، الموت ثم الولادة من جديد، أكثر من مرّة، شرط للخلاص من آثام الدنيا والالتحاق بـ «براهما» في نعيم أبَدي. الموت المؤقت أكثر من مرّة واحدة، يعني في أكثر من حياة واحدة، شرط إذاً لنيل الحياة الأبدية.
وحين جاءت بعد ذلك الديانات التوحيدية، استمرّت فكرة الموت فكرة مركزية في الإيمان الديني، وعلى قاعدة أنَّ حياة ما بعد الموت هي الأبقى، «المَقَر»، فيما الحياة الدنيا زائلة، مُجرّد «ممر». وآيُ ذلك نجده في اليهودية حيث تُسجّى جثة الميت، فلا تُترك وحيدة، بل من حولها عائلته ومحبُّوه. ولا يجوز الأكل أو الشرب إلّا بعد دفن الميت، رمزاً للاحترام والتوقير، وتستمرُّ الطقوس لسبعة أيام تتخلّلها صلاة (كاديش) حيث يجري الترحُّم على الميت أو طلب الرّحمة له.
أمّا في المسيحية فأهميّة الموت استثنائية، إذ هي تتصل بالخطيئة الأولى من جهة، وبواقعة صلب المسيح وقيامته بعد ذلك، من جهة ثانية. فموت يسوع انتصار على الخطيئة الأولى؛ كما أنّ موته على الصليب كان فداء لبني البشر، ودرساً في كيفية تحقيق خلاصهم. فكرة الموت هي في جوهر فكرة الخلاص في الإيمان المسيحي، هي تصنع التجلّي والخلاص. وعليه لا يتورّع بحّاثة كثيرون – ومنهم ديورانت نفسه في قصة الحضارة – عن القول إنَّ يسوع اختار الموت عامداً. ولا يخفى ما لواقعة الموت والصلب والتحمُّل الأسطوري للعذاب على الصليب، ثم القيامة من الموت بعد ثلاثة أيام، من أهميّة محورية في الإيمان المسيحي.
واحتلّت فكرة الموت في الإسلام مكاناً بالغ الوضوح بل والصدارة، في آيات القران الكريم، وفي أحاديث رسول الله، وأقوال الصحابة والوُعّاظ المسلمين منذ فجر البعثة النبوية وإلى يومنا هذا. وبحسب البحّاثة، فقد ذُكِر الموت في ثمانين موضعاً في القرآن الكريم. والآيات تلك تصدح بفكرة: إنّ الموت حقٌّ، لا فكاك منه، من مثل قوله تعالى في الآية الكريمة: «كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت وإنّما توفَّون أجوركم يوم القيامة» (آل عمران، 185). وهو أيضاً معنى قوله حين تكمل الآية: «وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغَرور».
اللّافت في الآية الكريمة أعلاه ليس فقط إعلانها الموت مبدأً شاملاً، بل اعتبار الموت ممرّاً إلزاميّاً، كيما «توفَّون أجوركم يوم القيامة». الموت إذاً مبدأٌ مركزيٌّ في العقيدة الإسلامية، تُبنى عليه عقائدُ أُخرى مهمة من مثل يوم القيامة، وفكرة البعث، عالم الشهادة والغيب، وسواها ممَّا يجعل الموت مكوّناً حاضراً باستمرار، وإلى الدرجة التي تجعل ديوان أبي العتاهية، الزاهد الإسلامي في المئة الثانية، على سبيل المثال، كما لو كان كتاباً في الموت، لاستشعار الحقيقة خلف هذه الدنيا الفانية.
ومن الأمثلة الأُخرى القويّة ملاحظة أنَّ طقوس «يوم عاشوراء» عند المسلمين الشيعة تسترجع واقعة موت الحسين وأهل بيته، خطوة خطوة في أدق التفاصيل، فتغذّي من جديد الإيمان الديني وتشحنه بما يحتاجه من عاطفة جيّاشة ودموع وإظهار للندم وعقاب اختياري وعنف مادِّي بحق الجسد والرّوح.
هذه الملاحظات الواقعية هي عيِّنة فقط، لكنّها كافية كما أعتقد، لإظهار أهميّة الموت في ثقافات البشر كافّة، في تفكيرهم كما في طقوسهم الحياتية اليومية على حدٍّ سواء. وعليه فأهميّة ما فعله المعرّي لا تكمن في اكتشافه أهميّة الموت، بل في ذهابه بالفكرة إلى أقصى ما تحتمل، واستخراج ما تحتويه من أفكار فرعية، ثم جعلها القاعدة لأفكار وعقائد أخرى.

مركزيَّة فكرة الموت في فلسفة أبي العلاء المعرّي
طه حسين

أمرُ الموت مع أبي العلاء المعرّي (363هـ \ 449هـ. 973م – \ 1057 م)، في فلسفته، وقبل ذلك في حياته، مختلف، وأشدّ إبهاراً وغِنًى – على عادة فيلسوف المعرّة وجرأته في غير مجال وفكرة.
قبل ذلك، نقول إنّ المعرّي في أدبه بحرُ مَعانٍ عجيب، وفي فلسفته «حداثوي» في غير شأن وتفصيل، غير تقليدي أو اتّباعي، على عادة معظم المفكّرين الذين سبقوه أو جاؤوا بعده. هو يشبه، في فكرة الموت كما في أفكار أخرى كثيرة، نيتشه وشوبنهور والوجوديين عموماً: أي يعيش فِكرته. هو لا يتحدث عنها، بل هي تتحدّث عنه.
المعرّي، عبقريُّ كلّ الأزمنة وفق توصيف العالم العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي، ولا شبيه له، وفق شهادة طه حسين، عميد الأدب العربي في زمنه، الباحث الأكاديمي، والعميد في الجامعة، ووزير التربية في مصر لفترة ما، يقول:
«قد كتبت عن أبي العلاء ما أَذِن الله لي أن أكتب، وأظنّ أنِّي قد عرَّفته بعضَ التعريف إلى هذا الجيل الحديث. ولكني لم أؤدِّ إليه من ذلك إلَّا بعض حقِّه، وما زالت له على حقوق كثيرة أرجو أن يعينني الله على تأدية بعضها؛ فقد عرّفت أبا العلاء إلى خاصة الناس، وأحبُّ أن أُعرِّفَه إلى عامَّتهم، وأن أعرّفه إلى عامتهم بالترجمة الصحيحة عنه، والتفسير الدقيق لشعره. فلو نُشِرت اللزوميات في عامّة المثقفين لما فهمها أكثرهم، لأنَّ أبا العلاء لم ينظم اللزوميات لعامّة المثقفين. بل لست أدري! لعلَّه أن يكون قد نظمها لنفسه، وللَّذين يرقَوْن إلى طبقته من أصحاب العلم الكثير والبصيرة النافذة» ويختم طه حسين مقدَّمته:
«أنا أجد صوت أبي العلاء الأعذب في النفس وأحَبَّ إلى القلب من كلِّ صوت ومن كلِّ صدى»
طه حسين، صوت أبي العلاء، 6-7

تحتلُّ فكرة الموت موقعاً حاسماً في فكر المعرّي، بل وركناً أساسيّاً من فلسفته، إذا ما أمكن صياغة أفكاره في نسق فلسفي. وهدفنا، باختصار، إظهار أولويّة الفكرة في تراث المعرّي الأدبي والفلسفي. فمراجعة ما تركه من تراث شعري أو نثري تُظهر أنّه كان مهجوساً بفكرة الموت؛ بل هي تقدمت عنده على ما عداها. والأولوية تلك وجبَ أن تكون، برأيه، حقيقة ساطعة ثابتة، بل الحقيقة الثابتة التي لا يخالجها الشكّ:

سألتُ عن الحقائق كلَّ يومٍ فما ألفيتُ إلاّ حـرفُ جَحْـدِ
سوى أنِّي أموتُ بغيرِ شكٍّ ففي أيِّ البلاد يكون لحدي!

هذه النتيجة الخطيرة، تعيد طرح السؤال المتكرّر الذي طرحه منتقدو المعرّي المعاصرون له، كما الذين جاؤوا من بعده، ويتعلق بحقيقة إيمان المعرّي الديني.
نصُّ المعرِّي بالتأكيد حمّال أوجه، ولا يصح في الكثير من الأحيان أخذه على ظاهره:

وليس على الحقيقة كلُّ قولي ولكن فيه أصنافُ المَجازِ

في ظاهر الأمر يحقُّ لقارئ المعرِّي أن يرى في أكثر من مجال، وموضوع، تناقضات في المواقف – رغم أنّ الأمر ليس بهذه البساطة – إلَّا أنَّ الثابت في مواقفه استخدامه الكثيف لفكرة الموت ليؤسّسَ عليها نقده، وموقفه الأخلاقي كما الفكريّ عموماً.
فما حقيقة معتقدات المعرِّي الفكريّة، وربما غير الفكرية أيضاً، انطلاقاً من فكرة الموت؟
هذا ما سنحاول تبيانه.
أعظمُ ما قاله المعري في الموت لعلّنا نجده في قصيدته «غير مجدٍ في مِلَّتي واعتقادي».
في القصيدة ألم الشاعر، ووصف المُصَوِّر، ولكن فيها وهذا هو الأكثر أهميّة: تأمُّل الحكيم النظر في الموت وما يستخلصه من معانٍ وعِبَر. إليكم بعض أبيات القصيدة وجُلُّها في معنى الموت:

غيــرُ مُجْدٍ فـي مِـلَّتي واعتــقادي نَــوحُ بــــاكٍ ولا تَـــرنُّـمُ شــادِ
وشـبيــهٌ صـــوْتُ النَّـــعيِّ إذا قيـ ـسَ بصوت البشير في كلِّ نادِ
أبَكَـــتْ تِـلْكُمُ الحمـــامــةُ أم غنّــ ـتْ علـى فَـرْعِ غُصنها الميّــادِ
صـــاحِ! هذي قبورُنا تملأ الرّحْـ ـبَ فأيْــن القبورُ مـن عهد عادِ؟
خـفّفِ الـــوَطءَ ما أظنُّ أديـــم الـ أرضِ إلّا مـن هــــذه الأجســادِ
وقبــيـــحٌ بنـــا وإن قَــدُمَ الــعهـــ ـدُ، هَـــوانُ الآبـــاءِ والأجـــدادِ
سِرْ إنِ اسْطَعْتَ في الهواء رُوَيداً لا اختيالاً على رُفـات العبـــــادِ
رُبَّ لـحْــــدٍ قد صارّ لحداً مراراً ضـــاحكٍ مِـــن تزاحُمِ الأضدادِ
ودَفيـــنٍ عـلــى بـقايــا دفيــــــنِ في طويلِ الأزمــــــان والآبــادِ
ضجعةُ الموتِ رَقدةٌ يستريح الـ ـجسمُ فيها، والعَــيشُ مثلُ السُّهادِ
واللّـبيـبُ اللّـبيـب مَــن ليْـــــسَ يغتـــرُّ بكَوْنٍ مـصيــرُهُ للـفســــادِ

هذه أبيات اخترناها من قصيدة طويلة للمعرّي تقع في أربعةٍ وستّين بيتاً، قيلت أصلاً في رِثاء صديق له. لا تقوم أهميتها في مناسبتها، أو في ما يقال من تشاؤم المعرّي، فتلك أمور معروفة، وإنّما في المعاني الجديدة كلِّيّاً التي حمّل بها أبيات قصيدته، وسَنُظهر منها ما اتَّصل بموضوعنا فحسب.
المؤسف حقّاً أنّ قُرَّاء الأدب العربي، بل أساتذته، لم يرَوْا في القصيدة تلك إلّا تعبيراً عن تشاؤم المعري، وذمِّه الدنيا، وغلَبة الحزن على السرور فيها، وتحسّره على الشباب الذي مضى، وما إلى ذلك من معان سطحيّة ممجوجة ومكرورة.
أمّا عميدُ الأدب العربي، المفكّر المتعمّق طه حسين، فكان له رأي في معاني القصيدة جديرة بأن نُضيء عليه، يقول: «نعتقد أنَّ العرب لم ينْظُموا في جاهليتهم وإسلامهم، ولا في بداوتهم وحضارتهم، قصيدة تبلغُ مبلغ هذه القصيدة في حُسن الرّثاء. نتّهمُ ذوقنا ونتّهم أنفسنا بالتعصّب لأبي العلاء إشفاقاً على الآداب العربية ألّا يكونُ فيها من الرِّثاء الجيّد ما يعدلُ هذه القصيدة، ولكنّا نضطرُّ بعد الدرس وإجادة البحث إلى تبرِئة أنفسنا من هذه التهمة.»
لم يكن المعري أوّل من تحدث عن الموت، لكنّ المعري قدّم في الشعر العربي لأوّل مرّة لا أفكاراً فقط، بل وصفاً ثقافيّاً للموت: في صور سوداء، وموسيقى جنائزية، وبقايا أجساد، وقبور ضاحكة بل هازئة. وبالوصف الأثنولوجي الثقافي نفسه، نقرأ للمعري في قصيدة أخرى مشابهة:

يا روحُ، شخصي مَنزلٌ أُوطِنتِه ورَحلتِ عنـه فهل أسِفتِ وقــد هُــدِم
عِيْدَ المريضُ وعاوَنته خـــوادمٌ ثم انتــقلتِ فـمـــا أُعيــنَ ولا خُــدم
حملوه بعد مجـــــادلٍ وأســـــرّةٍ حمْــلَ الغـريبِ فَحَـطّ في بيـتٍ رَدِم
لــــو كان ينطِـــق مَيّتٌ لســألتُهُ مــــاذا أحسّ ومــــا رأى لمّـــا قَدِم؟

سلسلة من الأسئلة تتركّز كلُّها في الموت، الحقيقة الأبديّة السرمديّة، وبدأ بها كوصّاف إثنولوجي ماهر، ليبني منها موقفاً من الحياة والدِّين والله والوجود.
أحال المعرِّي الموت من مجرّد فكرة مكروهة لا نرغب السماع بها، إلى إشكاليّة، أي إلى سبب يدفع لتساؤلات توصل إلى فلسفة كاملة محورها قناعته في ألّا حقيقة ثابتة في الكون، بعد البحث والتدقيق، غير حقيقة الموت:

سألتُ عن الحقائق كلَّ يوم فمـــا ألفيتُ إلّا حرفَ جحدِ
سوى أنّي أموت بغير شَكٍ ففي أيّ البلاد يكون لحدي

إذا أسسنا على هذه الفكرة، التي لا شك فيها، يتغيّر كلّ موقف آخر لنا، وكلّ مفهوم آخر عندنا، وأهمُّها إطلاقاً: إذ يتساوى ترنّم الشادي ونوح الباكي. ويصبح أوّلُها شبيهاً بآخرها:

ومهما كان من دنياك أمرٌ فما تُخليك عن قمَــــرٍ وشمسِ
وآخرها بــأّولــها شـــبيهٌ وتصبــحُ في عجائبـها وتُمسي

يمكن من الأبيات أعلاه استخلاص نتيجة كبرى وهي أنّ الموت للبشر- لو أمعنوا النظر – هو الجوهري والأساس في وجودهم، والباقي تفاصيل تقصُر أو تطول، وتأخذ مؤقتاً هذا اللون أو ذاك.

أتدري النجوم بما عندنــــا فتشكو من الأيـــن أسفارُها
وهل قــــام من لحده ميّتٌ يعيب على النفس أخــفارها
كأنّ حيــــــاة الفتى ليـــلةٌ يُرَجّي أخو اللُّب إســــفارَها

من الأبيات أعلاه، ومن غيرها، في اللّزوميات على وجه الخصوص، يمكن للقارئ الردّ على منتقدي المعري والمتشككين في حقيقة إيمانه الديني. لا حاجة للقول: إنّ المعرّي يقول في عشرات الأمكنة، وبوضوح، إنّه لا يشارك الدهرييّن تشكيكهم في وجود خالق لهذا الكون، وأنّ الله هو مبدع الكائنات. أمّا لماذا كان شكّه الذي رأيناه عنيفاً، متشدّداً؛ فالجواب إنه غير اعتيادي لا أكثر. إذ السائد في الموضوعات الماورائية في ثقافة مجتمع المعرّي هو التسليم من غير برهان، أو نظر، أو إعمال للعقل. هو مجتمع النّقل لا العقل. هُوَ ذا ما كان يواجهه المعرّي، بل يتحدّى صحّته وصوابيّته. فهو سيصل إلى الإيمان صريحاً، كما نرى في عشرات مقطوعاته الشعرية، كما في أعماله الأُخرى، إلّا أنه يريد لإيمانه أن ينبني على أسس لا يطالها الشك. وقد انتهج ديكارت (1596-1650) المنهج نفسه، المنهج الشكِّي، طريقاً لبناء إيمان قائم على البرهان لا على التقليد، أي على العقل لا على النقل. وقد قارب الغزالي نفسه المنهج ذاك، لكنّه لم يصل به إلى غايته.
أمّا الباحث عن إيمان المعرّي الراسخ بالخالق، وخلقه، فسيجد عشرات الأدلّة، وهاكم القليل منها لا أكثر:

الله لا ريب فيه وهو مُحْتَجِبٌ بادٍ وكلٌّ إلى طَبعٍ له جُذِبا

ثم يضيف في مزيد من العبقرية والتفرّد – الذي لا يشترك فيه معه إلّا القليل عبر الدهور:

سألتموني فأعيتني إجابتُكم من ادّعى أنّه دارٍ فقد كذبا

يحتاج البيتان أعلاه إلى أطروحة دكتوراه كاملة لشرح المعاني العميقة المتضمَّنة، وربّما لا مثيل لها إلَّا عند القِلّة القِلّة من الفلاسفة. ومُحِلّلُ البيتين أعلاه سيحفِر عميقاً وسيجد ما يدهش من الأفكار، وضيق المساحة المُتاحة لهذه المقالة تمنعني من الاستفاضة في الموضوع.
لكني أضيفُ بَيْتَي شعر آخرَين من اللّزوميّات يصدح المعرّي فيهما بجهله – وأيّ جهل؟؟؟؟. يقول:

أقررت بالجهل وادّعى فَهمي قومٌ فأمري وأمرُهم عَجَبُ
والحقُّ إنــي وإنَّهُمُ هَــــــــدرٌ لســتُ نَجيباً ولا هُــم نُجُبُ

تلك مجرّد خلاصات بسيطة قاد إليها عمق نظر المعرّي في فكرة الموت، وإعلانه مركزية فكرة الموت في حياة البشر، وإلى حد اعتبارها المدخل باتّجاه اكتشاف الأفكار والعقائد الدينية والأخلاقية الأخرى، وربما البيان الحِسّي الملموس على صِدقها أيضاً – إذا كانت بحاجة لبيان حسّي؛ وتهكُّمه من الذين يدّعون المعرفة التّامة – وهم ليسوا على ذلك في شيء.
تفرّد المعري في الاستخدام الواسع لفكرة الموت في الوصول إلى الحقيقة، ثمّ في الشك الذي يكنس الجهل بعيداً، ويبني معرفة الله على حقائق لا يطالها الشك، تفرُّدٌ يُحسبُ له، لا عليه، وهو بعض ما بنى سمعة المعري كناقد مُتَشدّد صارم، من دون أن ينال ذلك من إيمانه بخالق للكون على ما أظهر طه حسين في كتابه «صوت أبي العلاء»، (القاهرة، حزيران، 1944)..

المُوَحِّدون الدّروز في مُخْتَبر الأنثروبولوجيا الألمانية

في العام 1892، بدأ ماكس فون أوبنهايم الذي حمل ألقاباً عدة منها – المستشرق والمؤرخ والآركيولوجي والأنثروبولوجي – رحلته نحو الشرق، حيث مكث لفترة وجيزة في القاهرة، ثم غادرها إلى الصحراء السورية التي وصلها في العام 1894. وهناك استطاع نسج علاقات جيدة مع القبائل البدوية(1). وفي العام 1895 دوَّن أوبنهايم تفاصيل رحلاته في الصحراء في مذكرات مصوّرة تحت عنوان «من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي»، بالألمانية «Vom Mittelmeerzum Persischen Golf». هذا الكتاب هو دراسة أنثروبولوجية ميدانية بحثية عن الأقليّات الدينية والمذهبية في العراق والشام، وكذلك عن القبائل والعشائر في هذه المنطقة. نُشِر باللّغة الألمانية بين عامي 1899 /1900 بجزءين وحقّق شُهرة واسعة، وبسبب أهميته الفائقة، قامت الحكومة البريطانية بترجمته إلى اللغة الإنجليزية وتوزيعه على ضباط الاستخبارات البريطانية(2). في أحد فصول هذا الكتاب، دراسة بحثية عن إحدى طوائف الجنوب السوري، طائفة المسلمين الموحّدين الدّروز.

أصل الدّروز وجغرافيّتهم البشريّة
ماكس فون أوبنهايم

استهلّ ماكس فون أوبنهايم دراسته عن طائفة الموحدين الدروز أو «سادة الأسرار» بشيء من غموض يلفُّ نشأتهم، فالصليبيون لم يذكروهم في كتاباتهم على الإطلاق(3)، مع العلم بأن أتباع هذا المذهب تحت زعامة آل تنوخ خاضوا سلسلة معارك ضخمة ضد الدويلات الصليبيّة ولا سيّما في بيروت، ومع ذلك بقيت المصادر تشير إليهم بـ»حلفاء» الدول السنّية المتعاقبة من الباطنيّة(4).
ذكر أوبنهايم بأنّ أصل الموحدين الدروز يعود إلى الجماعات الإسلامية العربية التي هاجرت في القرن الهجري الثاني إلى جانب جماعات تركية وكردية إلى لبنان، الذي كان آنذاك مسيحيًّا أراميًّا، وهؤلاء جميعًا امتصّهم العنصر العربي، أي صَهر جميع الجماعات المهاجرة في بوتقة عربية ثقافية واحدة. ومع أنه أكّد اختلاف التكوين الجسدي بسبب تأثير الجغرافيا على الدروز بسبب سكنهم في المناطق الجبلية الوعرة، إلّا أنّه دحض فكرة اختلاف «شكل» الدروز عن المسلمين والمسيحيين، التي نطق بها أصحاب هذا الرأي فقد أعطى وصفًا مختلفًا يبدو دقيقًا بعض الشيء لسكان المناطق الجبلية من الدروز عن باقي سكان المناطق المجاورة، فقد قال أوبنهايم:
«بسبب نظرتهم الحربيّة المعاندة [..] وبنيتهم الجسدية القوية، يبدون مختلفين عن سكان البادية السورية، أو عرب السهول، ومع ذلك [..] إن تقاليد الدروز حسبما تأكّدت بنفسي تناقض هذا الرأي، إذا ما علمنا أنّ هؤلاء المهاجرين انعزلوا في الجبال مئات ومئات السنين، حيثُ شكّلوا كُلًّا مغلقًا، فإنّنا نفهم سبب اختلاف شكلهم وتميزهم عن غيرهم»(5).
فقد كان طيب المكان ونقاوة الهواء الجبلي وخصب الأرض عوامل مهمّة في تكوين طبيعتهم البيولوجية، فتجد أجسامهم على جانب عظيم من الصحّة والقوة(6).
من هنا يستطيع القارئ أن يلاحظ بحسب أوبنهايم بأنّ الدروز هم عربٌ اقحاحٌ، ولا صحّة للمرويّات التاريخية الأُخرى عن أصلهم ونشأتهم.

تقاليد اجتماعيّة صارمة واقتصاد زراعي

وقد أوغل أوبنهايم في الإضاءة على العادات الاجتماعية والممارسات اليومية التي تحكم الدروز فيما بينهم وبين باقي المجتمعات التي تختلف عنهم، فهم مُلزمون بتعلّم القراءة والكتابة، وعندهم قابلية غير قليلة للتعليم(7)، والإخلاص لإخوانهم فريضة والتقيد بها أمرٌ صارم، والابتعاد عن ارتكاب أعمال مشينة مثل السّرقة، والدعوة إلى قلة الكلام، والبساطة في المظهر، والاقتصاد في الإنفاق، وهذه تُعتبر جميعُها من الفضائل، ويؤكد أوبنهايم على أنّ جميع من يعرفهم، حتى أعداءهم لا يُسقط عنهم صفة الشجاعة في ساحات الوغى والمروءة، فهم لا يعتدون أبدًا على نساء خصومهم(8) فالدروز شديدو التمسك بالناموس الأدبي، لا يسطون على أعراض غيرهم وعندهم احترام للحريم(9). ومن مظاهر المعاملات الاقتصادية الاهتمام بالزراعة، وحرث الأرض والحصول على قُوْتِهم اليومي منها، في ظروف صعبة جدًا. فالزراعة مورد رزقهم الأساسي، وعائدات الزرع تُعتبَر عائدات «نظيفة»، فهم يأكلون ما في الأرض «طيّبًا» و«حلالاً».
وممّا يُوصف به الدروز مَزيّة الكرم والاحتفاء بالضيف، وحيث كان الدروز أصلهم من العرب كانت هذه العادة فيهم، كعادة حب الثأر واقتفاء الأوتار(10).

السلوك الاجتماعي عشائري، والنظام السياسي إقطاعي

على مرِّ التاريخ لازمت طائفة الموحدين الدروز صفاتٌ عدَّة، منها التمسُّك بالحياة الزراعية، والشدة في القتال، الشجاعة والبسالة، ولكن الشك ساورهم دائمًا، فهم قلقون على أمنهم الذاتي، ولهذا السبب اختاروا العيش في جيوب جبلية وعرة يصعب الوصول إليها، يمكن الدفاع عنها بسهولة، تستنزف قوة المهاجمين، ولهذا عمومًا، اختاروا دائمًا دعم القيادات المحلّية حتى الموت أيًّا كان ذلك، كذلك هم مأمورون دينًا بالجهاد وإطاعة الحكام؛ عملاً بقوله تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، ولأجل ذلك كان لهم في المجاهدات قدم الصدق، وبالإجمال فإنّ منهاجهم يحظر عليهم الخروج على الحكام والعداوة مع بقية الطوائف(11) ،استنادًا إلى هذا التحليل من المؤرخين الذين قاموا بدراسة الواقع السياسي وطبيعة النظام العشائري السائد لدى الدروز، يمكن الاستنتاج بأنَّ الدروز طوّروا نظامًا إقطاعيًّا معقّدًا خاصًّا بهم.
يُعرف عن النظام الإقطاعي الأوروبي أنّه كان يتألّف من العناصر التالية (1) السيد الإقطاعي أو مالك الأراضي (2)القلعة أو القصر (3) الفلاحون والأرض، عندها تبدأ لعبة صراع العروش وتثبيت النفوذ بين الأُسر الإقطاعية، فَرُقعة الأراضي تحدّد اتساع نفوذ السيد الإقطاعي، وغناه ونفوذه يحدّدان مدى قوّته وتميُّزه عن باقي الأسر الإقطاعية الأخرى، أضف إليها الضرائب والهدايا التي كانت تُرسل إلى أصحاب الشأن ووكلاء السلطنة العثمانية – إذا جاز التعبير- لشراء الرّضى والصداقة، وترتبط هذه الظاهرة ارتباطًا وثيقًا بالسياسة والسلطة، لأنها تُعتبر مجال نزاع بين زعماء الأسر، فعلى الزعيم أن يُظهر كرمه وسخاءه عبر إغداق الهدايا وأشياء ثمينة أخرى، هذه التركيبة فرضت نفسها أيضًا في النظام الإقطاعي اللبناني والدرزي بحيث فسّرها أوبنهايم تفسيرًا انثروبولوجيًّا دقيقًا:
«حتى أواخر هذا القرن التاسع عشر كان النظام الإقطاعي ما زال سائدًا عند الدروز كما كان في أوروبا العصور الوسطى، بحيث كانت السلطة في لبنان بيد حاكم ينتمي إلى أسرة عريقة، ويعَيَّن مقابل التزامه بدفع الضريبة، وهذا الحاكم يشبه الدّوق الكبير في أوروبا، يوجد تحت سلطته أمراء أصغر وزعماء عائلات محترمة يمارسون السلطة دون اتّخاذ لقب أمير»(12).
ويتابع «كان يتبع الأمراء، المشايخ، وهؤلاء يتبعهم عائلات فقيرة، تمتهن الزراعة، يجبون الأمراء الضرائب من أتباعهم المشايخ الذين بدورهم يجبون المحاصيل من العائلات الفلاحية، وكان الأمراء – يوزّعون- الألقاب على المشايخ تباعًا»(13).
كما لاحظ أوبنهايم التّرف في حياة العائلات الإقطاعية الدرزية والأمراء وأتباعهم، حيث روى بأن قصورهم تشبه قصور العائلات الإقطاعية الألمانية على تلال ضفاف نهر الراين وبجانبها القرى الصغيرة المتناثرة والأراضي التي تتمّ فيها عمليّة الإنتاج، فالدروز أهل حراثة وزرع(14)، وهذا يشبه إلى حدٍ كبير قصر آل أبي اللّمع في راس المتن، والسراي الأرسلانية لآل أرسلان في الشويفات الغرب، وقصر المختارة في الشوف مقر آل جنبلاط في جبل لبنان، ومقرات آل الأطرش في القريّا وعِرَى الأكثر نفوذًا في جبل العرب.
كما أنّ زيارات المشايخ لأمرائهم كانت معهودة بين الأسر كما يقول أوبنهايم إلّا أنها دليلٌ صارخٌ أيضًا ويؤكد سلطة المقاطعجية على باقي عامة الناس، فتبادُل الهدايا لا سيّما الخيول والسلاح والمجوهرات وحسن الضيافة، والكرم والسّخاء، هي إشارة قوية إلى العادات الاجتماعية المتينة، ولكن في التفسير السياسي لها دلالة على حسن سير الأمور بانتظام بين الأمير والشيخ. فأي خلل أو تسويف في دفع الضرائب وتقديم الهدايا قد يعرِّض الشيخ أو الوكيل إلى استبداله بوكيلٍ آخر.

الأزياء الدّرزيّة

تعبّر الأزياء عن الهوية الثقافية، هذا ما أوضحه أوبنهايم عندما وصف أزياء رجال الدين الدروز وعامة الناس من ذكور وإناث، زِيّ رجال الدين – يتألّف من قميص وسروال واسع ما نعنيه بالعامية – الشروال-، وفوق القميص عباءة قصيرة ذات كم قصير مخطّطة بالأبيض والأحمر أو الأبيض والأسود، وفي الوسط زنّار أبيض من الصّوف أو من الجلد، أمّا غطاء الرأس فيتألّف من العمامة البيضاء خالية من التجاعيد(15) ، أمّا الشباب العاديون فيعتمرون الكوفية ويضعون فوق الكوفيّة «العِقال» المصنوع من شعر الجمل.
زِيّ النساء – يُمكن للمرأة أن تختار ارتداء المنديل، وهو حجاب أبيض فضفاض، تغطّي به وجهها باستثناء عيونها خاصةً في وجود أشخاص آخرين. وتضع النساء المناديل على رؤوسهن لتغطيتها ويتمّ لفُّها حول أفواههن ويلبسن القمصان السوداء، والتنانير الطويلة التي تغطي أرجلهن إلى الكاحل(16).
الدّروز يشعرون بالضّجر حين لا يخوضون حربًا:
يدخل المستشرق الألماني في سرديّة التاريخ السياسي للموحدين الدروز، بدءًا من الحروب الصليبية، ثم إنّ وجودهم في المنطقة التي سُمّيت «الشوف» له أبعاد حربيّة:
«ثمَّ هاجر الأمير معن عام 1119 مع قومه من حلب إلى الجهة الغربيّة من لبنان، واستقرّ بطلب من طغتكين حاكم دمشق السلجوقي، الذي طلب منه مساعدة الدروز الذين ناصروا قضية الإسلام ضد الصليبيين، وسميت المنطقة التي استقر فيها بـ «شوف» أي الترقّب والمراقبة، وهي سِمَة الحراسة والمراقبة والدفاع، وبالفعل فإنّ المرء يستطيع مسح المنطقة برؤية كامل الأفق والشريط الساحلي(17)» يروي أوبنهايم.
ثم يشرح بإسهاب كيف بعد هزيمة الصليبيين، وضعف سلطة آل تنوخ، لمع نجم «آل معن» وكيف استطاعوا بفضل حِنكتهم العسكرية والحربية من تزعُّم الدروز والحصول على مكانة مرموقة بينهم، ثم ينتقل بالحديث إلى فخر الدين الأوّل ثمّ من بعده إبنه قرقماز والد فخر الدين الثاني، مبيّنًا كيف تنبّه الأوروبيون عبر التوسكانيين الإيطاليين إلى وجود طائفة وجماعة دينيّة تسمَّى الدروز في عهد الأمير فخر الدين الثاني ابن معن، ثم صعود وسقوط فخر الدين الثاني وكيف كافح خلفاؤه من بعده للحفاظ على الإمارة إلّا أنَّها انتقلت إلى آل شهاب في نهاية المطاف والحديث عن الانشقاق اليمني والقيسي زمن حكم الأمير حيدر الشهابي، وكيف أنهت معركة عين دارة عام 1711 وجود اليمنيين سياسيًا في الشوف وتهجيرهم إلى حوران حيث تزعمهم «آل حمدان»، وقد أوضح أوبنهايم، أنّ الانشقاق ما لبث أن عاد من جديد ولكن هذه المرّة بمسمّيات مختلفة، أَلا وهي الغرضيّة اليزبكية (أسماها اليزبكجية) والغرضية الجنبلاطية كانقسام سياسي بحت كما تطرَّق أيضًا إلى انقسامات أخرى مثل شقراوي- صمدي (آل أبو شقرا و عبد الصّمد) التي هي انقسامات عائلية بحتة، وكيف قويت شوكة آل جنبلاط عندما ورثوا أملاك الشيخ قبلان القاضي وقاموا ببناء قصر ما زال موجودًا حتى اليوم في قرية (بزران)، يقصد بعذران. يعتقد البعض أنَّ الغموض يكتنف مصدر الانقسام الجنبلاطي اليزبكي، إلَّا أنّ المصادر تلقي الضوء واضحا على هذا الأمر، فالشيخ علي جنبلاط كان على علاقة طيّبة مع عائلة أبي شقرا واعتُبِر شقراويًا، وبما أنه كان أبرز الأعضاء في الحزب «الشقراوي»، اكتسب الحزب اسمه تدريجيًا، وعليه فقد حلّت الجنبلاطية محل الشّقراوية(18)، كما نشأ الحزب اليزبكي من اتّحاد ثلاث عائلات صمَدية(19).
وخصّص فصلاً عن بشير الشهابي الثاني واتّهمه بخيانة بلاده وغدره بالدروز، وتزلّفه للباشا الجزار، وصراعه مع بشير جنبلاط والأسر المقاطعجية وحلفه مع والي مصر محمّد علي وابنه ابراهيم باشا، وينهي أوبنهايم عهد بشير شهاب بقوله بأنّه أي ـ بشير ـ يتحمل التناقض الذي حصل بين الدروز والموارنة، وكانت له عواقب وخيمة في المستقبل(20).
في تحليله للأحداث العسكرية وأداء الدروز الحربي، يصل الاستنتاج بالقارئ إلى أنه ومنذ وصول المصريين إلى جبال لبنان وحتى فتنة 1860 خاض الدروز العديد من المواجهات العسكرية والانتفاضات وقد اعتاد سكان المناطق الدرزية على دفن ضحايا المواجهات حتى أصبحت الحرب «صُنعة» اعتاد عليها الدروز، ويمتهنونها مثلها مثل أيّ صنعة أخرى، لدرجة وكأنهم «يشعرون بالضّجر عندما لا يخوضونها»، وكأنّ قدرهم وموقعهم الجغرافي يُحتم عليهم دومًا العيش في حالة حرب حتى وإن كانت مستترة وغير مُعلنة، ولهم عشق بذكر المرويّات الحربية والوقائع، وميل عظيم إلى الفتوة، وشدة اعتقادهم بالقضاء والقدر مع انقيادهم إلى رؤسائهم، وطاعتهم لكبرائهم، تمهّد لهم في الغالب، سبيل الفوز(21).

التحالف الإنكليزي الجنبلاطي
قصر المختارة الذي زاره أوبنهايم في رحلته

عندما زار ماكس فون أوبنهايم قصر المختارة مقر آل جنبلاط، أدّعى بأنّه رأى صور اللورد فريدريك هاملتون تمبلبلاكوود والمعروف اختصارًا باللورد دوفرين مُعَلَّقة في إحدى أروقة القصر، وهو الدبلوماسي الإنكليزي الذي نجح في الحفاظ على مصالح بريطانيا في جبل لبنان، وهذا إن دل على شيء، فإنّما يدل على عمق العلاقة بين آل جنبلاط والإنكليز، الذين وقفوا بجانب الدروز منذ سقوط الأمير بشير الثاني، والذين منعوا أيضًا إعدام عدد كبير من الدروز كعقابٍ لهم على حوادث الفتنة، وهذا العمل يرمي إلى الحفاظ على الدروز كقوّة سياسية بوجه الموارنة وفرنسا. لذلك اعتقد الجنبلاطيون أنَّهم المفضلون لدى الإنكليز.

ميزة المدرسة الألمانية الاستشراقية

كان الاستشراق المصدر الأوّل للبدايات التأمّلية الأنثروبولوجية في الشرق الأوسط(22)، فالمدارس الاستشراقية والأنثروبولوجية الغربية تنوعّت بحسب أهدافها ومع هذا يضعهما بعض النّقاد في نفس الخانة، أي علمان استعماريان نشأا في مرحلة الاستعمار ولخدمته(23)، وإذا كانت المدرسة الأنجلوسكسونية وثيقة الصلة بأهداف التبشير البروتستانتي، والفرنسية بالتبشير الكاثوليكي، وكلتاهما مارستا الاستعمار السياسي والثقافي بوحشيّة، فإنّ المدرسة الألمانية، التي اهتمّت بالثقافات والمخطوطات الإسلامية وترجمتها، لم يكن لها أهداف سياسية استعمارية(24)، وإنْ مارست بعض المحطّات العدائية وخصوصاُ في إفريقيا والمغرب العربي.

دور أوبنهايم الحقيقي

لذلك أظهر الألمان اهتماما جديَّاً بدراسة الثقافات الشرقية للعالم الإسلامي، ونشر الدراسات الأنثروبولوجية لفهم العقل «السوسيو – ديني « للعالم الإسلامي والجماعات المشرقيّة(25).
فأوبنهايم يُعْرَف عنه ولعه بالدراسات الشرقية، وعلى الرغم من أنّه لا ينتمي إلى المدرسة الألمانية الاستشراقية التقليدية، لأنّ عمله انحصر في البداية بالتنقيبات الأثريّة(26) ثم لاحقاً في إطار خدمة المشروع الاستخباراتي الألماني في الشرق الإسلامي، إلّا أنّ الفضل يعود إليه كما العديد من المستشرقين الألمان وغير الألمان في تقديم روايات علميّة عن الجماعات العرقية والمذهبية وأحوال الديار الشامية واستكشاف البِنى الثقافية وإخراجها للعلن بعيداً عن الأساطير والخرافات والأحكام المُسبقة من قبيل محاربة الإسلام ومعاداة المسلمين(27).


المراجع

  1. (Abenteuer Orient – Max von Oppenheim und seine Entdeckung des Tell Halaf (German
  2. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الوراق للنشر، 2006
  3. اعتبر الصليبيون بأن الدروز شأنهم شأن الجماعات الإسلامية الأخرى، فرقة من الإسلام مثلهم مثل الشيعة الإثني عشرية، والإسماعيلية، والحشاشين أتباع شيخ الجبل والمذهب النزاري.
  4. الصليبي، كمال، منطلق تاريخ لبنان، دار نوفل، 2012.
  5. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006.
  6. الأسود، إبراهيم، ذخائر لبنان، هنداوي، 2018
  7. الأسود، إبراهيم، ذخائر لبنان، هنداوي، 2018
  8. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006
  9. الأسود، إبراهيم، ذخائر لبنان، هنداوي، 2018
  10. المصدر نفسه
  11. المصدر نفسه
  12. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006
  13. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006
  14. الأسود، إبراهيم، ذخائر لبنان، هنداوي، 2018
  15. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006
  16.  https://web.archive.org/web/20190419172241/https://www.britannica.com/topic/Druze
  17. كبيبو، محمود، الدروز، ماكس فون أوبنهايم، الورّاق للنشر، 2006
  18. http://www.al-amama.com/index.php?option=com_content&task=view&id=494
  19. أدى قيام الحزب الجنبلاطي القوي الى إثارة الشهابيين والعمل على اقامة حزب منافس من العائلات الثلاث المناصرة للشهابيين، ابو اللمع، تلحوق وعبد الملك برئاسة عبد السلام يزبك العماد وهكذا نشأ الحزب اليزبكي الذي استبدل الحزب الصمدي.
  20. يقصد فتنة 1860
  21. الأسود، إبراهيم، ذخائر لبنان، هنداوي، 2018
  22. http://www.alhayat.com/article/1163469/
  23.  المصدر نفسه
  24. عبدلله، أمير، رائد، المستشرقون الألمان وجهودهم تجاه المخطوطات العربية والإسلامية، مجلة كلية العلوم الإسلامية، 2014
  25. https://www.alaraby.co.uk/blogs/2018/9/27/جهاد-إسلامي-بلكنة-ألمانية
  26. اكتشف مدينة تل حلف الأثرية في شمال سوريا عام 1899
  27. https://www.alaraby.co.uk/books/2017/3/6/محمد-المزوغي-تحقيق-ما-في-نقد-الاستشراق-من-مقولة .

صَفحات من تاريخ بني معروف في الأردن

نشأت في القرن السابع الميلادي منطقة إداريّة عسكرية في بلاد الشام تضمّنت اسم نهر الأردن، هي جُند الأردن، قاعدته العُظمى طبريّة، وذلك عند تقسيم العرب بلاد الشام بعد فتحهم لها إلى خمسة أجناد. وفي العصر الحديث نشأ في سنة 1921 كيان سياسي تضمَّن أيضًا اسم نهر الأردن، هو شرق الأردن، لأنّه قام في الأراضي الواقعة إلى الشرق من هذا النهر.

كان للموحِّدين (الدروز) وخصوصًا منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، وتَوطُّن الدروز في جبل حوران (جبل الدروز أو جبل العرب أو محافظة السويداء) علاقات مع أبناء المناطق التي تَشكَّل منها الكيان الأردني، ثم قُيِّض لهم المساهمة في تأسيس هذا الكيان، وتأسيس حكومته الأولى، من خلال نُصرة مؤسِّسه الأمير عبد الله بن الحسين، ليكون منطلَقًا لمتابعة الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي لسورية.

وعند تخطيط الحدود بين منطقتَي الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني، ضُمَّت بعض أراضي جبل الدروز إلى الكيان الأردني. وأصبح هذا الكيان البلد الملجأ لوطنيِّيهم عند اضطرارهم إلى تجنُّب ملاحقة السُّلطة الفرنسيّة لهم في سورية ولبنان. ثم صار الوطنَ الذي يقيم الآلاف منهم في العديد من مدنه وقراه حيث ساهموا في نهضته وعمرانه، وحيث عُرفوا بِاسْم “بني معروف”، وعُرفت عائلاتهم بِاسْم “عشائر بني معروف” عند ذِكر العشائر الأردنية، ذلك أنَّ هذا الاسم هو، كاسْم “الموحِّدين” الاسم المفضَّل عندهم على اسم “الدروز”.

وفيما يلي تفصيل لهذه الأمور، مع الإشارة إلى أنَّ صفحات تاريخ الموحِّدين في الأردن، ترتبط بتاريخهم في جبل الدروز أكثر من أيّة منطقة أخرى مأهولة بهم، بسبب العامل الجغرافي.

المساهمة في إنشاء الإمارة الأردنية وترَؤُّس رشيد طليع أُولَى حكوماتها

إنَّ دَور الموحِّدين (الدُّروز) في تأسيس إمارة الأردن وحكومته هو تتمَّة لدورهم في المساهمة بالثورة العربية، وفي قيام الحكومة العربية ونصرتها. لقد الْتَحق بعض مجاهديهم بالثورة حين كانت لا تزال في الحجاز، وزاد الالتحاق بها عند وصول قوّاتها إلى العقبة وخلال تقدُّمها في الأراضي الأردنية ووصولها إلى درعا في حوران. ولعلّ أبرز ما يُذكر في هذا المجال هو قضاؤهم بقيادة سلطان باشا الأطرش على القوة العسكرية التركيّة المدعومة من الضبّاط الألمان، والمرابطة جنوب دمشق للدِّفاع عنها، ثم أسبقيّة سلطان في دخول دمشق ورفع العلم العربي فيها في 30 أيلول 1918.

أيَّد العديد من النُّخب الدُّرزية في سورية ولبنان الحكومة العربية بالنِّيابة عن جماعاتهم، وبايعوا فيصل ملكًا على سورية، واشترك بعض قادتهم في هذه الحكومة، وتَسلَّموا المناصب فيها(1). وحين أنهاها الفرنسيُّون، وطلبوا من الملك فيصل مغادرة سورية، أرسل إليه سلطان من يعرضون عليه نقلها إلى السويداء في جبل الدروز، لكن هؤلاء لم يلحقوا به في درعا وهو في طريقه إلى حيفا ومنها إلى أوروبا.

تلا ذلك لجوء العديد من الوطنيِّين السوريِّين واللبنانيِّين إلى الأردن، ليتّخذوا منه منطلقًا للنِّضال ضد الفرنسيِّين، ومِن هؤلاء الوطنيِّين الذين ابتعدوا، أو أبعدهم الفرنسيون، مجاهدون دروز بينهم رشيد طليع الذي عمل بِاسْم الأمير عبد الله في السويداء، وأرسل منشورًا إلى قرى جبل الدروز يطلب إلى رجالها الاشتراك في الهجوم الذي سيقوم به الأمير على الفرنسيِّين، الذين طلبوا بدورهم إلى زعماء دروز الجبل طرْد رشيد طليع وإلّا فإنهم سيدمّرون السويداء، ثم الْتَحق بالأمير في جَمع كبير من الفرسان بحسب ما تَذكر الوثائق البريطانية. وقد كان الْتِحاقه هذا بناءً على طلب الأمير عبد الله لكي يؤسِّس أوّل حكومة أردنيّة.

ويَرِدُ في الوثائق البريطانية أيضًا الْتِحاق حسيب ذبيان بالأمير عبد الله خلال وجود الأخير في معان، والْتِحاق شيخ قرية الهيت (تركي عامر) مع عدد من رجاله، وسلمان وأسد الأطرش مع عَشَرة من رجال كلِّ واحد منهما. ويرِدُ فيها كذلك أنَّ حسيب ذبيان أُرسل من قِبَل الأمير عبد الله للدعوة له في “المقرن الشرقي” من جبل الدُّروز، وأنّ رُسل الأمير كانوا يَعِدُون السكان بإعفاء تامّ من دفع الضرائب طوال ستّ سنوات.

وممّن التحقوا بالأمير عبد الله وهو في معان فؤاد سليم ومعه المجاهد المسيحي من دير القمر سعيد عمّون، وقد طلب منه الأمير مراسلة زعماء الأردن ورؤساء الحكومات المحليّة، فقام بهذه المهمة. تَشكَّلت الحكومة الأردنية الأولى من سبعة أعضاء جميعهم، باستثناء واحد، من خارج الأردن؛ واستعان الأمير عبد الله أيضًا، لتسيير شؤون الإدارة وبناء الجيش، بالسوريين واللبنانيِّين المُبعدين عن بلادهم، والمحكوم على بعضهم بالإعدام أو بالسجن من قبل الفرنسيِّين، ذلك لأنّهم يمتلكون الخبرة الإدارية والتجربة الوظيفية والكفاءة العلمية، وعندهم قدر واسع من الحركة ومن الحياد إزاء شيوخ العشائر الأردنية ومنازعاتهم وإزاء المواضيع الخلافيّة، وجميع هذه الأمور غير متوافرة إلّا عند القليل من أبناء الأردن. وممَّن استعان بهم الأمير عبد الله رجالات الموحِّدين (الدُّروز) الآتي ذكرهم، مع ذكر المناصب التي تسلّموها في الحكومة الأردنية وقبل ذلك.

– رشيد طليع (1876- 1926)، إنّه لبناني من جدَيْدة الشوف ومن أعضاء حزب الاستقلال. تَسلَّم رئاسة أوّل حكومة أردنية في 11 نيسان 1921 وسُمّي “الكاتب الإداري” و”رئيس مجلس المُشاورين”. ثم عاد وأَلَّف حكومة ثانية في 5 تمّوز 1921. وقد استعان الأمير عبد الله به نظرًا لخبرته في الشؤون الإدارية، وكفاءته، وتَقلُّبه في مناصب عدة، منها في العهد العثماني: وكيل قائمّقام بعلبك، وقائمَّقام كلٍّ من المناطق التالية: الزبداني وراشيّا وحاصبيّا، وعاهرة في جبل الدروز، وعضو مجلس المبعوثان عن لواء حوران، ومتصرِّف كلٍّ من المناطق التالية: حوران وطرابلس والاسكندرونة. ومن المناصب في عهد الحكومة العربية: مدير الداخليّة، ومتصرِّف كلٍّ من اللاذقيّة وحماه وحلب(2).

الأمير عادل أرسلان

– الأمير عادل أرسلان (1887- 1954)، هو لبناني من بلدة الشويفات، ومن أعضاء حزب الاستقلال. حكم الفرنسيون عليه بالإعدام عدّة مرات، عاد من أوروبا والْتَحق بالأمير عبد الله وغدَا مستشارًا له نظرًا لخبرته ومعارفه وماضيه الجهادي، فقد كان في العهد العثماني مديرًا للشويفات، وقائمَّقام الشوف، والنائب عن جبل لبنان في مجلس المبعوثان، وكان بعد جلاء الأتراك أحدَ عُضوَيْ حكومة جبل لبنان التي تأسَّست في بعبدا لبضعة أيام، وصار في عهد الحكومة العربية سكرتير الأمير فيصل.

– فؤاد سليم وأخَواه عارف ونصري، إنّ فؤاد سليم (1893- 1925) لبناني من جباع الشوف، كان من مجاهدي الثورة العربية، وقد أتى مع الأمير فيصل إلى دمشق حيث تَسلَّم قيادة فرقة من سلاح الفرسان والمشاة في الحكومة العربية، ثم قاد العصابات الوطنية العاملة ضد الفرنسيِّين إبّان لجوء هذه الحكومة إلى مقاومتهم. وبعد نهايتها كان من أوائل الملتحقين بالأمير عبد الله الذي عهد اليه مساعدة الكابتن البريطاني بيك في قيادة قوة من الجند تحافظ على الأمن غدَا اسمُها الجيش وغدَا فؤاد سليم رئيس أركانه، وسيكون له دور بارز في حفظ وتوطيد الأمن الضروري لنجاح انطلاقة مسيرة الإمارة الأردنية. وممّا يُؤْثَر عنه إيواؤُه للمجاهد أدهم خنجر في بيته ليحميه من ملاحقة السلطة له والقبض عليه وتسليمه للفرنسيِّين، لأنّه من المتَّهمين بمحاولة اغتيال المفوَّض السامي الفرنسي الجنرال غورو على طريق القنيطرة.

أمّا عارف سليم شفيق فؤاد، فقد الْتَحَق في سنة 1922 بالجيش العربي في الأردن برتبة ملازم، وكانت باكورة أعماله القتالية مشاركته في صدِّ الحملة الوهّابيّة التي وصلت إلى الأردن في هذه السنة. وعُيِّن بعد ذلك قائدًا لمخفر وادي موسى لإتقانه اللغة الإنكليزية التي تؤهِّله للتخاطب مع السُّيّاح الأجانب، وخصوصًا البريطانيِّين منهم، الذين يزورون مدينة البتراء. وحلَّ مكانه في قيادة المخفر المذكور أخوه الأصغر نصري.

– حسيب ذبيان (1885- 1969)، إنَّه لبناني من مزرعة الشوف كان أحد الضُّبّاط في عهد المتصرفيّة، ثم غدا أحد ضبّاط الحكومة العربية ومساعدًا لفؤاد سليم في حرب العصابات الوطنية ضد الفرنسيين، ثم أصبح ضابطًا في الجيش الأردني. وكان معه أيضًا المجاهد حمد صعب (1891 – 1941) وهو لبناني من الكحلونية الشوف الْتَحق بالحكومة العربية، وكان مع المجاهدين الذين اشتركوا في حرب العصابات ضد الفرنسيِّين بقيادة فؤاد سليم.

– أسد الأطرش، هو أحد شيوخ جبل الدُّروز. الْتَحق مع رشيد طليع بالأمير عبد الله كما وردت الإشارة إلى ذلك، وعاد من الأردن في 12 آب 1921 مبعوثًا من الأمير إلى جبل الدروز. وكان قصد الأمير من ذلك مدَّ نفوذه إلى الجبل الذي كان بعض أهله يرغبون في الانضمام إلى شرق الأردن وإلى منطقة الانتداب البريطاني، ويرفضون الانتداب الفرنسي. لكن مظاهرة أسد الأطرش الشريفيّة جوبهت بالرفض الشديد من أعيان جبل الدروز وحكومته، وتهديد الفرنسيِّين باعتماد القوة وقصف الجبل لإنهاء حركته، فانتهت بتسليم نفسه إلى الفرنسيين(3).

استقالة رشيد طليع من رئاسة الحكومة الأردنيّ

كان رشيد طليع رئيس حزب الاستقلال الذي تَأسَّس في 5 شباط 1919 كمظهر علني لجمعية “العربية الفتاة” التي تأسَّست سنة 1909 وعملت لاستقلال البلاد العربية عن الأتراك. رمَى هذا الحزب إلى توحيد البلاد العربية واستقلالها وبلوغها مَصافَّ الأمم الراقية. انضمّ العديد من أعضائه إلى الأمير عبد الله، وساهموا في تأسيس الحكومة الأردنية في عمّان بعد أن خدموا الحكومة العربية في دمشق. لكن أطروحات الحزب تراجعت بسبب التطوُّرات واعتماده الواقعيّة حتى باتت تشمل فقط وحدة البلاد السورية وتحريرها. أنشأ أعضاؤه في الأردن لجنة مركزية مؤلَّفة من زعمائه، وهم: رشيد طليع، عادل أرسلان، أحمد مريود، عادل العظمة، أحمد حلمي، نبيه العظمة، ابراهيم هاشم، عوض القضماني، صبحي العُمري، سعيد عمُّون، سامي السّراج، مُسلم العطّار، عثمان قاسم. وشارك في هذه اللّجنة من الأردنيِّين أحمد أبو راس ومحمّد علي العجلوني وغيرهما(4).

سبق لرئيس حزب الاستقلال رشيد طليع أن اجتمع بالأمير عبد الله، وباحثَه في شأن استئناف الحزب نشاطه في الأردن، فوافق الأمير على ذلك “شرط إلّا يتدخّل الحزب في شؤون المنطقة الإدارية”. وحين عرض رشيد طليع الأمر على رفاقه الاستقلاليِّين جرى بينهم نقاش صاخب وافقوا بعده على براغماتيّة رشيد طليع بقبوله شرط الأمير عبد الله، وذلك لثقتهم به، وبأنه، وهو رئيسهم، سيصبح مرجع الحكومة(5). لكن التضارب في المواقف سيحصل بين الفريقَين ذلك أن الأمير انتهج الواقعيّة والمرونة السياسيّة ومُماشاة البريطانيِّين، بل الرُّضوخ أحيانًا لإملاءاتهم لتجنُّب الاصطدام بهم، لأنهم قادرون على التلاعب بمصيره وبأمن الإمارة، وعلى توجيه دفّة الأمور حسب رؤيتهم ومصالحهم. ومقابل هذا كان الاستقلاليُّون، وعلى رأسهم رشيد طليع، يركِّزون على استقلاليّة القرار ما أمكن، ويرَون ضرورة استمرار النِّضال ضد الفرنسيِّين وتشجيع الثائرين عليهم ودعمهم، وتأمين الحماية لهم في الأردن، مخالفين بذلك توجُّه السلطة البريطانيّة.

بعد تشكيله حكومة شرق الأردن الثانية، استقال رشيد طليع منها في أواسط آب 1921، وانتقل إلى فلسطين ومنها إلى مصر، لأنه لم يجد عند الأمير عبد الله الدعم الكافي الذي يمَكِّنه من الصمود أمام تدخُّل البريطانيِّين المفرط في شؤون الأردن، وإجراءاتهم الرامية إلى فرض هيمنتهم المُطلقة، وضغْطِهم لإخراج رجالات حزب الاستقلال وسائر الوطنيِّين من الحكومة. وقد اختلف معهم في الأمور التالية:

  • إصراره على الاطِّلاع المُسبق على خطاب المندوب السامي البريطاني لدى زيارة الأخير إلى الأردن في 17 نيسان 1921، إذ قد يكون في الخطاب ما يضرُّ بالأردن، وكان له ما أراد.
  • احتجاجه الشديد على نصب خيام الجنود البريطانيِّين قرب خيام الأمير عبد الله وكانت لديهم طائرتان بقصد إظهار حمايتهم للأمير، وطلبه إبعادهم. وكان له أيضًا ما أراد.
  • إلحاحه على المندوب السامي البريطاني ليُفْرِج عن حِصّة الأردن من العائدات الجمركيّة، إذ كان المندوب يريد من وقْفِها الضغط على الحكومة الأردنية وإظهارها بمَظهر العاجزة عن دفع رواتب موظفيها والقيام بالمتطلّبات.
  • جاء السبب المباشر الذي أدَّى لاستقالة رشيد طليع، وهو رفضه تسليم المُتَّهمين بمحاولة اغتيال المفوَّض السامي الفرنسي، الجنرال غورو، على طريق القنيطرة بتاريخ 23 حزيران 1921، وهم متهمون إضافة إلى ذلك بأنهم انطلقوا من الأردن وعادوا إليه بعد تنفيذ العملية(6). ففي هذا مخالفة لتوجُّه السُّلطة البريطانية ومصلحتها التي تقضي بالتفاهم والتنسيق مع السلطة الفرنسية المُنتدَبة في سورية ولبنان، ومخالفة صريحة للاتِّفاق بين الأمير عبد الله ووزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل على ضرورة تفاهُم الأمير مع الفرنسيِّين والسير بالناس سيرة بعيدة عن تحدِّيهم، وقد وردت الإشارة إلى هذا الاتِّفاق.

    رئيس وزراء شرق الأردن رشيد طليع عام 1921
إخراج الاستقلاليِّين من الأردن

كان البريطانيُّون يتعاطَوْن مع العاملين ضد الفرنسيِّين انطلاقًا من الأردن وفْقًا لمصالحهم، فلا يتشدَّدون في حال تَعارُض مصالحهم مع مصالح الفرنسيِّين، ويتشدَّدون في حال توافُقها، ويضغطون على الأمير عبد الله والحكومة الأردنية لِحَذْو حذْوهم، لذا طلبوا في سنة 1924 إخراج الاستقلاليِّين من الأردن، لأنّ مجموعة من المجاهدين بقيادة أحمد مريود انتقلت منه إلى سورية واشتبكت مع الجند الفرنسي في حوران ومن ثمّ في العاصمة دمشق(7).

آنذاك كان الأمير عبد الله في الحجاز لأداء فريضة الحجّ، وعندما عاد في 19-8-1924 قدَّمت إليه سلطة الانتداب البريطاني إنذارًا من ستة بنود مُفادُها تحقيق الإشراف البريطاني الفعَّال والكامل على الحكومة الأردنية، ومن بينها قبول اتِّفاق تسليم المجرمين المعقود مع الحكومة السورية الخاضعة للسلطة المنتدبة الفرنسية، وإخراج المتَّهمين بالتحريض على الحوادث الأخيرة من الأردن، وذلك نزولًا عند طلب الفرنسيِّين. فألقى الأمير خطابًا في اليوم التالي أعلن فيه استجابته للإنذار، وأدَان كلَّ من يعبث بالأمن في سورية وفلسطين “لأننا –والقول له – لا نريد أن تجني هذه البلاد ذُلًّا بسبب تصرُّف أولئك العابثين” وأضاف قائلًا: “لا أريد، أن أضحِّي بنفسي من غير رويّة وأُؤَلِّب على العرب دولتَين عُظمَيَين”(8).

نزلت الحكومة الأردنية عند الطلب البريطاني، وأذاعت بتاريخ 21-8-1924 بلاغًا تُبرِّر فيه عملها بضرورة تلافِي تشويش الأفكار في البلاد المجاورة وتسكينها بإظهار حُسن النَّوايا والرغبة في إثبات الخطّة القويمة السالمة من كلِّ شائبة نحو المناطق المجاورة، على ألّا يُفهم من ذلك أنّ الذين تطلب خروجهم من الأردن لهم أدنى علاقة بالحوادث المذكورة(9). أمّا الذين طلبت خروجهم، فهم: عادل أرسلان، وفؤاد سليم، وأحمد مريود، ونبيه العظمة، وأحمد حلمي، وعثمان قاسم، وسامي السرّاج، ومحمود الهندي. ولمّا كان هؤلاء المُبْعَدون لا يستطيعون الانتقال إلى فلسطين الموضوعة تحت الانتداب البريطاني، فقد انتقلوا أوّلًا إلى العقبة التي كانت لا تزال آنذاك تابعة للحجاز، ومنها تَفرَّقوا إلى مصر والحجاز والعراق، وقد انتقل فؤاد سليم إلى مصر، وعادل أرسلان إلى الحجاز حيث شهد هجوم الوهّابيِّين عليه، وسقوطه بيدهم، فانتقل إلى مصر.

يبدو أنَّ الأمير عبد الله كان مضطرًّا إلى قبول بنود الإنذار البريطاني، والعمل بها كي لا يخسر إمارته، وكي لا يوضع الأردن تحت الحكم البريطاني المباشر. وكان آنذاك أضعف من أن يواجه السلطة البريطانية، كما كان والده في الحجاز مهدَّدًا في الوقت نفسه من قِبَل الوهَّابيِّين. وهنا تجدر الإشارة إلى عِظَم مخاطر وضع الأردن تحت الحكم البريطاني المباشر، لأنّه يقضي كلِّيًّا على الآمال التي يعلِّقها وطنيُّو بلاد الشام عليه، وفي هذا المجال يقول عجاج نويهض في رسالته المُرسَلة من القدس إلى نبيه العظَمة بتاريخ 9-7-1924: “إنَّنا أصبحنا لا نرى لنا مأملًا في المستقبل إلّا في هذه الرُّقعة الصغيرة [الأردن] التي إذا ما اغتُصبت اغتصابًا تامًّا فقدْنا كلَّ شيء نملكه في هذه الدنيا”(10).

لجوء سلطان باشا الأطرش إلى الأردن سنة 1922

سبقت الإشارة إلى أنّ الأردن كان ملجأ الوطنيِّين والثائرين، كإبراهيم هنانو الذي لجأ إليه عبْر جبل الدُّروز، وبمساعدة سلطان باشا الأطرش، بعد إخماد الفرنسيِّين لثورته. بيْد أنّ أكثريّة اللاجئين كانت من جبل الدُّروز بحُكم مجاورته للأردن وتعدُّد ثوراته بقيادة القائد العامّ للثورات السورية، سلطان باشا الأطرش(11). وفيما يلي الحديث عن ثورته الأولى على الفرنسيِّين، ولجوئه إلى الأردن.

بدأ سلطان انتفاضته الأولى على الفرنسيِّين في 21 تموز 1922 لسبب مباشر هو اعتقالهم لضيفه أدهم خنجر. وحين لم يَلْقَ الدَّعم المطلوب من أهالي جبل الدُّروز، وشُنَّت عليه حملة عسكريّة فرنسيّة قويّة مقرونة بحملة إعلاميّة معادية من جبل الدروز، لجأ إلى الأردن بعد أن وافقت حكومته على الإقامة في أراضيه. ونزل في ديار بني حسن، ورحّب به الأمير عبد الله وحكومة الأردن ورجال حزب الاستقلال، وبعض شيوخ العشائر ومنهم مثقال الفايز الذي قال له: يا باشا إذا فقدتَ منزلك في القريّا جرَّاء تدميره بالطائرات الفرنسية فإنّ منازل ومضارب الأهالي في الأردن كلَّها مفتوحة لك ولجماعتك فاختَرْ ما تريده ونحن لها.

أراد سلطان أكثر من الترحيب به في الأردن، وأملَ بمساعدة من الأمير عبد الله ووالده الشريف حسين، وبقيام ثورة عامّة تُخرج الفرنسيِّين من سورية. وقد قابل مُرافقه شكيب وهّاب رئيس وزراء الأردن رضا باشا الركابي، وشجَّعه على اغتنام الاضطراب الحاصل، ومهاجمة الفرنسيِّين ودخول سورية، إلّا أنَّ الركابي لم يتحمَّس للفكرة، كما أنَّ الشريف حسين لم يكن بإمكانه مساعدة الثّورة العامة التي اقترحها ولده الأمير عبد الله، بسبب انشغاله بالصِّراع مع الأمير عبد العزيز بن سعود.

احتجَّ الفرنسيُّون لدى السُّلطة البريطانية على وجود سلطان في الأردن، وطلب المندوب السامي الفرنسي من المندوب السامي البريطاني إخراجه منه، أو السماح للفرنسيِّين بقصف معسكره بالطائرات، فنزل المندوب السامي البريطاني عند طلبه، وسمح لقوَّة فرنسية بملاحقة سلطان، وحمل الأمير عبد الله على القبول بذلك، وأعطى كلَّ منهما الأمر بوقف تمرُّد سلطان بحسب ما جاء في وثائق وزارة الحربية البريطانية. وعن هذا الموضوع يَذكر الأمير عادل أرسلان أن بعض الاستقلاليِّين الموجودين في حكومة الأردن عارضوا ذلك، وأنّه، أي الأمير عادل، أرسل إلى سلطان الذخائر وثلاثين فارسًا لبنانيًّا لاجئين إلى الأردن ومقيمين في الرصيفة، وأن محمود الهندي وسعيد عمّون وصبحي العمري حرّضوا جنود الأردن، “فأخذوا يتوعَّدون بذبح القوّة الفرنسية عن بكرة أبيها، فابتعد الفرنسيون عن المكان، وعاد بك وجيشه إلى عمان”(12). وظل سلطان في الأردن تسعة أشهر وعاد منه إلى الجبل في 5 نيسان 1923 بعد صدور العفو عنه.

لجوء سلطان باشا الأطرش ومجاهدي الثورة السورية الكبرى إلى الأردن

أعلن سلطان باشا الثورة على الفرنسيِّين في 21 تموز 1925، وتحوَّلَت بقيادته إلى ثورة سورية كبرى رَمَت إلى وحدة سورية وتحريرها واستقلالها وقيام حكومة شعبيّة فيها على مبدأ سيادة الأمّة سيادة مطْلَقة، وشملت، بالإضافة إلى مهدها (جبل الدُّروز)، معظم المناطق السورية وبعض اللبنانيّة. وبعد تَوسُّعها وتحقيقها أروع الانتصارات، مُنِيت بالهزائم، وتراجعت عن المناطق التي امتدّت إليها، وأخيرًا تراجعت عن الجبل، وأخذ الثُّوّار يتركون ميادين القتال فيه ويتجمّعون في الأزرق، وبعضهم نزح إليه مع عياله.

كان شرق الأردن ممرَّ السِّلاح والذَّخيرة والأدوية والأموال إلى الثُّوّار، وغدا بوجودهم في مناطقه الشمالية، وخصوصًا في الأزرق مُنْطَلق عمليّاتهم ضد الفرنسيِّين الذين أيقنوا أن الثورة لن تنتهي إلّا بإخراجهم منه. تَوصَّل المندوب السامي الفرنسي دو جوفنيل إلى اتِّفاق مع البريطانيِّين في لندن على المسائل المُختلف عليها، وأُولاها قضية الموصل وأنابيب النِّفط منه إلى البحر المتوسِّط، وثانيتها إنشاء خطّ سكّة حديد بين حيفا وطرابلس، وثالثتها الحدود بين منطقتَي الانتداب الفرنسي والانتداب البريطاني، وقد حلَّها دو جوفنيل فيما يتعلّق بجبل الدُّروز والأردن بالتنازل عن بعض قرى الجبل وأراضيه للأردن، ومنها الأزرق.
تلا ذلك اتِّفاق فرنسي بريطاني سرِّي في القُدس، يقضي بالتعاون المشترك ضد الثُّوّار، واتِّفاق في درعا بتاريخ 23 أيلول 1926 نُظِّم هذا التعاون، وتُرجِم بإعلان القائد البريطاني للجيش الأردني الأحكام العُرفيّة في منطقة الأزرق بمنشور وقَّعه الأمير عبد الله مُجبَرًا، وبناءً على ذلك أرسل البريطانيُّون أربعة آلاف جندي إلى الأزرق حيث حاصروا الثُّوّار وقصفوا مخيّماتهم وضايقوهم في أيام قليلة أكثر ممّا ضايقهم الفرنسيون في سنتين ممّا اضطَرّ أكثرهم إلى الاستسلام والعودة إلى جبل الدُّروز، وعددهم 2000 نسمة، فيما فضَّل 1200 نسمة عدم الاستسلام والخروج من الأزرق، وعلى رأسهم سلطان الذي اصابت شظايا قنابل الطائرات البريطانيّة عباءته التي أهداها بما فيها من ثقوب إلى صبحي الخضرا في فلسطين(13).

تَرك سلطان ورفاقه المجاهدون الأردن إلى النبك في وادي السرحان من أراضي المملكة العربية السعودية حيث أقاموا بضع سنوات حافلة بالمشقّات وصعوبة العيش، وبتضييق عمّال الملك عبد العزيز آل سعود عليهم ومحاولتهم نزع سلاحهم، وإسكانهم في داخل نجد بعيدًا عن أراضي الأردن، لأنّهم كانوا يحذرون استمرار علاقة بعضهم مع الأمير عبد الله الذي كان في صراع مع الملك عبد العزيز وفي تنافُس معه على عرش سورية؛ والذي اجتمع بسلطان وأخيه زيد في الموقّر في تشرين الأول 1927، “ربّما ليوضح أنه كان مرغمًا بالموافقة على إخراج الثُّوّار من الأزرق”(14).

ظَلَّ الأردن المكان الأفضل والمنشود لإقامة المجاهدين في منفاهم لمجاورته جبل الدُّروز. ولمّا كان انتقالهم إليه يتطلّب موافقة السُّلطة البريطانية والسلطة الفرنسية والأمير عبد الله، عرض المجاهدون هذا الأمر على الأمير عبد الله، فاتّصل بالمسؤولين البريطانيِّين، ثم أرسل في النصف الثاني من كانون الأول 1929 رسالة إلى سلطان للاجتماع به في مرج الضّبعي والاطِّلاع على البرنامج الذي سلّمه البريطانيّون له بحالة وجود المجاهدين في الأردن. ثم جدَّد سلطان الاتِّصال بالأمير وطلب منه العمل للاستحصال على موافقة البريطانيِّين وتعيين المكان المقترح مع تفضيل الأزرق الذي كان الفرنسيون يمانعون وجود المجاهدين فيه. وبعد اتِّصالات عدَّة بين سنتَي 1930 و1931 وافقت السُّلطة البريطانية على إقامة سلطان والمجاهدين في الأردن، فانتقل إليه في تموز 1932 مع معظم الموجودين في وادي السرحان، وتَوزَّعوا في الكرك والسلط والحُمّر وعمّان والزرقاء والأزرق، فيما ظلَّ القليل منهم في النبك.

رحَّب الأمير عبد الله بالمجاهدين، وقدَّم لهم التسهيلات المُمكنة، وزارهم بعد استقرارهم، فازدادت العلاقات تعمُّقًا بينه وبينهم، وخصوصًا سلطان الذي أقام في الكرك. وبقي المجاهدون في الأردن، وفي النبك منفيِّين عن البلاد حتى صدور العفو عنهم بموجب المعاهدة السورية الفرنسية الموقَّعة في سنة 1936، حيث عادوا بعدها مُعزَّزِين مكرَّمين. إلّا أنَّ بعضهم ظلُّوا مقيمين مع عيالهم في عمّان والزرقاء والأزرق.

لجوء سلطان باشا الأطرش إلى الأردن سنة 1954

قاد سلطان باشا الأطرش انتفاضة الشعب السوري سنة 1954 على رئيس الجمهورية أديب الشيشكلي الذي شبَّه معارضيه بالأفعى: رأسها في جبل العرب (جبل الدُّروز) ومعدتها في حمص، وذنَبها في حلب. فإذا سُحِق الرأس ماتت الأفعى. لذا أرسل الحملات العسكرية إلى الجبل للقضاء على انتفاضته، وللقبض على سلطان. لكنَّ سلطان تجنَّب سفك دماء السوريِّين العزيزة، وآثَر ترك الجبل إلى الأردن على الصدام مع الجُند.

مكث سلطان يومَين على حدود الأردن ينتظر سماح حكومته بدخول أراضيه. وبمسعًى من القائد كمال جنبلاط وافقت الأردن على ذلك، وقال سلطان في المؤتمر الصحفي الذي عقده في الأردن إنّه “قصد هذا الحيّ الهاشمي الذي به تعتزُّ تقاليد العرب، وإنّه لم يخرج من الجبل إثر هزيمة أو انكسار، ولكنه آثَر حجب دماء العرب في جبل العرب”. وانتقل إلى قلعة المدوّرة في أقصى جنوب الأردن، ورحّب به شيوخ الأردن ومنهم محمّد بن عودة أبو تاية الذي دعاه إلى معان وأكرمه بالرغم من حصول حادثة مؤسفة بين سلطان ووالده عودة الذي كان وسلطان من قادة الثورة العربية(15).

تَمكَّن وزير الداخلية السورية من إثارة الدمشقيِّين، المستوطِنين في عمَّان، ضد سلطان، فتظاهروا وطالبوا بتسليمه للحكومة السورية. وكادت الحكومة الأردنية تفعل ذلك لولا معارضة النائب الأردني وصفي ميرزا، والملكة زين والدة الملك حسين بن طلال، الذي كان آنذاك خارج البلاد. لقد كانت الملكة تُدرك أهميّة سلطان ودوره النِّضالي في الثورة العربية والثورة السورية الكبرى، وتَعلم منزلته السامية عند الهاشميِّين. ولم يَطُل الأمر سوى أيام حتى استقال الشيشكلي ليل 25- 26 شباط 1954 تحت ضغط النِّقمة الشعبية وتمرُّد قوّات الجيش ضده، فعاد سلطان بعد ذلك إلى سورية، وللمرة الثالثة يعود بطلًا قوميًّا ووطنيًّا.

التَّوطُّن في الأردن

كان عدد سكّان الأردن سنة 1922، 225380 نسمة، موزَّعين على الشكل التالي: 122430 نسمة (حضر) و102950 نسمة (بدو)، وعدد سكّان العاصمة عمَّان فكان فقط 6400 نسمة(16). لكن عدد السكان زاد كثيرًا بعد تأسيس كيانه السياسي جرّاء النمو الطبيعي، ولتحوُّله إلى منطقة جذب لأبناء المشرق العربي، إذ قصده عشرات الآلاف للعمل والارتزاق في مرحلة نموّه ونهضته وإعماره، ومن هؤلاء الموحِّدون (الدُّروز) الذين كانوا قلائل في البداية، لكنهم ازدادوا حتى بلغ عددهم مؤخّرًا بحدود 14000 نسمة يقيمون في العديد من المدن والقرى، وأبرزُها عمّان والأزرق والزرقاء والرصيفة وأمّ القطين، أي إنَّهم مقيمون في المنطقة الشمالية الممتدّة من الأزرق وأمّ القطين شمالًا حتى عمّان جنوبًا.

قَدَّرَت دراسة صادرة في سنة 2004 عدد الموحِّدين في الأردن بـ12750 نسمة موزَّعين على الشكل التالي: الأزرق (5200) عمّان (5000) الزرقاء (1100) أم القطين (450) الرّصيفة (400) العقبة (100) المفرق (100)(17).

كان المُتوطِّنون الدُّروز الأوائل من اللاجئين إلى الأردن، مبعدين من لبنان وسورية، وقد توطَّنوه على دفعتَين، الأولى وهي القليلة عند تأسيس كيانه السياسي، والثانية وهي الأكبر وأكثريّتها الساحقة من جبل الدُّروز، بعد تراجع الثورة السورية الكبرى كما وردت الإشارة إلى ذلك. وتلا هاتَين الدفعتَين نزوحٌ من جبل الدروز بعد سنة 1929 بسبب تفاقُم الأزمة الاقتصادية فيه كنتيجة طبيعية لخسائره البشرية والمادية في الثورة، ولكساد مواسمه بتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية. وإضافة إلى هذه الدفعات قَدِم إلى الأردن مئات الأشخاص للعمل في البناء والمقاولات والتجارة، وغير ذلك من الأعمال الحرَّة، علاوة على دخول الجنديّة وقوى الأمن والوظائف المدنيّة المُتاحة للمتعلِّمين وأصحاب الخبرة والكفاءة.

شكّل الأزرق عبْر عقود أكبرَ تجمُّع لبَني معروف (الدُّروز)، وكانت النُّزوحات تتمُّ منه أو عبْرَه إلى سائر الأماكن الأردنية، وإلى الأماكن الفلسطينية، لأنّه قريب جدًّا من جبل الدُّروز، وكان من أراضيه قبل ضمِّه إلى الأردن، وقد توفّرت وسائل العيش فيه أوّلًا من استخراج المِلْح وتصديره، ثم من زراعة الحبوب والأشجار المثمرة، ولتحوُّله إلى عقدة مواصلات بين الأردن والعراق والسعودية وسورية. إلّا أنّ عمَّان صارت تضمُّ حاليًّا تجمُّعًا معروفيًّا (درزيًّا) يوازي تجمُّع الأزرق نظرًا لكَونها العاصمة، ولكثرة مجالات العمل فيها.

اكتسب بنو معروف (الدُّروز) الجنسية الأردنية مع احتفاظ بعضهم بالجنسية الأساسية. وحملوا الهُويّة الأردنية وعليها فقط الهُويّة الدينية الإسلامية بوضع كلمة “مسلم” دون ذكر المذهب، بحيث لا يمكن تمييزهم عن سائر المسلمين في الأردن. وتسلَّموا الوظائف والمناصب المختلفة في إدارات الدولة وسلطاتها والمجالس المحلّية على أساس أنهم مواطنون أردنيُّون لا على أساس مذهبيّ. وصار أحدهم الأستاذ فيصل الأعور (من مواليد الأزرق) نائبًا في مجلس الأمّة حاليًّا، كما تَسلَّم الأستاذ أيمن الصفدي (من مواليد الزرقاء) منصب وزير دولة ونائب رئيس الوزراء في السابق، وهو حاليًّا وزير الخارجية وشؤون المغتربين. وهناك موظَّفان إداريّان كبيران، هما سامر سويد (من مواليد الأزرق) مدير قضاء، وسلطان حسّان من مواليد الزرقاء (مدير قضاء).

قدَّرَت الحكومات الأردنية والسلطات المحلِّيّة دور نُخب بني معروف في تأسيس الكيان الأردني وتطوُّره، وذلك بتسمية المباني والشوارع بأسماء بعض أعلامهم العاملين لمصلحة الأردن، كمدرسة رشيد طليع في عمّان، وشارع حسن حسيب ذبيان في الرّصيفة.

تمسَّك بنو معروف بمعتقدهم وإيمانهم بمسلك التوحيد الذي هو أحد المذاهب الإسلامية، وتمَشَّوْا في شؤون أحوالهم الشخصية على أعرافهم وتقاليدهم المتوارَثة على أن تتمَّ المعاملات الرسمية الأردنية بشأنها في المحاكم الشرعية. كما تَمشَّوا في حياتهم المُجتمعيّة على عاداتهم التي حملوها من مواطنهم الأصليّة، والتي يشبه معظمها عادات موطنهم الجديد. واستمرُّوا في التواصل مع الجذور ومع قراهم وعائلاتهم في سورية ولبنان، حتى إنّ بعضهم عادوا إلى هذَين البلدَين بعد تَوطُّن الأردن لعقود.

تأسيس الجمعيّات والنَّوادي

توفَّر لبني معروف، كما لغيرهم من الأردنيِّين، ظروف العمل في القطاع الخاصّ، والتوظُّف في الإدارات الرسميّة، فحقَّقوا طموحاتهم، وحسَّنُوا مستواهم، وخدموا الوطن الذي يتفيَّؤُون ظلاله. وتَوفَّرت لهم كذلك حرِّيّة تأسيس هيئات تُعنى بشؤونهم وتخدم مصالحهم وتتكامل تقديماتها مع ما تُقدِّمه الدولة. وقد أسَّسوا جمعيّات خيرية ونوادي ثقافية ورياضيّة، من أسمائها ما يدلُّ على عروبتهم، ومنها ما يدلُّ على المكان المأهول بهم، ومنها ما يحمل اسمهم: بنو معروف. وهذا هو موجز عنها.
• الجمعية الخيريّة. تأسَّست في عمَّان في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، واستمرّت في عملها حتى سنة 1962.
• الجمعية الخيرية العربية. تأسَّست سنة 1968، وشمل نشاطها أبناء معروف في مدن عمَّان والزرقاء والرّصيفة.
• جمعية الحكمة الخيرية. تأسَّست سنة 1972.
• جمعية الأزرق التعاونية الزراعية. تأسَّست سنة 1951، وعُنيت بصناعة الملح وتصدير الفائض منه إلى العراق.
• جمعية سيِّدات الأزرق التعاونية. تأسَّست سنة 1992. ومن أبرز نشاطاتها تشجيع أعمال الخياطة والأشغال اليدويّة.
• نادي الأزرق. تأسَّس سنة 1971. نشاطاته رياضية وثقافية واجتماعية وفنِّيّة.
• منتدى الأزرق الثقافي. تَأسَّس سنة 1992 باسم “فرقة الأزرق للفنون”.
• تَجمُّع أبناء بني معروف. تشكَّلت لجنته التنفيذيّة من 17 عضوًا يمثِّلون المدن المأهولة بالموحِّدين (الدُّروز) أو ببني معروف: 5 (عمّان) 5 (الأزرق) 4 (الزرقاء) 2 (الرّصيفة) 1 (أمّ القطين). وقد وجَّه التجمُّع كتابًا إلى وليِّ العهد الأمير حسن بن عبد الله، أظهر فيه أن بني معروف في الأردن ينالون حقوقهم كأفراد، إلّا أنهم كمجموعة أقل التجمعات الأردنية حظًّا وأكثرهم حرمانًا. وهذا ما أدَّى إلى زيارة الأمير لبني معروف في الأزرق، وإلى إظهار تقديره لهم وتَفهُّمه لمطالبهم(18). فكان ما قام به تَجمُّع أبناء بني معروف إحدى المحاولات التي ترمي إلى إنصاف بني معروف كمجموعة وإنصاف مُثقَّفِيهم والكُفوئِين بتَسلُّم مناصب هم جديرون بها.


المراجع

  1.  انظر عن المناصب التي تَسلَّمها أعيان الدروز، يوسف الحكيم: سورية والعهد الفيصلي، ص92- 93.
  2. للمزيد من المعلومات عن رشيد طليع، انظر الكتيِّب الذي ألَّفَه أمين طليع بعنوان: “الشهيد رشيد طليع”. ومنذر جابر: سجّل أنا رشيد طليع: سيرة ومصير، ص39- 130.
  3. انظر كتابنا: دروز سورية ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي، ص156- 157.
  4. محمود عبيدات: أحمد مريود، ص265، والهامش رقم 7.
  5. خير الدين الزركلي: عامان في عمّان، ص 108 – 112.
  6. خيرية قاسمية: الرعيل العربي الأوّل، ص35 وهامشها الرقم 12.
  7. انظر عن المجموعة وأعمالها، محمود عبيدات: أحمد مريود، ص266- 267.
  8. حقبة من تاريخ الأردن، مصدر مذكور سابقًا، ص177- 179.
  9. مُنيب الماضي وسليمان موسى: تاريخ الأردن في القرن العشرين، ص242- 243.
  10. خيرية قاسمية: الرعيل العربي الأول، ص180- 181.
  11. انظر عن هذه الثورات فصولًا عديدة من كتبنا التالية: جبل العرب- سلطان باشا الأطرش. مسيرة قائد في تاريخ أمّة- دروز سورية ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي- سلطان باشا الأطرش والثورة السوية الكبرى.
  12. مذكِّرات الأمير عادل أرسلان، الجزء الثالث، ص1367.
  13. مذكِّرات صياح الأطرش عن يوم 25 آب 1928.
  14. مقابلة شخصية مع زيد الأطرش في 8 أيلول 1984.
  15. انظر عن الحادثة كتابنا: سلطان باشا الأطرش والثورة السورية الكبرى، ص86- 87.
  16. للمزيد من المعلومات عن تَوزُّع السكّان على المدن والقرى، وعلى مضارب البدو، انظر سليمان موسى: دراسات في تاريخ الأردن الحديث، ص350-362.
  17. انظر مقالة عاهد قنطار في كتاب: تعريف بالجماعة الدرزية في الأردن، ص132 وهو كتاب نشرته مؤسسة التراث الدرزي بعنوان: الدروز. الواقع والتصوّرات.
  18. للمزيد من المعلومات عن توطُّن الدُّروز في الأردن وجمعيّاتهم، انظر تيسير أبو حمدان: بنو معروف في واحة بني هاشم، ص262- 271، وص389-415 .

عـــبـد اللَّه العلايلي والفكرُ اللُّغَوي العربيّ الحديث

العلاّمة (المرحوم) الشيخ عبد الله العلايلي

هو عبدالله عثمان العلايلي (1914-1996)*، أحد أبرز لغويي وفقهاء وأدباء العالم العربي في القرن العشرين. أطلقت على العلايلي طوال سني حياته ألقاب علمية عدّة (العلاّمة، الموسوعة، المعجم،…) لسعة معارفه ودقة أحكامه وغزارة إنتاجه في اللغة والفقه والتفسير والشعر والأدب والبحث العلمي، وقد صرف جزءاً من حياته أستاذا محاضراً في الجامعة اللبنانية، مشرفاً على الأطاريح العلمية في اللغة والفقه والأدب، واستمر منزله المتواضع، وإلى وفاته، محجة للزملاء والطلاب والمريدين من أقطار العالم العربي كافة. تتلمذ العلايلي على أيدي علماء وأساتذة ونحويين كبار في الأزهر الشريف، وتركوا جميعاً تأثيراً علمياً واضحاً في شخصيته البحثية، تماماً كما ترك هو تأثيراً بارزاً في معاصريه ومن تلاهم إلى يومنا هذا. برزت موسوعيته بل عبقريته في وقت مبكر، حين أصدر كتابه التأسيسي «مقدمة لدرس لغة العرب»، ولمّا يزل في الرابعة والعشرين من العمر.

كان شغله الشاغل في النحو، كما بدا، إحياء اللغة العربية وإخراجها من التقليد إلى رحاب العصر، من دون أن تفقد جذورها وركائزها. وكان شغله الشاغل في التراث، الإضاءة على على الشخصيات الكبرى في تاريخ الإسلام والعربية، فكانت ثلاثيته عن «الحسين»، وكان عمله «المعري ذلك المجهول»، وغيرهما. وفي عمله القومي، كتب «دستور العرب القومي»، على أمل أن يكون القاعدة السياسية التي يلتقي حولها القادة والمفكرون العرب لتأسيس إتحاد عربي حديث جامع. وفي المسألة اللبنانية، كان مصلحاً اجتماعياً فاشترك مع المرحوم كمال جنبلاط، ومفكرين وقادة نقابيين لبنانيين آخرين في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي وإعلان برنامجه السياسي صبيحة الأول من آيار 1949، وكان خطيباً مفوهاً كما باحثاً مدققاً في غير مناسبة وندوة منذ ذلك الحين.
ترك العلايلي عشرات المؤلفات العلمية الدقيقة والتي تحولت مراجع موسوعية للباحثين والمريدين، من بينها «الحسين»، في ثلاثة أجزاء، «أين الخطأ»، في سبعة أجزاء، و»المعري ذلك المجهول». اصطدم العلايلي، كما المصلحون دائماً، بجدران عصيّة عل التغيير والتطوّر، ما دفعه أواخر أيامه إلى ما يشبه العزلة، يصرف وقته كله باحثاً منقّباً مفسّراً ومصححاً ما لحق العربية من تقصير أو دخيل. وكان ينجز ويصدر في أثناء ذلك أجزاء من «المعجم الكبير» الذي غربل ما كانت قد وقعت فيه معاجم سابقة.

ترك العلايلي ثروة فكرية تجاوزت الثلاثين عملاً أكاديمياً أو أدبياً في معظم أبواب اللغة والثقافة والفقه والنظرية السياسية، ومئات من البحوث والمقدمات والمفالات والمقابلات. شغل العلايلي غير مركز علمي في الجامعة اللبنانية كما في المنتديات الأدبية والمجامع اللغوية العربية، ونال عدداً كبيراً من الأوسمة والجوائز تقديراً لعطائه العلمي المستدام، من بينها:

  • وسام الأرز الوطني من رتبة فارس (1954)
  • جائزة رئيس الجمهورية اللواء فؤاد شهاب (1962)
  • جائزة مهرجان المربد للآداب، بغداد، (1988)
  • وشاح الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر، (1994)
  • درع النادي الثقافي العربي، (1994)
  • درع منتدى الفكر التقدمي، (1995)
  • درع جمعية أرباب القلم، (1996)
  • درع حلقة الحوار الثقافي، (1996).

ستبقى سيرة المرحوم العلاّمة العلايلي بوصلة قومية وتقدمية وإصلاحية لا ينقطع إشعاعها، كما ستبقى آثاره العلمية والأدبية معيناً ثقافياً ثرّا، وموضع اهتمام ودراسة لا ينقطعان من البحّاثة في أبواب اللغة والأدب والثقافة بعامة.

*راجع عدد مجلة «الحداثة» الخاص بعنوان «عصر عبدلله العلايلي»، ربيع ١٩٩٧


من شأن هذه الدراسة أن تُبرز المكانة الحقيقيّة لدور عبد الله العلايلي الكبير في ردّ الاعتبار إلى العربيّة، وجعلها لغة العلم الحديث. وليس من المغالاة القول إنّ الانفتاح على تجدّد اللّغة العربيّة ما كان ليتمّ لولا فضل العلايلي في كتابه «مُقَدَّمة لدرس لغة العرب» الذي أصدره في العام 1938 والذي شرح فيه «تصوّره الحديث للغّة العربيّة، ورأى أنّه من واجبنا أن نقف في جنب اللّغة. وأن نخدم اللّغة، ونتّسع بها، لا أن نحدّدها في مجالات تحرّكها، وبذلك تنمو اللّغة وتتطوّر وتتصّل بالحياة، وتصبح لغة التّخاطب بين الناس»(١).

وواضحٌ من قوله أنّ تطوّر اللّغة سبيلٌ إلى النهضة، وأنّ التطوّر الحضاريّ يرتبط بالتطوّر اللّغويّ، وأنّه يمكننا تثبيت قدرة العربيّة على التّعبير عن فكر العصر. ولقد تنبّه العلايلي إلى ذلك حين قال: «إنّ اللّغة هي أحد وجهي الفكر، فلا فكر ولا تفكير خارج اللّغة وبمعزل عنها، وفرض إنسان بدون لغة معناه فرض إنسان بدون فكر»(٢). ويعني ذلك أنّ لغة العلايلي تقوم على مقوّم فكريّ وإنسانيّ، فكونك تفكّر أنت لُغويّ.

رأى العلايلي أنّ العربيّة تتّسم بمرونةٍ طبيعيّةٍ، ولولا ما أفاض القرآن عليها من معنويّة قويّة لوقفت فجأة ولتخلّفت دفعةً واحدة بدون هذا التريّث البطيء»(٣)، ويعني ذلك أنّ طبيعة العربيّة فوق أن تُقَيَّد. ولم يقف العلايلي عند هذا الحدّ، بل حاول أن يتعرّف الظروف الّتي وضعت اللّغة العربيّة في موضع قلق غير مسبوق، فرأى أنّ اللُّغويين العرب وضعوا تقديرات دعوها علم اللّغة، وهذه التقديرات لا تتجاوز كونها فكرة شخصيّة تعبّر عن مَلحظ مقدّريها أكثر ممّا تعبّر عن ملحظ العرب أنفسهم. وإذا ما كانت وِقفة العلايلي إلى جانب اللّغة المعاصرة، فإنّنا نجده يُلقي تبعة رمي اللّغة العربيّة بالقصور على كاهل اللُّغَويّين وحدهم الذين «وقفوا موقفاً سلبيّاً لا يحيد عمّا تواضعه سالفو اللُّغويّين»(٤).

ولئن دلّ هذا الكلام على شيء فإنّما يدلّ على حقيقة بقاء بعض اللُّغويّين عند حدود مكتشفاتهم اللّغويّة التي نظروا إليها نِظرة جامدة لا تتغيّر، والتي لم يقبلها العلايلي لأنّ تشدّد اللّغويّين، والكلام للعلايلي، يقود إلى نتائج كأسوأ ما تكون نتائج، أهمّها:
1. قصور العربيّة عن تناول مقتضيات الفكر.
٢. جمود اللّفظ في معناه فلا تجده على مرونة(٥).

وقطع العلايلي شأوًا بعيدًا في الخروج على ذلك حين وعى حقيقة اللّغة وعيًا يتّسم بالفرادة، ويقدّم اللّغة العربيّة لغةً جديدةً ونَضِرة ومُتحوّلة ومتطوّرة، توازي حركة الإنسان في الزّمن، ويعيد خلق لغة تنتمي إلى فكر الإنسان وشعوره وحقيقته، فتتفتّح كلمات جديدة على الحياة كما يقول السيّاب، ذلك لأنّنا أمام مبدع كبير، يمتلك ثقافة عصره، ويعني كلّ ذلك أنّ اللغة – والكلام للعلايلي – يجب أن تتناول من شؤون الحياة ما نحسّه، وما نشعر به، فلا تقصّر عن مقتضيات الفكر ولا يعرف لفظها الجمود، ففي الّلغة العربيّة من عناصر الحياة ما يجعلها لغة العلم والفنّ، وأوسع لغات العالم قاطبة. أفلا تراه يؤكّد ما ذهب إليه أحمد فارس الشدياق حين قال: «اللّغة نظامٌ حيّ ينمو ويتطوّر تماماً مثل الناطقين بها».

فهم العلايلي أسرار اللّغة العربيّة حقّ الفهم، وكان إيمانه الواضح بالتطوّر والتجديد انعكاسًا لمفهوم اللّغة عنده، ومفهوم اللّغة عنده قائم على لغة تعبّر عن ثقافة الإنسان العربيّ وهمومه واهتماماته، ومؤسّسة على فهم واقع البشريّة الحالي وما يواجهها من مشكلات وتحدّيات، وتجديدها بناءً على مُعطيات العصر الحديث «فالمعرفة البشريّة قائمة داخل اللّغة ولا يمكن أن تقع خارجها»(٦).

نظر العلايلي إلى شكوى الناشئة من صعوبة تعلُّم العربيّة، وفسّر هذه الصعوبة في «وجوب تشكيل الكلمة لفهم المعنى، لأنّ المعنى لا يُفهم إلّا بالشكل (الضبط) فالأجنبيّ يقرأ ليفهم، بينما العربيّ يفهم ليقرأ»(٧). وخطَّأ – في ما يتعلّق بصعوبة العربيّة – من يظنُّ أنّ صعوبتها تكمن في ذاتها، فحين قام بتحليل تربويّ وسيكولوجيّ لمعرفة أسباب الشكوى، تبيّن له أنّ صعوبة تعلّم العربيّة لا تكمن في اللّغة ذاتها، إنّما تعُود إلى خطأ الأسلوب التعليميّ من جهة، وإلى خلل المناهج الدراسيّة في مختلف المراحل التعليميّة من جهة ثانية. «فما تعلّمناه، ولمّا نزل نتعلّمه، بات في حاجة كبيرة إلى معاودة درسه على وجهٍ يكون أوفى نصيبًا في معنى الدقّة»(٨). ويعني ذلك أنّ هنالك حاجة ملحّة ومستمرّة لإعادة النظر في مناهج اللّغة العربيّة، وتحديث طُرق تعليمها، وتطوير إعداد من يتولّى تعليمها.
وإذا ما حاول العلايلي أن يعيد للّغة زهوها، فقد انبرى يوضّح ما التبس على الناس من مواقف سلبيّة ترمي العربيّة بالصعوبة، فبيّن أنّ الشكوى الحقيقيّة من العربيّة يجب أن يكون «من يُسْرِها لا من عُسرها، ذلك لأنّ فيها من القابليّات سعَة هائلة جدّاً، لكنّ الناس يتشكّون لأنهم نشؤوا على منطق الشّكوى»(٩).

العلاّمة الشيخ عبد الله العلايلي في إحدي المناسبات الرسمية.

فإذا كانت «كتابة الهمزة وألف اللّين المنقلبة عن ياء أو واو من أوجه صعوبة العربيّة، مثلاً، ففي بعض اللّغات الأجنبيّة ما يضاهي هذه الصعوبة بإملاء كلّ كلمة، كالإنكليزيّة التي تنطوي على اختلافات، وبقايا وزوائد، ومع كلّ ما تجد فيها من هذا، لا تسمع تأفُّفًا يصمّ الآذان»(١٠). وتُفاجأ بعد كلّ هذا بنقّادٍ عاشوا في عهد شكسبير كان انتقادهم لشكسبير أنّه لا يعرف قواعد النّحو. فــــ «المُخَبّص» في قواعد النّحو في الانكليزيّة بات القمّة التي تُحتذى»(١١).

وإذا دلّ هذا الكلام على إحساس العلايلي الأكيد بمقوّمات اللّغة العربيّة التي تميّزها عن سائر اللّغات، فإنّه أرجع أسباب الشّكوى إلى عوامل عدّة بيّن أهمّها: الاتصال العربيّ بحياتنا الذي أضعَف اهتمام الإنسان العربيّ بلغته، ودفعه إلى تغليب اللّغة الأجنبيّة على العربيّة، وسيطرة الإنتاج الفكريّ الغربيّ من كلّ نواحيه على الحياة الثقافيّة العربيّة، فليس لنا أفكار يرغب الغرب في أن يتعرّف إليها، وهذه مسألة شديدة الدقّة والخطورة، بينما نحن في حاجة إلى أنّ نتعرّف بكلّ أفكار الغرب، وسبيلنا إلى التعرّف إليها هو اللغة الأجنبيّة، لذلك بدَت العربيّة هزيلة في نواحٍ عدّة فهل يمكننا أن نعبّر بمعزل عن التفكير؟ لا يمكننا ذلك، لأنّ التعبير غير مستقل عن التفكير. ولا يقلّل هذا من شأن العبقريّات العربيّة وأفكارها الثريّة التي لم يسعفها الحظّ بدرس اللّغات»(١٢).

ومهما يكن من أمر، لا بدّ من أن نصوغ سؤالًا جوهريًّا يتعلّق بالحلول التي وصلت إليها رؤية لغويّ كبير، يمثّل ثقافة عصره، لالتقاط المأزق الذي يعتري لغتنا العربيّة، وكيفية إخراجها من هذا المأزق الخانق؟ وعى العلايلي أزمة اللّغة العربيّة، ورأى أنّ أولى خطوات الإصلاح الّتي تعيد إلى اللّغة العربيّة زهوها ونضارتها، تتمثّل في «إنشاء مؤسّسات خاصّة في شتّى فروع الاختصاص، تهتمّ بترجمة كلّ كتاب وكلّ فكرة، ونشرها لينشط الفكر العربيّ للثقافة ويتفهّمها ويناقشها ويساهم في إعدادها، لأنّ العمل الفرديّ الذي يقوم به بعض العلماء والأدباء لا يكفي لإعداد العقل العربيّ على الوجه الأكمل، وللنّهوض بالمستوى الثقافيّ العامّ».(١٣)

ولعلّ ما يلفت الانتباه هو دعوة العلايلي إلى استخدام العربيّة مبسّطة لتغدو العاميّة نفسها فصحى، فالفرق بين العاميّة والفصحى، والكلام للعلايلي، بعض من مفردات أنيقة والإعراب…. أحذف الإعراب، فلا يعود هناك فصحى وعاميّة، الإعراب هو أساس كلّ شيء، والحلّ تهذيب العامّي القابل للتفصّح وإجراءه على موازين الفصحى أو بإفساح الفصحى لِتَبَنّي مفردات العاميّة التي ترجع إلى أصل فصيح وُلِد مُحرّفاً، أو العمل على تفصيح العاميّة المهذّبة، وهي تحتاج لتستقيم وتنتشر إلى اعتمادها في مراحل التعليم المختلفة، وبذلك تقترب من اللّغة الرفيعة، وتتصّل بها صلة متينة ويعني هذا أنّ اللّغة العاميّة المهذّبة أي القابلة للتفصّح هي لغة الحياة».(١٤)
ولم يكتفِ العلايلي بهذا القدر، بل رأى أنّ البيان – الذي كان أساساً قضيّة من القضايا – لم يعد اليوم، قضيّة فَعَبِّر كيفما تشاء، يقول العلايلي، ما دمت تعبِّر عن شيء له محتوى وقيمة، ويعني ذلك أنّ العلايلي يبحث عن القيمة الفكريّة بغضّ النّظر عن النصّ: هل هو أنيق أو غير أنيق(١٥). وللحَدِّ من التباين اللغويّ ذهب العلايلي إلى أمر حذف السّماع من اللّغة(١٦). وهذا الرأي الذي يُمثّل إشارة واضحة باتجاه القياس «Analogist» يعني أنّ اللّغة مُنتظمة ومُطَّرِدة ويجب إخضاع كلّ ما فيها للقياس والأوزان فلا يُقال بالشذوذ ما وُجد له وجه قياس، ولكنّه يبدو مناقضًا لرأي سيبويه في المسألة التي تمثّل إشارة واضحة باتّجاه السّماع «Anamolies» أو «الشذوذ» الذي يعني أنّ اللّغة فِطرة إنسانيّة(17). فسيبويه يرى أنّه لا مجال في وجود السماع أمام القياس، والقياس لا يُستعان به في صياغة المصادر إلّا في غياب مصدر للفعل في ما سُمع عن العرب، فإذا عُرِف المصدر المسموع لا يجوز القياس، لأنّنا مقيّدون بالمصدر الّذي نطقت به العرب الخُلَّص(18). ونتبيّن من هذا الكلام أنّه إذا ورد السّماع بطل القياس.

ومهما يكن من أمر فإنّ العلايلي يقدّم خصوصيّة رؤيته، فاللّغة العربيّة بأبعادها وأعماقها وخصائصها، وبوصفها أداة للتعبير والتفكير، ولِنَقل العلم والفكر الحديث، تحتاج إلى التحديد الدقيق لتحافظ على قيمتها ومكانتها بين لغات العالم الرئيسيّة. وإذا دعا العلايلي إلى توحيد معاني المشتقّات جميعها للمادّة، فهذا قانون عامّ تخضع له اللّغات كافتها(19). وإليكم أمثلة من العربيّة والانكليزيّة والفرنسيّة. ففي العربيّة قالوا: دفَقَ الماء بمعنى صبّ أو انصبّ، ثم قالوا: ناقة دفاق أي سريعة، ثم اشتقُّوا من دَفَقَ بمعنى أسرع، فقالوا: مشى الدّفقى. وفي الإنكليزيّة والفرنسيّة نوعٌ من هذا التعاون والتأثير. ففي الإنكليزية قالوا: (Plain) أي بسيط الذي قالوا منه (Plainness) أي بساطة و (Plainly) أي ببساطة.

وفي الفرنسيّة قالوا (Automobile) بمعنى السيّارة، ثمّ قالوا (Autocannon) بمعنى المدفع على السيّارة، فانظروا كيف تأثّرت (Auto بمعنى الفرع (Automobile) واكتسبت معناه بعض الشيء، ولو أردنا أن نفهم معنى (Autocannon) على نحو لغويّ لكان معناه المدفع المنطلق وحده أو بنفسه وكلّ ذلك ليس من معنى الأصل، وإنما معناه بالتأصيل عن الفرع(20).

وإذ زخر التّراث العربيّ منذ القدم بمعاجم عدّة كمُعجم «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ) و «القاموس المحيط» للفيروز أبادي (817 هـ)، و «المعجم الوسيط» الّذي صدر عن مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة عام 1960وغيرها من المعاجم القيّمة التي رأى فيها العلايلي تقليدًا (Imitation) ينتفي مع تلبية حاجات عصرنا الحاليّ، فـانشغل طويلًا في صناعة «المعجم الكبير» (1954) وهو موسوعة لُغويّة يفرض نفسه في حياتنا الثقافيّة المعاصرة والحديثة (Modernism)، ويجمع فيه ألفاظ اللّغة ومعانيها وتطوّراتها الاستعماليّة المتعلّقة بشؤون الحياة المعاصرة، ويهتمّ بدراسة الألفاظ والمواد اللّغويّة من حيث بنيتها ودلالاتها وتوليدها اشتقاقًا ونحتًا وتركيبًا. وقد شغل هذا المعجم أربعة وعشرين مجلّدًا، وتألّف كلّ مجلّدٍ من ستة أقسام لم يصدر منها سوى أربعة من المجلّد الأوّل. وحين سُئل العلايلي عن سبب عدم نشر المجلّدات المتبقيّة، أجاب: «بدّك مين ينشر». آملًا في نشر معجمه الوسيط الّذي أنجزه عام (1963).

ويبقى أنّنا إذا أردنا أن نخرج بكلّ الإنجازات اللغويّة العربيّة الكبيرة التي قام بها العلايلي وجمعها في كتابه «مقدّمة لدرس لغة العرب»، فإنّ الحديث يطول عن بيانها وشرحها. ولا نجد قبالة هذا إلاّ أن نقول: إنّ العلايلي أعدّ اللّغة العربيّة للوجود، وقدّمها «لغة العلم والفنّ في الشرق كلّه»(21). ونحن إذ «نُعجب لاجتهاداته التي لا تتقيّد ولا تتعبّد، فأيّة كلمة، لا نراها وافية، بما نشعر نحوه من شكر وتقدير»(22).


المراجع

  1. أحمد أبو سعد، العلايلي الفقيه المجدّد واللّغوي الإمام، الشيخ عبد الله العلايلي ، مفكراً ولغويّاً وفقيهاً، (اتحاد الكتّاب اللبنانيين)، بيروت، دار ابن خلدون، الطبعة الأولى، 1984، الصفحة 197.
  2. عبد العلايلي، إشارات النص والإبداع، (حوارات في الفكر والأدب والفنّ)، حوار مع سليمان بختي، بيروت، دار نلسن، الطبعة الأولى، 1995، الصفحة 226.
  3. عبدالله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، بيروت، دار الجديد، الصفحة 85.
  4. المصدر نفسه، الصفحة 19.
  5. المصدر نفسه، الصفحة 72.
  6. علي زيتون، الشعرية بين الرمز والعرفان، بيروت، دار المعارف الحكمية، الطبعة الأولى، 2017، الصفحة 35.
  7. عبد الله العلايلي، إشارات النصّ والإبداع، مصدر سابق، الصفحة 229.
  8. عفيف دمشقيّة، الشيخ عبد الله العلايلي لغويًّا، الشيخ عبد الله العلايلي، مفكّرًا ولغويًّا وفقيهًا، (اتحاد الكتّاب اللبنانيين)، بيروت، دار ابن خلدون، الطبعة الأولى، 1984، الصفحة 50.
  9. عبد الله العلايلي، إشارات النصّ والإبداع، مصدر سابق، الصفحة 227.
  10. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 50.
  11. عبد الله العلايلي، اشارات النصّ والإبداع، مصدر سابق، الصفحة 227.
  12. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 41.
  13. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 108.
  14. عبد الله العلايلي، اشارات النص والإبداع، مصدر سابق، الصفحة 227.
  15. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 11.
  16. عبد الله العلايلي، إشارات النص والابداع، مصدر سابق، الصفحة 229.
  17. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 20.
  18. عبد الرحمن أيوب، اللّغة والتطوّر، القاهرة – مصر، مطبعة الكيلاني، الطبعة الأولى، الصفحتان 10 و 11.
  19. سيبويه، الكتاب، تحقيق د. اميل بديع يعقوب، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1999، الصفحة 16.
  20. عبد الله العلايلي، مقدّمة لدرس لغة العرب، مصدر سابق، الصفحة 20.
  21. المصدر نفسه، الصفحة 9.
  22. اسماعيل مظهر، مقدّمة لدرس العرب، مصدر سابق، الصفحة 5.

الاستشراق

تغيّرت النِّظرة إلى الإستشراق ومقاربته كثيراً منذ أن كتب المفكّر المصري أنور عبد الملك عن أزمته(١) في العام 1963 (الأخلاقيّة في المقام الأوّل بسبب الصّلة بالاستعمار)، ثم أتى مؤتمر المستشرقين التاسع والعشرين المنعقد في باريس في العام 1973 ليُعلن عن «وفاته» وحلول مباحث العلوم الإنسانية المُنشغلة بالشّرق مكانه. ومن ثمّ نشر اِدوار سعيد عمله الكبير «الاستشراق» (1978)، مثابة مضبطة اتّهام، ليُظهِر كيفيّة إنشاء الغرب لِشَرقٍ مُتَخيَّل، ساعد في «تحديد صورة أوروبا (والغرب) باعتباره الصّورة المضادّة». ما نرومه في هذه الصفحات القليلة إظهار بعض الشكوك على مؤسسة الاستشراق سيِّئة الصيّت.

[الاستشراق هو] «اشتغال نفر من العلماء الغربييِّن بأحوال الشرق»

د. عمر فرّوخ

بحسب ما جرى الاصطلاح عليه يُعرّف الاستشراق (Orientalisme) بأنّه دراسة كافّة البنى الثّقافيّة للشّرق من وجهة نظر غربيّة. ويكون المستشرق (Orientaliste) ذلك العالم المُتضلّع في معرفة الشرق وثقافته وآدابه، أمّا أدوار سعيد (1935- 2003)، صاحب الباع الطويل في تفنيد الاستشراق، فيرى أنّ المستشرق «كلَّ من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات خاصة بالشرق»(٢) ويُجمل أحد الباحثين العرب دلالات هذا المفهوم في ثلاثة:

أوّلاً: الدلالة الأكاديمية، أي كون الاستشراق بحثاً جامعيّاً هدفه معرفة الآخرين.

ثانياً: دلالة كونه أسلوباً فكريّاً يقوم على تمايُزَين أساسَين، وجودي ومعرفي، بين غرب يدّعي أنّه يعرف نفسه تماماً (بنفسه) وشرق قابل للمعرفة وعاجز ذاتيّاً عن معرفة نفسه.

وثالثاً: في كون الاستشراق متداخلاً مع بنى الدولة الحديثة في الغرب ومتشابكاً مع توجّهات المجتمع المدني فيه، ما حوّله إلى مؤسسة مُشتركة للتعامل مع الشرق(٣).

الاشتغال بأحوال الشّرق
جوستاف فلوبير، كاتب فرنسي (١٨٢١ – ١٨٨٠).

ويتحدّد الاستشراق في رأي الباحث اللبناني د. عمر فرّوخ (1906 – 1987) في كونه «اشتغال نفر من العلماء الغربييِّن بأحوال الشرق»، ويربط نشوءه بعوامل سياسية أمْلَتها الحروب الصليبيّة، ومن ثم بعوامل دينية بغرض التبشير، وعنده أنّ المُعجبين بأدب العرب المخلصين هم قلة(٤)، وهو يميّز بين طبقتين من المستشرقين: طبقة المستشرقين في الدّول الكبيرة (انجلترا، فرنسا، هولندا)، التي لها مُستعمرات، وبقيّة الدول التي لا تملك مستعمرات. وكان الغالب على المستشرقين في الدول الاستعمارية قلّة الأمانة في البحوث المشرقيّة (والدينية والثقافية منها خاصّة)(٥)، وفي تمييزه يحاول صاحب «العلوم عند العرب» إنصاف المُستشرقين (عموماً) ليذهب إلى القول إنّ الاستشراق ليس عدوّاً للإسلام واللّغة العربية، ويُقدّر أنّه يجب النظر في أعمالهم لا في أسمائهم ودينهم، فبينهم كان هناك يهود ونصارى من الكاثوليك والبروتستانت، فيتمُّ النظر إلى المحسنيّن منهم كما إلى المسيئين(٦).

وكان سبق للعلّامة الأمير شكيب أرسلان (1869 – 1946)، كاتب «لماذا تأخّر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ (1930) أن انتقد المستشرقين فقال»… فليس مرغليوث(٧) (David Samuel Margoliouth) ولا مُستشرقَة الأفرنج هم الذين يقدرون أن يعقّبوا على أئمة اللّسان العربي وأنْ يُصلحوا خطأهم، ولا سيّما في المسائل اللغويّة البحتة»(٨)، كما أنَّ أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) هاجم المستشرقين الإنجليز خصوصاً، في كتابه الساق على الساق في معرفة الفارياق (طبع في باريس عام 1852)، متَّهماً إيّاهم بجهل اللغة العربية، وبالترقيع «حين يجهلون معاني الكلام»(٩).

إنتاج الصُّوَر والتَّوهُّمات

بدوره لم يجعل د. خليل أحمد خليل كلّ عمل استشراقي مرادفاً للمركزيّة الأوروبية(١٠)، وهو أخذ على أكثرهم «توهُّمَهم»، فكانت معرفتهم مخالفة للمعرفة التاريخيّة العادية، ما جعل «الاستشراق يغدو مُشكلة ذهنيّة، مشكلة فلسفية ونفسانيّة، فكيف يسمح عارف لنفسه بأن لا يكون عقلانياً – وهو قادر على ذلك – فيلجأ إلى توهّمات عن الآخر، وغايته إنكاره لا معرفته كما هو، فينتج مفاهيم شائعة وابتسارات وأحكاماً منحرفة، بدلاً من إنتاجه وعياً طبيعيّاً لمجتمعات تاريخية وواقعية»(١١) في زعمه. وقد يكون سبب هذه التوهّمات أو التخيّلات نمط من الانسحار بالشرق بداية، بالأندلس وبغداد على صورة ألف ليلة وليلة(١٢) وفاقاً للمفكّر العراقي الراحل عبد الأمير الأعسم (1940 – 2019).

ومن ثم أتت الغلَبة بعد نهضة أوروبا، وهذه كانت «المُمَهِّد الحقيقي للاستعمار في القرن التاسع عشر وبعض القرن العشرين»(١٣)، وما صاغته من صور جديدة عن هذا الشرق. وهنا استقرّ في وعينا أنّ الاستشراق في تاريخنا الحديث كان قريناً للاستعمار ومرآةً للتبشير. وآية ذك أنّ الكُتّاب الفرنسييِّن في القرن التاسع عشر، على سبيل المثل، لم يجدوا إلّا الشرق أرضاً خصبة لمخيالهم، بعد أن جرى التحضير لذلك عبر ترجمات النصوص الشرقية الدينية والأدبية وكتابة السِّيَر والرحلات، وقد أدّت ألف ليلة وليلة (التي ترجمها غالان Galland عام 1704) دوراً مُعْتَبَراً في تحفيز المُخيّلة الغربية.
وكما قال الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو V. Hugo (1802 – 1885) في مؤلَّفه «الشرقيون Les Orientales» (1829): «في ظلّ حكم لويس الرابع عشر (Louis XIV) كنا هِلِّينييّن (helléniste)، الآن نحن مُسْتَشرقون (orientalistes)». ما ساعدهم كَكُتاب على تخطِّي واقعهم والمباشَرة في كتابة جديدة(١٤)، ومن مصادرهم الثريّة فِكرة النساء في الشرق، وما تستثيره من مواقف وصور غير معهودة في الغرب، ويكفي قول شاتوبريان (1768 – 1848) (Chateaubriand) «سأذهب للبحث عن صور»(١٥)، إذ القراءة والسماع لم تَعُد كافية، بل يجب النّظر وضبط الرؤية.

ولعلّ رحلة الكاتب الفرنسي فلوبير G. Flaubert (1821 – 1880) إلى الشرق، (بدأها في العام 1849 وأنهاها في العام 1851) مُنتدَباً لجمع المعلومات، لا مجرّد رحالة، وانبهار صاحب «مدام بوفاري» (1856) بــ «الأميرة الصغيرة» إنما كانت بوصفه السيّد المسيطر، صاحب الأمر، هي في نظر أدوار سعيد: نموذج للعلاقة بين الشرق والغرب، وهي علاقة القوي المسيطر بالضعيف المغلوب على أمره، وفي زعم كاتب الاستشراق، أنّ فلوبير ليس مسؤولاً عن صورة المرأة الشرقيّة، لكن» هذه المرأة لم تتحدث مطلقاً عن نفسها، ولم تصوّر قط مشاعرها أو تعبر عن وجودها أو تاريخها، بل إنّه هو الذي تحدّث باسمها وصوّرها»(١٦).

وإذا راجعنا اللوحات الفنيّة المصوَّرة من الفنانين الأوروبييِّن في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لرأينا كيف يُرسَم العالم العربي كمكان غرائبي وغامض، من الرمال والصحراء والخِيَم والقصور، ما يعكس تاريخاً مديداً من الفنتازيا الشرقية التي ما تزال تفعل فعلها إلى اليوم في الأذهان، وقد تحكّمت الصّورة النمطيّة للحريم في أنماط تمثيل نساء الشرق الأوسط وأفريقيا في القرن التاسع عشر، وكما عبّرت بدقّة وبعمق، الباحثة الإنجليزية المُهتمة بتفكيك الخطاب الكولونيالي، داليا غبريال D. Gebrial (١٧).
وقد تصدّى الباحث الجزائري مالك علوله (Malek Alloula) (1937 – 2015) لهذه المقولة في كتابه «Colonial Harem»(١٨)، إذ ركّز في نقده لمسألة «البطاقات البريدية لنساء جزائريات» أيام الاستعمار الفرنسي، والتي كانت تُرسَل إلى المركز، إلى الأفراد بداية ثم يُعاد إنتاجها كصوَر تمثّل الجزائر، استناداً إلى الخلفيّات والنِّظرة النّمطيّة المُسبقة عن نساء الشرق.

نَصُّ الغلَبة

ومن المَطاعن على النَّص الاستشراقي ادّعاؤه المَعرفي، في هيئة مشروع ثقافي وجهد بحثي أكاديمي، وهذا في عرف الباحث العراقي، كامل يوسف حسين، «مجرّد أقنعة»(١٩)، وشاهده على ذلك المستشرق الأميركي، برنار لويس B.Lewis. واستناداً إلى طروحات هذا الأخير، يرسم حسين خمس سمات
للنص الاستشراقي في وضعيّة النزاع:

  • مُهاجمة الخصم وعدم التردّد في الكذب والتشكيك(٢٠)،
  • يعمل هذا النّص في عالم مُغلَق «لا يُفضي إلّا إلى ذاته…، ولا يؤشّر إلى عالم رحب يأخذ ويعطي، يؤثّر ويتأثّر»،
  • ولا يُقْدِم النّص على المقارعة العقلية والصراع المنطقي، وإنّما «من طريق سلب وجود هذا الآخر نهائيّاً، وبكلمة نفي هذا الوجود»،
  • يحرص النص الاستشراقي «على فصل المُعْطى الفكري عن سياقه التاريخي، من ناحية، ونسيجه السياسي والاجتماعي من ناحية أُخرى»(٢١)،
  • ادّعاء النّص التنكُّب لمشروع فكري ومعرفي فحسب، إذ يدَّعي صفة الحقيقة ويريد «فرضها على الآخرين»(٢٢).

والحال، كثيرة هي الشكوك على الاستشراق، ولا سيّما منذ تَحوُّله إلى «مؤسّسة» سبقت وواكبت وبرَّرت مرحلة الاستعمار التي شملت كثرة من البلدان في آسيا وأفريقيا والمشرق، ونجحت في إنتاج خطاب غير علمي في الأعمّ (حول الأعراق والبنى والذهنيّات والثقافة)، ولكنّه تَقَنُّع بالجهد الأكاديمي والعمل البحثي الصّرف، وقد عبّر هذا الخطاب عن مواقع الهيمنة والتسلّط التي وصل إليها الغرب، فترجمت القوة معرفة تلبّست لبوس الكونية. والتواطؤ بين الاستشراق والاستعمار تنامى، بحيث كان «من المُحال فصل هذه المصالح من طرف واحد عن السيّاق الإمبريالي العام الذي بدأ مرحلته العالمية الحديثة في العام 1798»(٢٣)، كما يقول سعيد، ولم يجد تناقُضاً في الانشغالين «ففي وسع المرء أن يكون مُستشرقاً إمبرياليّاً وكاتباً عظيماً»(٢٤).


المراجع

  1. أنور عبد الملك، «الاستشراق في أزمة»، نُشر النص أول مرّة في باريس في فصليّة Diogène، في العام 1963، وهي المجلّة الدوليّة للعلوم الإنسانية تصدُر برعاية اليونسكو، ثم نشر البحث باللغة العربية في مجلة الفكر العربي (لبنان)، عام 1983، في العدد 31 ، كانون الثاني – آذار، المُخصص للاستشراق.
  2. أدوار سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة د. محمّد عناني (القاهرة، رؤية للنشر، 2008)، في 553 صفحة. ص 44. وهذه الطبعة الجديدة المترجمة تستند إلى الطبعة الإنجليزية المنقحة والمزيدة في العام 1995. وقد سبق للنص الأصلي الأول الذي حمل عنوان: الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء أن صدر في بيروت في العام 1980، في طبعات عدة، عن مؤسسة الأبحاث العربية، بترجمة كمال أبو ديب. في 368 صفحة.
  3. نقلاً عن محمّد رضا وصفي، «مراجعة الاستشراق في مجلة»، مجلّة آفاق الحضارة الإسلامية، العدد 6. المقالة منشورة على الشبكة .
  4. د. عمر فروخ، «المستشرقون: ما لهم وما عليهم»، مجلة الاستشراق، العدد الأول، (بغداد)، 1987. ص 54.
  5. المصدر نفسه، ص 56.
  6. المصدر نفسه، ص 57.
  7. مستشرق انجليزي (1858 – 1940)، تحوّل من اليهودية إلى الأنجليكانية، ودرس اللغة العربية في جامعة أوكسفورد من عام 189 الى العام 1937.
  8. شكيب أرسلان، من مقدَّمة النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد الغمراوي، القاهرة، 1929. مذكور عند د. ميشال جحا، «موقف العرب من المستعربين»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، ص 36.
  9. المصدر نفسه. ص 36.
  10. د. خليل أحمد خليل، «الاستشراق مُشكلة معرفة أم مشكلة اعتراف بالآخر؟»، مجلة الفكر العربي (لبنان)، صدرت عن مركز الإنماء العربي، العدد 31، العام 1983. ص 55.
  11. المصدر نفسه، ص 58.
  12. د. عبد الأمير الأعسم، «الاستشراق من منظور فلسفي عربي معاصر»، مجلّة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، كانون الثاني، 1987. ص 18.
  13. عبد الأمير الأعسم، «الاستشراق من منظور فلسفي عربي معاصر»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، كانون الثاني، 1987. ص 18.
  14. Colette Julliard ,”Imaginaire et Orientalisme chez les ecrivains français du 19 èm siècle “, Revue Confluences, Hiver 1995 – 1996, P118.
  15. المصدر السابق نفسه، ص 184.
  16. أدوار سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة د. محمّد عناني (القاهرة، رؤية للنشر، 2008)، في 553 صفحة. ص 49.
  17. داليا غابرييل، «سياسات الحب»، والمقال الأصلي هو بعنوان:
    «Decolonising Desire: The Politics of Love» ترجمة عبدالله البياري، 13 شباط/ فبراير 2017. المقال متوافر على الشبكة.
  18. Malek Alloula, Le Harem colonial, images d’un sous-érotisme, essai illustré (Paris, Genève, Slatkine éditeur, 1981 ; Séguier, 2001)
  19. كامل يوسف حسين، ترجمة وإعداد «خصائص النص الاستشراقي في وضعية النزاع: ملاحظات أولية حول سجال برنارد لويس وإدوار سعيد»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الثاني، شباط، 1987. ص 114.
  20. المصدر نفسه، ص 114.
  21. المصدر نفسه، ص 115.
  22. المصدر نفسه، ص 116.
  23. أدوار سعيد، الاستشراق، تذيييل العام 1995، مصدر مذكور، ص 507. ويمكن التوسع في نظرة سعيد في كتابه المهم: الثقافة والإمبريالية..(1993)، وقد ترجمه كمال أبو ديب إلى اللّغة العربية (بيروت، دار الآداب، 1997)، في 425 صفحة. وصدر الكتاب في عدة طبعات (الطبعة الرابعة عام 2014).
  24. أدوار سعيد، السلطة والسياسة والثقافة (حوارات مع أدوار سعيد) (2001)، (بيروت، دار الآداب، 2008)، في 496 صفحة . إعداد وتقديم غاوري فسوا ناثان، وترجمة د. نائلة قلقيلي حجازي. ص 234.

مقالات