الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

مقاومة دروز فلسطين لقانونُ الجنسيَّة الإسرائيلي

ممّا لا شك فيه، أنّ دولة الاحتلال الصهيوني التي قامت على أرض فلسطين العربية عام 1948، كانت بمثابة كيان استعماريّ استيطانيّ توسّعيّ عنصريّ، وبالطّبع، إنَّ كلّ كيان قام على هذا الأساس سيفرز قوانين ذات طابع عنصريّ، بل تنضح بالعنصرية. حيث إنّ أيّة دولة قامت على الجثث والمجازر والدماء، فإنّها لا تعرف السَّلْمِ والسّلام، ومستحيل أن يكون لهما وجود في قاموسها الإجرامي. ولم يكن «قانون الجنسيّة الإسرائيلي» إلّا أحد هذه القوانين التي أفرزها وجود هذه الدولة في وطننا العربي، وفوق بقعة غالية من أرضه، هي فلسطين. (وهكذا هو حال «قانون القومية اليهوديّة» الابن…). فكيف وُلِد هذا القانون (قانون الجنسيّة الإسرائيلي)؟ وما هي طبيعته؟ وما أبرز التعديلات التي أُدخلت عليه؟ وماذا عن موقع العرب الفلسطينيين فيه، لا سيّما موقع أبناء طائفة الموحّدين الدروز في فلسطين وفي هضبة الجولان السورية المحتلّة؟ وكيف تمّت مواجهته ومقاومته ولا تزال عبر الوسائل والطرق المختلفة؟

ولادة قانون الجنسيّة الإسرائيلي: لمحة تاريخيّة

قانون الجنسية لأيَّة دَوْلة هو التشريع الذي ينظّم العنصر السكّاني فيها وفقاً للمبادئ والسياسات الأيديولوجية لتلك الدّولة. وقانون الجنسيّة الإسرائيلي لا يخرج عن هذه القاعدة. وإذا كان التّعريف الرّسمي (لدولة إسرائيل) أنها «دولة الشّعب اليهودي»، فإنَّ قانون الجنسيّة الإسرائيلي جاء ليؤكّد «يهوديّة» العنصر السكّاني للدولة، وبالتالي يحافظ على صفة الدولة كدولة يهوديّة. هذا هو الأساس الأيديولوجيّ لتشريع الجنسية الإسرائيلي.

وقد قدّم وزير الداخلية الإسرائيلي مشروع قانون الجنسية الإسرائيلي إلى الكنيست الأوّل في 3/7/1950. ولكنّ تأجّل البتّ في أمره بسبب حلّ الكنيست. وحين قُدِّم المشروع ثانية إلى الكنيست الثاني في تموز 1951. قام دافيد بن غوريون، رئيس الوزراء، بشرح النقاط الرّئيسة للمشروع الذي اعتبره مكمّلاً لقانون العودة، وبيّن: «أنَّ هذين القانونين معاً هما العهد الذي وَعَدنا به كل يهودي في المنفى…، وأنَّ إسرائيل ليست دولة يهوديَّة فقط، لأنَّ أغلبية السكّان من اليهود، ولكنّها دولة لجميع اليهود حيثما وُجدوا، ولكلّ يهودي يرغب في المجيء إلى هنا… إنَّ هذا الحق موروث لليهودي لمجرّد كونه يهوديّاً». وأكَّد بن غوريون أنَّ (إسرائيل) لم «تُنشئ» لليهود حقّاً بالعودة إليها، ولكنها، «تُعلنه» فقط، إذ إنَّ هذا «الحق سابق لدولة إسرائيل».

أقرّت الكنيست مشروع القانون بأغلبية 43 صوتاً ضد 17، وكان ذلك في أوّل نيسان 1952، وأصبح القانون نافذ المفعول في 14/7/1952. يتّصف قانون الجنسيّة الإسرائيلي بصفتين رئيستين هما: ازدواج الجنسيّة، والصّفة العنصريّة.

وبعد قيام (دولة إسرائيل) اتَّخذ مبدأ وحدة «الشعب اليهودي» بُعْداً سياسيّاً وقانونياً أكثر وضوحاً، ولكنّه في الوقت نفسه أشد ازدواجية. أَعلنت الوكالة اليهودية (إسرائيل) عام 1948 دولة لجميع اليهود وليست فقط لليهود الذين يقطنون فيها. وتأكّد هذا الشعار السياسي في سَنِّ قانون العودة عام 1950 الذي أعطى لكلّ يهودي الحقّ في «العودة» إلى (إسرائيل)، دافيد بن غوريون، قال: «حين نقول أُمّة يهودية واحدة فإنّه يجب علينا ألّا نهمل حقيقة أنّ هذه الأمة اليهودية موزّعة في جميع أقطار العالم، وأنّ اليهود الذين يعيشون في الخارج هم مواطنون في الدّول التي يعيشون فيها… أمّا نحن، أولئك الذين انتهت هذه الازدواجية بالنسبة لهم وأصبحوا

مقيمين في دولة إسرائيل… فإنَّه يجب علينا ألّا نهمل وضع هؤلاء اليهود الذين ليسوا بيننا». وبرغم هذه السياسات المُعلَنة على وحدة «الشعب اليهودي»، وعلى «إنهاء الازدواجية» بالهجرة إلى (دولة إسرائيل) جاء تشريع الجنسية الإسرائيلي لعام 1952 مشجّعاً لهذه الازدواجية. في ضوء ذلك نتساءل: لماذا جاءت طبيعة هذا القانون عنصريّة فاقعة؟ وما أبرز التعديلات التي أُدخلت عليه، وهل طالت الطبيعة العنصريّة له أم زادتها حِدّة ووقاحة؟

من هنا نستطيع القول: إنّ دولة تتّخذ شعاراً لها: «اليهود شعب الله المختار»، لا يمكن بأيَّة حال من الأحوال أن تتعاطى مع «الآخرين» باللِّين والحُسنى والديمقراطيّة، مهما أطلقت من شعارات ديمقراطية، ومهما ادّعت أنها تمثّل «واحة ديمقراطية» في هذا الشرق. إذ إنّ إطلاق الشّعارات شيء، وتطبيقها على أرض الواقع شيء آخر. فكيف بالأحرى إذا كان الشعار التاريخي لهذه الدولة، مدعوماً بقانون يتّخذ صفة «الشرعيّة»؟ سيكون التمييز العنصري هو الجوهر والأساس فيه ولا شك، ولا شيء غير ذلك. فكيف تتجلّى صفة العنصريّة في قانون الجنسيّة الإسرائيلي؟

ينصّ القانون على منح الجنسية الإسرائيلية للمقيمين من غير اليهود الذين كانوا مواطنين فلسطينيين ومسجّلين بموجب مرسوم تسجيل السكّان الصادر عام 1949. قال أحد النواب، أثناء مناقشة المشروع في الكنيست، إنّه لو تم تطبيق هذه الشروط لما حصل إلّا 10% من العرب الموجودين في (إسرائيل) على حق التجنّس لأنّه من الصّعب جدّاً توفّر شرط «الإقامة». وعدد قليل من الفلسطينيين كانوا يحملون جوازات سفر في عهد الانتداب. أمّا أولئك الذين كانوا يحملون هويّات شخصية فإنَّهم إمّا فقدوها أو سلموها للقوات الصهيونية أثناء الحرب. كما أنّ الكثيرين من العرب كانوا قد استُثنوا من عمليات تسجيل السكّان، لأنه كان هناك «محاولة متعمّدة لعدم تسجيل قرى عديدة». لهذه الأسباب اقترح النّواب المعارضون منح الجنسية الإسرائيلية لجميع الفلسطينيين الذين كانوا في البلاد بصورة شرعيّة. إلّا أنّ هذا الاقتراح هُزم.

كما نصّ القانون على شرط آخر مُؤدّاه أنّه يجب على الفلسطيني الذي يريد الحصول على الجنسية الإسرائيلية أن يكون مُلمّاً باللغة العبرية. وقد احتجّ بعض النواب على هذا الشرط لأنّ اللغة العربيّة كانت لغة رسمية في عهد الانتداب ولذلك اقترحوا حذف هذا الشرط، أو إعطاء اللغة العربية مركزاً مساوياً للعبرية. وقد أخذ القانون بالحل الأول.

وبقي على الفلسطيني الذي يريد الحصول على الجنسية الإسرائيلية أن ينال «استنساب»: وزير الداخلية صاحب الصلاحيات الواسعة بموجب القانون.

لقد دافع المؤيّدون للقانون عن الصفة العنصرية فيه، وحاولوا تبريرها، فقال حاخام صهيوني «إنّ الجنسيّة الإسرائيليّة بالنسبة إلى اليهود ما هي إلّا «استعادة لشيء مفقود» ولذلك فإن استعادتها «تلقائية». أمّا بالنسبة للآخرين فليس الأمر كذلك. وأقرّ حاييم كوهين، وزير العدل آنئذ، أنّ التمييز العنصري الوارد ليس سببه قانون الجنسية أو قانون العودة. إلّا أنّ الوزير أغفل أنّ قانون العودة أصبح جزءاً لا يتجزَّأ من قانون الجنسيّة. وحاول هذا الوزير أن يعطي تفسيراً آخر، فقال: «إنَّ أي تمييز في القانون ليس عنصريّاً بل أُريدَ به أن يميّز بين الذين يُعتَبرُ ولاؤُهم لإسرائيل أمراً مفروغاً منه والآخرين الذين عليهم إثبات ذلك».

والمعروف أنّ هذا القانون الذي صدر عام 1952، أُدخلت عليه تعديلات واسعة: التعديل الأول عام 1958، والتعديل الثاني عام 1968، والتعديل الثالث عام 1971، والتعديل الرابع عام 1980… لكنّ هذه التعديلات لم تُحدِث ما كان مُتوقَّعاً منها لجهة «التخفيف من عنصريّتها»… بل ما جرى هو العكس تماماً. كما تمّ اللَّعب على الكلام في بعض العبارات حيث «استَخدم القانون كلمة (البلاد)، وفي هذا إشارة إلى أنَّ المقصود من ذلك هو فلسطين كلها، وليس (إسرائيل) فقط. كما يلاحَظ أنّ القانون استخدم كلمة «شخص» علماً بأنَّ المقصود هو كلمة «يهودي» لأنَّ هذه المادة بالذات خاصة باليهود حصراً.

أمّا على صعيد تطبيقات قانون الجنسيّة الإسرائيلي، فقد عدّد قانون الجنسية ستّ طرق لاكتساب الجنسيّة الإسرائيليّة. إلّا أنَّه يمكن تصنيف هذه الطرق السّت إلى فئتين: الأول تتعلّق باليهود والأخرى بغير اليهود. وهكذا فإنّ قانون الجنسية الإسرائيليّ يتضمن عمليّاً تشريعين متميّزين للجنسية، ولكلٍّ منهما إجراءات مختلفة عن الآخر، ونشأت عن كلٍّ منهما نتائج تطبيقيّة مختلفة.

فعن إجراءات اكتساب الجنسية لليهود: يكتسب اليهودي المهاجر حق الجنسية الإسرائيلية بحكم «العودة» أمّا الإجراءات الواجب على اليهودي أن يتخذها للحصول على الجنسيّة فهي أن «يعود» إلى (إسرائيل)، أو يعبّر عن رغبته في الاستقرار في (إسرائيل) إذا كان خارج حدودها. ولم يُشِر القانون إلى أيّة إجراءات أخرى. وبموجب القانون يكتسب اليهودي المهاجر إلى (إسرائيل) الجنسية الإسرائيلية «فوراً» بمجرد دخوله (إسرائيل). أمّا الجنسية الاسرائيلية لغير اليهود: لأغراض قانون الجنسية، يشمل تعبير «غير اليهود» نظريّاً الفلسطينيين الذين ظلّوا في (إسرائيل) بعد قيامها، وغير الفلسطينيين. ورسم القانون لكل فريق طريقاً خاصّاً به لاكتساب الجنسية. وأما من الناحية العمليّة، فإنَّ إجراءات التجنُّس لغير الفلسطينيين هي تقريباً بدون معنى، لأنّ (إسرائيل) لا تمنح حق الإقامة فيها لغير اليهود بسهولة. لذلك يقتصر البحث على الفلسطينييِّن المقيمين في (إسرائيل).

اكتساب الجنسية للفلسطينييِّن
في حين يكتسب اليهودي المهاجر، أو الذي يعبّر عن رغبته في الهجرة إلى (إسرائيل)، الجنسية الإسرائيلية فوراً وتلقائيّاً وبدون اتخاذ أيّة إجراءات، يلزم الفلسطيني وحده باتّباع إجراءات التجنُّس الشائكة التي حددها القانون في المادة الثالثة. وعلى الفلسطيني أن يتقدّم بطلب إلى السلطات الإسرائيلية، وأن يكون مستوفيَاً للشروط التي حددها القانون. ومع ذلك فإنَّ استيفاء تلك الشروط لا يعطيه الحق باكتساب الجنسية الإسرائيليّة حُكماً، إذ عليه أيضاً أن يحصل على موافقة وزير الداخلية. وإذا قرر الوزير رفض الطلب، فإنّ قراره قطعي وغير قابل للطَّعن.

مظاهرة ضد قانون الدولة اليهودية المقترح في تل ابيب (14 تموز 2018).

نتائج تطبيق القانون على الفلسطينيين
هناك ثلاث نتائج مباشرة ترتَّبت على إصدار وتطبيق قانون الجنسية الإسرائيلي وتأثّر بها الفلسطينيون:

أولاً: التجريد من الجنسية: فبعد قيام (دولة إسرائيل) توقَّف العمل بقانون الجنسية الفلسطيني الصادر عام 1925. وحتى صدور قانون الجنسية الإسرائيلي عام 1952 استقر اجتهاد المحاكم الإسرائيلية على اعتبار الفلسطينيين بلا جنسية. ومع صدور قانون الجنسيّة تم رسمياً إلغاء قانون الجنسية الفلسطيني بأثر رجعي اعتباراً من تاريخ قيام (الدولة). وهكذا فإنّ قانون الجنسية الإسرائيلي جرّد الفلسطينيين من جنسيّتهم وأصبحوا «بلا جنسية».

ثانياً: المقيمون بلا جنسيّة: ولما كانت الفقرة (أ) من المادة الثالثة من قانون الجنسية الإسرائيلي وضعت شروطاً صعبة لتجنُّس الفلسطينييِّن، فإنَّ الذين لم يتمكّنوا من استيفاء الشروط التي حدّدها القانون، ولم يتمكّنوا من الحصول على موافقة وزير الداخلية، ظلُّوا بدون جنسية، وما زالوا كذلك حتى الآن.

ثالثاً: وقد جاء التعديل الثاني لقانون الجنسية عام 1968 واستحدث طريقة منح الجنسيّة الإسرائيلية بحكم «الولادة والإقامة» في (إسرائيل). ويبدو من ظاهر النّص أنَّ أي فلسطيني وُلد في (إسرائيل)، ولم يحصل على الجنسيَّة الإسرائيليّة لأنَّ أحد والديه لم يتمكن من الحصول عليها، له الحق في أن يحصل على الجنسية الإسرائيلية بشرط أن يقدّم طلباً حين يبلغ سن الثامنة عشرة وقبل أن يصل إلى سن الحادية والعشرين، وأن يكون مقيماً في (إسرائيل) قبل تقديمه الطلب بخمس سنوات متواصلة، وأن يثبت أنّه لم يحكم عليه بجرم ضد أمن (دولة إسرائيل)، ولم يحكم عليه بجرم آخر لمدة خمس سنوات أو أكثر، وأن يوافق وزير الداخلية على الطلب. وتطبيقاً لهذه الشروط فإنّ الفلسطيني الذي يولد بلا جنسيّة سيظل بلا جنسيّة حتى يبلغ سن الثامنة عشرة على الأقل، ثم يقدم الطلب ويستوفي الشروط الأخرى. وإن لم يستوفها فسيظلّ بلا جنسيّة. ثم إنَّ الفلسطيني الذي وُلِد بلا جنسيّة، وتجاوز الحادية والعشرين يوم صدور هذا التعديل، سوف يبقى كذلك بلا جنسيّة.
بعد هذه اللمحة التاريخية الموجزة عن قانون الجنسية الإسرائيلي، والذي أَعلن على أثره مؤخّراً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (قانون القومية) للدولة اليهودية الإسرائيلية، وهو استكمال لقانون الجنسية الإسرائيلي السابق، وأحد إفرازاته العنصرية… وقد أقرّت (إسرائيل) «قانون الدولة القومية» لليهود بتاريخ 19 تموز/يوليو 2018، حيث ينصّ على ما يلي:

  • ينصّ القانون على أنّ إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي وأنّ حق تقرير المصير في إسرائيل يقتصر على اليهود، ويَعتبر القدس الموحَّدة عاصمة لإسرائيل.
  • ويشجع القانون الاستيطان اليهودي ويلغي المكانة الرسمية للُّغة العربية.
  • وأقَرَّ الكنيست المؤلّف من 120 عضواً قانون «الدّولة القومية» بموافقة 62 نائباً ومعارضة 55 وامتناع نائبين عن التصويت، وسط غضب النّواب العرب.

أبرز سمات القانون:

  • القانون صدر بعد وقت قصير من إحياء الذكرى السبعين لقيام دولة إسرائيل.
  • ينصّ على أنّ «إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي» وأنّ حقّ تقرير المصير فيها «يخصّ الشعب اليهودي فقط».
  • من القوانين الأساسية التي تُستَخدم كدستور لعدم وجود دستور حتى الآن في دولة إسرائيل.
  • ينزع القانون عن اللّغة العربية صفة اللّغة الرسمية إلى جانب العبرية.
  • نصّ القانون على أنَّ الدولة تعتبر تنمية الاستيطان اليهودي قيمة قومية وستعمل على تشجيع ودعم تأسيسه.

وكان من الطبيعي أن يثير إقرار هذا القانون غضباً على الصعيد الفلسطيني والعربي، وترحيباً إسرائيليّاً بالمقابل حيث:

  • رحّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالقانون قائلاً «لحظة حاسمة في تاريخ دولة إسرائيل تكرّس لغتنا ونشيدنا وعلَمنا».
  • منتقدو القانون يقولون إنَّه سيعمِّق إحساس الفلسطينيين بالغربة حتى بعد إجراء بعض التغييرات.
  • النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي عبّر للصحفيين عن صدمته وحزنه معلناً «موت الديمقراطية».
  • سرى الغضب بين السكّان العرب واصفين القانون بالعنصري وأنّه يغرس البذور لقيام دولة فصل عنصري. بينما مزّق نوّاب عرب نُسَخاً من القانون أمام نتنياهو وألقوا به في وجهه، كتعبير صارخ عن معارضتهم.

كما ندّد زعماء فلسطينيون بالقانون. وقال صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين في بيان: «شعبنا هو من يقرر مصيره على أرضه، وهو من قرر لغته وعلمه ونشيده، فنحن أمّة راسخة في هذه الأرض منذ فجر التاريخ وسنبقى صامدين ومتمسّكين بحقنا التاريخي المشروع والأصيل في تقرير المصير». في حين كانت المظاهرات والاعتصامات تعمّ كافّة المدن والقرى الفلسطينية، ومن بينها بالطبع القرى الدرزية في شمال فلسطين المحتلة، معبّرة عن رفضها لهذا القانون العنصري بامتياز.

سميح القاسم… شاعر المقاومة الفلسطينية.

في ظلّ هذا الوضع نتساءل: أين موقع دروز فلسطين وموقفهم من هذا الموضوع؟ وأين موقع دروز هضبة الجولان السورية المُحتلة وموقفهم أيضاً منه؟ وماذا بين الأمس واليوم؟

فبالنسبة لأبناء الطائفة الدرزية التوحيديّة في فلسطين المحتلّة، وقبل ولادة دولة الاحتلال الصهيوني التي أطلق عليها اسم «إسرائيل»، يعيش معظم الدّروز الفلسطينيّون في منطقة الشمال. ويشكلون نسبة 8 بالمئة من مجمل السكان العرب هناك. وقد وصلت أعدادهم في عام 2019 إلى نحو 143،000 نسمة، أي بمعدل 1،6 بالمئة من السكان في دولة الاحتلال الصهيوني (إسرائيل). يضاف إليهم السوريون الدروز القاطنون في هضبة الجولان التي احتلَّتها (إسرائيل) عام 1967 من سوريا وضمّتها في عام 1981 بشكل غير شرعي، وهم من المقيمين الدائمين بموجب قانون مرتفعات الجولان. وقد رفضت الأغلبية الساحقة منهم قبول الجنسيّة الإسرائيليّة واختاروا الاحتفاظ بجنسيّتهم السورية والهوية السورية… هذا، ويسكن أبناء الطائفة الدرزية في 18 قرية وبلدة تقع جميعها على رؤوس الجبال في شمال فلسطين التاريخيّة.

والواقع أنّه منذ قيام (إسرائيل) عام 1948، رفض الموحّدون الدروز ترك قراهم وبيوتهم ومغادرتها، مفضّلين البقاء والموت فيها على الهجرة أو التهجير. ومع ذلك فقد تعرّضوا لحملة من الدسّ والافتراءات والتّشويهات من البعض المتجاهل لموقفهم الرافض والمقاوم للانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي فيما بعد، ولحقيقة تاريخهم النضالي العربي المشرّف في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، وبخاصة في ثورة ١٩٣٦ حيث شاركت سريّة درزية بقيادة حمد صعب في معظم معارك تلك الثورة، وفي أثناء حرب فلسطين سنة ١٩٤٨ حيث شارك العشرات من دروز لبنان وسوريا في جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي وكان مدير الإذاعة والإعلام في ذلك الجيش هو المناضل المعروفي علي ناصر الدين، إبن بلدة بمريم المتنيّة، مؤسس «عصبة العمل القومي».

كان عليهم تجرّع هذه الكأس بصبر وحكمة وتعقّل رغم المرارة والحسرة الناجمتين عن هذا الموضوع، دون أن يتزعزع إيمانهم بالوجود والكرامة والتشبّث بالأرض قيد أنملة.

يعيش الدروز في عدد من قرى الجليل وجبل الكرمل بشكل منفرد مثل بيت جن وجولس ودالية الكرمل وساجور وعين الأسد ويركا، وتضم بعض القرى التي يشكل غالبيَّة سكانها من الدروز في إسرائيل على أقليّة مسيحيّة عربيَّة مثل حُرفيش والمغار والبقيعة وكِسرى – كفرسميع وعسفيا وغيرها. وتضم كل من كفر ياسيف والرامة الجليليّة ذات الأغلبيّة المسيحيّة على أقلية من الموحدين الدروز، ويعيش الموحدون الدروز في عدد من قرى الجليل اختلاطاً بالمسلمين والمسيحيين مثل أبوسنان وكفر ياسين والمغار وشفاعمرو والرامة الجليليّة.أمّا في الجولان الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية، فيتوزّع الدروز فيه بين بقعاثا،وعين قنيَة، ومجدل شمس ومسعدة.

والجدير بالذكر، أنّ بلدة «دالية الكرمل» هي أكبر البلدات الدرزيّة في فلسطين التاريخيّة. وتليها بلدة «يركا»، ومن بعدها «المغار»، ثم «بيت جن»، و«عسفيا»… واللائحة التالية تستعرض تعداد السكان الدروز في القرى والبلدات الدرزية، بناء على التقسيم الإداري الإسرائيلي في الداخل:

المنطقة الشماليَّة
(لا يشمل منطقة الجولان الفرعية)
منطقة حيفا هضبة الجولان
(قسم الفرعي من المنطقة الشماليَّة)
يركا (16،400 – 97.9%) دالية الكرمل (16،700 – 97%) مجدل شمس (10،930 – 99%)
المغار (12،900 – 57.9%) عسفيا (9،200 – 76%) بقعاثا (6،485 – 100%)
بيت جن (11،700 – 99.8%) مسعدة (3،592 – 100%)
كسرى-كفرسميع (8،100 – 95%) عين قنية (2،033 – 99%)
جولس (6،300 – 100%)
يانوح-جت (6،500 – 100%)
حُرفيش (6،000 – 96.3%)
شفاعمرو (5،700 – 13.9%)
البقيعة (4،500 – 78%)
ساجور (4،148 – 100%)
أبو سنان (4،100 – 30%)
الرامة الجليليّة (2،400 – 31%)
عين الأسد (871 – 100%)
كفرياسيف (348 – 4%)

والحقيقة: كثيراً ما عمد الإسرائيليون عبر أساليب شتّى، في ظل القانون العنصري الإسرائيلي، إلى محاولات استيعاب الدروز وإخضاعهم عنصريّاً لجعلهم تماماً – كما جاء في بعض الوثائق الصهيونيّة المكتشفة مؤخّراً – «سكيناً في ظهر أُمّتهم»، بما يخلق هوّة كبيرة بينهم وبين مواطنيهم العرب، ويقطع بالتالي طريق عودتهم إلى أحضان الأمّة العربيّة والإسلاميّة. حيث إن أقصر الطرق لاستعباد أي شعب أو مجموعة بشريّة هو قطع جذورها الحضاريّة، وتشويه أصولها ومحو ذاكرتها الجماعيّة. وهذا ما يواجهه دروز فلسطين، ولا يزالون. إلّا أنّ النتيجة لم تكن كما يريدها الإسرائيليّون وأعوانهم.

هذا، وقد حاول الإسرائيليّون بعد احتلالهم لهضبة الجولان السوريّة، وضمّها لاحقاً، تطبيق برنامجهم السابق الذي طبقوه مع دروز فلسطين، على صعيد الجنسيّة الإسرائيليّة والهويّة الإسرائيلية… لكنهم لم يحصدوا إلّا الفشل أيضاً، رغم محاولاتهم العديدة والمتكرّرة، مما يؤكّد حقيقة واحدة مفادها أنَّ طائفة الموحِّدين الدروز هي طائفة لا تقبل الذلّ والهوان والخضوع والإخضاع تحت أي ظرف كان، ومهما كانت الصعوبات. هي طائفة وطنية عروبية إسلامية عبر التاريخ، ولن تؤثّر الدسائس والتشويهات والافتراءات على حقيقة تاريخها مطلقاً…

هذا، ما عاشه أبناء الموحدين الدروز في هضبة الجولان منذ وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب حزيران 1967، وبعد قانون الضمّ عام 1981. وكما أوضح الجدول السابق أن هناك أربع قرى درزيّة متبقية في الجزء الذي ضمته إسرائيل من مرتفعات الجولان – بقعاثا وعين قنية ومجدل شمس ومسعدة، يعيش فيها 23،000 درزي. معظم سكان الدروز في مرتفعات الجولان يعتبرون أنفسهم سوريين ويرفضون الحصول على الجنسيّة الإسرائيلية، وبدلاً من ذلك يحملون وضع إقامة دائمة في إسرائيل، وبدلاً من جواز سفر إسرائيلي يستخدمون وثيقة مرور إسرائيلية صادرة من إسرائيل للسفر إليها، تترك فقرة الجنسية فارغة.

ومنذ اعتماد قانون مرتفعات الجولان لعام 1981، أصبحت الأراضي خاضعة للقانون المدني الإسرائيلي، وأدمجت في النظام الإسرائيلي للمجالس المحلّية. وبعد ضم مرتفعات الجولان في عام 1981، قدمت الحكومة الإسرائيلية الجنسية لجميع غير الإسرائيليين الذين يعيشون في المنطقة. ولكنّها رُفضت بالمطلق…

عشرات الآلاف يشاركون بمظاهرة نظمها الدروز في تل ابيب ضد قانون الدولة اليهودية (4 آب 2018).

فكيف كان ذلك؟ وما هي الإجراءات التي اتُّخذت؟ وماذا كانت النتيجة؟

لقد كان واضحاً، منذ البداية تقريباً أنَّ الإسرائيليين قرروا البقاء في الجولان. لم يدّعوا – كما فعلوا في الضفة الغربية وقطاع غزة – أنهم سيحتفظون بالقانون المحلي ويدخلون عليه تعديلات بأوامر عسكرية. وعلى الرغم من أنَّ إسرائيل لم تزعم قط أنه يوجد «فراغ» في السيادة هناك، فقد ألغى المحتلُّون القانون السوري برمَّته على الفور، وأنشأوا حكماً عسكرياً. واستُبدلت العملة السورية بعملة إسرائيلية. وتمَّ إصدار لوحات معدنيّة إسرائيلية للسيارات (بأرقام خاصة). وصودرت الهويّات الشخصية السورية، واستُبدلت بهويّات عسكرية إسرائيلية…

وفي زمن الاحتلال، عزلت إسرائيل رؤساء بلديات قرى الجولان، وحاولت أن تشجّع القادة التقليديين المحلييِّن، وأن تعيد إحياء التنافس العشائري المحتضر؛ وقد باءت هذه المحاولات بالفشل. إلّا أنّ السلطات الإسرائيليّة وجدت شخصيّات أقلّ شأناً، على استعداد لأن تعبّر عن سعادتها بالوجود الإسرائيلي، ولأن تلمّع وجه الاحتلال. وفي سنة 1974، حاول الإسرائيليون أن ينشئوا مجالس محلية مشابهة للمجالس القائمة في إسرائيل. وفشلت هذه المحاولة كما فشلت المحاولات الأخرى. وفي النهاية، عيّنوا شخصاً في كلّ قرية لإدارة الشؤون المحلّية. إن رئيس بلدية مجدل شمس الذي عيّنته إسرائيل ليس حتى من المنطقة.

وحظر الإسرائيليون أيضاً، في بداية احتلالهم، البرنامج التعليمي السوري، واستبدلوه بآخر مُعَدّ خصِّيصاً ليغرس في الذهن الإحساس بـ «هوية درزية» منفصلة، متميزة من الهوية العربية – زاعمين أن الدروز يشكلون أمّة لا طائفة دينية تعود بنشأتها إلى الإسلام. وقد صُقلت هذه السياسة على مدار الأعوام، وأصبحت أكثر صراحة في سنة ١٩٧٦، بتأليف «اللجنة التعليميّة للدروز». وتم وضع كتب تاريخ خاصّة مناقضة تماماً للحقائق. على سبيل المثال: يتحدث واحد منها عن العلاقة التاريخيّة بين المجتمعين اليهودي والدرزي بحكم وضعهما المشترك كأقليَّتين، وعن عداوة تقليدية بين الدروز وإخوانهم المسلمين السنّيين. ويجري التشديد على إيصال هذه الرسالة بطرق شتى منها: إنّ الدروز جماعة استثنائية، متفوّقة ومتميّزة عن العرب الآخرين – في الحقيقة ليست عربية على الإطلاق. ولا يرِد ذكر لحقيقة أنّ مرتفعات الجولان كانت دائماً جزءاً من سوريا.

وبمرور الوقت، جرى فصل المدرسّين الذين يتمتعون بأي مستوى من الوعي السياسي. وقد تم فصل مئة مدرسّ على الأقل لأسباب سياسية منذ بدء الاحتلال، وفصُل أكثر من عشرين مدرسّاً دفعة واحدة في أثناء مقاومة الضمّ سنة 1982. وتمّ استبدال هؤلاء، في معظم الأحيان، بمدرّسين غير مؤهلين، بعضهم لم يكمّل حتى المرحلة الثانوية، لكنهم منُحوا «شهادات تعليم» بعد أن حضروا دورات قصيرة في إسرائيل… وخلال عام، تزايد عدد التظاهرات الشعبيّة في قرى الجولان كلها، وقُدّمت العرائض إلى الحكومة الإسرائيلية. وبدأت السلطات في هذه الفترة، وعلى نطاق واسع، بالربط بين الجنسية والحياة اليومية: لم يكن في الإمكان الحصول على رخصة سياقة من دون حيازة بطاقة هويّة شخصية مذكور فيها أن الجنسية إسرائيلية. ولم يكن في الإمكان السفر داخل إسرائيل من دون مثل هذه البطاقة… إلخ. وفي الوقت نفسه، حصلت القلّة التي تعاونت مع السلطات على امتيازات خاصة مثل: ضرائب مخفّضة، وحصص أكبر من المياه، وأجوبة سريعة تتعلّق بتصاريح البناء، إلخ.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1980، عُدِّلَ قانون الجنسية الإسرائيلية وخُوِّلَ وزير الداخلية صلاحية منح الجنسية الإسرائيلية بناء على شروط مختلفة مفصّلَة في القانون. وكان الشرط الذي ينطبق على السكان السوريين في الجولان أنّ «الجنسية تُمنح عندما يُعتَبر ذلك تحقيقاً لمصلحة خاصة للدولة».وفي نهاية السنة، كانت إسرائيل قد بدأت تضغط على السكان ليقبلوا بطاقات الهوية الشخصية الجديدة؛ وبحسب قول السلطات، فقد قبل بها 400 شخص تقريباً. وفي الحقيقة، كان 300 من هؤلاء من الدروز الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أصلاً، وانتقلوا من إسرائيل نفسها إلى مرتفعات الجولان، إمّا لأسباب عائلية أو لغيرها من الأسباب.

تصاعدت التظاهرات والاحتجاجات. وفي أوائل آذار/ مارِس دعا الزعماء الدينيون، مدفوعين من نشطاء محليين، جميع سكان مرتفعات الجولان إلى اجتماع عام في الخلوة في مجدل شمس. واحتشد نحو 6000 شخص من القرى الأربع، أو ما يزيد على نصف عدد سكان الجولان في ذلك الوقت، في المبنى الضخم والساحة المكشوفة أمامه. وتقرّر في ذلك الاجتماع فرض مقاطعة اجتماعية دينية كاملة – عمليّاً: حرمان ديني ومدني – على كلّ من يقبل الجنسية الإسرائيلية. وتقرّر منع الذين تسري المقاطعة عليهم من حضور الأعراس والمآتم وكل المناسبات الاجتماعية والدينية، وعدم السماح لأي فرد من أفراد المجتمع بالتعامل معهم بأي شكل. وفي مجتمع صغير كمجتمعنا، حيث يعرف كل شخص الآخر، فإنَّ تأثير مثل هذا النبذ من شأنه أن يكون مدمراً. وفي ذلك الاجتماع نفسه، أقرّ الحضور «وثيقة وطنية»، نُشرت فيما بعد في الصحف، تُعلن أنّ سكان الجولان هم سوريون تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأنّهم يتطلعون إلى اليوم الذي سيتحرّرون فيه ويعودون إلى أحضان سوريا.

وفي ردّها على ذلك، قامت سلطات الاحتلال بفرض عقوبات على السكان، بما فيها ضرائب مُبالَغ فيها، وقيود مُشدّدة على السفر وعلى تسويق المنتوجات الزراعية. ووُضِعَ عدد من النُّشطاء في الإقامة الجبريَّة أو الاعتقال الإداري، وفصُل بعض المدرّسين. وبعد ذلك أُخبر القادة المحلّيون، بصورة غير رسمية، أنّ العقوبات ستُرفع إذا وافق السكان على إنهاء مقاومتهم. مع ذلك، استمرَّ النبذ وبدأ أولئك الذين قبلوا الجنسيّة الإسرائيلية بالتخلي عنها، واحداً بعد الآخر.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 1981، بعد أشهر من الاضطراب، صدر قرار بضم مرتفعات الجولان فعلياً. وعلى الفور تمت الدعوة إلى إضراب عام لمدة ثلاثة أيام، شُلَّت فيها الحياة تماماً في القرى الأربع. وأُرسلت مذكّرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، كما أُرسلت عريضة إلى الحكومة الإسرائيليّة تطالبها بإلغاء الضمّ.

استمرّ ما أصبح الآن نمطاً اعتياديّاً: التظاهرات من جهة، والاعتقالات والقيود من جهة أخرى، حتى 13 شباط/ فبراير 1982، عندما وَضعت إسرائيل أربعة من زعماء الطائفة في الاعتقال الإداري لمدّة ستة أشهر. وفي اليوم التالي، 14 شباط/ فبراير، أُعلن إضراب عام استمرَّ أكثر من خمسة أشهر من دون انقطاع. وردتّ سلطات الاحتلال بفرض نظام حظر التجوّل. وفي ٢٥ شباط/ فبراير، فُرض حصار كامل على الجولان: أُوقفت كلّ أشكال المواصلات من المنطقة وإليها؛ ولم يُسمح بإدخال الطعام أو الدواء؛ وقُطعت الكهرباء والماء. وقد نُظِّمت تظاهرات كلّ بضعة أيام خلال الإضراب، في بعض الأحيان في القرى الأربع كلّها، وأحياناً في قرية واحدة، حيث كان سكان القرى الأخرى يحتشدون فيها. وقد تمّت المحافظة على تنسيق دقيق طوال تلك المدّة من خلال الاجتماعات العامة. وجُوبِهَت بعض التظاهرات بالعنف، وأصيب خمسة وثلاثون شخصاً بطلقات ناريّة خلال اشتباكات مع الشرطة. وفقد شاب رجله ويده وعينه في حادث انفجار لغم خارج مجدل شمس. وقد رُفضت كلّ محاولات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لزيارة المنطقة.

في 1 نيسان/أبريل، أعلنت إسرائيل رسميّاً الجولان منطقة مُغلقة، وفرضت حظر التجوُّل على مدار الساعة، وأَرسلت إلى المنطقة 14،000 جندي إسرائيلي – أكثر من نصف عدد السكان العرب في مرتفعات الجولان – قاموا بالتنقل من بيت إلى آخر لمصادرة بطاقة الهويّة العسكرية القديمة وتوزيع بطاقات الهوية الجديدة، المُعَدّة لكل فرد، والمذكور فيها الجنسية الإسرائيلية. وقد تم اعتقال 150 شخصاً خلال هذه الحملة. في هذه الأثناء، وفي محاولة لإقناع السكان بقبول بطاقات الهوية/ الجنسية، بثت الإذاعة معلومات زائفة بأنّ زعماء عديدين قبلوا بها. لكن المحاولة فشلت فشلاً ذريعاً، وسرعان ما تناثرت بطاقات الهوية المرفوضة في شوارع القرى الأربع جميعاً. وفي5 نيسان/ أبريل، انسحبت القوات الإسرائيلية ورُفع الحصار.

أُنهي الإضراب أخيراً في 21 تموز/ يوليو. وكانت العيون، في ذلك الوقت، مركزة على غزو إسرائيل للبنان وحصار بيروت الوحشي؛ وكان واضحاً في تلك الأوضاع الجديدة، أنّ من العبث الضغط على إسرائيل فيما يختص بالجولان. وعلاوة على ذلك، كان مخزون المواد الغذائية – مؤونة كبيرة من الأغذية المجفّفة والمحفوظة التي كانت دائماً في متناول القرى – قد بدأ بالنفاد. لم يكن الحليب متوفّرا؛ً وكان الأطفال يعانون. وقد نفقت مئات من المواشي جوعاً بسبب منعها من الوصول إلى المراعي. وأخيراً، تراجع الإسرائيليون عن إصرارهم على موضوع الجنسيّة، ولم يرد في بطاقات الهوية ووثائق السفر التي وُزِّعَت في النهاية ذكر للجنسية الإسرائيلية. وكان هناك اتفاق آخر يقضي بأنّ سكان الجولان لن يؤدّوا الخدمة في القوات المسلّحة، وأنّه سيتم السّماح لهم بزيارة سوريا، وأنّ الأراضي لن تصادَر. ولم يتمّ احترام الالتزامين الأخيرين. وهذا هو الوضع الآن: تَعتبر إسرائيل سوريي الجولان «مقيمين في إسرائيل»، لا مواطنين.

صورة من أحداث الإضراب الكبير في الجولان (١٩٨٢):
«لا لضمّ الجولان، لا للإستسلام، لا للڤيتو الأميركي».

لقد كان إضراب 1982 العام ذروة العمل الجماهيري في الجولان، ولم يتكرّر ما يرقى إلى مستواه. منذ ذلك الحين، جرت تظاهرات عديدة. ويتم التقيّد سنوياً على الأقل بإضرابين ليوم واحد: في 14 شباط/ فبراير، ذكرى الإضراب العام؛ وفي 17 نيسان/ أبريل، عيد الاستقلال السوري. ومنذ بدء الانتفاضة، أضُيف إلى القائمة يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، يوم اندلاعها في سنة 1987. وتقوم تظاهرات كلّما حدث أمر استثنائي في المناطق المحتلّة الأخرى (مثل مذبحة الأقصى، أو عمليات القتل في ريشونلتسيون)، أو في المستوى الدولي (مثل أزمة الخليج، والحرب ضد العراق).

هذا، وفي الوقت الذي وقف فيه دروز فلسطين إلى جانب الإضراب الجولاني، إلّا أنّ موقفهم لم يكن متناغماً تماماً. فقد تظاهر أهالي عدّة قرى درزية في إسرائيل تأييداً لنا خلال الإضراب العام سنة 1982، وكان ذلك في بعض الحالات بدافع التضامن الديني، لكنّه في حالات أخرى كان بدافع من أسباب قومية. وتألفت، في ذلك الوقت، لجنة تضامن معنا. وهناك أيضاً أعداد متزايدة من الدروز الفلسطينيين تعترض على تعاون الطائفة ككل، وتعارض سياسة إسرائيل التي تعزلها عن أشقائها العرب؛ ويحتفظ سكان الجولان العرب بعلاقات ممتازة بهؤلاء الناس، ويمدّونهم بكل أشكال العون الذي يحتاجون إليه. وما من شك في أن تحدّي سكان الجولان للسلطات الإسرائيلية كان له أثره بين دروز الجليل.

وفي الواقع، يمكن القول إنّ دروز الجولان يقيمون علاقات ممتازة وتضامناً قوياً مع فلسطينيي الضّفة الغربية وغزة. وقد حاول سكان المناطق المحتلة إرسال أغذية خلال الإضراب العام في سنة 1982، وما زالوا يساعدون بمختلف الطّرق. من جهتهم، ألّف دروز الجولان لجاناً للتضامن حين اندلعت الانتفاضة، وكانوا أوّل من أرسل شاحنات محمّلة بالأغذية والملابس إلى مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهم يجمعون الأموال وينظّمون زيارات تضامن لمخيمات اللاجئين. وفي كلّ سنة، ينظمون حملات لقطف التفاح، ويوزعون التفاح على مستشفيات الضّفة الغربية وغزة، ويتبرّعون بعائدات مبيعات التفاح لدعم الانتفاضة. كما أنّهم قاموا بعدة تظاهرات شعبية وإضرابات عامة تأييداً للانتفاضة. لكنْ يحدّ من تعاونهما واقع أنَّ الضفة الغربية ومرتفعات الجولان غير متّصلتين جغرافياً، في (إسرائيل)..

أمّا اليوم، وبالرغم من أنَّ غالبية الدروز الفلسطينيين والجولانييِّن يعتبرون بأن المستوطنات الإسرائيلية تضرّ بأمن دولة الاحتلال الصهيوني. كما يبيّن الإحصاء الاستقصائي أنّ أغلبية الدروز أيضاً لا يؤمنون بأنّه يمكن «لدولة إسرائيل» أن تكون دولة يهوديّة ودولة ديمقراطية في الوقت نفسه… كما يعتقد نحو 8 من كل 10 أشخاص من عرب (إسرائيل)، بأنّ هناك تمييزاً عنصرياً كبيراً في المجتمع الإسرائيلي ضد المسلمين، وأنّ الحكومات الإسرائيلية غير صادقة في السعي للوصول إلى اتفاقية سلام…

في ظل كل هذه المعطيات والوقائع الميدانيّة، «تشير بعض التقارير الإسرائيليّة إلى تزايد أعداد دروز الجولان الراغبين في الحصول على الجنسية الإسرائيلية»… وفي الوقت الذي كان فيه العدد في الماضي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فقد بلغ العشرات في الفترة الحالية، لا سيّما بعد الأحداث الأخيرة في سوريا، واستهداف التنظيمات الإرهابية عدداً من الدروز، واستغلال إسرائيل لقضيّتهم بشكل غير مسبوق، ولكنّه منظّم ومبرمج وهادف بدقّة…

بعد هذا العرض شبه التفصيلي لقانون الجنسيّة الإسرائيلي وتطبيقاته على عرب فلسطين، بمختلف طوائفهم ومذاهبهم وأديانهم (بمن فيهم أبناء طائفة الموحدين الدروز الفلسطينيين)، وعلى دروز هضبة الجولان السورية المحتلّة، نصل إلى ضرورة تبيان بعض الحقائق والوقائع التي تعامى عنها البعض، وتجاهلها البعض الآخر (لغاية في نفس يعقوب)، بينما أمعن البعض تجريحاً وتشكيكاً وتشهيراً بطائفة الموحدين الدروز في فلسطين، فتلاقت حملتهم هذه مع محاولة العدو الصهيوني في سلخ الموحدين الدروز عن عروبتهم وإسلاميتهم ووطنيتهم وقوميتهم، وإلباسهم ثوباً لا يمتّ إلى حقيقة وجودهم التاريخي بصلة… ويشوّه بالتالي نضالهم الوطني والقومي والعروبي والإنساني كلّه… وهذا ما يستوجب منّا ردّاً علميّاً وموضوعيّاً ومنطقيّاً على كل ذلك، بغية دحض الاتهامات الباطلة والافتراءات المُغرضة، التي طالت ومسّت طائفة عربية إسلامية عريقة في هذا الشرق، لعبت، ولا تزال، دوراً هاماً وأساسياً في «مَدْمَكَة» بنيان الكثير من دُوَلِه، وساهمت في كتابة تاريخ البعض الآخر، بالسيف والقلم، وقدَّمت الغالي والنّفيس من أجل الحريّة والاستقلال والكرامة… فما هي أبرز هذه النقاط التي تلقي الضوء على هذه المسألة وتضع الإصبع على الجرح؟

يذهب كثيرون من الباحثين العرب والأجانب إلى أنّ الموحدين الدروز هم المدافعون الأصليون عن العروبة والإسلام والقوميّة العربية في كلِّ أقطار تواجدهم. وقد أثبتت الوقائع التاريخية صحّة انتمائهم الوطني والإنساني منذ ظهورهم على مسرح التاريخ في مطلع الألف الثاني الميلادي، ولا يزالون، حتى أنّ أسلاف الموحدين الدروز من التنوخيين والبحتريين والأرسلانيين كانوا «حماة الثغور» منذ وجودهم في الجبال المُطِلّة على الساحل في وجه الروم البيزنطيين وأعوانهم في الداخل، ثمّ الصليبيين فيما بعد، وقد استطاعوا تأسيس أوّل إمارة عربية إسلامية في الشرق دامت ثمانية قرون… (هي الإمارة التنوخيّة)…

وبشكل أكثر تحديداً، فإنّ الدروز يتحدّرون من القبائل العربية الإثنتي عشرة التي كانت تقيم منذ الفتح العربي في معرّة النعمان، ثم انتقلت بعدها لتستقرَّ في لبنان. ويؤكّد ذلك كثير من المؤرّخين العرب الذين يعرفون هذه الطائفة ويعيشون بين ظهرانيها. ويشير عبد الرحمن بدوي (ص 642) إلى الحجج التي يقدمها الدروز توكيداً على عراقة أصولهم العربية فيقول نقلاً عن الأستاذ سليمان أبو عز الدين إنّ «أسماء الدروز، إلّا القليل منها عربية». وإنّ «الدروز من أصحّ الفروع العربية لفظاً لبعض الحروف الهجائية، أي الثاء، والذال، والظاء، والقاف». كما يشير الأمير شكيب أرسلان مؤكّداً عروبة الدروز بقوله: «إنَّ لفظهم بالعربي الصحيح… لا يساويهم فيه أحد من جميع سكان سورية». كما أنَّ المؤرّخ الأستاذ أكرم زعيتر يؤكِّد ذلك قائلاً: «الدروز لباب العرب. ولا يوجد درزي واحد يرضى بأن يُنسب لغير الإسلام».

وبصورة أكثر شموليّة، يقول المؤرّخ الكبير الأستاذ عارف النكَدي بأنَّ «هذه الطائفة عربية الأصل، بل هي أعرق طوائف بلاد الشام عربيّة وأخلصهنّ في ذلك دماً.. أمّا عربية هذه الطائفة فثابتة:

    1. بأسمائها العربية اللفظ والمعنى والمُصطلح.
    2. بعاداتها وأخلاقها وآدابها.
    3. بسلامة ألفاظها العربية.
    4. بأنساب كثير من أُسَرِها وقبائلها التي حفظت عمد أنسابها وسلالاتها، بعضها بالتسجيل الصحيح في سجل المحاكم الشرعية، وبعضها بالنقل الدقيق والسّند المتصل.
    5. بتاريخها الثابت. وتاريخ هذه الطائفة تاريخ قريب عهده لا تضيع أصوله وحوادثه في مجاهل القِدَم»

وانطلاقاً من العلاقة العضويّة بين الصهيونية والاستعمار العالمي، فإنَّ الصهاينة لم يتخلّوْا في هذا العصر عن مشاركة أسيادهم الاستعمارييّن في الدسيسة ضد الدروز. ولم تقتصر مشاركتهم على الناحية النظريّة فقط، بل وبشكل أرقى بتطبيقها على واقع الصراع العربي – الصهيوني في فلسطين المحتلّة. وذلك من خلال التفرقة بين الدروز وإخوانهم المسيحييّن والمسلمين الفلسطينييّن، حيث أُبْعِدَ الآخرون عن الخدمة في جيش الاحتلال، بينما فُرِض التجنيد الإلزامي على الدروز ضمن خطة الإيقاع بين أبناء الشعب العربي الواحد في فلسطين وخارجها، وكدليل وإثبات أمام الآخرين بأنّ «الدروز ليسوا بعرب». ولتظهر الدولة الصهيونية، من ناحية أخرى، أمام العالم الخارجي بأنّها دولة «ديمقراطية»، ضمن مخطّط القضاء على الهوية العربية للدروز مستغلّة تشبّث الإنسان الدرزي بأرضه، مع ما يعانيه اقتصاديّاً وثقافيّاً وسياسيّاً في ظل القبضة الحديدية الصهيونية المُحْكَمة عليه.

وتحاول الصهيونية بشتّى الوسائل والطرق إقناع الدروز بأنّ لهم خصوصيّتهم المميّزة، وقومية خاصة بهم على غرار «القومية اليهودية»، متناسية شهداء دروز شفا عمرو وكفار عطا عام 1948 الذين سقطوا ضمن الفيلق الدرزي في جيش الإنقاذ دفاعاً عن عروبة فلسطين وحريّتها. ويكفي لمجاهدي الدروز شرفاً أنّهم هم الذين قتلوا «زوريك» (أخ موشي ديان) في العام 1948. فضلاً عن مشاركة مجاهدي الدروز في معظم المعارك ضد اليهود عام 1948 بشهادة فوزي القاوقجي في مذكّراته. تماماً كما قتلوا من قبل القائد الصهيوني العريق الكابتن جوزف ترمبلدور ورفاقه، وهذا ما جعل الإرهابي إسحق شامير يتوعّد الدروز بالثأر والانتقام…

وفي هذا الإطار، أرسل الطلاب العرب الدروز في الجامعة العبرية كتاباً لوزير الداخلية يؤكّدون فيه «أن الدرزية هي مذهب ديني، وأنّ قومية الدروز هي القومية العربية». كما أكّد الشيخ قاسم فرّو من عسفيا: «إنّنا إذا أنكرنا أنّنا عرب نُنكر تاريخ ثوراتنا التاريخيّة… وإنّ من يبتغِ أن يبدّل قوميّته العربية بقومية لم توجد يوماً، ألا وهي «القومية الدّرزية» مقابل عضويّة الكنيست أو راتب أو وظيفة، فإنّ هذا لا يغيّر من التاريخ والحقائق التاريخية شيئاً». وهذا ما يؤكّد عليه أيضاً النائب سعيد نفّاع.

ورغم كلّ الدعايات الصهيونية العنصرية، فإنّهم يعامَلون معاملة متشابهة مع إخوانهم المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين. وقد فسّر المؤتمر القطري الأوّل لِلَجنة المبادرة الدرزية الذي عقد في شفا عمرو بتاريخ 9/9/1978، هذه السياسة العنصرية بحق الدروز قائلاً: «أمام الدعاية لسنا عرباً، وأمام السياسة العنصرية نحن «عرب مئة بالمئة»».

لكن ردّة الفعل الدرزية تُثْبت بالدليل القاطع عروبة الدروز، وتحرّكاتهم في الأرض المحتلة المناهضة للاحتلال ورفضهم الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي أكبر شاهد على ذلك. وكثير من الشباب الدرزي في داخل فلسطين المحتلة تعرّضوا للاعتقال والسجن نتيجة هذه المحاولات، مصمّمين على التخلّي عن حياتهم مع تمسّكهم الصلب بالأصالة العربية وترسيخ الانتماء لها، ورفضهم أن يكون الموحّدون الدروز «سكّيناً في ظهر أُمّتهم العربية»…

وخرجت اللجان الدرزية في الأرض المحتلّة كخطوة أولى على هذا الطريق، وكدليل على تشبّثهم بالأرض وعلاقتهم العضوية بها. وكانت «لجنة المبادرة الدرزية» برئاسة الشيخ فرهود قاسم فرهود إحدى العلامات البارزة في طبيعة الصراع. وليس الشاعر العربي الفلسطيني الدرزي سميح القاسم إلّا أحد الرموز التي تمثّل المقاومة بأروع صورها، وعندما رفض الانصياع لقانون التجنيد الإلزامي قال: «إنَّني كعربي أؤمن بعروبتي… أرفض حمل البندقية، وإنَّ تجنيدي بالقوة سيحيلني إلى مجرم… وستكونون مسؤولين عن كلِّ النتائج».

كذلك الحال بالنسبة للصحفي التقدمي سلمان الناطور، الذي أعلن موقفه الرافض للخدمة العسكرية في جيش الاحتلال قائلاً: «إنَّني أرفض الخدمة في جيش الاحتلال لأنّني إنسان أولاً، وعربي ثانياً، وفلسطينيّ ثالثاً، ودرزيّ رابعاً».

وتأتي انتفاضة دروز هضبة الجولان ضدّ السلطات الصهيونية حلقة من سلسلة المقاومة الدرزية للصهاينة، وهي امتداد للمرحلة السابقة التي بدأت بالمَرَدة والبيزنطيين والصليبيين والمغول والمماليك والعثمانيين مروراً بالفرنسيين وانتهاء بالصهيونية وحلفائها.
فعملية البقاء التوحيدي الدرزي لا يمكن ترسيخها إلا بمقاومتها لهذا الأخطبوط الصليبي القديم – الجديد. كما يتّخذ في كثير من الأحيان طابع التحدّي المباشر والمدوّن خطيّاً كما هي الحال مع عاصم الخطيب أحد قادة لجنة المبادرة الدرزية في رسالته المفتوحة إلى غولدا مائير رئيسة وزراء الصهاينة سابقاً والتي يقول

فيها: «أقسم لك يا سيّدتي قَسَماً عربيَّاً… ولكي تنامي يا سيدتي مرتاحة البال اتبعي هذه النصائح بعد أن تحفظيها:

  1. تقول دائرة المعارف البستانية… إنّ من أجداد الدروز الحاليين عشرة ممَّن بايعوا الرسول (صلعم) بيعة الرضوان تحت الشجرة.
  2. الأنسيكلوبيديا العبرية تؤكِّد وتقرّر أنَّ الدروز عرب أقحاح.
  3. في نشرة داخلية سِريّة لمكتب مستشار رئيسة الوزراء صدرت عام 1958 ورد في صفحة 6 قول الدكتور حاييم بلانك: «لغة الدروز العربية على الإطلاق، ولا مجال للافتراض بأنّ أصل الدروز يختلف كثيراً عن أصل الناطقين بالعربية». ويضيف الدكتور بلانك: «يخطئ من يعتقد أنَّ الدروز ليسوا عرباً، فالدروز هم قحّ العرب».

وردّاً على عروبة الدروز أصدرت وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية ثلاثة كتب بإشراف الدكتور الصهيوني جبرائيل بن دور هي: «التراث الشعبي الدرزي» و«القيم والتقاليد الدرزية» و«دروس في الآداب الدرزية». وضمن خطّة إقامة الدويلات في المنطقة العربية عمدت الصهيونية بعد سقوط الهضبة السورية في أيدي القوات الصهيونية لطرح مشروع الدولة الدرزية، ولم يكن هذا الطرح الصهيوني بصدد إقامة الدويلات الطائفية في المشرق العربي جديداً، لكن أهميته تكمن بُعيد الانتصار السياسي والعسكري الصهيوني على الأنظمة العربية، وإظهار القوة الصهيونية بأنها «قوّة لا تُقهر».

وقد كان لكمال جنبلاط – عبر المحامي كمال أبو لطيف وكمال كنج أبو صالح (من الجولان) – دور هام في إفشال هذا المخطط وتبليغه للسلطات الرسمية في سوريا ومصر والعراق ولبنان يومها…، ممّا كان له أبلغ الأثر على مختلف الأصعدة المتعلّقة بالموحدين الدروز ومواقفهم الوطنية والعروبية الملتزمة بمذهبهم التوحيدي… إنّه الدور المشرّف «للكمالات الثلاثة» على هذا الصعيد.

من هنا يتوضّح بكل جلاء أنّ موقف الدروز من عروبة فلسطين لا تشوبها أية شائبة. ومهما حاول أعداؤهم أن ينالوا منهم ويشوّهوا حقيقتهم، تبقى الحقائق التاريخيّة وتجاربهم في ميادين الحياة المختلفة، المعيار الأوّل والمقياس الوحيد للحكم عليهم. و«القومية الدرزية» (الخرافة) هي ذاتها «القومية اليهودية» التي قامت على أساسها دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين. فقومية الدروز هي القومية العربية ولن يرضَوْا عنها بديلاً. وهم، أينما كانوا في مناطق تواجدهم، يشربون من نبع واحد هو «التوحيد»، والتوحيد لا يدعو مطلقاً إلى التقسيم القائم على العنصرية والتمزّق والتشتّت. فوحدتهم هي الوحدة العربية، وكذلك قوميتهم. ومن يحاول من المغرضين والحاقدين تحميل «الأقليَّة الدرزية» في فلسطين، التي كان عددها عام 1948 نحو 14 ألف نسمة مسؤولية النكبة وسرقة فلسطين يومها، فهم مخطئون فعلاً… مع العلم أنّ قرار إبقاء هذه الأقلية في أرضها للدفاع عنها، يعود إلى كمال جنبلاط والأمير مجيد أرسلان وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز محمّد أبو شقرا، يومها، والبيان التاريخي الذي صدر بهذا الخصوص عام 1948، مع رفض مطلق لترك أرضهم وبيوتهم ووطنهم… (مع الأمل بالتدخّل الدولي العادل لحلّ المشكلة). كما كان للقائد سلطان باشا الأطرش موقفه أيضاً لبقاء دروز فلسطين في أرضهم وعدم مغادرتها، باعتبار أنَّ المغادرة تعني «اللّاعودة».

ويدرك الدروز إدراكاً واعياً أنّ «مشروع الدولة الدرزية» هو مشروع صهيوني استعماري، على أساسه قامت «إسرائيل» العنصرية التوسعية، واعترفت بها أميركا، ورئيسها ترومان، بعد سبع دقائق من إعلان قيامها. وأي كيان لها في المنطقة العربية، هو نسخة عنها، وطعنة للعرب والعروبة. كما أكّد الأستاذ وليد جنبلاط، في محاضرة ألقاها بدعوة من «رابطة العمل الاجتماعي» في مقرها في بيروت، في معرض كلامه عن الطائفة الدرزية مؤكِّداً «إنّنا طائفة وطنيّة عربيّة، تقدميّة منذ فجر التاريخ، وهذا تاريخنا ولا نستطيع أن نتخلّى عن هذا المنطلق الأساسي». وعن الدور الوطني للطائفة الدرزية قال: «لا يمكن النظر إلى دورها الوطني إلّا من خلال كون الطائفة الدرزيّة من الإسلام والعرب في آن واحد».

وبهذا المعنى أيضاً وجّه العقيد معمّر القذافي برقيته إلى الملوك والرؤساء في الدول العربية والإسلامية في أيلول 1983 بمناسبة «ثورة الشوف» كما سمّاها، قائلاً: من العار أن يقف رؤساء وملوك الدول العربية والإسلامية متفرّجين في حين تقوم الدول الغربية والصهيونية في حملة صليبية عاشرة لقتل عشيرة عربية أصيلة (الدروز) تدافع عن العروبة والإسلام في أرضها التاريخية. أيلول 1983/ معمر القذافي.

هذه باختصار أبرز النقاط التي تؤكّد عروبة وإسلاميّة ووطنيّة الموحدين الدروز في فلسطين والجولان ولبنان وسوريا، كما في أي بقعة من بقاع تواجدهم. وهي الردّ المنطقي والطبيعي على كلّ الافتراءات والمزاعم التي تهدف إلى سلخهم عن أصولهم العربيّة والإسلامية، وتعمل على خلق هويّة خاصّة بهم، لا تمتّ إلى حقيقتهم التاريخيّة بأيّة صلة. وفي النّهاية نستطيع القول: إن: صاحب البيت أدرى بالذي فيه…


المراجع

  1. «الموسوعة الفلسطينيّة»، الجزء الثاني (إعداد د. أنيس صايغ)، الطبعة الأولى، دمشق 1984.
  2. سعيد نفّاع «العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ1948 »، الدار التقدمية، المختارة – لبنان، الطبعة الأولى 2010.
  3. د. صالح زهر الدين، «المسلمون الموحدون الدروز من أسلافهم حتى اليوم»، طبعة أولى 2019 (إصدار خاص).
  4. تيسير مرعي وأسامة ر. حلبي، دراسة بعنوان: «الحياة تحت الاحتلال: مرتفعات الجولان»، نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 13، شتاء 1993.
  5. غالب،أبو مصلح، «الدروز في ظل الاحتلال الإسرائيلي»، مكتبة العرفان، بيروت 1975.
  6. نبيه القاسم، «واقع الدروز في إسرائيل»، القدس، مطبعة دار الأيتام الإسلامية الصناعية، الطبعة الأولى1976.
  7. أنيس فوزي قاسم، «قانون العودة وقانون الجنسية الإسرائيليان»، بيروت 1972.
  8. الأمير شكيب أرسلان، «النقد التاريخي وعروبة آل معروف»، دراسة نشرت في مجلة «الميثاق»، الجزء السادس، حزيران 1980.
  9. عز الدين المناصرة، «الدروز الفلسطينيون»، دراسة نشرت في مجلة «شؤون فلسطينية»، عدد 108، ت2، 1980.
  10. Toufic Touma, «Paysans et Institutions féodales au Liban», (2 tomes), Beyrouth.
  11. Volney, «voyage en Egypte et en Syrie», Tome 2, Paris 1959.
  12. Adel Ismail, Histoire du Liban, Tome 1, Paris 1955.
  13. «الأنباء» (جريدة ناطقة بلسان الحزب التقدمي الاشتراكي)، بيروت، العدد 1400. الاثنين 15 شباط 1982.
  14. «الضحى»، العدد 02، كانون الثاني 2011.

نَسَبُ الأُمراء المعنييِّن

بـدأَ حكمُ الأمراء المعنيين لبلاد الشوف، أو جبل الدّروز في أواخر عهـد المماليك. ومنـذ الفتح العثماني لبلاد الشام في العام 1516م، انتقل حكم البلاد إلى الأمير فخـر الدين المعني الأوّل، مؤسّس قـوّة المعنيين السياسية. وبلغت ذروتها في عهـد حفيده الأمير فخـر الدّين المعني الثاني، الذي سطّر صفحة بارزة في تاريخ لبنان، واعترف بـه الباب العالي سـيّدا على بلاد العرب، من إنطاكية حتى بلاد صفـد، ومـن ساحل البحر المتوسط حتى حدود دمشق. وتميّـز عهـد الإمـارة المعنيّـة بغياب النّزاعات الـدينيّة، وبالتعايش السّلمي بيـن الطوائـف. وكانت له المساهمة الأهمّ في تشكيل الكيان اللبناني. واستمرّ حكم المعنيين إلى آخر عهـد الأمير أحمـد المعني، الذي توفّي عام 1697م، ولم يترك عـقَباً. فانتقل الحكم بقرابة الخؤولة إلى الأمراء الشهابيين حكّام وادي التّيم.

أحاول في هـذا البحث، إثبات انتماء الأسرة المعنيّة إلى التنوخييّن. وإنّ المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في مرحلة ما قبل معركة مرج دابق، التي حصلت في العام 1516، والتي أدّت إلى هزيمة المماليك وانتصار العثمانييّن الذين دخلوا بلاد الشام ومن ثمّ مصر. هي مصدران: تاريخ بيروت لصالح بن يحيى(١). وتاريخ ابن سباط(٢). المؤرّخ ابن سباط، كان معاصراً للحقبة المذكورة، والأحداث التي جرت خلالها. وقـد توقّف عن تـدوين تاريخه سنة (926هـ/1519م). والسنوات القليلة السابقة لهذا التاريخ، شكّلت جزءًا مُهمّاً من تاريخ لبنان الحديث. أمّا بالنسبة لكتاب تاريخ الأزمنة للبطريرك اسطفان الدويهي (1630-1704). فقد جرت أحداث عديدة في عهد الدّويهي، عمل بالبحث عن أسبابها، وقد كان قريبا منها. أمّا المصادر الأُخرى وبخاصّة تاريخ حيدر الشهابي، وأخبار الأعيان لطنّوس الشدياق، رغم أهميّتهما. فإنّ مسافة زمنيّة طويلة تفصلهما عمّا أحاول دراسته.

ذكر المؤرّخ طنّوس الشدياق في كتابه أخبار الأعيان في جبل لبنان ما يلي:

في نسبة الأمراء المعنيين للإسلام

هؤلاء الأمراء ينتسبون إلى الأمير معن بن ربيعة، المُتَسلسل من العرب الأيوبييّن، المُتسلسلين من ربيعة الفَرَس بن نزار بن معد بن عدنان، المنتسبة إليه العرب المستعربة. بأنَّ أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيذر بن اسماعيل بن ابراهيم الخليل. قام منهم رجل يدعى ربيعه ارتحل من الجزيرة الفُراتيه إلى الديار الحلبيّة. وفي سنة 1120م، ارتحل ولده معن إلى الشوف بناء لأمر طغتكين المملوكي صاحب دمشق، الذي أمره أن يقوم بعشيرته إلى البقاع، ومنها يصعد إلى جبال لبنان المُشرفة على الساحل ويتّخذها حِصناً، ويطلق الغارات على الإفرنج الذين في الساحل(٣).

يذكر الدّكتور كمال الصليبي في كتابه «منطلق تاريخ لبنان» بأنّ هذا القول فيه نظر، لأنّ الزعامة الدرزيّة في ذلك الوقت كانت لآل جندل، الذين يسيطرون على وادي التيم وجزء من الشوف، وقاعدتهم الحصن المعروف بـ «شقيف تيرون» قرب بلدة نيحا، ولم تزل قرية «حارة جندل، أو حارة الجنادلة» وهي قرية في الشوف، تحمل اسمهم إلى اليوم. ولم يرد ذكر آل معن في المصادر التاريخيّة قبل القرن الرابع عشر الميلادي(٤).

من هم المعنيّون؟

لقد وردت بعض الأسماء من آل معن، بحسب علاقتهم بالأمراء البحتريين والأرسلانيين. فبداية ذُكِر المعنيّون في تأريخ الأمير نجم الدين محمـد بن حِجى بن محمـد بن حِجى، المُتوَفّى سنة 705هـ / 1305م. الذي قام على أولاد علم الدين معن، وهم سيف الدين غلاّب وأخوه عبد المحسن وكرامه. وكان سكنهم بـ (اعْبَيْه)، تحت عماير السّلف إلى جهة الغرب. فما بَرِح نجم الدين محمـّد عليهم حتى رحَّل غلاّب وأخيه عبد المحسن إلى رمطون. أمّا أخوه كرامه راوس(٥) وحلف أنّه ما يرحل عن وطنه(٦).

نتّفـق بالرأي مع المؤرّخ أنيس يحيى بأنّ أصل الأمراء المعنيين، يعود إلى علم الدين معن الذي كان مستوطنا بلدة عبيه، وهو ابن «متعب بن أبو المكارم بن عبد الله بن عبد الوهاب بن هرماس بن طريف، وهرماس هو أبو طارق الذي ينتسب إليه الطوارقة، وهم فخـذ من بني عبد اللـه، كما أنّ هرماس هو مجمع الخلف في طردلا(٧) وعين كسور. وقد انتقل أولاد علم الدين معن من عبيه إلى رمطون، بعد خلاف مع نجم الدين محمـد بن حِجى الذي كان عاقّ والده المتوفَّى سنة (705هـ 1305م). وبعد انتقالهم إلى رمطون، استطاع أحدهم وهـو علم الدين سليمان(٨) بن سيف الدين غلاّب بن علم الدين معن، أن يحصل على إقطاع. فصدرت باسمه مناشير بإقطاعه من السلطة المملوكية. وكان من بين الأربعة الذين لُقِّبوا بالكبار في هذه الجهات. وهم: جمال الدين حِجى بن محـمد بن حِجى، وأخوه سعد الدين خضر، وناصر الدين الحسين، وعلم الدين سليمان . وينتمـي علم الدين معـن وذريته من بعـده، إلى آل عبـد اللـه التي هي صفة تنوخيي الغرب.

لـم يَرِد ذكر بنو معن كأمراء على جبل الشوف إلّا في أواخر عهد دولة المماليك، حيث يذكر ابن سباط أنّ فخر الدين عثمان ابن معن، أمير الأشواف من أعمال صيدا، توفِّي في شهر ربيع الآخر سنة (912هـ / 1506م). كما يذكر وفاة أمير آخر هو يـونس بن معن. ويذكر «أنّ يوم وفاته كان عظيماً لأنّه توفِّي شابّاً عام (917هـ 1511/)»(٩) وفخر الدين عثمان ورد اسمه في كتابة نُقِشت على قاعدة مئذنة جامع ديـر القمر الذي شـيّده.

ويذكر ابن طولون، أنّ آل مَعن يعود استقرارهم في بلاد الشّوف إلى فترة زمنيّة أطول بكثيـر من الفتح العثماني لبلاد الشام. ويذكر أيضاً أنّه في أحداث سنة 904هـ/ 1498م، أنّ «نايب دمشق المملوكي أكّـد الإحتراس من إبن معـن، لكون بلاده مجاورة لبلاد إبن الحنش»(١٠). كما يذكر بولياك في كتابه «الإقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان» بنو رمطوني هم زعماء اقطاعيون قطنوا ضواحي بيروت منذ عام 1309م. وفي اعتبار بني معن أنّ نسبهم ينتهي إلى الرمطونيين. وأنّ التقليد الزّاعم أنَّ أحفاد المعنييِّن هم من سلالة أمير بـدوي يُعرف ب (معـن)، نـزل إلى لبنان عام 1120م، (الشّدياق ص 162و247)، ليس سوى خرافة لاصِحّـة لها(١١).

تمثال لِفَخر الدّين المَعني الثاني من أمام المكتبة الوطنية في بعقلين.
ارتحال المعنييِّن من رمطون إلى ديـر القمر وبعقلين

لقـد ارتحل المعنيُّون عن رمطون، لأنَّها تقع ضمن إقطاع أمراء الغرب البحترييِّن. فيما كانت إقطاعات المعنييّن في منطقة المناصف. حيث يفصل نهر الصّفا بين المنطقتين. ولا نستبعد أنّ هناك صراعاً كان بين معنييّ رمطون والبحتريين في اعبيـه، بسبب الميول الخارجيّة، أم بسبب الصراع في توزيع الإقطاعات. هـذا الصراع الذي تأجّج مـع وصول العثمانييِّن إلى بلاد الشام. وهـو (القيسي- اليمني)، فآل بحتـر جعلوا القيسية تجمعهم فيما بعـد. لعلّها كانت مُضمَرة في السّابق، لعدم إشارة أحد من المؤرّخين إليها. كذلك زعامة الأرسلانيين التي تختلف سياستهم عن سياسة آل بحتـر. حتى ظهر فيما بعـد انتماء كلّ من البحترييّن والأرسلانييّن إلى حزبين مختلفين، هما القيسي واليمني. كذلك زعامة تنوخييّ عين دارا أحفاد بني الفوارس، فلا نستبعد أنّهم كانوا على غير وفاق مع آل بحتـر في اعبيه. لكن على الأرجح، إنّ زعامة عين دارا زعامة يمنية. وكانت قيادة الحزب اليمني في ذلك الـدور للأمراء التنوخييِّن آل القاضي وآل علم الدين والأمراء الأرسلانيين. لذلك اختار المعنيّون منطقة المناصف التي فيها إقطاعهم. واتّخـذوا من بلدتي بعقلين ودير القمر مركزاً لسكنهم وقاعـدة لحكمهم. وأقاموا فيهـما عمائر، لـم تـزل عمائر دير القمر إلى الآن بحالة جيّـدة في رونقها وضخامتها(١٢).

خلال وصول العثمانييِّن إلى بلاد الشام كانت هناك إمارتان. واحدة في الغرب وقاعدتها اعبَيـه، وأميرها شرف الدين يحيى، الذي قال عنـه ابن سباط وعـن سوء أحوالها: «وفي أيام الأمير شرف الدين يحيى فسدت أحوال الناس، وزاد الظّلم، فاقتضى بذلك زيادة الضرائب، بعـد أن كانت في أيّام أبيه في رخاء عظيم(١٣). وإمارة أخرى في الشوف قاعدتها دير القمر، يستأثر بها أميران معنيّان، الأوّل قرقماز بن يونس، وهو الوريث الشرعي بحسب منطق ذلك العصر، والثاني علم الدين سليمان، عـمّ الأول والمكلّف بالوصاية عليه. بالإضافة إلى مقاطعة الأرسلانييّن في الغرب أيضاً.
إنّ المؤرخ حمـزه بن سباط، بالرّغم من عمله الجيّد في كتابة تاريخه، فقـد كان تنوخـيّ الهـوى. كأنّه أراد أن يحصر اهتمامه بالإمارة التنوخيّة. وهو أشبه بأستاذه صالح بن يحيى، فلم يذكـر ابن سباط عن الأرسلانييّن شيئاً. وما ذكره عن المعنييّن المعاصرين للفريقين الأوّلين. وما أشاره عنهم كان قليلاً جـداً.

إنَّ التحليل الذي يقدّمه الدكتور كمال الصّليبي في دراسته عن آل معن بعنوان: «The Secret of the House of Ma’an»(١٤) حول علاقة الأمير علم الدين سليمان بالأمير قرقماز ودرجة القرابة بينهما، فيذكر ما يلي: «إنَّ وفاة الأمير يونس بن فخر الدين عثمان المعني، المُتَوفّى شابًّا عام 1511م، جعل من المُرجّح أن يكون ولده قرقماز طفلاً في ذلك الوقت، ولا يحسن إدارة الحكم دون وصي مـن قريب. فكان الأمير علم الدين سليمان، وهو إمّـا عـمّ الأمير قرقماز أو خاله». وعلى الأرجح. أن يكون عمّـه لا خاله. وإنَّ انتماء الوصي الأمير علم الدين سليمان إلى آل معـن، ربّمـا هو السبب في ما آلت إليه الأمور في البيت المعني من نزاعات وصراعات بين هذين الأميرين أسّسا لخلاف استمر حتى نهاية المعنيين كأسرة حاكمة. وشكّل في الوقت عينه محطّة في تحـديد مسار لبنان الحديث. أبرزها التمهيد لمعركة عين دارا التي حصلت في العام 1711م، والتي ما زالت نتائجها فاعلة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر(١٥).

لجوء فخر الدين ويونس إلى آل الخازن في كسروان

بـدأ الدروز يشكلون تهـديداً للدّولة العثمانية. وازدادت خطورة التمـرّد ضـدّ العثمانييّن، نتيجة حيازة الدروز والمناطق المجاورة، الأسلحة النارية المستوردة من الخارج وخاصّة من أوروبا، وعـدم دفع الضرائب. وفي العام 1565م، ورد في دفتر الأمور المهمّة عن مُهاجمة الدروز للسّباهية المكلّفين بجباية الضرائب، فقتلوا بعضهم وطردوا البعض الآخر. فصدر على الأثر الأمر للسلطات في دمشق بمهاجمة الجبل. فنشبت معركة بين القوات العثمانية والدروز في عين دارا، كان النّصر فيها حليف الدروز، بفضل بنادقهم التي كانت أحدث من بنادق العثمانييّن وأقوى فعاليّة. واستمرت محاولات العثمانيين منـذ سنة 1565 لتجريد الدروز من السلاح وإجبارهم على دفـع الضرائب. رغـم ذلك فإنَّ مقاومة الدروز للعثمانيين لـم تخمـد، فيردّ عليها العثمانيون بحملات انتقاميّة مُتكـرّرة، أو إجراءات تأديبية قاسية. وبقيت المناطق الدرزيّة في حالة عصيان في الأعوام 1583 و1584 و1585، واعتبر العثمانيون أنّ قرقماس والد فخر الدين هـو الأسوأ(١٦)، وأنّ أهالي نواحي الجـُرد والمتن والغرب وشوف ابن معـن يمتنعون عن دفع الضّرائب، وقد ظلُّوا لمدة سبعين عاماً مدينين بسبعين كَـرّة مقدارها (100724)، أقجـة. وهم في كلّ عام يستمرّون في عـدم أداء الضّرائب المتوجّبة عليهم(١٧).

في شهر تمّوز عام 1585، أصدرت الدولة العثمانية، الأمر إلى وُلاتها لمهاجمة مقاطعات الجبل، ولمصادرة البنادق وتحصيل الضرائب. فقام ابراهيم باشا والي مصر على رأس حملة عسكريّة ضخمة، بمهاجمة بلاد الدروز، فحصل قتل ونهب وحرق قرى وأخذ أموالاً طائلة وألوفاً من البنادق. عندها فوجئت مؤخّرة الجيش العثماني بكبسة من الدروز الذين قتلوا حوالي خمسمائة شخص. عندها قـرر ابراهيم باشا الانتقام. فأُحرقت عين دارا ونُهبت، ودمّـر 19 قرية في جوار عين دارا، وتعرّض الدروز لمجزرة رهيبة. ومات أميرهم قرقماس قهـراً(١٨). وربّما كان قتل الجنود، هو السبب في إقدام الوالي على قتل أعداد كبيرة من عقّـال لدروز في عين صوفر، بعـد أن خـدعهم وصادر أسلحتهم.

يشرح التاريخ اللّبناني أنَّ حملة ابراهيم باشا، كانت نتيجـة لحادثة السَّطو التي تعرضت لها الخزنة المصريّة على شاطئ طرابلس، وهي مُتَوَجّهة إلى إسطنبول. وتحميل الأمير قرقماس وأتباعه مسؤولية هـذا السّطو. لكن المصادر المُعاصرة لذلك الوقت، عُثمانيّة أو دمشقيّة أو إيطالية، تؤكّد أنَّ الخزنة المصريّة كانت قـد وصلت إلى إسطنبول كاملة. والهجوم الذي حصل على بلاد الدروز، كان نتيجة عصيان السكّان منذ أوائل القرن السادس عشر. وعـدم دفع الضرائب. وأنّ الدروز يملكون بنادق حربيّة طويلة متطوّرة، تفوق بفعاليَّتها بنادق الجيش العثماني. وكانت قد حصلت ثلاث حملات عسكريّة في السابق على بلاد الدروز، لكنّها فشلت. بسبب تمـرّد السكان وصعوبة المسالك الجبليّة. وليس هناك من ذِكـر لحادثة السَّطو، إلّا في المصادر اللبنانيّة(١٩).

حول لجوء فخر الدين ويونس إلى كسروان بحسب ما ذكره طنّوس الشدياق

الذي يروي أنَّه بعـد موت الأمير قرقماس، أمرت زوجته السيّدة نسب مـُدَبِّرَهُ الحاج كيوان الماروني الدّيراني، أنْ يُخَبِّئ إبنيْها الصّغيرين فخر الدين ويونس عند أحـد الأمناء في كسروان. فأجابها إلى ذلك، ونهض بهما ليلاً إلى كسروان، وخبّأهما في قرية بَلّونه عند ابراهيم بن سركيس وأخيه رباح الخازن. وبعد ست سنين، لمّا صارت الرّاحة في لبنان، دعـا الأمير سيف الدين التنوخي، الأمير فخر الدين وأخيه يونس إبني أخته إلى اعبيه وربّاهما. ولمّا بلغا أشدّهما، سلّمهما ولايتهما في الشّوف. فاستدعى الأمير فخر الدين إليه ابني سركيس الخازن، وجعل عنـده ابراهيم مُـدَبّراً(٢٠).

إنَّ رواية لجوء الأميرين فخر الدين ويونس إلى آل الخازن في كسروان. دوّنها الشيخ شيبان الخازن في مخطوطة عام 1820، وتناقلتها بعض الأقلام(٢١). إنَّ هذه الرواية مُختَلَقة وتحمل في طيّاتها مغالطات عديدة منها:

  • السيّدة نسب زوجة الأمير قرقماس المرأة الواعية، لا يُعقل أن ترسل ولديها إلى كسروان التي هي تحت حكم آل عسّاف اليمنيين، أعداء آل معن القيسييِّن.
  • لـم يَذكر الخالدي الصّفدي في كتابه « تاريخ الأمير فخر الدين المعني» حادثة لجوء الأمير إلى آل الخازن، وهذا المؤلِّف لازم الأمير وعمل في حاشيته. وإنّ الشيخ خطّار ابن ابراهيم الخازن كان برفقة الخالدي في حاشية الأمير. وذكر الخالدي أنّ الحاج كيوان من بلوكباشيّة الشّام(٢٢).
    ولـم يذكر المؤرخ المُحِبِّي هـذه الحادثة، وهو الذي ألصق بالأمير فخر الدين تهمة الزندقة بتعامله مع الإفرنج ضدّ السلطان(٢٣).
  • بالنّسبة للحاج كيوان، لم تقم بينه وبين الأمير فخر الدّين أيّة علاقة قبل العام 1607، وجاء في تاريخ المُحِبِّي: «كيوان ابن عبداللـه أحد كبراء أجناد الشام، كان في الأصل مملوكاً لرضوان باشا نائب غزّه، ثم صار من الجند الشامي. ولمّا توفى نائب غزّه جاء كيوان إلى ابن معن وسافر معه إلى بلاد الإفرنج» (بولس قرالي).
  • البطريرك اسطفان الدّويهي الذي كان مُعاصراً للأمير أحمد المعني ذكر ما يلي: «وفي هذه الأحوال، أرسل الأمير سيف الدين التنوخي، وأخذ إلى عنده أولاد أخته الأمير فخر الدين والأمير يونس، وعند نهاية الستّ سنين، رجع الأمير سيف الدين إلى اعبيه في الغرب، وولّى الأمير فخر الدين على بلاد الشوف»(٢٤) دون الإشارة إلى لجوء الأميرين إلى بلّونه ورعاية ابراهيم الخازن لهما.
  • مخطوطة بعنوان «عودة النّصارى إلى جرود كسروان» دوَّنها الخوري بطرس زغيب، خادم حراجل (1701-1729)، نشرها الخوري بولس قرالي. تؤرخ أعمال آل الخازن والخدمات التي أدَّوْها إلى كسروان خلال عهدي المعنييّن والشهابييّن. لم يذكر لجوء الأميرين إلى آل الخازن. (منير اسماعيل، ملحق جريدة النهار 29/10/1972).
  • كذلك الوثائق الفرنسيّة والإيطاليّة والإسبانيّة لم تأتِ على ذكر لجوء فخر الدين ويونس إلى بلّونه.
  • لا علاقة للحاج كيوان ببلدة دير القمر أو بالمذهب الماروني، أو بعائلة نعمه ضو كما ذكر جوزيف نعمـه (أوراق لبنانيّة ج1 ص 147). والأميران فخر الدين ويونس، بعـد وفاة والدهما، أمضيا السنوات السّت تحت رعاية خالهما الأمير سيف الدين التنوخي، كما يذكر البطريرك أسطفان الدّويهي. (تاريخ الأزمنه ص 448).

المراجع
  1. صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، تحقيق فرنسيس اليسوعي وكمال الصليبي، دار المشرق، بيروت، 1986.
  2. حمزة بن سباط، صدق الأخبار تاريخ ابن سباط، تحقيق عمر تدمري، جروس برس، طرابلس لبنان، 1993.
  3. طنوس الشدياق، كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان، نظر فيه فوأد أفرام البستاني، منشورات الجامعة اللبنانية، 1970، ج1، ص 186 و235.
  4. كمال الصليبي، منطلق تاريخ لبنان، منشورات كارافان نيويورك، 1979، ص 106 – أنظر أيضاً ابن القلانسي، ذيل في تاريخ دمشق، بيروت 1908، ص 241.
  5. عاند، وباللغة العامية يقال «كبّر راس»
  6. صالح بن يحيى م. س. ص 149، و167.
  7. أي هو أساس العائلة، وطردلا هي قرية دارسة كانت قائمة قرب عين كسور لجهة الغرب.
  8. صالح بن يحيى، م، س، ص 169.
  9. ابن سباط، م س ، ص ج 2 ص 856.
  10. الحسن البوريني، تراجم الأعيان من أبناء الزمان، دمشق، 1959 / 1963، ج 1 ص 334.
  11. بولياك، الإقطاعية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، ترجمة عاطف كرم، منشورات دار المكشوف، بيروت 1948، ص 47و 48.
  12. أنيس يحيى، التنوخيّون، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، 1999 ص210 – انظر أيضاً زينات بيطار، فن العمارة والزخرفة في الإمارة التنوخية، م. التراث الدرزي، بيروت، 2010- ص 185 هامش.
  13. ابن سباط، صدق الأخبار، م، س، ص 376
  14. – Kamal salibi – The Secret of The House of Maan pp 12 – 13
  15. أنيس يحيى، التنوخيّون، م، س، ص 220.
  16. – A. Abu. Husayn. Provincial Leaderships in Syria 1575- 1650 beirut 1986- 67- 69
  17. عبد الرحيم أبو حسين، لبنان الإمارة الدرزيّة في العهد العثماني، دار النهار بيروت، 2005، ص 47و48.
  18. جان شرف، الأيديولوجيا المُجتمعيّة، منشورات الجامعة اللبنانيّة، بيروت، 1996، ص 185.
  19. عبد الرحيم أبو حسين،م.س، ص 30.
  20. طنّوس الشدياق، كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1970، ص 67و 238.
  21. نسيب وهيبة الخازن وبولس مسعد، الأصول التاريخية، مجموعة وثائق تنشر لأول مرة، عشقوت 1958، مج 3ص 351و 352. أنظر أيضا منير اسماعيل، مقال في ملحق جريدة النهار بتاريخ 29/10/1972.
  22. الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين المعني، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1969.ص 17.
  23. بولس قرالي، فخر الدين المعني الثاني ودولة توسكانا، دار لحد خاطر، بيروت، 1992 ص 123.
  24. اسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنه، دار لحد خاطر، بيروت، ص 448.

شيوخُ المُوَحِّدين قبل الأمير السيّد عبد الله (ق)

نُشِرَتِ الكثيرُ من المقالات والأبحاث والكُتب عن الرّؤساء الرّوحيِّين للموحّدين (الدّروز)، وعن سائر كبار شيوخهم الدينيِّن، فيها عرض لِسِيَرِهم ومناقبهم ومآثرهم. لكنّها خلَت من الحديث عن شيوخهم الدِّينييِّن قبل الأمير السّيد عبد الله (قدّس الله سرّه)، في المرحلة الواقعة بين القرن الحادي عشر للميلاد، والقرن الخامس عشر. وبناءً على هذا ساد الاعتقاد عند البعض أنّه ما من شيوخ في هذه المرحلة، كما رأى البعض الآخر أنّ وجودهم فيها أمرٌ طبيعيّ لِتَسيير الشؤون الدينيّة، لكنَّ أسماءهم وأعمالهم غابت لعدم تدوينها، أو لِفُقدان المُدوَّنات عنهم جرّاء الحروب بين القوى الإسلاميّة المتصارعة على النّفوذ في المشرق العربي ومصر، والحروب بين هذه القوى والرُّوم البيزنطييِّن، ثم الفرنجة (الصّليبييِّن)، والتَّتار (المغول).

كان لنا شرف المُساهمة في الكتابة عن الرِّئاسة الروحيّة ومُتسلِّميها بمقالات عدّة، وبكتبنا الأربعة التالية: جبل العرب، صفحات من تاريخ الموحِّدين الدروز، الصادر سنة 1985، ومشيخة عقل الموحِّدين (الدروز) في لبنان وسورية وفلسطين، الصادر سنة 2015، والشيخ محمّد أبو شقرا شيخ عقل الموحِّدين الدّروز، الصادر سنة 2017، والمجلس المذهبي والأوقاف عند الموحِّدين (الدروز) في لبنان الصادر سنة 2018. وكُنّا في كتابنا الثاني، أي مشيخة عقل الموحِّدين، أوّل من تحدّث عن الشيوخ السابقين للأمير السّيد عبد الله، لكن حديثنا كان موجَزًا، لذا نرى التوسُّع فيه بهذا البحث الذي نُمهِّد له بالتكلّم عن الرِّئاسة الروحيّة وألقاب الرئيس الرّوحي، والأمير السّيد عبد الله، وذلك من قَبيل إلقاء المزيد من الأضواء عليه.

الرِّئاسة الروحيّة عند الموحِّدين (الدروز)

الرِّئاسة الروحيّة للموحِّدين (الدروز) هي، كَكُلِّ رئاسة دينيّة لأيّة طائفة، أحد رموز كيانيّتهم وشخصيّتهم المعنوية بين الطوائف الأخرى، واستقلالهم في إدارة شؤونهم المذهبيّة. ولمُتسلِّمها صلاحيّات التّمثيل الديني للموحِّدين إزاء الآخرين، وتسيير الشؤون الدينيّة وفق التعاليم الموضوعة، والإشراف على الأوقاف، وفق الأعراف والشّرع الإسلامي، ثمّ في لبنان وفق الأنظمة والقوانين التي وُضعت لتنظيمها، وتولّي القضاء الذي كان من وجوهه في لبنان الاستمرار في رئاسة المحكمة المذهبيّة العليا إلى حين تنظيم القضاء المذهبي وإنشاء هذه المحكمة وتحديد قضاة مُخَصّصين لها في سنة 1967. ودوره لا يقتصر على الصّعيدَين: الاجتماعي والديني، بل يتعدّاهما إلى الصّعيد الزمني السياسي حيث يشارك في اتِّخاذ القرارات، وتحديد المواقف من الأطروحات التي تهمُّ الطائفة والبلاد، وبات له أيضًا في لبنان دور نهضويّ وتنمويّ ورِعائي لمؤسّسات المُوحّدين ونشاطاتهم من خلال الصلاحيّات التي نصَّ عليها قانون انتخاب شيخ العقل الموضوع في 12 أيار 1962، ثم قانون تنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدروز الموضوع في 9 أيار 2006.

والرّؤساء الروحيّون مُعتَبَرون مع سائر كبار رجال الدين «حِرْز الطائفة»، لأنّهم يصونونها بالحكمة وحُسن الرأي والتدبير وإسداء النُّصح وإعطاء البركة للأشخاص والأعمال، فيما القادة الزّمنيّون مُعْتبَرون «سياج الطائفة»، لأنّهم يحمونها بالسيف وبالسياسة، ويدافعون عن الأرض والعِرض والكرامة. وأعمال القيادتين: الدينية والزمنية، مُتكاملة لتحقيق مصالح الموحّدين، والحفاظ على مصيرهم ووجودهم، وتعزيز شأنهم، وإبراز دورهم. وقد رأى كمال جنبلاط أنّ الرِّئاسة الروحيّة ليست زعامة بالمفهوم الزّمني السياسي السّلطوي، بل هي زعامة بالمفهوم التوحيدي الأصيل، وعرّفها بأنّها امتداد تاريخي تقليدي لفكرة الإمامة، فقال: «أمَّا الزعامة الروحيّة في المعنى المعروف الشائع فإنّها لا تنطبق على المفهوم التوحيدي الدرزي الأصيل، بل إنّ الزّعامة الروحيّة الحقيقيّة هي نقيض الزعامة الوجاهيّة في القصد الزمني العادي المُنطوي على فكرة الرِّئاسة والمؤسَّس على السلطة والجاه. هذه الزّعامة الرّوحية الأصيلة هي اشتقاق معنوي وامتداد تاريخي تقليدي لفكرة الإمامة أي الرّشادة والحكمة وسُلطة التّوجيه والتقويم لمن تكون له من ذاته ومن تحقّقه وعرفانه مُكنة التوجيه وحقه واستحقاقه»(1).

وبالرّغم من وحدة المُعتقَد لم يكن للموحِّدين (الدروز)، في المناطق المأهولة بهم في بلاد الشّام، رئاسة دينية واحدة، لأنّه ليس لهم نظام ديني إكليريكي، كما عند المسيحيِّين، يُحدِّد المناصب وتسلسلها ومسؤولياتها وصلاحياتها، ولأنّهم لم يعيشوا عبر العصور في كيانيّة سياسيّة أو إداريّة واحدة، ممّا أدى إلى تعدُّد الرئاسات لتعدّد البلدان والمناطق، وبُعد بعضها عن البعض الآخر، وأدّى إلى تعدُّدِها حتى ضمن المنطقة الواحدة، مع بروز شيخ أكبر أحيانًا بفضل نَسَبِه ونفوذِه، أو بفضل تقواه وتديُّنه وامتلاكه لِقَدْر من المعلومات أكثر من إخوانه. يُضاف إلى ما ذُكر من العوامل التي أدّت إلى تعدُّدية الرئاسة عاملُ الغَرَضِيّة أو الحزبيّة كما كان الحال في جبل لبنان، وعامِلَا العشائريّة والمناطقيّة كما كان الحال ولا يزال في جبل العرب في الجمهوريّة السوريّة.

ألقابُ الرِّئيس الروحيّ

أُطلق على الرّئيس الرّوحي للموحّدين (الدروز) لقب «الشيخ» قديمًا، مُقتَرِناً أحياناً بصفة تميّزه. وأُطلق عليه منذ القرن الثامن عشر لقب «شيخ العُقّال» «شيخ العقل»، الذي هو حاليًّا اللّقب الرّسمي المُعتمَد في لبنان، والوارد في القوانين فيما لا يزال لقب الرئيس الرّوحي مُعْتَمَدًا عند الموحِّدين في فلسطين على صعيد رسمي. أما في سوريا، فيعتمد آل الهجري هذا اللّقب.

لَقَب الشّيخ: هو أوّل لقب أُعطي للرّئيس الرّوحي عند الموحِّدين، وأُضيف إليه صفة أو أكثر تُحدِّد مكانته وأهمّيّته، وعُمِّم مؤخَّرًا، فصار يُطلَق على أيّ رجل دين منهم. ولِلَفظة «الشيخ» مدلول تَقَدُّم المرء في العمر وبلوغِه مرحلة ما بعد الكهولة. وهي أيضًا لقب رئاسة زمنيّة على عشيرة أو قبيلة أو قرية، أو حيٍّ، أو منطقة، وكان لقب رؤساء طوائف الحِرَف والصنائع، وحاليًّا لقب الحكَّام والمسؤولين في بعض إمارات ودول الخليج العربي، كما أنّه لقب رئاسة دينية عند المسلمين في قرية أو مدينة أو منطقة أو بلاد، ولقب رؤساء المذاهب الإسلامية والعلماء، والفقهاء والمُفْتِين، ولقب مؤسِّس أو رئيس إحدى الطُّرق الإسلاميّة الصوفيّة، ولقب المسؤول أو الخطيب في أحد الجوامع والمساجد.

وردت لفظة «الشيخ» في أدَبيَّات الموحّدين (الدروز) لقبًا للدُّعاة ولمُساعديهم من قادة الجيوش والأعيان وشيوخ العشائر والمناطق وحتى للأُمراء، مُضافًا إليها عند معظمهم صفة تُميِّز أحدهم عن الآخَر(٢).

وُصِف البارزون من رجال الدين، ومنهم رؤساء روحيّون وشيوخ زمانهم، بما يتّصفون به، وذلك في معرض الحديث عنهم، أو في النقش والكتابة على أضرحتهم، مثل المقرّ الأشرف، والصّدر الأجلّ، والسيّد، والفضيل، والفاضل، والجليل، والطاهر، والورِع الديّان، والزاهد العابد، والورِع التقيّ، وعين الأعيان، وصفوة الأقران، وزين الخلّان، وبهجة العصر والزمان، والعالِم العامِل، والعالِم العلّامة، والعُمدة الفهّامة، وخليفة الأجواد، والدّاعي إلى سبيل الرّشاد، والعَلم المُنير الزّاهر، ورئيس المُدقِّقين، وقدوة المتّقِين، والثِّقة الأمين، والدّيَّان الفطين، ومحلّ الوقار والدين… إلى آخر ما هنالك من الألفاظ والتعابير الحسَنة في الأدبيات الدرزية. أمّا هؤلاء البارزون، فإنَّهم يذكرون أنفسهم بلفظتَيّ الحقير والفقير من قَبيل التواضع.

وأُعطي للأبرز بين شيوخ بلاده أو زمنه لقب شيخ المشايخ، وشيخ العصر، وشيخ البلاد، وشيخ البلدان. وهذه الصفات أعطِيَت لمن تميَّزوا بكثرة التّقوى والتعبُّد والزّهد والتصوّف، أو نبغوا في العلوم الدينية، أو تعدَّت شُهرتهم منطقتَهم. فلقب «شيخ المشايخ»، مثلًا، أُعطي للشيخ بدر الدين حسن العنداريّ المُعاصِر للأمير فخر الدين المَعنِيّ الثاني. ولَقَب «شيخ العصر» أُعطي أوّلًا للأمير السيّد عبد الله(ق) الذي يصحُّ أن يُلقَّب أيضًا بشيخ جميع العصور. وقد وصفه الشيخ صلاح الدين الحلبي بواحد العصر، وذلك عندما جاءه مُسْرعًا بثياب العمل من حلب إلى اعبيه حين علم أنّه مُتكدِّر عليه لقصيدة قالها، فأنشد أمامه قصيدة امتدحه فيها، ومنها البيت التالي:

ولـــي حـــــاجةٌ أرجو من الله تنقضــي على يدِكَ البيضاءِ يا واحدَ العصر

لقبا «شيخُ العقال» و» شيخُ العقل»: يعود هذان اللّقبان إلى القرن الثامن عشر. وقد جانَب الموضوعيّة كلُّ مَن أعطاهما لشيوخ ما قبل القرن المذكور، إذ في هذا إسقاط للحاضر على الماضي. وكما هناك خطأ في ذلك، هناك أيضًا خطأ في تفسير البعض للقب «شيخ العقل» اعتمادًا على أحد المعنيَيْن التاليِيَن لِلَفظة «العقل»:

  1. العقل بمعنى العقل الأدنَى أو العقل البشريّ الذي يقود الإنسان إلى استكشاف العقل الأرفع وإدراك الحقيقة.
  2. العقل بمعنى عقل الأُمور، أي فهْمها وحلّها وربطها.

والتفسير الحقيقي للقب «شيخ العقل» هو أنّه تصحيف للقب «شيخ العُقَّال»، الذي نشأ بعد نشوء مُصطلح «العاقِل». مؤنّثُه العاقلة، وجمْعُه «العُقّال» الذين هم رجال الدين، أو الأجاويد، أو الأجواد، أو الروحانيون، ويقابله مُصطلح «الجاهِل» وجمْعُه «الجُهَّال» وهم رجال الزّمن أو الجسمانيّون. والعاقل هنا هو مَن عقل الأمور الدينية وفهِمَها وعمل بموجبها، فاهتمَّ بخلاص نفسه، وأقام الصلوات وعالج الأمور بالحكمة، وتحلّى بالصفات الحميدة وأوّلها الصّدق، وراقب ذاته قولًا وعملًا، والتزم الوقار فامتنع عن شرب المسْكِرات والمُنْكَرات، وعن اللّهو، وكلّ ما يُسيء إلى السُّمعة. والجاهل هو من لم ينضمَّ إلى سِلْك الديّن ويفهم الأمور الدينيّة، ومَن يقوم ببعض أو بكلّ ما يَمتنع عنه رجل الدين (العاقل). ولا يُعلم بالضّبط متى نشأ مُصطلَحَا «العاقل»، و»الجاهل»، إلّا أنّ أدبيّات الموحِّدين بدأت تتضمّنهما منذ أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. ولرُبّما كان هذا وليد النّهضة الدينية التي أحدثها الأمير السيد عبد الله(ق)، والتي وصفها تلميذه الشيخ أبو علي مرعي (…- 1494م) بالقول: «كانت البلاد في ذلك الزمان – القرن الخامس عشر الميلادي – لا يُسمع فيها إلّا هذا حَفِظ، وهذا عَلِمَ، وهذا فَهِم، والدّنيا كلُّها مَجاني سعادة، والخير يافعٌ مُقبِل والشرُّ مغلوب مُدبِر»(٣). كما أنّ الشيخ أبا علي مرعي ذكر لفظتَي العاقل والجاهل، كما سنرى.

وردَت عبارة «المشايخ العقّال»، بمعنى رجال الدين، في تاريخ الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني للشيخ أحمد الخالدي الصّفدي المُتوَفَّى سنة 1624، الذي ذكر أنَّ الأميرة نسب التنوخيّة، والدة الأمير فخر الدين، حضَرَت لمقابلة والي دمشق أحمد الحافظ باشا «ومعها من المشايخ العُقّال نحو ثلاثين رجلًا»(٤). وورَد عند المُحبِّي المتوفَّى سنة 1699 أنّ مشايخ الدروز يُدْعَون: «العُقّال»(٥). ولا يُعلم بالضبط متى نشأ لقب «شيخ العقّال» بمعنى الرئيس الرّوحي، إلّا أنّه ورد لأوّل مرة في النصوص، مُصَحّفاً أي شيخ عقل في معرض حديث حيدر الشهابي عن حوادث سنة 1762، حيث ذكر اسم حامله، وهو الشيخ إسماعيل أبو حمزة.

وردت الإشارة إلى أنّ أصل لقب» شيخ العقل» هو «شيخ العُقّال» وذلك بتصحيف لفظة «العقّال» التي غدت « العقل». وقد بدأ مع العُمّال الأتراك حسبما يذكر الضّليع في تاريخ الدروز «عارف النَّكَدي» عن هذين اللّقبين اللّذين عاشا معاً حِقبة من الزمن. فهو يقول في مقالة له عن مشيخة العقل في الصفحة 288 من مجلّة «الضّحى» (السنة 1954) ما يلي: «كان اللّقب الصحيح الذي يُطلق على صاحب هذا المنصب «شيخ العقال» لا «شيخ العقل» غير أنّ الأتراك لِما كانوا لا يَجمعون عقل على عقّال فكان بعض عمّالهم يستعملون «شيخ عقل» وعلى هذا غلب الاستعمال وجرى الناس عليه.

إنّ المؤرِّخ حيدر الشهابي (1760-1834) – وبعد أن ذكر الشيخ بدر الدين حسن العنداريّ، المتوفَّى في حدود سنة 1635، بلقب «شيخ مشايخ الدروز» – ذَكر الشيوخ الدينييِّن في جبل لبنان بلقب «شيخ العقل» بدءًا بالشيخ إسماعيل أبو حمزة المُتوفَّى سنة 1798، فجاءت عنده عبارة «شيخ العقل» عشر مرات، وعبارة «شيخ العقّال» مرّة واحدة(٦). ووردَت عبارة «مشايخ العقل» مرّتين، وعبارة «شيخ العقل» مرّة واحدة عند حنانيّا المنيّر (1756-1823)(٧). كما وردت عبارات «شيخ عقّال الدروز» و «مشايخ عقّال الدروز «عند طنّوس الشّدياق المتوفَّى سنة 1861(٨). ووردت عبارتا «شيخ العقل» و «مشايخ العقل» عند قنصل فرنسا هنري غيز الذي أقام في بيروت ولبنان في الرّبع الأوّل من القرن التاسع عشر(٩). وردت عبارة «شيخ العقل» 6 مرّات في المراسيم المُرسَلة من الولاة العثمانيِّين بدءًا بسنة 1790، ممّا يدلّ على أنها باتت مُتداوَلة على الصّعيد الرّسمي كما على الصعيد الشعبي، كما أنّ تداولها رسميًّا وشعبيًّا ظلّ يجري مترافقًا مع تداول لقب «شيخ العقّال» حتى أوائل القرن العشرين، بدليل أنّ مضبطة انتخاب الشيخ حسين حمادة شيخ عقل، في سنة 1915، تضمَّنَت عبارة «شيخ العقَّال» ثلاث مرّات(١٠). ولم تتضّمن عبارة «شيخ العقل» فيما تضمّنت مضبطة انتخاب الشيخ حسين طليع في سنة 1917 عبارة «شيخ العقل» مرّتين ولم تتضمّن عبارة «شيخ العقال».

بعد عرض بعض وجوه تداول لقَبَيّ المشيخة، نخلُص إلى القول: إنّ لقب «شيخ العقل» الناتج من التّصحيف ترافق ذكره مع لقب «شيخ العقّال» ثم أخذ يحلُّ مكانه تدريجاً إلى أن أصبح أخيراً الاسم الرّسمي. وفي رأينا أنّه ليس للمؤرّخين أي دور في إيجاد تسمية «شيخ العقل» كما يرى البعض، وإنّما تداولوها فقط كما تداولوا تسمية «شيخ العقّال» أُسوة بسائر الناس. وبناءً على ما ورد يمكن تقسيم زمن الرّئاسة الروحيّة إلى مرحلتين، وذلك تجنُّبًا لسحب لقب «شيخ العقّال» أو «شيخ العقل» على زمن لم يكن مُتداوَلًا فيه، وهاتان المرحلتان هما:

الأولى: مرحلة الشّيوخ، وهي اثنتان أيضًا هما مرحلة شيوخ ما قبل الأمير السيّد(ق) أي شيوخ البلدان، والمرحلة التي تبدأ بالأمير السيّد وتنتهي بسنة 1763، وسِمَتُها كَثرة شيوخ العصر والعلماء.

المرحلة الثانية: مرحلة شيوخ العقّال أو شيوخ العقل التي تبدأ بسنة 1763، ولا تزال مستمرّة حتى اليوم.


الأمير السيِّد عبد الله(ق)

الأمير السيّد عبد الله(ق) (…-1479 م) هو الأمير جمال الدين عبد الله التّنوخي، المُتَحدِّر من الأمير بحتر مؤسِّس الإمارة البحتريّة التنوخيّة المُتعارف عليها باسم الإمارة التنوخيّة، المتَحدِّر بدوره من الأمير تنوخ أحد أحفاد الملوك المناذرة اللَّخميِّين. لم يكن الأمير السيِّد من البيت البحتري الحاكم في زمنه، ولا من الأمراء البحترييِّن الكبار كالأمراء الأربعة الكبار وهم: الأمير جمال الدّين حِجى الثاني، وأخوه الأمير سعد الدين خضر، والأمير علم الدين سليمان الرّمطوني، والأمير ناصر الدين الحسين، لكنّه كان أميرًا كبيرًا في المجال الدِّيني، وغدا أشهر من مشاهير الأسرة البحتريّة، ووُصِف بأمير الأمراء النّجباء، وجمال الدين والدنيا، إضافة إلى ست عشرة صفة منها صفة «الإمام»(١١) عند وجوده في الشّام.

لسنا الآن في معرض الحديث عن سيرة الأمير السيّد وتعاليمه ونهجه ومؤلَّفاته وتلاميذه وأعماله وتأثيره، إذ لا موجب لذلك هنا، لأنّ كلّ من كتب عن الرِّئاسة الرُّوحية للموحِّدين (الدروز) تحدَّث عنه وعنها، ولأنّه صدرَت باسمه أبحاث وكتب، منها: «دُرّة التاج وسلَّم المعراج» لتلميذه الشيخ سليمان بن نصر، و «وليٌّ من لبنان» للمؤرِّخ يوسف إبراهيم يزبك، و»سيرة التّنوخي الأمير السيِّد وآداب الشيخ الفاضل» للمؤرِّخ عجاج نويهض، و «الأمير السيّد» للدكتور فؤاد أبو زكي. كما أنّنا تحدّثنا عنه في كتابنا: «مشيخة عقل الموحِّدين (الدروز)». لذا سيقتصر حديثنا عنه على النواحي الثلاث التالية:

إنّ الأمير السيِّد عبد الله(ق) هو أشهر الشيوخ أو الرؤساء الرُّوحيِّين عند الموحِّدين (الدروز)، وأشهر أوليائهم وأشهر وأقدم علمائهم الدِّينييِّن. وقد انفرد بلقب «السيِّد» الذي لم يُعْطَ لأيّ رئيس روحيّ غيره، وإنْ كان قد شاع مؤخّرًا وشمل بعض الشيوخ التُّقاة، وأصبح لقبًا دينيًّا يناديهم إخوانهم به في مآتمهم، أو يذكرهم به الناس في أحاديثهم، فيقولون: «سيّدنا الشيخ فلان». إلّا أنّه لم يُكرَّم أحدٌ غيره بعبارة: «قَدَّس الله سرَّه» أو عبارة: «قدّس الله روحه»، وذلك عند ذكره لفظًا أو كتابة. ومن وجوه تكريمه زيارة مقامه في اعبيه والنّذر له للتبرُّك، وإقامة احتفال في مقامه بتاريخ 4/9/1979 بمناسبة مرور خمسمائة سنة على وفاته، وإنشاء معهد باسمه على وَقْفِه الذي وقَفَه في قريته اعبيه، هو «معهد الأمير السيِّد للعلوم التوحيديّة». الذي أصبح بعد التّرخيص له كُلِّيَّة.

وضعَ الأمير السيِّد(ق) الكثير من التّعاليم موضع التطبيق، وأوجد نهجاً خاصًّا أحدَث تحوُّلًا ونهضة دينيّة عند الموحِّدين بعد مرورهم في مرحلة من الانحطاط الديني الذي برز أكثر ما يكون في «بلاد الغرب» في أواخر القرن الرابع عشر والمُنتصف الأوّل للقرن الخامس عشر، ذلك أنّ الأمراء التنوخييِّن انصرفوا إلى الحياة الدنيويّة، وتشبّهوا بالملوك في البذخ والتّرَف واللّهو، والاستعانة بالجنود والخدم حتى آلَ الأمرُ في بداية زمن الأمير السيِّد إلى الوضع الذي وصفه تلميذه الشيخ أبو عليّ مرعي، بما يلي:

«إنّ الأمور كانت انطمسَت وفَسدت، وكاد يَبطُل حلالُها وحرامُها، وأمرُها ونهيُها، وعَمهَت البصائر، وقلّ تفكُّر الناس في أمور دينهم، وفي خلق الخليقة والبعث والنّشور والحساب والعقاب، …وبات لا يُميَّز العاقل من الجاهل، والفاضل من المفضول، وكثُرت الشُّبُهات، واتَّصلَت أشكال بغير أشكالها، ولم يحافَظ في الأمور على حدودها، كما تَعاطَى الناس الرِّبا كأنّه من الحلال»(١٢). وما قاله الشيخ أبو عليّ مرعي يتضمَّن لفظَتَي العاقل والجاهل اللَّتَين وردت الإشارة إليهما عند تفسير لقب «شيخ العقال».

لاقى النّهج الذي أحدثَه الأمير السيّد معارضة ممّن سمّاهم تلميذه الشيخ سليمان بن نصر «الأشرار والغَفَلة المُتَمرِّحين في ميادين وسع المهلة»(١٣)، فاضطُرّ الأمير للرّحيل إلى دمشق حيث عاش فيها 12 سنة عاد بعدها إلى قريته اعبيه تلبية لطلب أهل البلاد، الذين امتثل معظمُهم لأوامره واتّبع تعاليمَه. لكنَّ المعارضة لنهجه ستستمرّ بعد وفاته بدليل قتل أمير الأمراء في «الغرب» مع أربعين رجلًا من رجاله للأمير ناصر الدين محمّد التنوخي الذي تمشَّى على نهجه. وللدّلالة على أهميّة هذا النهج، ودوره المستمرّ في تحديد سلوك رجال الدين نذكر ما جاء في سيرة الشيخ الفاضل رضي الله عنه الذي بلغ منزلة كبيرة، لِمَا ظهر منه وبان من السلوك الدّقيق والهمّة العالية والآراء السديدة والعزائم الشديدة»(١٤). أمّا ما جاء في سيرة الشيخ الفاضل المعروفة بآداب الشيخ الفاضل، فهو ما يلي:

«ومن آدابه رَحِمَه الله تعالى مع كتابات الأمير السيِّد قدّس الله روحه أنّه كان واقفًا على جليلها وحقيرها، مُلتزمًا حدودَها، حاضًّا على العمل بها وانتهاج نهجها. وكنا نسمعه يقول: كلّ ما رآه الإخوان من أمور تشابهَت والتبسَت، ودواخل تغيَّرَت سببُه عدم ملازمتهم كتابات السيّد الأمير قدّس الله روحه. وكان يقول: كتابات السيِّد الأمير أمامنا، وهي أوّل ما يحاسبنا الله فيه يوم القيامة، لأنّها واضحة موضّحة، ما تركَتْنا في شُبهة ولا أبقتنا في حَيْرة، وفيها كفايتُنا وما نريد عِلمًا وعملًا»(١٥).

يُعتبر الأمير السيِّد المؤسِّس الفعلي للرّئاسة الروحيّة عند الموحّدين، بمعنى أنّه أوّل من وضع النّهج والقواعد التي تمشَّى عليها الشيوخ الذين جاؤوا بعده لتسيير الشؤون الدينية. وتُعتَبر مرحلته محطّة رئيسة فاصلة في تاريخها، الأمر الذي جعل الكثير من المؤلِّفين يبدؤون سلسلة الشيوخ به لهذا السبب ولضبابيّة المرحلة السابقة له، وانطباع المرحلة اللّاحقة بطابَعه. وإذا كانت معظم تفاصيل المرحلة اللّاحقة معروفة، فإنّ المرحلة السابقة تقتضي إلقاء الضوء عليها، وتبديد ضبابيّتها.

شيوخُ البلدان

من الطّبيعي أن يكون للموحّدين (الدروز) شيوخ قبل الأمير السيِّد، في المناطق المأهولة بهم في بلاد الشام، يهتمُّون بشؤونهم المذهبيّة، ويشكّلون مرجعيات دينية لهم في فَهم المُعتقد، وممارسة طقوس العبادة، والزواج والموت. وممّا يعزِّز ذلك وجود تفسيرات لنصوص قديمة، تَوارَثها الموحّدون في جميع مناطقهم، أصحابها مجهولون، ومن المُعتَقد أنّها لشيوخ علماء من المنطقي أن يكون لهم موقعهم الديني ومكانتهم المرموقة. وممّا يعزِّز ذلك أيضًا مَن سنذكرهم اعتمادًا على المؤرِّخين: صالح بن يحيى وابن سباط، إضافة إلى وجود الشيخ زهر الدين ريدان زمن الأمير السيِّد، ووجود معارضين بارزين لأُطروحاته.
كان في كلّ منطقة أو «بلاد» شيخ، وفي أكثر الأحيان بضعة شيوخ، هم الأكبر والأعلم بين رجال الدين. والبلاد مُصطَلح جغرافي يُطلق على منطقة ما، كما يُطلق على دولة. وقد وردت لفظتها في النصوص العائدة للعهد المملوكي. وهي، على العموم، مفصولة عن غيرها بحدود طبيعيّة كالنّهر والجبل. والبلدان التي توَطَّنها الموحِّدون (الدروز) هي:

في لبنان
كَسروان التي كانت حدودها الجنوبيَّة تمتدّ إلى نهر الجعماني الذي يشكِّل مع نهر حمَّانا نهر بيروت، والمتن والجرد والغرب والشُّوف وجِزِّين وراشيّا وحاصبيّا ومرجعيون والبقاع الغربي.

في سورية
حلب، وجبل السُّمَّاق الواقع حاليًّا في محافظة إدلب، والذي انحصر وجود الموحِّدين فيه بعد أن كانوا موجودين في جهات حلب وأنطاكية، يُضاف إليهما دمشق، والغوطة، والجَولان الذي يشمل إقليم البلّان ووادي العجم. أمَّا جبل حوران، فوجود الموحّدين فيه حديث يعود إلى سنة 1685 م.

في فلسطين
صفد، وكانت مملكة تشتمل على شمال فلسطين وجنوب لبنان حتى نهر الليطاني، حسبما حدَّدَها المؤرِّخ العُمري(١٦). وهي تضمُّ فيما تضمّ النواحي التالية المأهولة بالموحّدين (الدروز) اليوم: ساحل عكّا والشّاغور والجليل والكرمل.

إنّ شيوخ البلدان أو المناطق المذكورة مجهولون في مرحلة ما قبل الأمير السيِّد، لأنّه ما من كاتب تحدّث عنهم، وما مِن نَصٍّ قديم أشار إليهم، باستثناء ما جاء في تاريخَي صالح بن يحيى وآخر هو ابن سباط اللَّذَين يمكن الاستدلال على بعض شيوخ «بلاد الغرب» من خلال ما ورد فيهما، ومن خلال الاستنتاجات. فلولا هذَين المؤرِّخَين، وخصوصًا صالح بن يحيى، لضاع معظم تاريخ الإمارة البحتريَّة التنوخيَّة، وضاع بالتالي معظم المعلومات عن أعلامها الزمنيِّين والدينيّين.

بلاد الغرب

الغرب، في اللّغة، مكان غروب الشمس والجهة المعاكسة للجهة التي تشرق منها (الشرق). وبلاد الغرب تسمية أطلقتها القبائل العربيَّة، التي توطَّنَت جبل لبنان بعد الفتح العربي، على المنطقة المُطِلَّة على ثغر بيروت وساحلها الجنوبي، لأنّ هذه القبائل اتّجهت إليها غربًا، ولأنّها واقعة إلى الغرب من منطقتَين أُخرَيَين نزلت فيهما، هما الجُرد والمَتن. تمتدّ «بلاد الغرب» من نهر بيروت شمالًا، إلى نهر الدّامور جنوبًا، ومن منطقة «الجُرد» شرقًا إلى الساحل غربًا، وقد أسّس المناذرة اللخميُّون الذين توطَّنوها إمارة دُعِيت «إمارة الغرب»، ودُعِي أميرها منذ سنة 866 م «أمير الغرب» بحسب ما جاء في السِّجلّ الأرسلاني، وبحسب ما جاء بعد ثلاثة قرون ونيّف من هذه السنة في تاريخ صالح بن يحيى. بدأَت هذه الإمارات بالإمارة الأرسلانيّة، وانتهت بالإمارة البحترية التنوخية التي استمرّت بضعة قرون، لكنّها ضعُفت في نهاية عهد المماليك، وبداية عهد الأتراك العثمانيين، ممّا أدّى مع أسباب أخرى لانتقال النفوذ إلى الأمراء المَعنيِّين الذين أسَّسُوا إمارتهم في الشّوف الواقع إلى جنوب منطقة «الغرب».

وممّا يجدر ذِكره هو أنّ بعض أمراء «الغرب» أُقطِعوا قرى في المناطق أو البلدان التالية المأهولة بالموحّدين: الجُرد والشُّوف ووادي التَّيم وصفد. وكانت قواعدهم الكبرى في عهد الإمارة البحتريّة: عرَمون واعبيه.

شيوخ بلقب الأمير في “بلاد الغرب”

من الشيوخ الأمراء الأوائل في «بلاد الغرب» الشيوخ الذين وردَت أسماؤهم في أدبيّات الموحّدين (الدروز) عن القرن الحادي عشر الميلادي، ومنهم الأمير أبو إسحق إبراهيم جدّ والد الأمير بحتر الذي يتحدَّر منه الأمير السيِّد عبد الله.

يُعتَبر الأمير بحتر مؤسِّس الإمارة البحتريّة التنوخيّة وذلك منذ أن تَسلَّم منشورًا في عهد الأتابكة بإقطاعه في «بلاد الغرب» بتاريخ محرّم 542هـ (أيار 1147م). وتَوالى بعده الأمراء من ذرّيّته إقطاع هذه البلاد لبضعة قرون، وحافظوا في منطقتهم الجبليّة الحصينة على إمارتهم وعلى وجود الموحِّدين فيها، وتميّزوا بالتقيُّد بتعاليم معتقد التوحيد، ومنها الاكتفاء بزوجة واحدة. وممّا يُؤْثَر عنهم «عدم الزواج إلّا من أقاربهم وبنات ألزامهم ذوي الأصول»، واهتمامهم ببناء المساجد ورعايتهم للموحّدين وخصوصًا للأجواد أو الأجاويد منهم، وانصراف بعضهم إلى الزّهد والتعبُّد والتقوى وحِفظ الكتاب العزيز.

ذَكر صالح بن يحيى ونَقل عنه ابن سباط سِيَر سبعة أمراء تنوخييِّن يصحُّ تلقيبهم أيضًا بالشيوخ، هم الأمير جمال الدين حِجى الثاني وابنه الأمير شجاع الدين عبد الرحمن، والأمير علم الدين سليمان الرّمطوني، والأمير عماد الدين موسى، والأمير صلاح الدين يوسف، والأمير سيف الدين غلَّاب الرمطوني، والأمير ناصر الدين الحسين الثاني. وسنتكلّم عنهم بالتفصيل.

الأمير جمال الدين حِجى الثاني
وُلد الأمير جمال الدين حِجى الثاني المعروف بجمال الدين الكبير في 24 جمادى الآخر 633هـ (آذار 1236م)، وتوفِّي في 12 شوّال 697هـ (تمّوز 1298م). وهو ابن الأمير نجم الدين محمَّد بن جمال الدين حِجى بن كرامة بن بحتر. أقام في طردلا الواقعة إلى الشمال الغربي من قرية اعبيه قبل انتقاله إلى هذه القرية. كان أمير «الغرب» وأُقطِع بعض قرى الجرد. وبلغ إقطاعه من الملِك الناصر صلاح الدين يوسف (سلطان دمشق) 12 قرية، ومن السلطان الظاهر بيبرس 20 قرية. حافظ على إمارة «الغرب» بتأييده للقائد المغولي كتبُغا، حاكم دمشق من قِبَل الفاتح المغولي هولاكو، فيما أيّد ابنُ عمّه الأمير زين الدين صالح المماليكَ، تداوَل أربع دول لحكم بلاد الشّام في سنة واحدة، هي الدولة الأيُّوبيّة بقيادة الملك الناصر يوسف، ودولة المماليك البحريّة بقيادة السلطان قُطز، ودولة المماليك البحرية بقيادة السلطان الظاهر بيبرس، ودولة التّتار (المغول). سجنه السلطان بيبرس في مصر بين سبع وتسع سنوات، وأُفرج عنه في عهد ابنه السلطان السعيد بركة في سنة 677هـ (1278م).

إنّ ما ورد ذِكره عن الأمير جمال الدين حِجى الثاني يفيد أنه كان رجل زمن، وأميرًا على قومه، وقائدًا مَيْدانيًّا. وما سيرِدُ ذِكره يُظهر أنّه رجل دين بارز أيضًا، إذ قال عنه صالح بن يحيى ما يلي: «كان رجل دين خَيِّر لم يوجد في زمانه مثله وكانوا يُعدُّونه من الأولياء الكبار. لزم القناعة والزّهد في آخر عمره. ولمّا استرجعوا (أقاربه) الإقطاعات والأملاك قَنِع منها بعد الكثير بالقليل وهي عين درافيل ومزرعة شمشوم ومزرعة مرتغون وإشكارة قرطبا، عطيَّة من أقاربه بخطوطهم من غير منشور وذلك في سنة أربعة وتسعين وستماية»(١٧). وهذا التاريخ يوافق سنة 1294 م، ويسبق تاريخ وفاته بثلاث سنوات ونيِّف. أمّا تاريخ استرجاع أقاربه لإقطاعهم، فكان بعد انضمامهم إلى جُند الحلَقة في عهد الملك الأشرف خليل. وشأن الأمير جمال الدين حِجى في الجمع بين الزّعامة الزمنيّة والرِّئاسة الدينية هو، مثلًا، كشأن الشيخ عليّ جنبلاط (1690-1778) الذي كان أكبر الشيوخ الزمنيِّين في جبل لبنان، وصار من شيوخ العقل بعد انضمامه إلى سلك رجال الدين.

هناك دليل آخر يُثبت صلاح الأمير جمال الدين حِجى الثاني وتديُّنه، وهو طرده لابنه نجم الدين محمّد من اعبيه لأنّه كان عاقًّا له ولا يرضيه سلوكه. وقد اتّفق مع أقاربه على سجنه في بيروت. وحين أطلعه هؤلاء على نيّتهم الفتك به بعد الإفراج عنه، قال: «أنا لا أُطالب بدمه لأحد من خلق الله، ولكن لا يسعني عند الله أن آمُر بقتله»(١٨).

الأمير شُجاع الدّين عبد الرّحمن
الأمير شجاع الدين عبد الرحمن هو ابن الأمير جمال الدين حِجى الكبير. تاريخ ولادته مجهول وتاريخ وفاته هو في 4 جماد أول 749هـ (1348م). لم يرِث إمارة «الغرب» بعد أبيه لأنّها انتقلت إلى الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر الذي قطن عرمون. قال عنه صالح بن يحيى، ونَقل عنه ابن سباط، ما يلي:
«كان راغب فيما عند الله زاهد فيما عند الناس. أوفا بالخلافة لأبيه وسلك طريقته في المسالك الحميدة والزّهد والقناعة والعبادة. وكان عنده رياضة النّفس ووطأة الخلق. كان بين الصغار كأحدهم وبين الكبار أكبرهم. فاق أهل زمانه بالعلم والعقل والحلم والآداب. وقد ذكره محمّد الغزّي – شاعر الأمراء البحتريِّين – بأنّه واسطة عقدهم، ومحكّ نقدهم، وبركة عشيرتهم، ورأس مشورتهم، قُطب فلك المعارف، قدوة كل مُحقِّق وعارف». وقال فيه شعرًا وصفه فيه من جملة ما وصفه بالإمام:

شجــــــاع الديــــــــن خيرُ بنـــــي أبيــــــه
تعَبَّـــد خَشْـيـــــة الرّحــمـــــــن طوبــــــى
إمـــــــــــــامٌ زاد في دنيــــــــــــــاهُ زُهــــــدًا
لِحُرٍّ قــــد أتــــــى الرّحــمـــــــــنَ عبْــــدًا

كان الأمير شجاع الدين يغمض عينيه ولا يفتحهما حتى يتلو الكتاب العزيز سَرْدًا على ظهر خاطره، وكان يتلوه في نهار واحد، وله قصائد عديدة أكثرها في الزهد والورع والاعتقادات الجيّدة ومحبّة الإخوان والأصدقاء.

وفيما كان الأمير علم الدين سليمان الرّمطوني، الذي سنتحدّث عنه مشهورًا بقوّة النفس والحِدّة والغلظة في الحق مع سيادة ورئاسة، كان الأمير شجاع الدين مشهورًا بالتواضع ولين الجانب وكَثرة الحلم والكرم. وحين جرى عِتاب على أمر كان بينهما قال له علم الدين: ما أحوجَك إلى حرارة في العقل، فأجابه شجاع الدين: أنت أحوج منّي إلى برودة في الحلم.

وبناءً على اتِّصاف الأمير شجاع الدين بما ذُكر، وتديُّنه وتقواهُ، وتلقيبه بالإمام، وتمشِّيه على خُطى والده المُعتبر من الأولياء الكبار، كان له المركز الأوّل عند «أمير الغرب» ناصر الدين الحُسين، إذ كان يُجلسه عن يمينه لأنّه أبرز الأمراء بعده(١٩)، مع الإشارة إلى أنّه لم يُقطع قرى، ولم يكن رجل دنيا، كالأمير علم الدين سليمان الرمطوني الذي كان الأمير ناصر الدين الحسين يُجلسه عن يساره.

الأمير علم الدّين سُليمان الرّمطوني
الأمير علم الدين سليمان هو أصلًا من آل عبد الله، أبناء عمّ التنوخييِّن، لكنَّ صالح بن يحيى ألحقه وألحقَ ذرِّيته بالتنوخيِّين، بناءً على المصاهرة المُتبادلة بين الأسرتَين. وُلد في 19 محرّم 673هـ (تموز 1274م) وتوفِّي في 7 رجب 746هـ (تشرين الأول 1345م)، عُرف بـ «الرمطوني» لإقامته في رمطون التي هي اليوم قرية دارسة واقعة إلى الجنوب من كفَرْمتّى، وعُرف بعَلم الدين الكبير لأنّه أشهر وأبرز أمراء آل علم الدين الذين نُسبوا إليه، والذين عُرفوا لاحقًا بآل علم الدين اليمنييِّن، لترؤُّسهم الغرضيَّة اليمنيّة. قال عنه صالح بن يحيى في تاريخه:

«هو رجل جليل القدر، عظّمه الناس ونظروه بعين الوقار، وكان مشهورًا بقوّة النفس والحدّة بالحقّ والغلاظة على الباطل. وكان ناصر الدين الحسين – أمير الغرب – مَعنِيّ به غاية العناية، إذا قعد في مجلس يجتمع فيه الناس لم يقدّم أحدًا على شجاع الدين عبد الرحمن ابن عمه وعلى علم الدين المذكور فكان يُقْعد شجاع الدين عن يمينه ويُقعد علم الدين عن شماله وأقاربه تحتهم كلٌّ منهم في منزلته».

وتقديم صالح بن يحيى كلامه عن شجاع الدين على كلامه عن علم الدين في الوقت الذي يتكلّم عن علم الدين، وتقديم الأمير ناصر الدين الحسين له على قريبه بالمصاهرة (علم الدين) دليلان على تقدّم مركزه على مركز علم الدين. وجاء عند صالح بن يحيى أيضًا أنّه كان للأمير علم الدين شِعر رقيق يدلُّ على الزُّهد والتعبُّد، ذَكر منه خمس قصائد اختار منها أربعين بيتًا، نقتطف منها ما يدلُّ على تديُّنه:

يــــــــــــــــــا ســـــــــــــــــيِّدي وإلـــهـــــــــــــي
يــــــــــــــــــا مَــــن إلــيـــــــــــه مَصـيـــــــري
اِرحــــــــــمْ لضَـعــفِـــــــــيَ وَأرْثِــــــــــــــــــي
أنـــــــتَ العــلــيـــــــــــــــــمُ بحـــــــــالـــــــــي
ومَــــــــــــن عليــــــــــــــه اتِّكــــــــــالــــــــــــي
لِـــــــــــذلّـتــــــــي وانـــتـــحـــــــــالــــــــــــــــي
* * *
قنعتُ مـــــن ربِّــــــي بحُســـــن العمــــــل
إنْ قَلّــــــت الدنيـــــــــا وقــــــــلَّ العنـــــــــا
يــــــــــا معشـــــــر النّـــــــــاس فلا تَغفلوا
واستـيـقــظـــوا قبــــــل حلول القضـــــــا
واستدركوا فـــــــارطَ مـــــــــا قد مضى
تســــــــابَقوا للطــــــاعــــــات قبل الجَزا
من قبــــــــل يوم كــــــمِ امرِئ منــــكــــــم
هـــــــــــذا هو الـقــصـــــــد وكلُّ الأمــــل
فـالأصـــــل عند الله خيــرُ الـعــمــــــــل
فـــــــالـمـوتُ والعَرضُ يجيـــــكــم عجَل
واستعملوا الخوف وكــثــــــــر الوجَــــــل
مـــــن ســــــــــوء نيّــــــــــــاتٍ وكثر الخَلل
واستعملوا الخيرات قبــــل الخـــجـــــل
يعــــضُّ كفَّيه علــــــــــى مـــــــــــا فعل(20)

إنّ في صفات الأمير علم الدين، وفي مناجاته لله وشعره الزّهدي والحِكَمي، ونُصحه للناس بالقيام بخير العمل، وبطاعة الله، واستدراك ما قصّروا به قبل حلول الأجل، وقبل أن يأتي يوم الحساب: إنّ في هذه الأمور دلائل على تديُّنه وتَقْوَاه واطّلاعه على الحقائق واكتسابه قدرًا من الثّقافة الدينيّة يجعله في موقع النَّاهي والنّاصح، وهذه منزلة دينيّة إضافة إلى منزلته الزمنيَّة الناتجة من دخوله جُند الحلقة في عهد المماليك وإقطاعهم له بضعة قرى. ومن الدلائل على منزلته الدينيّة هو أنّه حين كان يعطس في رمطون كان الشيخ العَلم، المقيم في كفرفاقود المواجهة لرمطون، يقف له تعظيمًا لقدره وإجلالًا له.

الأمير عماد الدين موسى
الأمير عماد الدين موسى هو ابن الأمير بدر الدين يوسف بن زين الدين صالح بن عليّ بن بحتر أمير «الغرب». تاريخ ولادته مجهول وتاريخ وفاته هو 24 جماد الأول 768هـ (كانون الثاني 1367 م). جاء عنه في تاريخَي صالح بن يحيى وابن سباط ما يلي: «كان رجلًا ديِّنًا خَيِّرًا محمود السيرة مشهورًا بالجَودة والدِّيانة»(٢١).

الأمير صلاح الدين يوسف
الأمير صلاح الدين يوسف هو ابن الأمير سعد الدين خضر المعروف بسعد الدين الكبير، المُتَحدِّر من الأمير نجم الدين محمَّد بن جمال الدين حِجى الأوّل بن الأمير بحتر أمير «الغرب». تاريخ ولادته هو الثامن من شهر شوال 696هـ (تموز 1297 م) وتاريخ وفاته مجهول. إنّه جَدّ والد الأمير السيِّد عبد الله(ق). جاء عنه في تاريخ صالح بن يحيى ما يلي: «كان رجلًا دَيِّنًا خَيِّرًا ذا عقل وافر نافذ الكلمة مُبَجّلًا مُوقَّرًا عند أقاربه وعند الناس، رَيِّض النّفس، حسن الخلقة والأخلاق، وكانوا أقاربه من بعد أخيه ناصر الدين (الكبير) مُقتدين به سامعين لأمره»(٢٢).

الأمير سيف الدين غلَّاب
الأمير سيف الدين غلّاب هو ابن الأمير علم الدين سليمان الرّمطوني الذي ورد الحديث عنه. تاريخ ولادته هو 5 ربيع الآخر 701هـ (تشرين الثاني 1301 م) وتاريخ وفاته مجهول. جاء عنه أنّه «كان جيِّدًا خَيِّرًا ذا عقل ودين محبّ لأهل الخير»(٢٣).

الأمير ناصر الدين الحُسين الثاني
الأمير ناصر الدين الحسين الثاني هو ابن الأمير تقيّ الدين إبراهيم بن الأمير ناصر الدين الحسين الكبير. تاريخ ولادته مجهول، وتاريخ وفاته هو 15 جمادى الآخر 801هـ (شباط 1399م). جاء عنه أنّه «كان من أهل الخير والدين والثقة، كثير الدرس للعلوم، صادق اللهجة، مقبول القول، متمسّكًا بالكتاب والسُّنّة، وَدُودًا لأصحابه، كثير الشّفقة والحُنُوِّ عليهم، مُحبًّا لأهل الخير يُؤْثِر مجالستهم ومحادثتهم»(٢٤).

شيوخ من أصل أمراء في بلاد الغرب

توَطَّن الأمراء المناذرة اللّخميُّون عند قدومهم إلى لبنان «بلاد الغرب»، وأسَّسوا فيها إمارة توَلّاها أوّلًا الأرسلانيون، وتلاهُم أمير واحد من بني فوارس، فأمير واحد من آل عبد الله، بحسب ما جاء في السجلّ الأرسلاني(25). وبعده تَسلَّمها الأمراء البحتريُّون التنوخيّون ابتداءً من أواسط القرن الثاني عشر الميلادي. وفيما احتفظ معظم أفراد هذه الأُسَر، مع الأيّام، بلقب أمير، أو بلقب مُقدَّم، أخذ بعضهم ممّن دخل في سلك رجال الدين لقب «الشيخ»، كما أخذ آخرون لقب «القاضي» لتسلُّمهم شؤون نيابة القضاء في عهد الإمارة التنوخيّة، فكان منهم القضاة الأوائل وأشهر قدمائهم الأمير عماد الدين حسن الذي بنى جسرًا على نهر الصّفا عُرف باسمه (جسر القاضي).

أعاد أمين آل ناصر الدين الشيخ بدر الدين حسن العنداريّ، «الذي كان شيخ مشايخ الدروز في جبل لبنان زمن الأمير فخر الدين»(26)، إلى الأمير القاضي عماد الدين حسن، وذكر أنّه جَدّ فروع آل القاضي الأربعة في دير القمر وبيصور واعبيه وكفرمتى(27). وهذا مع ما ذُكر أعلاه يشير إلى الْتِماس بين ألقاب الأمير والشيخ والقاضي، كما يشير إلى التماس بين مراكزهم، ويؤكِّد أنّ هناك شيوخًا وقضاة من أصل أمراء.

وممّا يجدر ذِكره هو أنّ كثيرين مِمَّن حملوا لقب «الشيخ» وكان أسلافهم يحملون لقب «الأمير» لم يتدنَّ شأنُهم الاجتماعي، وأنَّ كثيرين ممّن حملوا لقب الأمير ما كان شأنهم ونفوذهم أعلى من شأن ونفوذ الشيوخ والقضاة. ومِمّا يجدرُ ذكره أيضًا أنّ بعضَ الأُسَرِ التي كان رجالها أمراء انتهت بأحفادهم شيوخًا مثل الشيخ أحمد العينابي الذي هو من سلالة الأمراء البحترييِّن التنوخييِّن ومن نسل الأمير جمال الدين حِجى الثاني. وفي ما يلي سنتكلّم عن ثلاثة شيوخ من أصل الأمراء.

الشيخ رشيد الكدواني
ذكر صالح بن يحيى حاشية بلغَت في تاريخه المُحقَّق نصف صفحة(٢٨)، ومفادها أنّ الأمير جمال الدين حِجى الكبير والأمير زين الدين بن علي بن بحتر دوَّنَا معًا على ورقة بتاريخ شهر ذي القعدة 655هـ (تشرين الثاني 1257 م) إشهادهما على نفسيهما بإعطاء الشيخ أبو الهدى رشيد بن الظاهر الكدواني، عند حضوره مع عائلته إلى «الغرب»، ثلاث غراير غلّة كلّ سنة، وبيتًا من بيوتهما، أو تعمير بيت له في أيّة قرية يختار السكن فيها، وزادَ الأمير زين الدين على ذلك كرْمًا وبستانًا. وما يعنينا من هذا هو الأمور التّالية:

صفات الشّيخ رشيد:
ذُكر الشيخ رشيد بـ «الشيخ الأجلّ الكبير»، ووُصِف بـ «أبو الهدى». وهذا ممّا يدلّ على تَقوَاه وتديُّنه، وموقعه الديني البارز المُتقدّم بين الشيوخ. أمّا تلقيبه بالكدواني فإنّنا لم نجد له تفسيرًا…

نسب الشيخ رشيد الكدواني:
إنّه من سلالة الأمراء الأرسلانيين، وقد غلب عليه لقب «الشيخ» لأنّه، أو لأنّ سلفه، من كبار رجال الدين. وقد ورد في نهاية حاشية صالح بن يحيى عنه أنّه ابن أبو الظاهر فيما صالح بن يحيى وغيره. ذُكر في أوّلها أنه ابن الظاهر الكدواني، والأُولى هي الأصحّ لأنّ نهاية الحاشية تشتمل على اسم ابنه وهو أبو الظاهر المسمَّى باسم جَدّه. كما ورد في نهاية الحاشية أنّ الشيخ رشيد هو من بني سعدان. والمعلوم أنّ هؤلاء فرع من أبي الجيش الأرسلانيِّين الذين سكنوا في عرمون. فسعدان هو ابن مفرّج بن أبي الجيش، لكنّه لم يُذكر في السِّجلّ الأرسلاني(29)، بل أُسقط منه اسمه وأسماء ذُرِّيّته كما أُسقِطت بعض أسماء فرع ثانٍ من أبي الجيش(30).

سكنُ الشيخ رشيد الكدواني:
يبدو من النّص أنّ الشيخ رشيد كان يسكن خارج «الغرب» بعيدًا عن أقاربه بني سعدان الذين كانوا يقيمون في عرمون. كما يبدو منه أنّه حضر إلى «الغرب» وأقام في كفرمتى في بيت بناه له على الأرجح الأميران جمال الدين وزين الدين، أو أحدهما، تنفيذًا لما جاء في إشهادهما على نفسَيهما.

مدلول وهب الأميرَين التنوخيَّيْن للشيخ رشيد الكدواني:
نجد في العديد من الأماكن من تاريخ صالح بن يحيى إشارات عدّة إلى آل أبي الجيش، ومنافستهم وبغضهم وخصومتهم للأمراء البحترييِّن التنوخييِّن، ووشاياتهم الكاذبة عنهم عند الحكّام، التي سبَّبَت لهم السجن والأذى والمتاعب(31). ومع هذا نرى أميرَين بحتريَّيْن يكرّمان الشيخ رشيد الكدواني ويهبانِهِ بيتًا يسكنه وغلالًا وأراضيَ يعتاش منها، وهذا يعود إلى السّببَيْن التاليَيْن:
1- وجود مُصاهرة ما.
2- تمشِّي الأميرَيْن جمال الدين حجى وزين الدين بن عليّ على نهج المسلمين، ومنهم: الموحِّدون بوَقْف بعض أملاكهم للعلماء والشيوخ والصالحين الأتقياء،
وهذا هو السبب الأهمّ، وفيه دليل على صلاح الشيخ رشيد وتَقوَاه.

جسر القاضي.

الشيخ العَلم
الشيخ العَلم هو علم الدين علم بن سابق بن حسّان بن طارق، من أصول آل عبد الله الذين هم أبناء عمّ البحترييِّن التنوخييِّن. أمُّه تنوخيّة. نشأ في طردلا وانتقل منها إلى كفرفاقود حيث سكن في إلف قرابته الأمير فارس الدين معضاد بن عزّ الدين فضايل بن معضاد «الذي كان أميرًا ومُقدّمًا على الأشواف» بحسب ما جاء عند صالح بن يحيى الذي أضاف قائلًا عن الشيخ العَلم إنّه «رُزِق دين ودنيا واسعة وحُرمة وافرة وكان مشكورًا عند أهل زمانه». وممَّا يُذكر عنه أنه سيَّر الماعز في كفرفاقود لتمحوَ آثار أهل «الغرب» الهاربين من عسكر الحملة المملوكيّة التي غزَت «الغرب» سنة 677هـ (1278 م)، والتي أنزلت فيه ما لم تُنْزله أيّة حملة غيرها(32).

في كلام صالح بن يحيى عن الشيخ العَلم ما يفيد أنّه رجل دين ودنيا، وأنّه ذو مكانة في زمنه تجاوزَت «الغرب» إلى الشُّوف الذي يشتمل على قرية كفرفاقود.

الشيخ زهر الدّين ريدان
آل ريدان أسرة عريقة النَّسب. جاء عنها في تعريف الشيخ أبي علي مرعي، كاتب سيرة الأمير السيد(ق)، للشيخ رشيد علم الدين سليمان ريدان ما يلي: «وكان في بلاد الغرب في القديم أنساب وأحساب ذات تواريخ تُذكر، ونفَرٌ من لهاميم العرب لهم سابق أثر وحسن خبر ونظر في مصالح النفس وتعلُّق بالعلوم الإلهية يُدعَون بيت ريدان»(٣٣).

عاش الشيخ أبو مرعي زهر الدين ريدان في قرية الفساقين (البساتين حاليًّا) من «بلاد الغرب» وله ضريح فيها، ومن المتداول اقتران اسمه بإدخال الأمير السيِّد عبد الله في سلك رجال الدين حسب القواعد المألوفة. وقد اعتمد المؤلّف فؤاد أبو زكي على ذلك وعلى النبوغ المُبكّر للأمير السيّد وصيرورته الرئيس الرُّوحي الأوّل للموحّدين الدروز في عصره، ليقول إنّ الأمير تسلّم مشيخة مشايخ العصر من الشيخ زهر الدين الذي كان، في رأيه، «شيخ مشايخ العصر»(٣٤). وفي رأينا أنّ مشيخة مشايخ العصر هي للأمير السيِّد لا للشيخ زهر الدين الذي هو أحد شيوخ «بلاد الغرب» فقط. عاصَر الأمير سيف الدين يحيى التنوخي المُلقّب بكاتب الدارَين وشاعر الدارَين وصايغ الدارين، الشيخ زهر الدين، وامتدحه بقصيدة وجدانية تصف عواطفه إزاءه، وتمتدح مناقبه، لكنّه ليس فيها ما يدلُّ على منزلته، وهي مؤلّفة من 124 بيتًا، وتُعرف بالقصيدة الزهريّة، نقتطف منها الأبيات الخمسة التالية(٣٥):

رويدَك قد تــــــاقت إليــــــــك الجوارحُ
وستُّ جهــــــات الجسم ثمّ حواسُّــــــــه
وإنّي إذا مــــــا رُمتُ وصفك لــــم أجد
وشــــاع لك الذِّكر الجميلُ فلــــــم يزل
فـــلا زائــــد فيـــــه بــــــلاغة مــــــــــادح
وحسبُك أنّ القــلــــب نـحــــوك جــامحُ
وأعضــــــــاؤه كــلٌّ بـحـبّــــك نــــــــــاضحُ
لـــــه غــــــايــةً يسري بهــــا قول مـــادح
بحسن الثّنــــا بيـــن الــبـــريَّة طـــــــافح
ولا نـــــــاقص فيه مقــــالـــــة كــــــــاشح.

خلاصة

اعتمادًا على ما ورد ذكره عن الأمراء البحترييِّن التنوخييِّن السّبعة، وعن الشيوخ الثلاثة، يمكن استنتاج ما يلي:

  • إنّ الأمراء السّبعة ذُكروا بلقب «الأمير» الذي لا يمكن أن يُذكروا إلّا به، لكنّهم شيوخ دين أتقياء لهم، بالإضافة إلى النفوذ الزمني، نفوذ في الوسط الديني، وأحدهم – وهو الأمير جمال الدين حِجى ــ كان أمير «الغرب». وقد ميّزهم انشغالهم بالعبادة عن سائر الأمراء التنوخييِّن الذين ترجم صالح بن يحيى لِما يزيد عن الستِّين منهم اهتمّ مُعظمهم بالشؤون الدنيوية، ولم يصفهم بما وصف به الأمراء السبّعة.
  • إنّ الخبير بتاريخ الموحّدين (الدروز) الاجتماعي، وأدبيَّاتهم الدينية ومُصطلحاتها، يعرف مدلولات الأوصاف التي أُطلَق بعضها على كل من الأمراء السّبعة، وهي: ديِّن – خيِّر – جيد (وجمعها أجواد وأجاويد) – لا يوجد في زمانه مثله – إمام – وليّ كبير – زاهد – جليل القدر – مُبجَّل – مُوقَّر – ذو عقل ودين – مشهور بالجودة والديانة – مُتعبِّد – لا يغمض عينيه ولا يفتحهما حتى يتلو الكتاب العزيز – من أهل الخير والدين – مُحبّ لأهل الخير – مُتَمسّك بالكتاب والسُّنّة. وهذه صفات يتحلَّى بها الشيوخ الدينيُّون.

وممَّا يجدر ذِكره هو أنّ الشيخ أبا صالح فرحان العريضي – وهو من الشيوخ الثقات ومعاصر لنا – اعتبَر الأمراء السّبعة من كبار رجال الدين الذين وصفهم بالأعيان. وهو لم يكتب إلّا عن شيوخ رجال الدين في كتبه الثلاثة، بعنوان «مناقب الأعيان»

إنّ الرِّئاسة الرُّوحيّة للموحّدين (الدّروز) لم تَظهر إلى العلن إبّان تشدّد الدول الإسلامية السُّنّيَّة الحاكمة مع أتباع المذاهب الأخرى، بالرّغم من أنَّ الموحِّدين كانوا في «بلاد الغرب» أكبر تجمُّع درزي في الشَّام، ولهم كيانيّة إدارية ناتجة من إقطاع الحكّام لأمرائهم قرى هذه البلاد، وبعض القرى خارجها، وهذه الرّئاسة غير المُعلَنة لا بدّ أن تتمثّل داخليًّا في مُجتمعهم الإقطاعي بِنُخبهم وأعيانهم وأكابرهم.

وفي حال اعتبرنا أبرز الأمراء والشيوخ الذين ذكرناهم رؤساء روحييِّن، تبدو لنا تعدُّدية الرِّئاسة الروحيّة من خلال معاصرة الأمير جمال الدين حجى والشيخ رشيد الكدواني لبعضهما، مع تقديم الأمير جمال الدين حجى واعتباره الرئيس الرُّوحي الأوّل الجامع بين الدين والدنيا، والمُعْتَبر من الأولياء الكبار. كما تبدو لنا هذه التعدُّديّة واضحة مع الأمير شجاع الدين عبد الرحمن، والأمير علَم الدين سليمان والشيخ العَلم، المعاصرين لبعضهم، مع تقديم الأمير شجاع الدين، لأنّه سلك طريقة أبيهِ الأمير جمال الدين حجى، وكان مقدَّرًا من الأمير ناصر الدين الحسين، ومقدّمًا على غيره من الأمراء.


المراجع
  1. مقدّمة كمال جنبلاط لكتاب سامي مكارم: أضواء على مسلك التوحيد، دار صادر، بيروت 1966، ص19-20.
  2. للمزيد من المعلومات انظر كتابنا: مشيخة عقل الموحِّدين الدروز في لبنان وسورية وفلسطين، تاريخها وتطوّرها من الأعراف إلى التنظيم، دار معن 2015، ص23-25.
  3. مخطوطة الشيخ أبي علي مرعي عن الأمير السيد عبد الله.
  4. أحمد الخالدي الصفدي، تاريخ الأمير فخر الدين، تحقيق الدكتورَين أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت 1969، ص23.
  5. المُحِبّي: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، تحقيق محمّد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت 2006، المجلد الثالث ص259.
  6. تاريخ حيدر الشّهابي، دار الآثار، بيروت 1980، ص789، 807،866، 873، 892، 910، 947، 953، 967، 970، 1011.
  7. حنانيّا المنيّر: الدر المرصوف في تاريخ الشوف، دار الرائد اللبناني، بيروت 1984، ص 30،69،156
  8. طنّوس الشّدياق: كتاب أخبار الأعيان في جبل لبنان، منشورات الجامعة اللبنانيّة، بيروت 1970، الجزء الثاني، ص325،405،434.
  9. هنري غيز: إقامة في بيروت ولبنان
  10. أوردنا نص المضبطة كاملًا في كتابنا: مشيخة عقل الموحِّدين (الدروز)، ص119-121.
  11. يوسف إبراهيم يزبك: وليّ من لبنان، الطبعة الثالثة سنة 1960، ص95.
  12. مخطوطة الشيخ أبي عليّ مرعي عن الأمير السيّد عبد الله.
  13. سليمان بن حسين بن نصر: درة التاج وسلّم المعراج، تحقيق اللجنة الثقافيّة في مؤسَّسة العرفان التوحيديّة. لا تاريخ، ص18.
  14. عجاج نويهض: التنوخي، آداب الشيخ الفاضل، دار الصحافة، بيروت 1963، ص120.
  15. المرجع نفسه، ص83.
  16. العمري: التعريف بالمصطلح الشريف، دار الكتب العلمية، بيروت 1988، ص236-237.
  17. صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، تحقيق فرنسيس هورس اليسوعي وكمال سليمان الصليبي، دار المشرف، بيروت 1967، ص55.
  18. المصدر نفسه، ص150. وللمزيد من المعلومات عن الأمير جمال الدين حجى، انظر المصدر المذكور، ص51-55، وصفحات أخرى. وتاريخ ابن سباط، تحقيق عبد السلام تدمري، جرّوس برس، طرابلس- لبنان 1993، الجزء الأول ص340، 363، 395، 396، 404، 459، 460، 463، 483، 484.
  19. انظر عن الأمير شجاع الدين عبد الرحمن: صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص151-156. وتاريخ ابن سباط، الجزء الثاني، ص825-827.
  20. انظر عن الأمير علم الدين سليمان: صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص167-171.
  21. صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص164. وتاريخ ابن سباط، الجزء الثاني، ص817.
  22. صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص146.
  23. المصدر نفسه ص172. وتاريخ ابن سباط، الجزء الثاني، ص857-858.
  24. صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص202. وتاريخ ابن سباط، الجزء الثاني، ص834.
  25. السجل الأرسلاني إثبات سنة 1061م، ص88-89، وإثبات سنة 1179م، ص105.
  26. تاريخ حيدر الشهابي، ص600.
  27. انظر أمين آل ناصر الدين: الأمراء آل تنوخ، مجلة أوراق لبنانية، المجلد الثاني، ص354، 451، 592، والمجلد الثالث ص51.
  28. صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص54.
  29. انظر السجل الأرسلاني.
  30. انظر جدول الأسماء المسقطة من السجل الأرسلاني: نديم حمزة: التنوخيّون، ص32.
  31. انظر عن هذه الأمور صالح بن يحيى: تاريخ بيروت، ص54، 63، 65، 67.
  32. المصدر نفسه، ص57، 68.
  33. مخطوطة الشيخ أبي علي مرعي. أيضًا عجاج نويهض: التنوخي. سيرة الأمير السيد، ص30.
  34. فؤاد أبو زكي: الأمير السيد. سيرته. أدبه، طبعة 1997، ص180-181.
  35. انظر القصيدة كاملة عند فرحان العريضي: مناقب الأعيان، الجزء الثاني، ص301، 313.

الأديبُ المهجريُّ سعيد أَبو شاهين

الأديب سعيد أبو شاهين

(المرحوم) سعيد أحمد أبو شاهين، من بلدة «بْمَريم» في المتن الأعلى، واحد من الأدباء والشّعراء الذين تفتّحت بواكير عطاءاتهم في أرض الوطن لكنّها أزهرت وعقدت وأثمرت أخيراً في بلاد الاغتراب (الولايات المتحدة الأميركية). أمّا لماذا؟ فلا غرابة في الأمر، ولا حَيْرة في الإجابة. فحالُ صاحبنا وصديقنا (الراحل) سعيد أبو شاهين هو حال عشرات الأدباء المهجريين اللبنانييّن والسوريين، الذين لم تتّسع أوطانهم لمطالبهم البديهيّة في الخبز والحريّة والعيش الآمن الكريم، فيمَّموا شَطر أصقاع الدّنيا النائية، يطلبون فيها ما لم يجدوه في أوطانهم. وكان طبيعيّاً أن تتفتّح مواهبهم وتنضَج إبداعاتهم وحيواتهم الكفاحية والجهادية هناك، فيبرز حنينهم إلى أوطانهم وملاعب الطفولة والصّبا والشباب فيها، تصقلها ثقافاتهم التي حصّلوها في مُغترباتهم، لتظهرَ مواطنُ الإبداع في شخصيّة من يمتلك منهم جذوة الإبداع. سعيد أبو شاهين واحدٌ من هؤلاء، بل أحد أبرزهم.

لم ينلْ إنتاج سعيد أبو شاهين الأدبي والفكري في حياته الطويلة ما كان يجب أن يجده من الاهتمام والعناية، كحال الكثيرين كذلك – إذ لم يهتمَّ هو للأمر كما يبدو. أيضاً لم تتوفّر له بسهولة أواليات النّشر المُناسبة. إلّا أنه كُوفئ في أُخريات عمره بنشر أعماله، ثمَّ بالتكريم الذي ناله واستحقّه، وإنْ هذا جاء متأخّرا، فقد كرّمه اتحاد الكتّاب اللبنانييّن، وحلقة الحوار الثقافي، ووزارة الإعلام واتّحاد بلديّات المتن الأعلى، بالإضافة إلى مناسبات تكريم أخرى واحتفاء به في غير مكان – وقد كان لي شخصيّاً شرف الحديث عن أدبه في إحدى المناسبات قبل بضع سنين. و ترى أنّ من واجبها فتح ذراعيها للمُبدعين، أدباء وشعراء وفنّانين ومفكرين وأطبّاء وعلماء ممّن أثْرَوْا حياة مجتمعهم بعطائهم ونتاجهم القيّم. كيف لا وسعيد أبو شاهين فاعل نشيط في مجتمعه المحلّي (رئيس المجلس البلدي لبلدة بْمريم المتنيّة لفترة ما)، ومناضل قبل ذلك في صفوف «عُصْبة العمل القومي» بعد بضع سنوات من انطلاقها سنة 1933 في بلدة «قرنايل» المتنيّة على أيدي مناضلين تاريخييّن في طليعتهم: علي ناصر الدين، والدكتور حسين أبو الحسن، وعجاج نويهض، وقسطنطين يني وآخرون. وقد اعتقله الفرنسيّون سنة 1941 مع آخرين لفترة قصيرة.

أدب سعيد أبو شاهين

ينطوي مضمون أدب سعيد أبو شاهين على معانٍ عميقة، وأفكار جريئة، وحِكَمٍ بغير عددها خلص إليها بفعل ثقافته الغنيّة واتساع تجاربه وشفافية شخصيته والتزامها الأخلاقي والسياسي الصارم بقضايا مجتمعه ووطنه وأمّته، كما بقِيَم التّراث العريق التي ينتمي إليه. وهاكم بعض أفكاره الحصيفة وحكمه العميقة:
«تَعَلَّقَ بالوسيلة ونسيَ الهدف»
«الوصف يُعبّر عن ذات الواصف أكثر مما يعبّرُ عن ذات الموصوف»
«…كم من حقيقة اعتقدها الإنسان ثم تكشّفت عن وَهم»
«تجعلُ نفسك محامياً عن الله؛ فأين وكالتُك؟»
«ليس الرّيش ما يجعل النَّسر نَسراً…»
«من أراد الوصول إلى حقيقة ذاتِه عليه أن يتخلّى عن أطماعهِ وشَهواتهِ»
«قال: إنَّ أفضلَ الرأي هو ألاّ تخالف سُنَّةَ الطّبيعة بل أنْ تطوّرَها»
«متى مشيت وظلُّك إلى الشمس مشى ظلُّك وراءك، ومتى مشيت وظهرك إلى الشمس مشى ظلُّك أمامك».

هذا غَيْض من مئات الأفكار والحِكَم التي صاغها سعيد أبو شاهين بعناية في كتبه التي فاقت العشرة كتب*. لا حاجة للقول أنّ حِكَم أديبنا وأفكاره المنثورة بكثافة ليست مُستلَّة من هذا الأديب أو ذاك، ومن هذا الفيلسوف أو ذاك: هي بوضوح، من خلاصات العمر الطويل الذي عاشه، والتجارب الجادّة التي عرضت له، فكان قادراً بعقله الاستنباطيّ أن يستخلص ما استخلصه من قواعد للحياة العملية، ومبادئ تحكم عقله وضميره وحياته الداخلية الغنية.

خصوصية أفكار سعيد أبو شاهين تتّضح أكثر في الجانب الشّخصي، ولا أقول الذاتي، الذي تنتمي له أفكاره وحِكَمه التي رأيناها – وغيرها المئات. هو لا يتكلّم بالتعميم والتجريد وضمير الغائب، بل يتحدث عن نفسه، ومن تجربته، بل تجاربه الشخصيّة، وقد رغب كأيّ مُصلح اجتماعيٍّ أن يضعها بتصرّف قُرَّائه، بل بتصرُّف جيل بأكمله. وسعيد أبو شاهين أدرك تماماً قوّة «الكلمة»، فأراد صيانتها من كلّ تزييف وعن كلّ تحريف. قال: «عندما انحرفت الكلمات عن حقيقتها، انحرف الإنسان عن حقيقة حياته». وبهذه «الكلمة» رأى سعيد أبو شاهين أن الإنسان هو الغاية، أو يجب أن يكون كذلك دائماً، والوسيلة في آنٍ ليظهر خلق الله في أحسن صورة قال: «أصغيت للكلمة التي كانت هي في البدء فسمعتها تقول: الإنسان هو الغاية وهو الوسيلة». قال: «حصيلة كلّ الفلسفات والمذاهب الفكريّة كانت «الإنسان» هو مقياس كلّ شيء، وأصل وحصيلة هذا الإنسان العاقل الناطق كانت: الكلمة».

وإذا كانت الكلمة حقّة، وكانت تعبيراً عن الله، فلا فرق بعد ذلك بين هذه الكلمة وتلك إلّا في الشّكل، وهو فارق بسيط. قال: «وما خلائق هذا الوجود غير كلمات كُتِبت في سِفر الوجود من مداد واحد، وليس من فرق بين كلمة وكلمة إلّا بما تحمله كلّ كلمة من معنى. أما الشّكل واللّون فلا عِبرة له. فيا كلمة «الإنسان» فتّشي
عن معناك».

كذلك في الأخلاق العمليّة، فإنّ سعيد أبو شاهين مُدافع صلب عن القيم الأصيلة والسلوك الرّصين، يقول: «لا يعطي الورد غير الشّذا والطّيب ولو شرب كُدْرَة الماء». أو في قوله: «في الأخذ لَذّة وفي العطاء الفرح. أمّا اللّذة فهي من بعض طبائع الحيوان، بينما الفرح لا يعرفه غير هذا الإنسان الإنسان». فَلْنعطِ، ولنصنعِ الخير، هذا هو الإنسان. قال: «قال: عساني أزرع خيرَ العمل فأحصد خيرَ الثواب. قلت: وعسى مجتمع الناس أن يكون حقلك وهذه هي الأرض التي يرويها غيث الرّحمة».

وأولى مظاهر الخير الرحمة والمحبّة في القلب. والله عند سعيد أبو شاهين يقيم في القلب لا في هذا الشكل أو ذاك. قال: «لن يرى الفرح العظيم والمجد العظيم والحقّ الذي لا يعلو عليه حقٌّ إلّا من يسعى إليهما حاملاً في قلبه مصباح نور». «فتّشت في عرض المكان ودهر الزمان عن ربّي فلم أجده إلّا عندما وجدته ضاحكاً في أعماق قلبي». نقاء القلب وطهارة السّريرة هما ما يبعث الجمال في الأشياء. قال: «قالت: من يخيط لحواري الجنة أثوابها، فتبدو بمثل هذا الجمال. قلت: ليس لحواري الجنة أثواب جميلة، جمالها الفتّان هو ببراءة قلبها وطهارة نفسها».

وبعد: «أنا وأنت…. الأرض تطعمنا، والينابيع تسقينا، والشمس تدفئنا، والهواء ينعش رئتينا أنا وأنت. أبونا واحد هو الله، أمّنا واحدة هي الحياة. وهما يجودان علينا. فلماذا يا أخي تحرم نفسك وتحرمني من حبِّ الحياة وَجُودها؟ قُم يا أخي لنقدّس الله ولنكرّم الحياة… ثمّ لنغنّي لفرح الحياة ونعيش العمر بسلام».

أختم هذا الجزء الأدبيّ بقطعٍ جميلة من مناجاته لربِّه. يقول سعيد أبو شاهين: «ربّاه… وأنت الذي لا ينضُب لنعمائك معين. لحكمة خلقت من قلبي إناءً لا يمتلئ ليدوم فرحك بالعطاء ويدوم فرحي بالأخذ والنّوال. ربّاه ما أعظمَها نعمةٌ ومنّة. وقد خلقت لي شمس النور لاقتبس منها نبراساً، وخلقت لي مشاع الهواء لأنشق منه أنفاساً… ربّاه… وأنت الرّحمن الرّحيم الجوّاد الكريم. رحمتني وأكرمتني فأعطيتني نفحة من قُدرة الخلق والإبداع، أو الكشف والعِرفان حتّى بِتُّ أحسَب نفسي على شبهك ومثالك… كنت أنا صلصالاً وتراباً، فصنعتْ منّي مشيئتك «قيثارة»، ونفختَ فِيَّ من أنفاسك فاستويتُ على الأرض خَلقاً سويّاً يسعى، ليُخرِجَ بتقديسك أعظم نشيد ربّاني وأعذب لحن إنساني… ربّاه… أيّها المُناجى فتسمعَ مناجاتي بغير أن تتحركَ شفتاي بصوت!» (ص108- 109) هذه عيّنات اخترتها من أدب سعيد أبو شاهين الحِكَميّ. وقد صاغ المؤلّف معظمها على نحو قصَصي.

وإذا لاحظنا أنّ بين أعماله المنشورة أكثر من قصّة واحدة (أقل من رواية وأكثر من قصّة قصيرة) أدركنا فوراً الموهبة القصصيّة التي امتاز بها سعيد أبو شاهين. قدرته على جعل أفكاره في قالب قصصيّ جليّة، حتّى في صياغة حِكَمِه وخلاصاته المعرفيّة. يُظهر الشكل القصصي هذا مدى تأثّر أبي شاهين، كما أعتقد، بالقصص الأخلاقي أو الحكميّ الذي نجده على وجه الخصوص عند جبران ونعيمه ومارون عبود، وربما عند نعيمه أكثر من سواه. وفي ظَنّي أنّ الملمح هذا لا يزال ينتظر الدارسين ليعملوا على التوسّع فيه وإظهار أهمّيته كما تفعل الدراسات الأدبية النقديّة.

تكريم الأديب سعيد أبو شاهين

في وسع القارئ أن يلحظ، زمنيّاً، المبلغ المتقدم من الحكمة العميقة التي بلغها سعيد أبو شاهين في أعماله الأخيرة، وبخاصّة في كتابه الذي اخترت منه هذه النصوص «العرائس الأبكار من بنات الأفكار» (2009). وفي من يرغب أن يرى مثلها، أو ما يقرب منها، أو يتوسع فيها، أن يجد ضالّته في كتب سعيد أبو شاهين الأدبيّة، وهي على التّوالي: شمس الرّبيع، 1999، شعر – لمعات الخواطر، 2001، 365 حِكمة – جوهر المرآة، 2001، قصّة – إرادة الحياة، 2002، شعر – السرُّ الدّفين، 2002، قصة – بذرة تراب، 2005، قصة – العرائس الأبكار، 2009، مجموعة حِكم – خواطرُ زجليّة، 2009. إلى أعمال أخرى تقوم كريمته بجمعها ونشرها.

شعر سعيد ابو شاهين

سعيد أبو شاهين، إلى ذلك، شاعر. بل من الطبيعيّ، والعادي في أعمال الأدباء المهجرييِّن، أن تجد الشعر حاضراً بقوّة. فهو الأكثر قدرة على حمل زفراتهم وأشواقهم وآيات حنينهم، وسرد ما أمكن ممّا رأوْه ظلماً وقع عليهم، أو عدالة لم تصلهم، أو حتى أفكاراً وخلاصات بلغوها في أواخر أعمارهم. وأبو شاهين ليس شواذّ للقاعدة هذه بل هو تأكيد لها.

فشعره متقطّع، فيه ألوان عواطفه وأحاسيسه وغضبه وآيات من مواقف قوميّة ووطنيّة حيال قضايا وطنه وقومه – وإن بدا أخلاقيّاً في الغالب – وفيه أيضاً شعر المناسبات. ولافِتٌ أنّ الروح القصصي عند سعيد أبو شاهين لم يفارق حتى قصائده.

خذ مثلاً لشعره الاجتماعي قصيدته «العبد المتمرّد»:

عبدٌ تَمـــــــرّدَ لـــــــــم يخضعْ لمـــــــولاهُ              والنّـــــــــاس قد نهضت عن ذاك تنهاهُ
ماذا دهـــــــاهُ؟ أهلْ مَــسٌّ أحاق بـــــــــه                مــــــن الجنون أم الشيطــــان أغـــــــواه
قد خالفَ الشّرعَ فيمـا أهلُه اجتهدتْ                   رَدْحــــاً من الدّهــــر في تفسير معنـاه
* * *
إنّــــــــي أخالفُـــــــهم لمّــــــــا مشيئتــهـم        جــــــاءت مُخــــالفـةً مــــــا شــــــاءه الله
* * *
حرّاً خُلقتُ فشاؤوا أن أكــــــون لهــــــم            عبـــــــــداً لأمــــــــــرٍ عزيزُ النّفس يأباه
لن أرتضي من فنون القول واحــــــــدة              إلّا التــي إنْ ســـــألتَ العقلَ يرضــــــاه
* * *
الذئبُ يدعو إلــى دين السّلام ومِـــــنْ                  أدهى الدّواهــــي إذا لم تؤمن الشّــــاهُ
إن تَكفرِ الشــــــاه قد حَقّت إدانتـُـــــــها                والذئــــــبُ ناظــــــرةٌ بالحُـــــكمِ فــــــكّاه
ثم ينــــــــال مــــــــــن التعظيم مــــــــرتبةً            إذ إنّـــــــه مـــــا استقام الشـــعرُ لــــولاه
* * *
ربّاهُ وحـــــــدكَ من يَهدي ضمائـــــــرنا            ربّـــــــــــــاه عطفكَ بالإنسانِ ربّــــــــــــــاهُ

أو في قصيدته «ظُلم الناس»، يحكي عن الظّلم الاجتماعي الذي تتعرّض المرأة والتقصير الاجتماعي في حقّ الأم على وجه الخصوص:

طــــــال ظلــــــمُ النّـــــــاس للأمّ التـــــــي         هي بعـــــــــــدَ الله أصــــــــلُ الـــكائنـات
ظلموهـــــــــا دونمــــــــــا ذنبٍ ســــــــــوى         إنّــهــــــــا قــــــــــد أوجدتهُم بالحيـــــــــاةِ
* * *
عجَباً مـــــــــن فيلسوفٍ يــــــــدّعي عقـ             ـــلاً ويــــــحصي أمّــــــه في الجاهلات
كيف يزكـــــــو مَنبِتٌ مـــــــــا لــــــــم يكن           أصــلُ ذاك الطّيــــــب في أصل النّواة
* * *
حبسوهــــــــــا ثم قــــــــــالوا ويحَـــــــــــها             لم تؤالــــــــف غيرَ عَيْش الظُّلمـــــــــات
عصبـــــــــوا عينيهــــــــــا ثمّ خبّـــــــــــروا           أنّـــــــها لـــــــــم تَهْتــــــدِ درْبَ النّجــــــــاة
قتلوهــــــــا ثــــــم قـــــــــالوا لـــــــيس مَنْ             كــــان حيّــــــــاً مثل من كــــــان رفـــــــــاةِ
أمُّـــــــــــكم أو أُختــــــــــكم أو بنتــــــــــكم             ظلمتُم أيُّــــــــــــها القـــــــــــوم الجنــــــــاةِ
إنْ حــسِبتُم ظُلـــــــــمَها حقـــــــــاًّ لـــــكم                 ذاك وايــم الله أدهـى الدّاهيــــات

وإلى الثورة على الظّلم هناك «شعر الأفكار»، في غير قصيدة له، واحدة منها «قبس من نور الحقيقة». ونختم مرورنا السريع هذا بقصيدة تُظْهِر حِسَّه الإنسانيّ في شعره كما هو في نثره العميق وقناعته بوحدة الإنسانيّة. يقول في قصيدة: «داري هي الأرض، إخواني هم البشرُ»:

داري هــي الأرض أخواني هم البشرُ            بــــالأرض أو بســــــواها أينما انتشروا
مَـــــنْ ذا يؤكّد لــــي أنَّ الخليقةَ مُـــــــذ          كــــــان الوجود بهذي الأرض تنحشـــرُ
ما زال بالأرض حــيّ: لم يعد عجبـــــاً           إن يبعث الحــــيّ فيــــها الأنجمُ الأخرُ
* * *
داري هي الأرض: يا للأرض أحسبُها             لا الشمـس تَعْدوها فضلاً لا ولا القمرُ
يكفي لها أنَّ مِـــــنْ أحشائها انفطرت          روحُ الحيـــــــاة ولا أنثـــــــى ولا ذكـــــــرُ
* * *

الخَلقُ يعمرُها: والخيــــــــر يغمـــــــرُها            أرضٌ تعطّـــــرها الأنفــــاسُ والزَّهَـــــرُ
والأرض تســعدُ إنْ جـــــادت لساكنــها               كالأرض تســــعد إمّا جادهــــا المطـرُ
لولا الذيـــــن تّوّلّاهـــــــم بها جشــــــــــعٌ           أعمــــــى القلوب وزاغ السّمعُ والبَصَرُ

وإلى الشعر الفصيح، كان سعيد أبو شاهين شاعراً زجليّاً بامتياز وكفاءة. وتعدّدت أيضاً موضوعاته: لكنّ أطرفها نظْمُه مئةً وخمساً وثمانين بيتاً عتابا في عقد واحد. وإن دلّ ذلك على شيء فإلى روح جيّاشة بالمشاعر والأحاسيس وقريحة شاعرية وافرة العطاء.

قالوا في سعيد أبو شاهين

نال الأديب سعيد أبو شاهين في أواخر حياته الممتدّة بعضاً من التكريم الذي استحقّه، فكان ذلك اعترافاً بموهبته من أدباء وكتّاب وهيئات ثقافية، كما هو تكريم اجتماعيٌّ له من قادري عمله الاجتماعي وخاصة في منطقته، المتن الأعلى. وقد اخترنا عيّنات من بعض مظاهر التكريم ذاك.

أ. أنور الخليل
وزارة الإعلام اللّبنانية، 1999

الشيخ سعيد أبو شاهين كاتب مُميّز من بلدي، أحبَّ الوطن والإنسان فكان همّه وهدفه الذي ظهر جلياً في كتبه التي ستغني المكتبات اللبنانية. ونحن كوزارة إعلام نعتبره غلّة ثقافيّة بامتياز.

أ. فرحان صالح
الأمين العام لحلقة الحوار الثقافي

نحن في حلقة الحوار الثقافي وجدنا في الأديب اللّامع سعيد أبو شاهين ثروة أدبية وإنسانية واجتماعية جعلتنا نسلّط الضّوء عليه اعترافاً منّا بقدراته الفكريّة المميّزة.


المحامي سليمان تقي الدين

لا يسعني إلّا أن أرفع القبّعة أمام الشاب الثمانيني سعيد أبو شاهين ذلك القلم الغزّار الذي استطاع في فترة عشر سنوات أن ينجز تسع مؤلفات من الشعر والفلسفة والأدب والقصة الهادفة. فعطاؤه هذا يستحق مِنّا التقدير والاحترام.
———————————————-

د. وجيه فانوس
الأمين العام لاتحاد الكتّاب اللبنانيين

يكفي سعيد أبو شاهين أنّه نذر النفس للحبّ والعطاء مغموسين بزيت الإيمان مجلّلَيْن بعباءة التُّقى والورَع. الله مرشده وهاديه. وإيمانه بالله نوره الذي يسطع بين يديه، يضيء له ما يواجهه من ظلمات العيش وعقله سراج يرعى النّور ويسهر على زيته ليظلَّ في ضميره بذلاً لكلِّ ما عنده من خير ينفع به نفسه والنّاس.


د. إلهام كلّاب البساط
أستاذة جامعيّة
نتاج غزير في سنين قليلة من شعر وزجل وحِكم وفكر وتأمّلات وروايات …. غزارة تُفرح نفوسنا والعقول بِرُؤاها العريقة والمعاصرة معاً لقضية الإنسان … غزارة تُخجلُ عمرنا من سنين عمره المباركة، وتكاسلنا من نشاطه المثمر.


د. زاهي ناضر
أستاذ جامعي

يتمتّع سعيد أبو شاهين بكلّ مواصفات رجل الحكمة وصاحب الكلمة وموهبة الاستبصار والاستبطان والقدرة على فَهم الحياة والنّزوح إلى أعماقها والغَوْص في شؤون النفس والإنسان عامة وبالطاقة المتقدّمة على تجاوز الاقتباس إلى الأصالة والإبداع.


المحامي عصام العريضي

يبقى، وهذا رأيي الشخصي، أنّ أدب سعيد أبو شاهين، وبخاصّة شعره، لمّ يُحقَّق بعد كما يجب، أو وفق الأصول، بخلاف ما هو عليه نثره. وعليه، مطلوبٌ جهد إضافي، علمي وحِرفي، لموضعة شعره وإعادة توزيعه، وأحياناً تنقيته ليتلاءم والقواعد الشعريّة التامّة، فهو غنيَ بالصور الشعرية دونما افتعال أو اصطناع، وتحتاج لجهد علمي تقني ليخرجها لجهة الشكل.


د. فارس يوسف
أستاذ جامعي

سعيد أبو شاهين تخطّى عصره بكلّ ما تعنيه الكلمة. فكان مُبدعاً ومدرسة في كل مجالات وقِيم الحياة، (التسامح، الصدق، الوفاء، العطاء، المحبة، والإنسانية) فكان شعاره «الإنسان هو الغاية والوسيلة». أيضاً مدرسة في وطنيّته وعروبته في زمن أصبحنا نفتّش فيه عن رجال مِنْ هذا النوع.
وأخيراً، أعمال الأديب سعيد أبو شاهين عميقة لجهة المعنى، موهوب فيها لجهة الشّكل وهي أقرب إلى العفويّة منها إلى التكلّف والاصطناع، وتستحقّ كذلك أن تكون موضوعات لمباحث أدبيّة ونقدية لاحقة.

عائلة سعيد أبو شاهين (قبل بضع سنوات) في عيد ميلاده المئة

معركةُ مرج دابق وموقعُ التنوخييِّن والمعنييِّن فيها

 كثيرون من النّاس، يسمعون عن حدثٍ ما، أو شخصيّةٍ ما، أو معركةٍ ما، ذات طابَع تاريخيٍّ (قديماً كان أم حديثاً)، لكنّ الأغلبيّة منهم لا يحاولون التعمُّق في المعرفة الدقيقة والجوهريّة للمعركة أو الشخصيّة أو الحدث، مكتفين بالاسم فقط، أو ببعض العموميات عنها… ومتجاهلين الأثر والتأثير الذي أحدثته، كلٌّ منها، على مختلف الأصعدة والمستويات… مع العلم أنّ ما خلّفته من آثار سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو عسكريّة أو نفسيّة… إلخ، يفوق بكثير ما تُحدثه الهزّات الأرضيّة والأعاصير والكوارث – على أنواعها – على البشر والشّجر والحجر مجتمعة…

 من هذا القبيل، تمثّل بعض المعارك الكبرى في التاريخ، (والتي يُطلق على بعضها اسم «المعارك الفاصلة») أنموذجاً حيّاً في مجتمعاتنا، كما في دولنا، رغم القرون التي مرّت على حدوثها، وما تمخّض عنها من مُتَغيّرات لم تنحصر آثارها بالزّمان والمكان فقط، بل تجاوزتهما إلى قرون وشعوب ودول لاحقة، وربّما لم يكن لها وجود من قبل وقد كانت «معركة مرج دابق» التي حصلت بين العثمانييّن والمماليك عام 1516 (كما بين حلفاء كل منهما)، إحدى هذه المعارك الكبرى في تاريخ الشرق، فألغت سلطنة وسلاطين، وأوجدت بديلاً عنها وعنهم، مثلما شطبت إمارات وأمراء، وقام على أثرها إمارات جديدة وأمراء جُدد (مثلما هو الحال مع التنوخييّن والمعنييّن)…

 لقد أَحدثت تغيُّرات جذريّة تتعلّق بالانتقال من مرحلة القرون الوسطى إلى مرحلة العصور الحديثة، لا سيّما في المجتمع اللبناني خاصّة، وبلاد الشرق عامّة…
كما أفرزت «تبديلاً سلطويّاً» على جانب كبير من الأهميّة، التاريخيّة والجغرافيّة، فضربت السلطنة (المملوكيّة) وسلاطينها (المماليك)، من قِبَل «بكوات» و«حُماة أطراف وحدود» (عثمانييّن) فانقلبت الآية رأساً على عقب، فانهار السلاطين القدماء مع سلطنتهم، وقام على أنقاضها وأنقاضهم سلطنة جديدة – بغير اسم، وسلاطين جدد – بغير أسماء أيضاً – وكان تغييرٌ هائلٌ في «الحكم» و «السّيطرة والتسلّط» على جغرافيا واحدة موحّدة وديموغرافيا واحدة (ولكن غير موحّدة)، في ظلّ سُلطة جديدة، نفضت عن كاهلها لقب «الباكويّة» و«حُماة الحدود» لترتقي إلى منصب السلاطين وأصحاب سلطنة مترامية الأطراف، ذات طابع «إمبراطوري»، ولكن بمعزل عن «صفة الإمبراطور»…

 تلك هي «معركة مرج دابق»، إحدى أكبر معارك التاريخ العالمي – كما وصفها المؤرّخ السوفياتي نيقولاي إيفانوف – التي أخذت اسمها من الموقع الجغرافي الذي حدثت فيه بتاريخ 24 آب 1516. وهي ذاتها التي دفعت بالعثمانيين المنتصرين على المماليك إلى أن ينطلقوا بعدها خارج الحدود الجغرافية لبلاد الشرق، مهدّدين دول الغرب بأنظمتها وملوكها وأمرائها وناسها وممتلكاتها، وفي كلّ شيء…

فماذا عن هذه المعركة؟ وما الأسباب الكامنة في وقوعها؟ وماذا حصل أثناء سيرها؟ وماذا تمخّض عنها من نتائج على الصعيد العثماني – المملوكي، وعلى الصعيد التَّنوخي – المعني تحديداً؟

 في الحقيقة، إنّ معركة «مرج دابق» لم تكن «بنت ساعتها» – كما يقال – بل كانت نتيجة لأسباب كثيرة أدّت في النهاية إلى حصول هذه المعركة التاريخيّة بين العثمانيين والمماليك، الذين يجمع بينهم الدين الإسلامي، والمذهب السنّي خاصّة.

 فضلاً عن ذلك، هناك كثير من القواسم المُشتَركة بين الجانبين، إذ يتشابه تاريخ كل من دولة المماليك والدولة العثمانية في وجوه كثيرة، ففي الدولتين سادت العلاقات التي تميّز هنا الإقطاع الشرقي، وكلتاهما مثّلتا سلطة عسكرية عملت تحت راية الإسلام السنِّي المؤمن. وعلى مدى فترة زمنيّة طويلة لم تنشأ بينهم أية خلافات سياسية أو عقائدية ولا حتى تنافس تجاري أو اقتصـادي أو غيره. وحتى سقـوط القسطنطينيّة عــام 1453، كــان الحكّام العثمانيون يعترفون بالأولويّة الدينية والسياسية للمماليك كزعماء لدار الإسلام، بينما خصصوا لأنفسهم دوراً متواضعاً هو دور «البكوات حماة الأطراف» الذين يدافعون عن الحدود العامة لدار الإسلام. أما المماليك، من ناحيتهم فقد ظلّوا ينظرون

إلى تحركات العثمانيين كجزء من المسألة الإسلامية العامة. كما أنّ القاهرة اعتبرت الاستيلاء على القسطنطينية نصراً للمسلمين قاطبة.

 بيدَ أنّ الوضع تغيّر جذرياً بعد عام 1453. وكان تبادل البعثات والاحتفالات التي أقيمت بمناسبة الاستيلاء على القسطنطينيّة آخر مظهر من مظاهر الوفاق العثماني – المملوكي. فقد لاحظ حكام القاهرة بقلق شديد، أنّ دولة إسلامية قويّة وديناميّة أخذت تنمو على حدودهم وتشقّ طريقها الخاص بها. ثمّ تزايد قلقهم عندما نشطت في اسطنبول (القسطنطينية)، العاصمة الجديدة للسلطنة العثمانية، المساعي لتغيير كلّ نظام العلاقات الذي أوجده الإسلام وكان له فيه دور القائد الموجّه. ويؤكد مؤرّخو المماليك أنّ «البكــوات حُماة الحدود»، وللمرة الأولى بــدأوا يتكنـَّوْن بألقاب «الملوك» أو «السلاطين» بعد أن كانوا يكتفون بلقب «غازي» الذي يعني المكافح في سبيل العقيدة. على أنّ سلاطين المماليك كانوا في رسائلهم يُطلقون عليهـم ألقاب «أمير» أو «خوند كيار».

 ويؤكّد ابن إياس أنّ محمّداً الثاني كان أوّل زعيم في بني عثمان اتّخذ لنفسه لقب «سلطان»(١) وبدأ على الأقل يدَّعي بمساواة نفسه بحكّام مصر.

 كان اتخاذ الألقاب السلطانيّة يرمز إلى تحوّل العثمانيين إلى سياسة الدولة العظمى. وكان المقصود بذلك تأكيد الدور العالمي الجديد للسلطنة العثمانية. فقدّم مناصرو فكرة الدولة العظمى السلطان محمّد الثاني على أنّه الحاكم المسلم الأعظم بعد الخلفاء الراشدين الأربعة، أمّا هو فقد اعتبر نفسه وريث ملوك الرّوم البيزنطييّن. وقصد سمّاه أحد مادحيه من اليونانيين ويدعى جيــورجـي تـرابيزونتس «إمبراطور الروم». سعى محمّد الثاني، كما يذكر المؤرّخ التركي المعاصر خليل اينالجيك إلى الجمع بين التقاليد الإسلامية والتركيّة والبيزنطيّة في الزعامة الدنيويّة وجعل اسطنبول العاصمة الجديدة للسلطنة ذات الامتداد الواسع(٢).

 أدّت سياسة الدولة العظمى التي انتهجها محمّد الثاني إلى تدهور حاد في العلاقات العثمانية المملوكية. وأصبح الصراع على الهيمنة وبالدرجة الأولى على الأولويّة في زعامة العالم الإسلامي، السبب الأساسي والرئيسي للنزاع العثماني – المملوكي. وتفاقمت العلاقات أكثر فأكثر إثر شائعات تقول إنّ بني عثمان هم من أصل عربي، من قبيلة حجازية كانت تقطن وادي الصّفرا. وبسبب انتشار محبّة العثمانيين على نطاق واسع، تهدّد بناء المجتمع المملوكي بأسره. فقدّم العثمانيون بديلاً موضوعياً للأزمة الخلقية والاجتماعية التي عصفت بالعالم العربي في القرن الخامس عشر. زِدْ على ذلك أنّ العثمانيين باكتسابهم مشاعر الفلّاحين أثاروا عداء الفئات العليا في المجتمع وأضفَوْا على الصراع كلّه طابع التناقضات الطبقية. وهكذا أصبح التنافس على أشدّه بين هاتين القوّتين. وتمثّل أول اختبار سافر للتنافس العثماني – المملوكي بفضيحـة ديبلوماسية عام 1463 عندما رفض السفير العثماني الانحناء لحاكم مصر. وفي عام 1464 أدّى الصراع على السلطة في قونيـه وقضيـة ميراث قــرمــان إلى أول صدام سياسي كبير. كما حـدد الاستيلاء على قونيه وضم قرمان في عام 1468 إلى الممتلكات العثمانية بداية لمواجهة واسعة. وتحوّلت الدول الإسلامية الفاصلة بين الفريقين كدولة الرمضانييّن الذين حكموا كيليكيا (آسيا الصّغرى) ودولة القادرييّن الذين حكموا كابادوكيا (قيساريه)، إلى ساحة رئيسية للصراع بين ‏الدولتين، فدعّمت كلّ منهما المناصرين لها وأمدتهم بالمال والسلاح وأحيانا بالقوّات المسلّحة.

 تحوّلت القاهرة واسطنبول إلى ملجأ سياسي لكل زعيم يفرّ من غضبة سلطات بلاده. وحصل عدد كبير من الزعماء اللاجئين على مساعدات للعمل ضد حكوماتهم. فتمكّن العثمانيون من التحكّم بالطرق التجارية وعلى مصادر المواد الخام الاستراتيجية البالغة الحيوية بالنسبة إلى المماليك كأخشاب السّفن مثلاً، فبذلوا جميع المحاولات لتقويض طاقة مصر العسكريّة، ووضعوا العراقيل على طريق شراء المماليك الفتيان من أسواق البحر الأسود لنقلهم إلى مصر. وقد اعتبر د. كانتيمير ذلك أحد الأسباب الرئيسية للنشاط العثماني في شبه جزيرة القرم والقفقاس بما في ذلك حملة العثمانييّن على تشير كاسيا في عام 1484 التي دُمِّرت خلالها كلّ المراكز الأساسية التي كانت تؤمن الإمدادات البشريّة للمماليك(٣).

 ثمّ أدّت الصدامات المسلحة (1483-1485) التي نشبت مع حاكم كابادوكيا علاء الدولة القادري الذي طلب مساعدة الجيوش العثمانيّة، في أوّل حرب عثمانيّة- مملوكيـّة (1486-1491)، فاستطاع المماليك إلحاق الهزيمة بالعثمانييِّن ثلاث مرات، إلّا أنّهم لم يتمكّنوا من إحراز نصر حاسم. وفي عام 1491. ونتيجة لوساطـة تونس، عقــدت اتفاقية سلام بينهما، وتخلّى العثمانيون عن مطالبهم في كابادوكيا وكيليكيا، اللتين تقرر اعتبارهما مشمولتين بحماية الحرمين الشريفين مكة والمدينة المقدستين، أي اعتبارهما في الواقع تحت حماية المماليك. إلّا أن هذه الاتفاقيّة ظلّت هَشّة للغاية، وتحت ستار علاقات السلام والإخلاص الظاهري استمرّ الصّراع بين الدولتين دون انقطاع… ثمّ بدأ المماليك يتوجّسون خيفة من العثمانيين، لا سيّما في أواخر القرن الخامس عشر، عندما بنى العثمانيون أسطولاً قويّاً…

 وفي حرب 1499-1503 ضد البندقية، أظهر هذا الأسطول مزايا عسكرية لا بأس بها، وكفاءة عالية في مجابهة أفضل الأساطيل الأوروبية. فأخذت الطوائف الإسلامية، الواحدة تلو الأخرى تلتمس المساعدة والحماية لدى العثمانيين. وفي عام 1485 وصلت إلى اسطنبول بعثة من غرناطة، وطلب المغاربة الإسبان (الأندلس) من با يزيد الثاني «تقديم المساعدة لهم بوصفه حامياً للدّين الإسلامي». فقرّر الباب العالي تلبية الطلب. وفي صيف عام 1486 أُرسل الأسطول

العثماني إلى غرب البحر الأبيض المتوسط، واجتاح البحّارة العثمانيون بقيادة كمال علي باشا، وهو كمال رَيس الشهير، شواطئ إسبانيا وإيطاليا ومالطا. ومنذ ذلـك التـاريــخ خـاضـت السفن الحربية العثمانية وبعض السفن التجارية حرباً متواصلة ضد القوات البحرية للدول الأوروبية المسيحيّة. في هذا الوقت، كان كلُّ انتصار جديد للعثمانييِّن يعني هزيمة قاسية للمماليك، ويؤدّي قبل كلّ شيء إلى الانتقاص من هيبتهم بصفتهم «سلاطين المسلمين». ولم يخفّف ظهور العدوّ المشترَك لهما (وهو العدو الصّفوي الشيعي في إيران) من التناقضات بين الدولتين السنيّتين (الشقيقتين) اللتين كانت كلّ منهما
تتصرّف بمعزل عن الأخرى.

 اتّخذت علاقات الدولتين في الشرق الأدنى شكلاً أكثر غرابة. فقد رفض المماليك بعناد، بدءاً من عام 1502، أي تعاون مع العثمانيين لمقاتلة الصّفويين، حكام إيران، رغم عداوتهم لهم. كــان العثمانيّون في وضع أكثر حرجاً من المماليك وكان بإمكان هؤلاء أن يقدموا لهم مساعدة أكثر فاعلية. لكنهم، وفي تلك الفترة بالذات، قرّروا تلقين حكــام اسطنبــول درســاً لا يُنسى. كــان قانصوه الغوري، كزعيم للمسلمين السنّة، مُلزماً أن يشنّ حملة ضد باشوات قيزيل . غير أنّه فضل اتّخاذ موقف المراقب من بعيد وترك «الدولة التي يحرسها الله» وحيدة في مواجهة الصفوييّن.
ودون تبصّر بنتائج ما يقوم به اسماعيل الصفوي من أعمال عدوانية متزايدة وعلاقات وطيدة مع البرتغاليين أراد المماليك تدبير استفزاز لإثارة صدام بين إيران وبين تركيا، لكي يتحطّم أحــد العدوين بيد العدو الآخر، ثمّ يتقدم المماليك للقيام بدور مُنقذ الإسلام السنّة وربما بدور وريث السّلطنة العثمانية. وتدلّ مدوّنات ابن إياس أنه لم يكن يساورهم أي شك في قوّتهم العسكريّة الذاتية، وأنّ العثمانيين لن يتمكّنوا من التغلب على الصَّفوييّن. فتحوّلت مسألة النزاع مع المتطرّفين الشيعة إلى حجر عثرة بين الدولتين السنّيتين. وتبيّن أنّ هذه المسألة هي القشّة التي قصمت ظهر البعير في النزاعات العثمانيّة – المملوكية.

 لقد اعتُبِرت سياسة المماليك تجاه اسطنبول مظهراً من مظاهر العداوة السافرة التي أضعفت مواقع المماليك في مصر، وقوّت المشاعر المعادية لهم في
الأوساط العثمانية الحاكمة، فأخذ الحكام العثمانيون يميلون تدريجيّاً إلى اعتبار المماليك عدوّهم الرئيسي والأشدّ خطراً. هذه القوى بالذات وفـي مقدمتهـا القوى الانكشارية، هي التي أوصلت إلى الحكم السلطان سليم الأول، الملقب بالرّهيب، الذي اعتلى عرش السلطنة العثمانية في 24 نيسـان (أبريل) 1512.(٤)

 وهكذا أصبح السلطان العثماني سليم الأوّل وجهاً لوجه مع قوى كبرى تمثّل تهديداً لوجوده على رأس السلطنة أوّلاً، كما لوجود السلطنة واستمرارها من

جهة ثانية. لذلك أصبح الاستعداد للحرب هو الخيار الأكبر. وفضّل البدء بحربه مع الصّفويين، كرسالة للمماليك ومقدّمة للقضاء عليهم عبر توجيه ضربة قاضية لهم في معركة حاسمة، وهكذا كان…

 بدأ سليم الأوّل يستعد للحرب مباشرة بعد طرح مسألة من يستطيع، بل من ينبغي أن يكــون الخليفة الحقيقي وزعيم دار الإسلام. خلال فترة قصيرة تمكّن سليم الأول من إنجاز الإصلاح العسكري، وقمع تحرّكات باشاوات قيزيل داخل البلاد، وتجهيز جيش جرّار. وفي أيار (مايو) 1514 بدأ هذا الجيش حملة ضد الصفوييّن. ووصلت في الوقت ذاته إلى القاهرة بعثة عثمانية كرّرت اقتراحها بعقد تحالف بين العثمانييّن والمماليك لمحاربة اسماعيل الصفوي. لكنّ المماليك رفضوا الاقتراح، وتمسّكوا بسياستهم مع تفضيل اتخاذ موقف الانتظار. وفي العاشر من حزيران (يونيو) 1514، قرّر المجلس العسكري في القاهرة إرسال قوّة مراقبة عسكرية إلى حلب، التي أثارت غضب الطّرفين المتحاربين لكنّها لم تلعب أي دور في تطوّر الأحداث.

 نتيجة حياد مصر المراوغ، وفشل الحملة الصليبيّة الأوروبية التي أجهضتها انتفاضة الفلاحين عام 1514 في هنغاريا، نشأت ظروف مناسبة تماماً لتحقيق مخطّطات سليم الأوّل. وبفضل تفوّق العثمانيين الملموس في مجال تنظيم الجيوش وتجهيزها التقني تقرّر مصير الحملة سلفاً. في 23 آب (أغسطس) 1514 نشبت معركة تشالديران، فتكبّد جيش الصفوييّن هزيمة ساحقة ودخل سليم الأوّل تبريز عاصمة إيران الشيعيّة في 5 أيلول (سبتمبر) من ذلك العام. كانت هزيمة باشاوات قيزيل الذين فقدوا قرابة الـ (50) ألف رجل(٥) في مرج تشالديران، مفاجأة غير منتظرة بالنسبة إلى المماليك على حد قول ابن إياس. وقد اهتزت القاهرة‎ ‏لهزيمة الصفوييّن ولم يستطع حكّام مصر إخفاء خيبة أملهم. وأمام دهشة العالم الإسلامي كلّه، لم يبتهج المماليك لانتصار العثمانييّن على باشاوات قيزيل. كانت لمعركة تشالديران نتائج حاسمة على مصير المعركة المُرتقبة مع المماليك. ففي ربيع عام 1515 وصلت إلى القاهرة تباشير الأنباء عن استعدادات العثمانيين العسكرية. فقد كان الجيش والأسطول العثمانيّان يستعدان لشن حملة على مصر. وسيطر على اسطنبول جو محموم للحرب التي صوّرها العثمانيون ضد المماليك كما لو كانت واجباً على كلّ مسلم خوضها. كما أصدر علماء السلطنة العثمانية ثلاث فتاوى تضفي على الحرب طابع الجهاد الديني التحرّري. فقد ورد في إحدى هذه الفتاوى أنّ المماليك خانوا الإسلام وأنهم يساعدون الكفّار. وأعلن مفتي اسطنبــول الأكبر: «أنّ من يساعد أعداء الله هو عدو الله أيضاً»(٦). أمّا الهدف المُعلن للحملة فهو تحرير المضطهَدين وحماية المسلمين من العدو الخارجي. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من تطوّرات الموقف بعد السيطرة على تبريز والانتصار على قوات الشاه، والتفرّغ لحرب المماليك.

 وأصبح الامتداد العثماني باتجاه البلاد العربية والسيطرة عليها أمراً حتميّاً، ووجد المماليك أنفسهم أمام عدوّ قويّ لا مفرّ من مواجهته، في ظلّ علاقات عثمانيّة – مملوكيّة تأرجحت بين مدّ وجزر لسنوات طويلة، تمهيداً لساعة الصفر، المتمثلة في معركة «مرج دابق» الفاصلة…

 تُعَدُّ ظاهرة ضمِّ العثمانيين للبلاد العربية، خلال النصف الأوّل من القرن السادس عشر، من الظواهر التاريخيّة الجديرة بالدراسة، بفعل أنّ هذا الضمَّ امتدّ أربعة قرون من التاريخ الحديث، وفي أجزاء استراتيجيّة في آسيا وإفريقيا، وشكَّل العالم العربي أحد العوالم الجغرافيّة الثلاثة الكبرى التي تكوّنت منها الدولة العثمانية منذ القرن السادس عشر، أمّا العالمان الآخران فهما عالم الأناضول وعالم الروملِّي.

 والواقع أنّ الظروف الداخلية والخارجية في المنطقة العربية قد دفعت العثمانيين إلى ضمِّ البلاد العربية، وكأنّ العالم العربي أراد استبدال الحكم المملوكي بحكم عثماني جديد كون الشعوب العربية اعتادت على نمط الدول والدويلات السلطانية. لكنّ المنطقة العربية غدت مزدحمة بالصراعات الإقليمية بين الصفوييِّن والمماليك والعثمانيين، وعُرضة لتهديدات القوى الأوروبية وأطماعها، وبخاصة القوى البرتغالية التي شغلت تهديداً مباشراً لسواحل شبه الجزيرة العربية الجنوبية، الشرقية منها والغربية بفعل وقوع موانئها على طريق التجارة مع الهند.

وجاءت نتائج ضمّ العثمانيين إقليم الجزيرة الفراتية أنْ فتحَ الباب أمام العثمانيين للتمدّد باتجاه الأراضي العربية، لتأمين خطوط استراتيجية جديدة، إنْ في بلاد الشام أو في العراق تصل إلى المحيط الهندي.

وكان التنافس على زعامة العالم الإسلامي قد بلغ آنذاك أشدّه بين القوى الإسلامية الثلاث العثمانيين والمماليك والصفوييّن، ما دفع العثمانيين إلى الاصطدام بالصفوييّن وتحجيم قوّتهم، ومن ثم التفتوا نحو المشرق العربي ليصطدموا بالمماليك. وكان السلطان سليم الأول مستعداً لتنفيذ خططه الكبرى في الشرق، لأنّ العرب أرادوا من هذا القادم الجديد حالة خلاص أخرى على يديه ينتشلهم من الحكم المملوكي المُتَعسّف(٧). في الوقت الذي فشلت فيه كل المقترحات العثمانية مع المماليك وسلطانهم قانصوه الغوري في مصر، الذي وجد في الصراع العثماني الصّفوي إضعافاً للجانبين، وعامل قوّة له، إلّا أنّ حساب الحقل لم يطابق على حساب البيدر المملوكي، حيث فسّر العثمانيون موقف حياد المماليك موقفاً عدائيّاً منهم، ممّا قرّب ساعة الحسم في «مرج دابق». هذا، ومن المعروف أنّ أيّة حرب، مهما كانت، تكمن فيها عوامل وأسباب وأهداف، مباشرة وغير مباشرة، وصولاً إلى حصولها في الوقت المناسب. ولم تكن معركة «مرج دابق» خارج هذا الإطار إطلاقاً.

 لقد عدّ العثمانيون سياسة المماليك هذه مظهراً من مظاهر العداوة السافرة، وأخذوا ينظرون إليهم على أنّهم العدو الرئيس، وقد نجح السلطان سليم الأول في تسريع الأحداث تجاه المماليك لكي يوفّر لنفسه أسباباً استراتيجية جيدة تمكّنه من ضم الممتلكات المملوكية، وتمثَّل ذلك بسيطرته على موانئ قيليقيا لتأمين الطريق المائي الذي يربط إستانبول بـ «بياس». واكتفى قانصوه الغوري، أثناء الصدام بين العثمانيين والصفويين، بإرسال قوّة مراقبة إلى حلب لحماية الأراضي الواقعة تحت النفوذ المملوكي، لكن إرسال هذه القوة وقيامها بمنع الجيش العثماني من عبور طرق تمر بأراضي واقعة تحت السيطرة المملوكية، أدّى إلى تدهور العلاقات بين سليم وقانصوه الغوري، وبدا واضحاً أنّ الأوّل عاد من تشالديران وهو ينوي الدخول في حرب مع الثاني، لأنّه كان يخشى وجود دولتين كبيرتين معاديتين له وتشرفان على حدوده الجنوبية.

 كان من أبرز هذه الاتجاهات أنّ السلطان سليم الأول أسرع بعد عودته من إيران إلى ضمِّ إمارة ذي القدر الفاصلة بينه وبين المماليك، والمشمولة بحماية هؤلاء، وقبض على حاكمها علاء الدولة وقطع رأسه وأرسله إلى القاهرة. ويبدو أنّ السبب المباشر لضم هذه الإمارة

االسلطان العثماني سليم الاول

يتعلّق بغاراتها المتكرّرة على القوافل العثمانية، ومنعها إمدادات الحرب من المرور إلى الجبهة الشرقية، فانتقم منها سليم، وملك مرعش وألبستان وعينتاب وملطية، ومعنى ذلك أنّ الطريق أضحى مفتوحاً الآن أمامه في مواجهة المماليك(٨). والواقع أنّ ضمَّ سليم الأول إمارة ذي القدر كان عملاً جريئاً، لأنّ المماليك كانوا يعدّون أنفسهم، منذ زمن بعيد، سادة للإمارة، ثم إنّ تعيين حاكم عثماني عليها يُعَدُّ عملاً معادياً، وكان سليم الأوّل يريد استدراج قانصوه الغوري للذهاب إلى شمال بلاد الشام لمراقبة الوضع هناك، ثم الانقضاض عليه فجأة.

 عدَّ قانصوه الغوري تصرّف سليم الأول هذا بمثابة إعلان للحرب، وقرّر أن يستعيد هيبته في المنطقة وأمر بالاستعداد للحرب. ويبدو أنّه كان يودّ أن لا تتطور العلاقات بينه وبين السلطان العثماني إلى حرب، ويعمل جاهداً على تفاديها، إذ إنّه أدرك الأحوال السيئة التي كانت تمرّ بها السلطنة المملوكية وسط اتّساع التعاطف مع العثمانيين، بفعل القوى المناهضة لها في مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية، بالإضافة إلى مناهضة البرتغاليين لها في المياه الإسلامية وفي المحيط الهندي.

وانتقلت المشاعر المعادية للدولة إلى صفوف الجيش المملوكي، فانخفضت درجة الانضباط بشكل ملحوظ. وارتفعت أصوات الجند تطالب بالمال والمكافآت واللحوم، وأخذوا في التمرّد، وراحوا يعيثون فساداً في الشوارع العامّة.

 نتيجة لهذه العوامل، أيقن الغوري أنّه غير مستعد لخوض غمار حرب كبيرة ضد العثمانيين الأقوياء، وحاول تأخير اندلاعها بكل الوسائل، إلّا أن السلطان سليم الأول أصرّ على أن يكون السيف هو الحَكَم إنْ لم يعلن الغوري خضوعه له. وكان هذا هو ذروة الاستهانة به. وشعر سلطان مصر أن جيشه لا يستطيع وحده الصمود أمام الجيش العثماني الجيد التسليح والتجهيز، فسعى إلى التحالف مع الشاه اسماعيل الصّفوي ضد العدو المشترك، ولعلّ ما شجَّعه على سلوك هذا المسلك، أنّ الشاه كان مستعدّاً بعد تشالديران لمتابعة العمل ضد السّلطان سليم الأول.

 ولكن الكراهية التي كان يكنّها الشاه للغوري لم تكن تقلّ عن كراهيته للسلطان العثماني، بالإضافة إلى أنّه لم يفكر، بعد تشالديران، في خوض معركة مكشوفة مع العثمانيين، واكتفى بتثبيت حكمه في إيران والقيام ببعض المحاولات الارتدادية الضيقة. ولهذا، لم تُسفر محاولة الغوري التحالف مع الشاه إسماعيل عن نتيجة إيجابية بل انعكست سلباً على علاقاته مع العثمانيين، الذين رأَوْا في هذه المحاولة طعنة للدولة العثمانية من الخلف، وأضحت الحرب حتميّة بين الطرفين(٩).

 وعلى الرغم من ذلك، لم يفقد قانصوه الغوري الأمل بالمفاوضات السلمية، وعملت الدبلوماسية العثمانية على ترسيخ هذا الوهم في ذهنه، مستغلّة ذلك لإرباك العدو وإبقاء المبادرة في يد السلطان سليم الأول، الذي ظلّ، حتى اللحظة الأخيرة، يحتفظ بإمكان تحديد مكان وزمان المعركة. ولجأ كل طرف إلى تنفيذ الأساليب التي تضعف قوى الطرف الآخر، كالاتّهام بخيانة الجهاد ضدّ أوروبا، وكما اتّهم العثمانيون المماليك بخيانة العالم الإسلامي كذلك اتّهم المماليك السلطان سليم الأول، الذي لقبوه بـ «ملك الروم»، بالارتداد عن الدين الحنيف والسنّة. وكسب كلّ طرف أعواناً له من بين رجالات الطرف الآخر فتحوّلت اسطنبول والقاهرة إلى ملجأ سياسي لكلّ زعيم من غضب سلطانه. لكنّ إفادة السلطان سليم الأول من اللاجئين إليه من المماليك كانت أكثر من إفادة السلطان الغوري من اللاجئين إليه من العثمانيين، حيث إنّ التفكك الداخلي في الدولة المملوكيّة كان يعطي السلطان العثماني فُرَصاً أفضل للإفادة المثمرة، على عكس الجبهة الداخلية العثمانية الصلبة. واستطاع العثمانيون جذب بعض كبار رجال المماليك، أمثال يونس بك، والي عينتاب، وخَير بك نائب حلب، التي تُعَدُّ خط الدفاع الأول عن الشام ومصر، في حين لم يستفد الغوري من الذين لجأوا إليه من العثمانيين سوى إفادة معنوية، ما أدّى إلى استنزاف المقاومة المملوكيّة وفقدانها حيويتها(١٠).

 أزعج السلطان قانصوه الغوري ضمّ السلطان سليم الأول أراضي إمارة ذي القدر إلى أملاكه، فاضطرب الموقف السياسي، ولم يكن أحد يدري ما يدور في خلد السلطان العثماني. وما أن تأمَّنت جميع منافذ بلاد الجزيرة وشمالي العراق ومسالكهما، من خلال السيطرة العثمانية عليها، حتّى تحرك الجيش العثماني عبر الأناضول في (أوائل 922هـ/ ربيع 1516م) بقيادة السلطان، وتعداده ستون ألف مقاتل وثلاثمائة مدفع، ويمَّم وجهه شطر بلاد الشام. ولما علم الغوري بأنباء التحرك العثماني، حرّك هو الآخر جيشه الذي خرج به من القاهرة، وقد بلغ تعداده ثمانين ألف جندي.وتبادل الرّجلان الرسائل في مرج دابق شمالي حلب، حيث عسكر جيشاهما، وبدا كأن هناك مشروعاً للتفاوض وحقن دماء المسلمين، وهو ما كان يريده الغوري على عكس سليم الأول الذي كان يضمر الدخول في معركة، بعد أن نجح باستدراج المماليك إلى ساحة القتال بأسلوب ذكي بارع، وأمَّن خطوط مواصلاته مع الأناضول عبر حلب، المدينة الاستراتيجية، لذلك فشلت المفاوضات وأهان كلّ منهما رسل الطرف الآخر، وأضحت الحرب وشيكة الوقوع. وعبّأ كلّ عاهل جيشه استعداداً للّقاء الحاسم، الذي بدأ في (25 رجب 922هـ/24 آب 1516م)، ودارت بين الجيشين رحى معركة عنيفة استمرّت أقل من ثماني ساعات، أسفرت عن انتصار واضح للعثمانيين، ولم يصمد المماليك أمام مدفعيّة هؤلاء المتفوقة. وانتحر السلطان الغوري أثناء انهزام الجيش، حيث تناول السّم عندما علم بنتيجة المعركة، ووقع عن حصانه بعد أن فقد وعيه ومات على الفور. ومما يجدر ذكره أن انسحاب كل من خير بك نائب حلب، وجان بردي الغزالي نائب حماة من جيش الغوري وانضمامهما إلى صفوف السلطان سليم الأول، كان من العوامل التي أثرت على نتيجة المعركة.

 استثمر السلطان سليم الأول انتصاره هذا وضمَّ حلب وحماة وحمص ودمشق، وكان السكان يُرحِّبون به ويحتفون بمقدمه بصورة لم يألفها أيّ سلطان عثماني من قبل. وعيَّن السلطان على هذه المدن ولاة من طرفه، واستقبل في دمشق وفوداً من العلماء فأحسن وفادتهم، وفرَّق الإنعامات، وأمر بترميم المسجد الأموي وقبريّ صلاح الدين الأيوبي والشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، كما شيَّد مسجداً باسمه، ولما صلّى الجمعة أضاف الخطيب، عندما دعا له، هذه العبارة «خادم الحرمين الشريفين». كانت بعض القوى المحلّية الحاكمة في بلاد الشام تقف موقف المتردِّد من هذه الحرب، لتتخذ، بعد انتهاء المعركة، الموقف الذي يتناسب مع مصالحها، مثل آل معن، لكن بعض القوى الأخرى، ومنهم آل بُحتر، فضّلوا الوقوف إلى جانب المماليك، وترتّب على مثل هذه المواقف أن ارتفعت مكانة آل معن وهبطت مكانة آل بحتر(١١).

فخر الدين الاول في حضرة السلطان سليم الاول في دمشق

 وبالفعل، فقد شكّلت معركة «مرج دابق» هذه، محطّة مفصليّة هامّة في تاريخ المنطقة، ومن بينها لبنان بالطبع. إذ كان الانتصار العثماني فيها هو بحدّ ذاته انتصاراً لحلفاء العثمانيين أيضاً، كما كانت هزيمة المماليك، هزيمة لحلفائهم أيضاً. وفي الوقت الذي وقف فيه التنوخيّون إلى جانب المماليك في هذه المعركة، بينما وقف المعنيّون في صفّ العثمانيين، فقد مثّل فوز العثمانييّن بدايةً لسطوع نجم بني معن والإمارة المعنيّة، على حساب التنوخييّن وإمارتهم التنوخيّة، التي أَفُل نجمها وزالت سيطرتها بعد نفوذ استمرّ حوالي ثمانية قرون كأوّل إمارة عربيّة إسلاميّة في الشرق دام حكمها 800 سنة.

 وعندما أنهى السلطان سليم الأوّل فتوحاته في بلاد الشام ودخل دمشق، ذهب إليها وفد يضم أمراء المناطق اللبنانيّة لتقديم الطاعة وإعلان الولاء للحاكم الجديد، وكان الوفد الكسرواني برئاسة عساف التركماني، ووفد الشوف برئاسة فخر الدين المعني الأول، وجمال الدين الأرسلاني. تقدم فخر الدين المعني الذي تكلم باسمهم، وقبل الأرض أمام السلطان العثماني ودعا له الدعاء التالي «اللّهم أَدِم دوامَ من اخترته لملكك، وجعلته خليفةَ عهدك، وسلطته على عبادك وأرضك، وقلدته سنَّتك وفرضك، ناصر الرّعية النيّرة الغراء، وقائد الأمة الطاهرة الظاهرة، سيّدنا ووليّ نعمتنا أمير المؤمنين، الإمام العادل، والذكي الفاضل، الذي بيده أزمة الأمر بادِشاة، أدام الله بقاءه، وفي العزّ الدائم أبقاه، وخلّد في الدنيا مجده ونعماه، ورفع إلى القيامة طالع سعده، وبلغه مأموله وقصده… أعاننا الله بالدعاء لدوام دولته بالسعد والتخليد بأنعم العزّ والتمهيد. آمين»(١٢). أعجب السلطان سليم بشخصية فخر الدين الأول

 الوقورة وبمظاهر إخلاصه وببلاغته. وأقرّه كما أقرّ رفاقه الأمراء اللبنانيين على إقطاعاتهم، وسمح لهم بممارسة امتيازات الحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به في ظل حكم المماليك. كما جعل الأمير جمال الدين الأرسلاني اليمني والياً على بلاد الغرب، والأمير عسّاف التركماني أميراً على بلاد كسروان وبلاد جبيل وأوصاهم خيراً بقومهم. ويقول محمّد كرد علي في هذا الإطار: «وقَدِمت إليه الناس من كلّ جانب إلّا الأمراء التنوخييّن القيسيين، فإنّهم لم يأتوا لأنّهم كانوا من حزب الدولة الشركسيّة»(١٣).

 وبالنّظر إلى ما كانت عليه المناطق اللبنانية في أيام العهد المملوكي من حكم إقطاعي بين الأمراء والمقدّمين والمشايخ وزعماء العائلات والولاة، فقد أبقى العثمانيون على هذا الحكم، حفاظاً على الأمن والنظام من جهة، وحتى لا يؤلّبوا اللبنانيين عليهم من جهة أخرى، معتمدين على شعار مركزي في تعاملهم مع سكان المناطق اللبنانية مفاده: «فرض الطاعة عليهم وجباية الميري منهم».

 وكان من الطبيعي أن يمنح العثمانيون حلفاءهم من أمراء لبنان حكماً ونفوذاً مميّزاً، كمكافأة لهم على مناصرتهم ضدّ خصومهم المماليك، في معركة تعتبر بمثابة «كسر عظم» بين الجانبين (هي معركة مرج دابق). وقد كان المعنيّون من أوائل الذين نالوا هذه المكافأة، وترأّسوا على غيرهم بموجب فرمانات سلطانية عليا. وقد جاء الاعتراف العثماني بزعامة الأمراء المعنيين وترئيسهم على سائر الأمراء اللبنانيين، و«بحق أبنائهم من بعدهم فيها بحيث تنتقل السلطة من أمير معني إلى أمير معني آخر دون أن يكون لغيرهم من الأمراء الوطنيين يد في الحكم الأعلى»(١٤).

 جاء ذلك، لإحداث الخصومات والانقسامات بين الأمراء اللبنانيين وبقاء النَّير العثماني فوق رقابهم مجتمعين، وهذا ما أدّى بالفعل فيما بعد إلى العداوة التي تأصّلت بين المعنيين من ناحية، وبين آل سيفا وآل فريخ من ناحية ثانية، وما نتج عنها لاحقاً من مآسٍ وكوارث بحق المعنيين وبلادهم خاصّة، وبحق اللبنانيين ككُل من ناحية ثانية… وصولاً إلى القضاء على الأمراء المعنييِّن، الواحد تلو الآخر، كمقدّمة للقضاء على إمارتهم وحكمهم كأسرة عام 1697، بعد أن مَدْمَكَتْ الأساس للكيان اللبناني الحديث، على ركائز وطنيّة

عروبيّة صحيحة، رغم كل الاتهامات والافتراءات الباطلة التي لا تطال إلّا الوطنيين المخلصين للمواطنين والوطن على السواء.

 بعد هذا العرض شبه التفصيلي عن معركة «مرج دابق»، يجدر بنا التطرّق إلى الأسباب الكامنة في هذا الانتصار العثماني على المماليك، والذي كانت بمثابة الضربة القاضية على هذه السلطنة التي حكمت قروناً عدّة، وبعض النتائج التي تمخّضت عنها. لذلك نستطيع تسجيل الملاحظات التالية:

  1. كانت الجيوش العثمانيّة جيّدة التسليح والتجهيز، وطبقّت الأساليب التكتيكية الحديثة.
  2. لجأت هذه الجيوش إلى تدعيم مواقعها بواسطة قلاع متحركة، تشكلت من عربات مربوطة بعضها بالبعض الآخر.
  3. وزّع السلطان سليم الأوّل قوّاته ومدفعيته بحيث تستطيع الاختباء خلف سلاسل من العربات المتصلة بعضها ببعض، وخلف حواجز من الأشجار والأخشاب.
  4. امتازت المعدات المقاوِمة للخيّالة، كالشوكات والخطّافات الحديدية المربوطة بالحبال، بأهمية كبيرة في المعركة، إذ كان الجنود العثمانيون يُطلقون هذه الأدوات على فرسان المماليك المدججين بالسلاح، فيسحبون فرسانهم من على ظهور الخيل ويقتلونهـم بالفأس أو بالسيف.
  5. كان العثمانيون يمتلكون أفضل مدفعية في العالم آنذاك، واستخدموا أحدث أنواع المدفعيّة النّحاسية المركبة على عجلات يجرّ الواحد منها زوج من الثيران، في حين لم يعرف الجيش المملوكي مثلها.
  6. على الرّغم من أنّ جنود الجيش العثماني كانوا ينتمون إلى قوميّات مختلفة وطوائف دينيّة متعددة، إلّا أن هذا الجيش عُرِف بانضباطيّته وتماسكه المعنوي على عكس الجيش المملوكي الذي تنازعه الإحجام.
  7. انسحاب بعض أمراء بلاد الشام من الجيش المملوكي وانضمامهم إلى الجيش العثماني عند بدء القتال، أمثال خَير بك نائب حلب وقائد الميسرة، وجان بردي الغزالي ما أثّر سلباً على قوّة ومعنويات السلطان الغوري.
  8. تراجع القاعدة الإسلاميّة للمماليك بفعل الانتفاضات الشعبيّة ضدّهم، في القرى والمدن الإسلاميّة (١٥).
  9. أفرزت هذه المعركة نهاية سلطنة وبداية حكم سلطنة أخرى على أنقاضها، دامت سلطتها نحو أربعة قرون حفلت بأحداث تاريخيّة مهمّة، وبمتغيّرات سياسيّة هامّة في تاريخ بلاد الشام ومصر والعراق والبلقان وأوروبا.
  10.  أدخلت هذه المعركة الرّعب في قلوب الأوروبيين، كما في قلوب الفرس.
  11. أزالت من الحكم في الإمارة اللبنانية إمارة تاريخيّة عريقة، هي الإمارة التنوخيّة التي حكمت نحو ثمانية قرون)، لتخلق على أثرها الإمارة المعنيّة (الحليفة للتنوخييّن تاريخياً ومن أنسبائهم)، دون أن تتخلّى عن مهمّة التنوخييّن الوطنيّة والعروبيّة والإسلاميّة، فكانت امتداداً لها واستمراراً كخير خلف لخير سلف…
  12. كرّست هذه المعركة السلطان سليم الأوّل «خليفة على المسلمين» و«حامي الحرمين الشريفين» والسلطان الأقوى في عصره. كما كانت المفتاح الذهبي الذي فتح به السلطان سليم بلاد الشام…

 على هذا الأساس، تُعتبر معركة «مرج دابق» التي جرت في شمالي حلب بين العثمانيين والمماليك في 24 آب 1516، نهاية عهد وبداية عهد جديد، تجاوزت في تأثيرها المنطقة الجغرافيّة التي وقعت فيها، إلى ما يتعدّى حدود السلطنتين معاً، بكل ما رافقها من تغيّرات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وديموغرافيّة وعسكريّة… فكانت بحقّ إحدى معارك التاريخ الكبرى في الشرق والغرب معاً، والانقلاب الكبير في التحالفات والولاءات المختلفة، كما بالصراعات والاصطفافات المضادة على مختلف الأصعدة… وهذا هو سرّ أهميّتها التي أخرجتها من الجغرافيا وأدخلتها التاريخ… بعد أن نقلت المرحلة من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة، في نقلة نوعيّة مميّزة على جميع المستويات…

المراجع

  1. ابن إياس «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، القاهرة 1961-1962، المجلد الخامس، ص 364-365.
  2. نيقولاي إيفانوف «الفتح العثماني للأقطار العربية» (1516-1574)، نقله إلى العربية يوسف+ عطا الله، راجعه وقدّم له د. مسعود ضاهر، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى 1988، ص 54.نيقولاي إيفانوف، المرجع السابق نفسه، ص 56، نقلاً عن: Demetrius Cantimir, «Histoire de l’Empire Ottoman où se voyant les causes de son agrandissement et de sa décadence», traduit en français par M. de Joncquières, Paris 1943, Tome2, p. 95.
  3. للتفصيل في ذلك، يستحسن العودة إلى:
  4. نيقولاي إيفانوف، مرجع سابق، ص 58-59، ود. جلال يحيى، «المدخل إلى تاريخ العالم العربي الحديث»، دار المعارف بمصر 1965، ص 25-27. ومحمّد كرد علي «خطط الشام». دار العلم للملايين، بيروت، الجزء الثاني 1972، ص 205-206. ود. محمّد سهيل طقّوش «تاريخ العثمانيين»، دار النفائس، بيروت، ص 152-153.
  5. ابن إياس «بدائع الزهور في …»، مرجع سابق، المجلد الخامس، ص 361. ود. عبد العزيز سليمان نوار «الشعوب الإسلامية»، دار النهضة العربية، بيروت 1973، ص 73-75. وأيضاً: محمّد فريد المحامي «تاريخ الدولة العلية العثمانية»، مرجع سابق، ص 189. وسعيد أحمد برجاوي «الإمبراطورية العثمانية»، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت 1993، ص 91-93.
  6. إيفانوف، مرجع سابق، ص 60، نقلاً عن: بارتولد «الخليفة والسلطان»، موسكو 1966، ص 60.
  7. محمّد فريد المحامي «تاريخ الدولة العلية العثمانية»، مرجع سابق، ص 191. وسيّار الجميّل «العثمانيّون وتكوين العرب الحديث»، مؤسسة الأبحاث العربيّة، بيروت، الطبعة الأولى 1989، ص 356.
  8. راجع: ابن إياس «بدائع الزهور…»، مرجع سابق، الجزء الرابع ، ص 372-373. ونيقولاي إيفانوف، مرجع سابق، ص 60. ود. عبد العزيز سليمان نوار «الشعوب الإسلامية»، مرجع سابق، ص 86-88، ود. محمّد سهيل طقوش «تاريخ العثمانيين»، مرجع سابق، ص 165.
  9. راجع: ابن إياس «بدائع الزهور…»، مرجع سابق، الجزء الرابع ، ص 372-373. ونيقولاي إيفانوف، مرجع سابق، ص 60. ود. عبد العزيز سليمان نوار «الشعوب الإسلامية»، مرجع سابق، ص 86-88، ود. محمّد سهيل طقوش «تاريخ العثمانيين»، مرجع سابق، ص 165.
  10. – ابن إياس «بدائع الزهور…»، الجزء الخامس، مرجع سابق، ص73 و89-92. وأيضاً: سيّار الجميّل «العثمانيّون وتكوين العرب الحديث»، مرجع سابق، ص 338-342. ود. محمّد سهيل طقوش «تاريخ العثمانيين»، مرجع سابق، ص 166.
  11. ابن إياس «بدائع الزهور…»، الجزء الخامس، مرجع سابق، ص60.
  12. ابن إياس «بدائع الزهور…»، الجزء الخامس، مرجع سابق، ص69-71. ومحمّد فريد بك المحامي، مرجع سابق، ص 192-193. وعبد الكريم رافق، «العرب والعثمانيون»، ص 61. وسعيد أحمد برجاوي، الإمبراطوريّة العثمانيّة، مرجع سابق، ص 95-96. ود. طارق قاسم، تاريخ لبنان الحديث، بيروت، الطبعة الأولى 2012، ص 12-15.
  13. د. إميل توما، فلسطين في العهد العثماني، الدار العربية للنشر والتوزيع، عمان/الأردن، لا ت، ص 22. وسعيد أحمد برجاوي، ص 97. ود. طارق قاسم، مرجع سابق، ص 28.
  14. محمّد كرد علي، خطط الشام، الجزء الثاني، دار العلم للملايين، بيروت 1972، ص 213.
  15. فيليب حتّي، «لبنان في التاريخ»، دار الثقافة، بيروت 1978، ص 437-438. وأيضاً: عادل إسماعيل Adel Ismail, L’histoire du Liban», Tome 1, Paris 1955, p. 58-59.
  16. ابن إياس «بدائع الزهور…»، الجزء الخامس، مرجع سابق، 67. ود. محمّد سهيل طقوش «تاريخ العثمانيين»، مرجع سابق، ص 169. ود. طارق قاسم، مرجع سابق، ص 11 و14.

تجربة محمّد علي باشا في لُبنان وسوريا

تميّزت الدّيموغرافية الاجتماعيّة – السكانيّة في بلدان المشرق العربي: العراق – سوريا – فلسطين – لبنان بالتنوّع الطائفي والقبلي والاثني والقومي. مع ما لهذا التنوع من صلة بالتحولات السياسية والاقتصادية، خاصّة بالحروب التي جرت وتجري ليس فقط بين أطراف النسيج المجتمعي المشرقي، أيضاً مع ما يحيط المنطقة من صراعات وحروب أدّت بنتائجها لهجرات واسعة من وإلى بلدان المنطقة.

وكان لمصر تجربتان قريبتان مؤثّرتان في الأوضاع السياسية والاجتماعية مع سكان المشرق، تمثلتا بتجربة محمّد علي باشا، 1805 – 1849 الذي امتد نفوذه إلى المشرق العربي ما بين عامي 1832 – 1840 – وتجربة جمال عبد الناصر 1952 – 1970 –
التي تميزت بما قام به من مقاربات للتعاون بين الدول العربية، ارتقت إلى وحدة مصر وسوريا – 1958 – 1961 – وإلى مشاريع اتّحادية مع العراق والسودان واليمن وليبيا وغيرها من أقطار عربية.

وسنحاول في هذه الدراسة مراجعة العلاقة التاريخية بين مصر وبلدان المشرق، انطلاقاً من تجربة محمّد علي ومؤثراتها التاريخية، فمصر التي كان عدد سكانها في بداية القرن التاسع عشر، أربعة ملايين نسمة، في حين بلغ عدد أفراد جيشها، أربعمائة ألف جندي. بينما كان عدد السكان الأقباط نحو المليون نسمة (الإحصاءات الفرنسية). وكان الأقباط هم الشريحة المتعلمة والتي تقلّصت نسبة الأمية بينهم إلى الحدود الدنيا.

أمّا سبب هذا التمايز التربوي بين الأقباط والمسلمين فناتج عن السياسات التي قامت بها الإرساليات الغربية على الصُّعد التربوية – التعليمية، تلك الإرساليات التي حصرت مهمتها بتعليم المسيحيين، حاملة فيما حملته ليس فقط مؤثرات عصر التنوير، حيث أجبرت الكنيسة مواطنيها سواء في مصر، أم في بلدان المشرق العربي على التعليم تحت طائلة المحاسبة القاسية، بل كان هدف الإرساليات أيضاً خلق مُناخات عند قوى اجتماعية معينة يراد تحضيرها كوسيط تجاري بين البلدان العربية والبلدان الغربية.

وفي عودة إلى ما قامت به الإرساليات فإنّ المشروع الناصري قام أيضاً بتجربة مماثلة ما بين عامي 952 – 1970 إذ طرح مشروعاً لمكافحة الأميّة، فكان للمساجد والكنائس والمدارس وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني دور في تنفيذ مضامين هذا المشروع الذي كانت نتائجه استفادة نحو خمسة ملايين مواطن مصري منه.

التنوع الطائفي والسياسات الاستعماريّة في المشرق العربي ١٨٠٥ – ١٨٤٠

أمّا الصورة التي كانت عليها الطوائف غير الإسلاميّة فتبدو كالتالي: بلغ عدد السكان في المشرق العربي من غير المسلمين – المليون ونصف المليون نسمة – كان هذا في الربع الأول من القرن التاسع عشر. لكن هذه الطوائف لم تكن على وئام مع بعضها البعض، وهذا ما أدّى في فترة تاريخية معيّنة إلى انقسام الكنيسة إلى قسمين؛ الأوّل: يتبع الكنيسة اللاتينية الغربيّة. الثاني: يتبع الكنيسة اليونانية الشرقية، حيث قُسّمت الكنيسة الكاثوليكية إلى عدة كنائس، ولكلّ كنيسة توجهاتها الخاصة من حيث ارتباطها ليس فقط بالخلافة، بل أيضاً بالبابوية وبالرعايا التابعين لها.
لقد احتفظت الكنيسة اللاتينية في الشرق بوحدتها، كونها تمثل الإرث الباقي من التراث الثقافي للعالم القديم. لكنها كانت قد انفتحت على الثقافة الغربية خلال فترة حكم محمّد علي، فعمل قسم من نُخَبها بعد عودتهم إلى بلادهم في المؤسسات العامة، وقسم آخر تم تأهيله للتعامل التجاري مع الدول الأوروبية، كما أنّ نُخَباً متنوّعة كانت قد أخذت مواقع لها في المؤسسات التي أشرف عليها هو وولده إبراهيم سواءً في مصر أم في بلدان المشرق – الإدارية والمالية والخدماتية – خاصة وأن من يتم اختيارهم كانوا يتقنون ليس فقط اللغة العربية، وإنّما أيضاً اللغات الأجنبية (الإنجليزية – الفرنسية).

أمّا بشأن الكنيسة الشرقية التي قُسّمت إلى ست كنائس، فقد أُطلق عليها اسم الكنيسة الأرثوذكسية، بينما الكنائس الأخرى فقد انقسمت إلى نساطرة ويعاقبة، حيث أثّر الانشقاق الذي حصل في العام 1054 على هذه التقسيمات، بين الكنيسة الرومية والكنيسة القسطنطينية التي انفصل قسم من رعاياها تحت تأثير الحملات التبشيرية الغربية والمرسلين الأجانب، ليلتحقوا بالطوائف أو الأديان الأخرى. أمّا بالنسبة للموارنة في لبنان، الذين بلغ عددهم خلال فترة حكم محمّد علي، مائة وخمسون ألف نسمة، فقد تعاونوا مع محمّد علي، خلال وقبل سيطرته على بلدان المشرق العربي، وبقي هذا التعاون مستمراً حتى عام 1840.لقد كان وقع العلاقات الأرمينيّة مع محمّد علي، حين سيطر على مقاطعة كيليكيا إيجابياً، حيث تم التعاون بينهم وبين محمّد علي، وذلك بهدف السيطرة على كرسي القدس، لكنّ الأرمن كانوا يرغبون أيضًا بأن يشملهم نظام الامتيازات الذي تتمتع به الطوائف المسيحية الأخرى، ولكن خاب ظنُّهم.

أمّا عن وضعية الطائفة الإنجيلية التي كانت تعترض على سلطة البابا ولا تعترف بها، وهم ممّن لا يعترفون سوى بالإنجيل كمُرشد ودليل وحيد لهم، فلم يحظَوْا بالامتيازات، وبالتالي لم تتمَّ معاملتهم كما كانوا يرغبون من قبل الدول الراعية (راجع قاسم سمحات، محمّد علي والمشروع الفرنسي في بلاد الشام). هذه هي وضعية الطوائف المسيحية واتّجاهاتها والمتناقضات الموروثة بين بعضها البعض.

أمّا عن واقع اليهود، حيث بدأ الاهتمام بهم نتيجة قوّتهم الاقتصادية والمالية في البلدان الأوروبية. فقد كانوا قبل حملة نابليون بونابرت يعيشون مضطَهَدين
في الدول الأوروبية، وكان هناك تمييز صارخ بينهم وبين الطوائف المسيحيّة، إذ كان الموروث الشعبي المسيحي يتّهمهم بأنهم ساهموا (بصلب السيد المسيح).

لكن موقعهم المالي والاقتصادي كان سبباً من أهم أسباب إعادة الاعتبار وامُسَلّمات محمّد عليلتّعامل معهم بشكل مختلف، وكقوى محتملة يمكن استغلالها لتنفيذ المصالح الاستعماريّة في المنطقة العربية. هكذا بدأ نابليون يتصرّف مع قضية اليهود، ومن بعده الساسة الإنجليز. فنابليون كان قد وعد القادة الصهاينة حين حملته على مصر عام 1798، بتبنّي مطالبهم السياسية في فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ استمرّت الوعود الإنجليزيّة، والإنجليز هم الذين رأوا في المطالب الصهيونية فرصة لهم لاستعمار المنطقة، واستغلال خيراتها. أمّا الفرنسيّون فكانوا قد طوروا علاقاتهم مع الطائفة المارونية، هذه الطائفة التي انفتحت مبكّراً على الثقافة الغربية، وكان للإرساليات الفرنسية دورٌ مهمُّ في هذا الانفتاح.

لقد أصبح لبنان بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر، ومن خلال علاقة الموارنة بفرنسا، مركزاً للتبشير الغربي، إذ سهّلت الامتيازات التي أُبرمت مع الدول الغربية، وأدت إلى علاقات مميّزة بين فرنسا والموارنة إلى تسلل النفوذ الفرنسي إلى البلاد التي تخضع للخلافة. إنّ نظام الامتيازات قد أعطى ذريعة للفرنسييّن والإنجليز وغيرهم للتدخّل في شؤون المنطقة، وذلك على حساب وحدة المجتمعات المُنضوية تحت علَم الخلافة. لقد أصبح الموارنة كما غيرهم من الطوائف المسيحية يخضعون للقوانين الأجنبيّة – الفرنسيّة، خاصة أن العلاقات بين فرنسا وهذه الطوائف كانت قد بدأت منذ الحروب الصليبية (1096) حيث كان هدف تلك الحملة كما قال البابا آنذاك، إقامة علاقات وطيدة بين مسيحيي الدول الأوروبية ومسيحيي الشرق. كان الهدف الأساسي وجود دائم من القواعد الطائفية التي يمكن تحريكها بوجه بعضها البعض.

لقد كانت مُجمل الطوائف تعيش فيما يشبه الغيتوهات من حيث انغلاقها على نفسها، ممّا أفقد كلّاً منها الشعور بالأمان، خاصة أن النظام المِلَلي العثماني كان يعزّز هذا الخوف، وممّا أعطى معنًى مضاعفاً لهذا الخوف نظام الامتيازات العثماني الذي أُعطي للدول الغربية، وساعد على خلق التباسات في هويّة هذه الشرائح الوطنيّة. إنّ السياسة الغربية كانت تعزز الخلافات بين الطوائف – فرِّق تَسد – خاصة أنّ سكان بلاد الشام الذين يتجاوز عددهم المليون والنّصف، كان ربعهم من الأقليات غير الإسلامية، كان الوالي العثماني يعمل على تحريك هذه الطائفة ضدّ تلك، وقد ازدادت هذه الحساسيّة بعد حصول الدول الغربية على الامتيازات.

الإنجليز والمشروع الصهيوني في فلسطين

 في الشرق فشلت حملة نابليون، فأخذ الإنجليز يعملون لتحقيق ما بدأ به نابليون، وهم الآباء الحقيقيون للمشروع الصهيوني في فلسطين. فبريطانيا كانت بحاجة لتوظيف الرأسمال الصهيوني المتنامي في مشاريعها السياسيّة والاقتصادية. ولهذا فقد وجدوا فيما يسعَوْن إليه من أنّ الرأسماليين اليهود هم الطبقة الأكثر نشاطاً في المجالات التجارية والمالية الغربية وغير الغربية. لذا عملوا على توظيف الرأسمال اليهودي في استغلال اقتصاديات أسواق الشرق، فالرأسمال اليهودي كان يملك مؤسسات مصرفية كبيرة خاصة في ألمانيا، وبالأخص في البورصة في برلين، إذ نرى أنّ خمسة من أصل تسعة أفراد هم من الرأسماليين اليهود ممّن كانوا يوقعون على جدول الأسعار في البورصة الألمانية. لهذا سعى البعض من المتموّلين الصهاينة لتوظيف الرأسمال اليهودي في المشاريع السياسيّة، ليس فقط في الغرب وإنّما أيضاً في الشرق. لذا عمل الانجليز لتوظيف هذه الإمكانيات في فلسطين، حيث بدأ اليهود المضطهَدون يهاجرون من أوروبا إلى فلسطين.

 إنَّ هذه التوجهات التي بدأ يعمل لتحقيقها الصهاينة، كانت من بنات أفكار الساسة الإنجليز الذين رسموا معالم المشروع الصهيوني، وعملوا على تنفيذه خطوة خطوة. إنّ رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون، والذي كانت تربطه صداقة متينة ليس فقط باللورد الصهيوني (أشلي) صاحب النفوذ في جمعية يهود لندن، بل أيضاً بغيره من الرأسماليين اليهود، وهم كُثُر ممّن لهم نفوذ في البلاط الملكي في بريطانيا. وقد عمل هؤلاء وغيرهم على تبنّي المشروع الصهيوني والسير بتنفيذه حتى يتحقّق. لذا كان المخطّط يقتضي بأن تحتلّ إنجلترا سوريا. ضماناً لتحقيق المشروع الصهيوني. وتمهيداً لاستعمار فلسطين وتحقيق إنشاء الكيان الصهيوني. وكانت البدايات بأن قام الإنجليز بدفع الجماعات اليهوديّة المضطهَدة في أوروبا لتعود إلى (بلادها القديمة) كما جاء في التوراه. وكما كان يروّج لذلك الإنجليز، ولتحقيق هذا الهدف، قابل بعض الساسة والمتموّلين من الصهاينة محمّد علي وابنه إبراهيم، وعرضوا عليهما إمكانية استثمار أراضٍ في الجليل قُدِّرَت مساحتها بمائتي قرية، لمدّة خمسين عاماً، على أن يتّخذ الباشا قراراً بإعفاء سكّانها من الضرائب. وطلبوا منهما الموافقة على استقدام خبراء زراعيين لتدريب الفلاحين على الطرق الحديثة في استغلال الأرض. وكانت هذه البداية العمليّة لتحقيق المشروع الصهيوني، التي تكتّلت وراءه المصالح الغربية.

 جاءت موافقة محمّد علي، مقابل تعهُّد من الرأسماليين اليهود بمضاعفة الرأسمال اليهودي في المناطق التي تقع تحت إدارة السلطة المصريّة. لقد تعهد الرأسماليون الصهاينة بإقامة العديد من المشاريع ومنها إنشاء البنوك في المدن المصرية والسورية والفلسطينية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث. وما حصل من أنّ الرأسمالييّن الصهاينة، كان دورهم ينحصر في المجالات التجاريّة، حيث سيطروا على جزء مُهمّ من اقتصاديّات بلدان المشرق العربي. كان ذلك بمساعدة الإنجليز. لقد كان بالمرستون الراعي الأول للمشروع الصهيوني، هذا المشروع بدأ يدفع اليهود الأوروبيين كذلك القاطنين في المناطق المختلفة من الدولة العثمانية بالهجرة إلى فلسطين. وهذه الدعوة كانت المُقدَّمة الأولى للاستيطان في فلسطين. لقد أصبح اليهود تحت الحماية الإنجليزية، على غرار ما بدأه الفرنسيّون من حماية للرعايا الكاثوليك. وبهذا التوجّه يكون الإنجليز قد قدموا خدمة لدولتهم أوّلاً، وليس لليهود الذين تم دفعهم للهجرة من الدول الأوروبية والاستيطان في فلسطين. لقد تقاطعت مصالح الخلافة العثمانية مع مصالح الإنجليز في خلق حاجز قوي أمام مطامع محمّد علي في السيطرة على البلاد السورية. فالإنجليز، وعلى لسان بالمرستون اعتبروا أنّ الكيان الصهيوني في فلسطين يُعتبر ذا وظيفة حيوية كونه سيستخدم لفصل المشرق العربي عن المغرب العربي وبالتالي عن مصر، إضافة لكونه يُستخدم لإقامة منطقة عازلة، ممّا سيؤمّن للإنجليز طرق التجارة إلى الهند.

 إنّ توسع محمّد علي في بلدان المشرق العربي – كما يشير إلى ذلك جورج أنطونيوس في كتابه يقظة العرب – وامتداده إلى الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ومن ثمّ إلى بلاد الشام – قد أكسبه السيطرة على المناطق الواقعة على طريق من أخطر الطرق التجارية في العالم. لذلك كان هدف المشروع الإنجليزي إحداث بلبلة داخل المؤسسات التابعة للحكم المصري في بلاد الشام وبالتالي إفشاله، كما اعتُبر المشروع الانجليزي خطوة تهدف لإضعاف السيطرة والدور الفرنسي في سوريا.

محمّد علي يمد نفوذه إلى بلدان المشرق

يرى المتابع لتاريخ العلاقات المصرية مع بلدان المشرق العربي – فلسطين – سوريا – لبنان – العراق – العلاقات المميّزة والراسخة، خاصة بين لبنان ومصر أي بين محمّد علي وبشير الشهابي، وبين عبد الناصر وفؤاد شهاب. نتابع ذلك ليس فقط من خلال العدد الضخم من أصحاب الكفاءات من اللبنانييّن الذين احتضنتهم مصر، أي بين محمّد علي وبشير الشهابي، وبين عبد الناصر وفؤاد شهاب. ففي عصر محمّد علي 1805 – 1849 لم يقتصر الأمر على تحالف عسكري استمرّ طوال فترة حكم الباشا والأمير بشير الشهابي، بل تجاوز ذلك ليستعين محمّد علي بالكفاءات الزراعية والطبّية والإدارية، كذلك ممّن لهم خبرة في الطباعة، أيضاً في الإدارة خاصة في الشؤون المالية وغير ذلك. وفي هذا الشأن هاجر إلى مصر من اللّبنانيين الآلاف من الكفاءات المهنيّة، والذين برز منهم العديد ممّن ساهموا في تأسيس المسرح والسينما والصحافة في مصر. كذلك كان للبنانييّن دور فعال في النهضة الثقافية والعلمية والزراعية التي عرفتها مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، تلك الفترة التي برزت فيها المخططات الأجنبية الآيلة لاحتلال المنطقة وتقسيمها ما بين الثنائي المُستعمر الإنجليزي والفرنسي، أمّا في العهد الناصري فقد قام لبنان بدور إعلامي وثقافي وتربوي قومي عربي فعال، وُظِّف لخدمة المشروع الناصري..

ثورة الدروز على ابراهيم باشا

 لكن سقطة مشروع محمّد علي إنّما كانت عجز ابنه، وقائد جيوشه ابراهيم باشا، عن فَهم الخصوصيّات المحلّية لمجتمعات المشرق العربي. فهي وبخلاف مصر كانت أكثر تنوُّعاً وتتضمّن تاريخاً من «الحكم الذاتي» الذي كان مُكرَّساً على نحو رسمي من السلطنة العثمانية. وكان اصطدامه بالجماعة الدرزية في لبنان وسوريا على وجه التحديد أحد نتائج عجزه عن فَهم تاريخ المشرق. فالجماعة تلك، وبفعل ما أسدته قديماً من خدمات قتاليّة للدولة الإسلامية عموماً، وبخاصة في معاركها مع الغزوات الفرنجية، حيث أبلى أمراء تلك الجماعة (الدروز) بلاء شديداً في مواجهة الغزوات الصليبية، ومنها محاولتهم إيقاف إحدى الحملات الصليبية شمال بيروت على ضفة نهر عاد وأُسمي «نهر الموت» بسبب من العدد الضخم من الشهداء الذي قدمته الجماعة تلك على ضفة النهر ذاك (ويقال أنّه سقط لهم أكثر من ثلاثين أميراً عدا العدد الكبير من الخيّالة والمشاة). ثم كانت حملتهم الموفّقة انطلاقاً من قاعدتهم في الجبال اللبنانية المطلة على الساحل لتحرير بيروت من الحكم الإفرنجي وكادت تنجح لولا النجدات التي أرسلت لحاكم بيروت الإفرنجي. فكانت معارك بينهما أهمها «عين التينة»، حيث قُتل فيها أميرهم الذي كان على رأس القوة المهاجمة، انكفأوا بعدها إلى قواعدهم في الجبال. وكان عليهم انتظار قدوم صلاح الدين الأيوبي ليحرروا بيروت معه أوّلاً، جنباً إلى جنب، بل أصرّ صلاح الدين أن يصطحب أميرهم إلى جانبه في تحريره لبيت المقدس.

 كان للمجابهات الدرزية التي بدأت في لبنان، ومن ثم امتدّت إلى السويداء في سوريا، دور أساسيّ في إضعاف شوكة إبراهيم باشا. تلك المجابهات التي تحوّلت في سوريا إلى ثورة دفع ثمنها الجيش المصري أعداداً كثيرة من الضحايا والذين قدروا بالآلاف؛ نتيجة لجهل محمّد علي وعدم استيعابه للخصوصيّات السياسية والاجتماعية والطائفية التي تتشكل منها التركيبات الأثنية والطائفية المتنوعة في المشرق، خاصة تلك العلاقة المعقّدة التي بُنيت على أساسها دولة لبنان، وبالأخص علاقة دروز لبنان بمواطنيهم اللبنانييِّن من الموارنة. لقد تسرّع محمّد علي حينما ألغى الامتيازات التاريخيّة التي كان يتمتع بها دروز لبنان، تلك الامتيازات التي دفع الدروز وغيرهم ثمناً غالياً

لتحقيقها عبر قرون منذ مشاركة أسلافهم في الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام، وأدّت إلى عدم شمولهم بنظام السخرة، كذلك عدم إلحاقهم بالتجنيد الإجباري، إضافة لعدم التعرّض لحملة السلاح منهم.

 لقد حافظ الدروز وغيرهم من مكوّنات مجتمعية على هذه الامتيازات من الخلافة العثمانية، بعد أن دفعوا ثمناً غالياً لها. فمعظم الشرائح الاجتماعية متّحدة بالأرض وبالمكان، ودون الأرض لا حياة لهم، ودون المكان هم ضعفاء. فبينهم وبين المكان الذي يعيشون فيه وحدة عضويّة، هم بمعظمهم فلاحون يقدّسون الأرض التي يعتبرونها أمّاً وأباً لهم. المناطق التي يعيشون فيها يمكن القول إنَّها مناطق جبليَّة وعرة. لذا، فهم دوماً وأبداً في مواجهة المجهول. هذا الوضع هو الذي أعطى معنى لثقافتهم حيث يقدّسون الحرية. فضلاً عن ذلك فهم من الطوائف المتمسّكة بتقاليد توارثوها أباً عن جدٍّ، وقد تكون عزلتهم في الأمكنة التي عاشوا فيها، هي التي أعطت معنًى للتمسُّك بسلاحهم، فسلاحهم هو الوجه الآخر لحريتهم، أمّا مفهومهم للكرامة فيرتبط ليس فقط بكونهم (أقلّيات) مُتجذّرة بالأرض، وبالتالي فإنّ حمل الدروز للسلاح يهدف لتأكيد هذه الخصوصية. لذا لم يكن الدروز فقط يرفضون التجنيد الإجباري والسخرة معاً بل أيضاً المسيحيّون وغيرهم من المسلمين، وما بين هذا وذاك فإنَّ الدوافع المُضافة بالنسبة للدروز تمثَّلت بتقاربهم المتأخّر نسبيّاً مع الإنجليز في مواجهة ما كانت عليه علاقة الموارنة بالفرنسيين، وعلاقة السنّة بالخلافة العثمانيّة، وعلى رأس هذه العوامل المضافة بين الدروز والموارنة، العلاقة المتوترة مع جيرانهم من المسيحيين، تلك الناجمة عن مقتل بشير جنبلاط، وهذا ما عبّر عنه بوضوح كمال جنبلاط في مذكراته التي تُرجمت إلى العربية ونشرت مباشرة بعد اغتياله عام 1977.

 ولا عجب فالدروز إضافة لما ذُكر، مثلهم مثل الشيعة كان القسم الأكبر منهم قد نزح من مصر إلى لبنان بعد انهيار دولة الفاطميين في نهاية القرن الحادي عشر. لذا، فقد تكون التحالفات التي قام بها محمّد علي مع بشير الشهابي، عنواناً من العناوين التي ساهمت في خلق المُناخات لنموّ وبروز التوتّرات والصراعات بين الدروز والموارنة والتي تكثّفت وأدت إلى إعدام بشير جنبلاط عام 1825، إلّا أن تلك الصراعات تقلّصت بحيث أدّت إلى تشكيل جبهة لبنانية ليس فقط ضد النفوذ المصري والتي أدت إلى انسحابه من لبنان ومن المواطن العربية الأخرى في سوريا وفلسطين عام 1840، بل أدّت إلى ما يفتخر به الطّرفان، الماروني – الدرزي اليوم ويتباهى به كل منهما، حيث توحّدوا مع مكوّنات مجتمعية أخرى ضد الوجود المصري، وأعلنوا عن ذلك في اجتماع جمعهم في أنطلياس وأطلقوا عليه عامّية أنطلياس، هذه العاميّة التي وُظَّفت مطالب المشاركين فيها وإن بشكل غير مباشر لصالح الخلافة العثمانية، وبشكل غير مباشر فَتَحت تلك الانتفاضة الأبواب واسعة للنفوذ الاستعماري الإنجليزي – الفرنسي
في المنطقة.

رسم لإبراهيم باشا

عودة إلى محمّد علي ومخطّطاته العسكريّة تجاه المشرق العربي

يلاحظ المؤرّخ للفترة الممتدّة من 1805 إلى 1827، من أنّ محمّد علي قد خطا خلالها خطوات مهمة، ليس فقط في إنشاء مؤسسات الدولة المصرية، بل الملفت تحديثه للقوانين وصولاً لتحقيق خطوة مهمّة باتجاه تبنيه للأنظمة والقوانين المعاصرة والنقيضة لنظام الخلافة شبه الإقطاعي، نظام تسود فيه الكثير من ثقافة عصر التنوير، خاصة قيم المواطنة والمساواة. ونلاحظ ونحن نستعرض الأوضاع التاريخية التي مرّت بها المنطقة، المؤثرات السلبية للخلافة العثمانية تجاه كل ما كان يخطّط له محمّد علي ويتّخذه من قرارات. لقد حملت مؤثّرات العصر السياسية والثقافية والاجتماعية، آراء متناقضة ومتباينة بين مشروعين للسياسة المصرية، هما مشروع محمّد علي الذي رسم فيه موقعاً لمصر الممتدة إلى محيطها وعمل من أجل تحقيق ذلك على التكيف مع السياسة الدولية، إذ إنّ جلّ ما كان يطمح إليه الباشا هو تأكيد زعامته لمصر وبسط نفوذه على الولايات العربية الشرقية سوريا – العراق – فلسطين – لبنان، وهذا ما تحقق له، في حين كان مشروع إبراهيم باشا مختلفاً، إذ رأى أنَّ الظروف السياسية والاجتماعية في الولايات المشرقية لا يمكن أن تسري عليها القوانين والتشريعات الضرائبيّة المعمول بها في مصر، أيضاً كان يرى أنّ على مصر أن تعمل لتحقيق حالة انفصال عن الخلافة العثمانية، وهذا ما قام بتنفيذه على الأرض بعد عام 1833، حيث حاصر الأستانة واحتل كل المدن والمناطق المحيطة بها، تمهيداً لاحتلال عاصمة الخلافة، ولكن كانت مراسلات إبراهيم إلى والده، تطالب بإسقاط الخلافة وتشريعاتها وقوانينها الإقطاعية، في حين أنّ محمّد علي كان يرفض ذلك، وهذا ما أدى إلى وصول مصر إلى العزلة التي عرفتها بعد عام 1841. لقد كان إبراهيم مُجبراً على احترام وتنفيذ كلّ القرارات التي تأتيه من والده في مصر، وإن لم يكن مقتنعاً بالكثير منها، كما أنّ محمّد علي كان يريد فرض التشريعات والقوانين العثمانية السارية في مصر على البلدان المشرقية، ومنها السُّخرة والتجنيد الإجباري والضرائب الباهظة على الفلاحين وغيرهم من شرائح المجتمع.

إبراهيم باشا يصطدم بالإرث العثماني – الاستعماري

لقد كانت الولايات العربية المشرقية قبل دخول القوات العسكرية المصرية إليها مقسّمة إلى أربع مقاطعات، وهي حلب ودمشق وعكّا وطرابلس، فالعثمانيون كانوا يعتبرون عكّا هي المدينة الأهم، وذلك لموقعها الجغرافي البحري، ولوجود حاكم موثوق وقوي تابع لهم، في حين كان محمّد علي يرى أنّ السيطرة على عكّا تفتح الطريق له للوصول إلى كلّ المناطق السورية – اللبنانية، وهذا ما كانت ترفضه الخلافة. لقد كانت عكّا وحاكمها حاجزًا بين محمّد علي وطموحاته. لكن تلك المنطقة كانت قد خضعت لحكم الباشا منذ العام، 1833، إضافة إلى نابلس وطرابلس والقدس وجبل لبنان والمدن السورية المتعدّدة، تلك المناطق التي كانت تخضع للخلافة والتي أصبحت فيما بعد تخضع لمحمّد علي، إذ إنه قبل السيطرة المصريّة على فلسطين كانت الخلافة قد أصدرت فرماناً بتنحية عبد الله باشا والي عكّا والأمير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وذلك لوجود مقاربات وتعاون بينهما وبين حاكم مصر محمّد علي. إنّ هذا القرار هو ما دفع كِليهما إلى اللجوء إلى مصر عام 1822، والطلب من محمّد علي التوسط مع الباب العالي لإعادتهما إلى منصبيهما، وبموجب هذه الوساطة أصدر الباب العالي فرماناً بإعادتهما إلى منصبيهما. وبهذا فقد توطّدت العلاقة بينهما وبين الحكم المصري، خاصة بين حاكم مصر والأمير بشير الشهابي بحيث أصبح الشهابي طوع بنان محمّد علي. لكن الباب العالي الذي لم يَرُقهُ ذلك، كان يعمل في السر على إثارة المشاكل ليس فقط في وجه طموحات محمّد علي الذي كان يرغب في مدّ نفوذه للولايات العربية في المشرق، بل أيضاً في وجه بشير الشهابي. لذا، فقد توحَّدت السياسة العثمانية مع بشير جنبلاط ومع الأرسلانيين – الموحِّدين، أيضًا مع عبد الله
باشا والي عكا الذي تنكّر بعد ذلك لمحمّد علي، وقام بمواجهته حين تقدّم بجيشه للسيطرة على فلسطين وسوريا.

بدأت الخلافة تخطط لإضعاف الأمير بشير الشهابي السنّي المتنصّر على المذهب الماروني بسبب الخيوط التي نسجها مع القوى الغربيّة، ممّا أدّى إلى صراعات سياسية بين الدروز والموارنة. ثمّ ما لبثت أن تحوّلت إلى صراعات عسكرية أدت إلى إعدام بشير جنبلاط على يد عبد الله باشا والي عكا. وبمقتل بشير جنبلاط كان قد أصبح بشير الشهابي الحاكم المُطلق على جبل لبنان، والركيزة الأساسية التي سيعتمد عليها محمّد علي خلال سيطرته على بلدان المشرق العربي. ولم يقف الأمر عند مقتل بشير جنبلاط، بل إنّ هذا الحادث كان قد فتح أبوابًا واسعة لصراعات مفتوحة بين الطوائف المختلفة خاصة بين الدروز والمسيحيين.

أسوار عكّا القديمة – فلسطين

مُسَلّمات محمّد علي

 لقد أدرك محمّد علي أنّ حماية سلطته في مصر، لا يمكن أن تتحقّق إلّا بضم سوريا إلى مصر، فإذا نظرنا إلى المُجريات التاريخية لأمكننا أن نرى أن ضم الفاطمييّن بلاد الشام لدولتهم في مصر، وكذلك الحملة الفرنسية على مصر، إضافة إلى سائر الغزوات كانت تأتي عن طريق العراق وسوريا، كغزو الفرس في عهد قمبيز، وغزو الاسكندر، والفتح الإسلامي في نهاية الثلث الأوّل من القرن السابع الميلادي، وغزو الأيوبيين والأتراك، جميعها كانت تأتي من خلال دمشق. لذلك لا يمكن الاطمئنان إلى بقاء مصر مستقلّة إلا بمد نفوذها إلى الأراضي السورية.

 إنّ حدود مصر لا تبدأ من السويس، بل تبدأ من طوروس، كما كان لمحمد علي دوافع اقتصادية وسياسية أُخرى خاصة حاجته للمواد الأوّلية التي ستكون عوناً للباشا لتطوير مشروعه الاقتصادي، أضف إلى حاجته لتجنيد السكان في الجيش، سواءً إجباريّاً أم بالسّخرة، وذلك لفرض النظام والأمن داخل البلاد المصريّة وغيرها من المناطق التي امتدّ نفوذها إليها. هكذا بدأت أحلام محمّد علي تتحقّق.

 لقد استفاد محمّد علي من اضطراب الأوضاع السياسيّة والأمنيّة في الولايات العربيّة المشرقية – سوريا، فلسطين، لبنان، فاتّصل بحلفائه المُفتَرضين الأمير بشير الشهابي ومصطفى بَربَر آغا الذي أقدم على تحريك الوضع في طرابلس، طارداً الحاكم العثماني، مُعلناً الولاء لمحمد علي.

جزء من بحث طويل

المراجع

  1. أحمد بهاء الدين شعبان: صراع الطبقات في مصر، مقدمات ثورة 25 يناير 2011، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2012.
  2. أحمد صادق سعد: تاريخ العرب الاجتماعي، تحول التكوين المصري من النمط الآسيوي إلى النمط الرأسمالي، دار الحداثة، بيروت 1981.
  3. أدوار جوان، راجع بتصرف مصر في القرن التاسع عشر – سيرة جامعة – تعريب – محمّد مسعود – ط1 – القاهرة 1921.
  4. ألبرت حوراني: تاريخ الشعوب العربية، ت. نبيل صلاح الدين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1997.
  5. أمين هويدي: مع عبد الناصر، دار الوحدة، بيروت 1984.
  6. الانتفاضة الطلابية في مصر، سلسلة وثائق، دار ابن خلدون، يناير 1972.
  7. أنطوان خليل ضومط: الدولة المملوكية، التاريخ السياسي والاقتصادي والعسكري، دار الحداثة 1982.
  8. إيريك رولو جاك فرنسيس هيلد، جان ريمون لاكوتير، إسرائيل والعرب الجولة الثالثة، ت. لجنة، الدار التونسية للنشر 1968، تونس.
  9. بابر يوهانزن، محمّد حسين هيكل: أوروبا والشرق من منظور واحد، من الليبراليين المصريين، ت. د. خليل الشيخ، كلمة، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، ط1 2010.
  10. بازيلي: سوريا ولبنان وفلسطين تحت الحكم التركي، ت. يسر جابر، مراجعة منذر جابر، دار الحداثة، بيروت 1988.
  11. برنابي روجرسون: ورثة محمّد، ت. د. عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015، القاهرة.
  12. بولس قرألي: السوريون في مصر، ج1، بيت شباب 1933.
  13. بيير ديستريا: من السويس إلى العقبة، ت. يوسف مزاحم، لا ناشر، صدر 1974.
  14. ثورة 23 يوليو: الأحداث، الأهداف، الإنجازات، صفحات متعددة، الدار القومية للطباعة والنشر، 1964.
  15. جابر عصفور، زمن جميل مضى، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2010.
  16. جاك بيرك: مصر الأمبريالية والثورة، ت. يونس شاهين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1981.
  17. جمال عبد الناصر: الميثاق، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1962.
  18. جمال عبد الناصر: فلسفة الثورة، القاهرة، لا تاريخ.
  19. حسر اللثام عن نكبات الشام، ط 1، مصر، 1895.
  20. حلمي النمنم: سيد قطب وثورة يوليو، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2010.
  21. حلمي النمنم: سيد قطب سيرة التحولات، الكرمة للنشر، القاهرة، 2014.
  22. رافق عبد الكريم: بلاد مصر والشام من الفتح العثماني إلى حملة نابليون، دمشق 1968.
  23. رأي المؤتمر الوطني في الأحلاف، 1955، لا دار نشر، بيروت.
  24. رؤوف عباس: ثورة يوليو، إيجابياتها وسلبياتها بعد نصف قرن، كتاب الهلال، يوليو 2013.
  25. سعد الدين إبراهيم: في سوسيولوجيا الصراع العربي – الإسرائيلي، دار الطليعة، بيروت 1973.
  26. سليمان أبو عز الدين: إبراهيم باشا في سوريا، دار الشروق، القاهرة 2009.
  27. سليمان البستاني: عبرة وذكرى أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، تحقيق ودراسة خالد زيادة، دار الطليعة، بيروت 1978.
  28. عادل حسين: الانهيار بعد عبد الناصر… لماذ؟، دار المشعل العربي 1985.
  29. عبد الرازق عيسى: وثائق أساسية من تاريخ الشام في ظل حكم محمد علي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2012.
  30. عبد الرحمن الرافعي: الزعيم الثائر أحمد عرابي، دار الشعب، القاهرة 1968.
  31. عبد الرحمن عبد الرحيم: محمّد علي وشبه الجزيرة العربية، دار الكتاب الجامعي، القاهرة 1986.
  32. عبد العال الباقوري: بوابة مصر الشرقية مصر وفلسطين عبر التاريخ، الثقافة العربية، القاهرة 1978.
  33. عبد الله إمام: حكايات عن عبد الناصر، دار الوطن العربي، دون تاريخ نشر.
  34. عبد الله امام: الناصرية، دراسة بالوثائق في الفكر الناصري، منشورات الوطن العربي، بيروت، لا تاريخ إصدار.
  35. عدنان السيد حسين: العامل القومي في السياسة المصرية، دار الوحدة، بيروت 1987.
  36. العروبة والقرن الحادي والعشرون: مجموعة، راجع دراسة سمير مرقص، وبرهان غليون ومشير عون وسيد يسين ورضوان السيد ومحمود حداد وحسن منيمنة وعبد الرؤوف سنو وغسان العزي وسعيد بن سعيد العلوي، منشورات تيار المستقبل، بيروت 2009.
  37. عفيف فراج، في السياسة والأدب السياسي، دار الآداب، بيروت، 2008.
  38. علي بركات: تطوير الملكية الزراعية في مصر، 1813 – 1914، القاهرة 1970.
  39. عمر الليثي: اللحظات الأخيرة في حياة جمال عبد الناصر، كتاب اليوم، دار أخبار اليوم، القاهرة 2009.
  40. عمر لطفي بك: الامتيازات الأجنبية، مطبعة الشعب، القاهرة 1322 هـ.
  41. فرحان صالح: الحرب الأهلية اللبنانية وأزمة الثورة العربية، دار الكاتب، بيروت 1979.
  42. فرحان صالح: حول تجربة الإخوان المسلمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2015.
  43. قاسم سمحات: محمّد علي باشا والمشروع الفرنسي في بلاد الشام، دار المواسم، بيروت 2016.
  44. قيس جواد العزاوي: الدولة العثمانية، قراءة جديدة لعوامل الانحطاط، دار آفاق، القاهرة 2014.
  45. كامل إسماعيل الشريف: الإخوان المسلمون في حرب فلسطين، دون تاريخ، دون دار نشر.
  46. كلمة صريحة، ج10، صدر عن إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة، القاهرة 1956.
  47. لقد سعى عبد الناصر، كما يذكر سمير مرقص، إلى العمل من أجل تحقيق المواطنة في بعدها الاجتماعي، تلك التي كانت على حساب السياسي والحداثي. لقد حققت ثورة يوليو في المجال الاجتماعي الإصلاح الزراعي وحققت التأميم، كما أنجزت المسألة الوطنية، محررة مصر من النفوذ الإنكليزي، لقد أتاحت الثورة الفرصة المتساوية أمام الجميع في التعليم، مما مكن الشعب المصري من الترقي. إن ما قامت به ثورة يوليو – عبد الناصر – كان من نتيجته تغيير جذري في البنية الاقتصادية الاجتماعية في مصر.
  48. مارلين نصر: الشعور القومي العربي في فكر جمال عبد الناصر، 1945 – 1970، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، بيروت 1990.
  49. مجلة الهلال: إبراهيم باشا، جزء خاص، دراسة محمّد عودة، رؤوف عباس، عاصم الدسوقي، يونان نجيب رزق، ديسمبر 2004.
  50. محمّد حسن: مصر في المشروع الإسرائيلي للسلام، دار الكلمة للنشر، بيروت 1980.

Economic and Social Council in Lebanon

Prelude:

In 1993, the government introduced and applied its economic policy aiming at linking two major goals: the first is to maintain and stabilize the macroeconomic situation, while the second is to initiate a reconstruction plan for the country which considers the demanded funds that exceeded the accessible available financial resources being available during that period. Policymakers were capable to partially achieve its attained objectives. However, the adoption of such policy for the following two decades of the reconstruction boom that the country witnessed during the post Taef Agreement has caused serious concerns in terms of real economy, and increased the fragility within the macro-economy, with these factors reflecting a serious threat to the economic balance, while not ignoring its initial unstable condition.

A shift towards a new economic policy that differs from the strategy prevailing for more than two decades is becoming more than a need, to undermine the fragile balance at the macroeconomic level and to improve the ascending –but simultaneously fair- distribution of wealth and income which guarantees economic justice. Currently, adopting such a policy is a necessity to achieve growth, under the condition if the policy is based on applying comprehensive economic stability and social welfare, and efficient consumption of natural resources.

The Economic and Social Council is involved at present in a major role to assist the government in formulating a socio-economic and environmental framework, which will, in turn, ensure the economic growth and sustainable development measures


Lebanese Economy: A Historical Overview:

During the three-decade period before the civil war, the country witnessed a booming economy resulting initially from attracting maritime activities and related activities, and later on attracting capital resources seeking investment stability and security. The proportion of exported goods with respect to that of the imported reached 72 percent, according to the World Bank figures in dating back to 1973. The monetary policy included two measures: depositing substantial gold assets to cover the monetary base, and accumulating gold reserves to enhance confidence in the emerging currency after separation from Syria. The combined effect of these two measures led to an increase in financial flows to the newly independent state.

In the mid-1950s, several services sectors were active, mainly financial services and tourism, and transportation including its three pillars: maritime, air, and land. The development of these sectors was integrated with the inflow of foreign capital besides the simultaneous role of the political authorities that accompanied these sectors’ activities through introducing the banking secrecy law and allocating credit facilities and investments for services companies. Establishments like ‘Middle East Airlines’ and ‘Casino Du Liban’ exhibit finest examples for institutions initiated during that period.

Lots of critics highlighted the observed prosperity within the macro-economy and discussed the importance of such economic policy which developed the role of Lebanese economy compared to those of regional countries. Majority of opinions and analyses during that period linked such advancement exclusively to the services sectors. It was considered that any investment opportunities to grow the status of the real sectors -precisely agriculture and manufacturing- should be limited to the specific sectors’ initiatives and its related resources, not to mention the absence of any policy that benefits productive sectors as is the case of services.

Regardless of the growth observed within economic indicators, the economic model at that stage indicates a structural discrepancy with a clear bias towards services sectors while utterly ignoring productive sectors. This approach has also led to unbalanced development and financial disparity among various social classes, resulting in increased poverty in regions lacking active tourism and financial sectors, and substantial evolution of misery among poverty belts. This governmental attitude severely neglected social affairs and was accompanied by unfair macroeconomic policy to deepen discrepancies between social classes.


General Assembly of the Economic and Social Council of Lebanon.

Macroeconomic indicators: Instable and biased system

Economists have indicated in their studies over the latest three-decade period the almost complete absence of a clear strategic macroeconomic policy. But the general view of the macroeconomy has been still firm. On the other hand, reports released by international institutions continuously alert and point out two weakness parameters that could severely undermine macroeconomic equilibrium through the twin deficits hypothesis or phenomenon, which is the result of the fiscal deficit and the current account deficit.

Current Account Deficit

Despite the persistent deficit in the current account (value and quantity of imports exceed exported goods and services), cash flows were sustainable, and government was able to finance this deficit. Lebanon has been attracting resources to finance its deficit, which shows the country’s favorable position in the perception of financing countries on the one hand, and the aptitude of its expatriates -within regional countries as well as international diaspora- on the other hand to arrange financial transfers exceeding $7.5 billion annually.

The deficit in the current account reflects structural concerns that imply limitations on the productive economy to produce and export goods and services. This has also led to a massive deficit in the balance of trade exceeding $16 billion by year-end, as estimated by reports released by the Central Bank. Moreover, only a part of these remittances that finance the current account is not long-term funds that enhance capital accumulation, do not generate investment prospects, and have no positive effect on creating job opportunities. The majority of these transfers originate from expatriates and diaspora who were forced to emigrate due to political crises and poor economic conditions which led to a narrowing labor market.

There is no doubt that the long-term and continuous deficit in the current account imposes specific orientation on the fiscal and monetary policies that aim at maintaining high levels of remittances as a solution to fund deficits, regardless of the negative implications of such policies on the economy. Financing the current deficit through attracting foreign capitals exposes the economy in general to wide-ranging cyclical fluctuations especially if these capital inflows are only available in the form of short-term investments, which was the scenario during the past quarter-century. There is a clear conflict between the monetary policies that call to attract deposits allocated to finance public debt, and the fiscal policies seeking to attract foreign direct investments (FDIs). The latter type of capita resources have a real effect in creation of job and enhancing economic growth rates. As a result, high-interest rates attract foreign deposits, while low-interest rates contribute to attracting production-oriented capitals, improving the economic cycle, and increasing growth rates.

Budget Deficit 

The budget deficit is the second factor that lies beneath the fragility in the national economy and the instability of continued budgetary deficit, which will also result in increasing the pace of public debt.

In reality, governments do not go bankrupt as per the narrow definition of monetary bankruptcy. The government’s ability, however, to finance its deficit is only limited to additional borrowing, will lead to insecure public debt plans and future borrowing potentials. But it’s worth mentioning that the general fiscal policies in Lebanon are dedicated to discharge the dangers of such critical issues, and still considering the accumulated resulting negative implications during the last two decades.

There is no doubt that the budget deficit led to hindering the role of fiscal policy tools in managing the economy as the fiscal authority solely assumed this economic role, without ignoring the limitations and consequences of this exclusive approach. The increased borrowing to finance interest costs of public debt does not facilitate job creation growth, but on the contrary, broadens the gap between incomes and sectors, thus increasing social disparities and causing more economic tensions. In addition to this, the comprehensive linkage between the banking sector and the debt tools weakens the credit rating of the economy as well as rating of the banking sector itself regardless of its solidity in terms of liquidity standards and solvency, the firm control of the fiscal authority, internal monitoring policies, and the conservative approach.


Post-Taef Agreement Economic Policy:

The economic policy in Lebanon, both related to monetary and financial aspects, was formulated to suit a specific economic era of the country’s history. Although it relatively achieved targeted objectives, the approach had its negative implications on the economy and society at later stages. The approach during this period can be summarized as follows:

The Era of Reconstruction and Beyond

The economic policy that facilitated the five-year reconstruction process between 1993 and 1997 has succeeded in saving the economy the risks of instability caused by the pressures of urban spending, as well as prices in the broad economic sense. The following points summarize the most important achievements of this policy:

Primarily, a fixed exchange rate of the Lira against the US Dollar has alleviated inflation rates at low levels, where this stabilization served as a reliable factor to realize equilibrium among different macroeconomic variables.

Secondly, the fixed exchange rate policy of the national currency during the two decades, besides high-interest rates compared to the prevailing global rates, attracted capitals and deposits from abroad which had a significant role in public and private borrowing.

Thirdly, the combination of fixed exchange rates and high-interest rates has enabled banks to achieve impressive and steady growth in all of their budgetary items over the last 25 years, reinforcing the robustness of the banking sector and its ability to finance the economy in the subsequent decades.

Regardless of the achievements and accomplishments of the economic policy in that era, it carried and still bears some real risks, including:

Firstly, from a social point of view, wage and purchasing power recovered only a fraction of what it has lost compared to its levels before the years of financial collapse between 1984 and 1992. Moreover, the economic growth -regardless of its fluctuating increase over more than two decades- did not witness a parallel decline in the rates of unemployment and immigration. On the contrary, such rates accelerated in the last seven years despite the observed economic growth, albeit at low rates. Such economic approach accompanied by the absence of social policy has resulted in widening the socio-economic gap, threatening to tear social and even national integration.

Secondly, the increase in interest rates has led to a decline in investment within the real and productive economy (agriculture and industry), and a decline in the accumulation of real capital, which in turn was reflected in declining employment rates.

Economic Policy: Disabled and Disabling Dimensions

Policymakers base the pillars of economic programs on two traditional approaches: monetary policy and fiscal policy, seeking the alignment and consistency of these two pillars to achieve two goals: economic growth and reducing unemployment. This should proceed in parallel to the context of macroeconomic stability, economically known as the golden triangle.

But the public budget deficit and the rapid growth of public debt have disrupted financial policy instruments. In other words, these fiscal tools are disabled to carry out any of their initial roles in managing the economy. The role of fiscal policy in the face of the cyclical economic fluctuations is impeded as they are directed to secure servicing the public debt, maintaining acceptable levels of the budget deficit, limiting any possible collapse of production in the private sector, as well as hindering the role in redistribution and re-financing the production of public services.

The monetary policy, which is usually entrusted to maintain the exchange rate of the local currency, has solely assumed the tasks of managing the economy. By its nature, the monetary policy is capable of carrying out only limited roles of fiscal policy which is countering the cyclical fluctuations of economic activities, but for sure with limitations. Monetary policy is also demanded to secure financial and capital inflows that fund public and private indebtedness. It thus preserves and accelerates a special form of growth that does not accompany imbalanced weights of accumulated capital in the production sectors and decrease unemployment rates.


Weak and Declining Investment Inflows

The followed monetary policy was able to attract exclusive deposits but was accompanied by constraints that prohibited the inflow of real long-term investments which are required to generate job creation growth. Corruption is the most important and most serious obstacle in this matter, followed by poor productivity in the public administration due to bureaucracy, lack of modernization of the legislative and procedural framework suitable to enhance investing environment as provided by other regional economies, and at last comes to the high-interest rates.

Corruption in the Concept of Political Economy and its Impact on the Flow of Capital

The precise definition of what constitutes the political economy of corruption shows the capacity of this issue to damage governmental and constitutional foundations. The basis of corruption is the greed of those within the circle of power decision and coercion –which are the two powers originally given by the authority of the state- who employ their power to seize public money, resources, and/or blackmail citizens.

This brief definition reveals how dangerous corruption can be on the structure of the state. The social contract, in its original and abstract sense, gives the state the right to resort to coercion in only three basic cases, while a fourth case emerges with the evolving of the market economy. First is the case is to achieve security, public order and the administration of justice derived from humanitarian and legal principles and frameworks. Secondly, to preserve private property and to ensure respect for contractual obligations. Thirdly, to impose duties and taxes. The fourth case involves the intervention of the authority to correct any imbalances that might emerge due to various market forces in the free-exchange economic model.

The before-mentioned show the strongest reason for the failure of the economic policy to attract capital directed towards investments, while to some extent succeeded in attracting deposits. In reality, the investor examines first and foremost how the authorities apply its power, as the profitability prospects of any investment depend on the legitimate use of power, and the investors’ rights to own their invested assets and how to manage them, and not to fear any loss due to power abuse. Therefore, an investor’s assessment of a country’s corruption index is at the forefront of the data he uses to calculate and evaluate the risks associated with any investment potential.

Weak Productivity in Public Administration

Bureaucracy and the absence of modern legislations are considered major obstacles to investment in Lebanon, as they tend to increase the cost of investment in terms of money and time. Lebanon’s low ranking on the ease of business is a proof that bureaucracy weakens the country’s ability to attract investments. For example, the issuance of a building permit in Lebanon requires an average of 244 days compared to just 49 days in the UAE, according to the Doing Business 2017 report by the World Bank. Based on this report, Lebanon ranks second to last among the Arab countries, only followed by Sudan. Here we note the importance of taking the necessary legislative and executive measures to implement the project prepared by Prime Minister Rafic Hariri’s government in the early 1990s to adopt the so-called ‘one-stop-shop.’ It is also necessary to prepare practical and direct decrees to implement e-government law.

High-interest Rates

This factor hinders foreign and local investments, as investors allocate a considerable weight to this rate when evaluating the feasibility of any investment project. High-interest rates on investment loans lead to the exclusion of investment projects, that might be feasible and profitable if compared with the return on investment at lower interest rates on loans.


The Economic and Social Council in Lebanon: A Modern Perspective.

As the Economic and Social Council for Lebanon, we seek development within various aspects, including economic, social, and environmental measures. Economic growth in this development framework is a goal defined by three criteria: financial stability, progress within social justice and equal opportunities through public spending, and the protection of natural resources from illicit exploitation. Violation of any of these constraints would demoralize the foundations on which the entire sustainable development path should be developed.

Critics recognize that committing to a strict control framework by the potential economic policy imposed by sustainable development will inhibit economic growth by traditional evaluation criteria. The traditional measurement of economic activity does not include the negative assessment of social and environmental degradation, nor any positive evaluation of any progress within these two fields.

The bases for calculating economic activity has now evolved where recent approaches include social and environmental impacts on economic growth. Human and natural resources are truly capital assets that have the greatest contribution to economic activity, and maintaining and developing them is the sole process to achieve real prosperity. The goal of good governance in this context is to achieve a sustainable balance between growth requirements on one hand and social and environmental criteria on the other.

The second and current version of the Economic and Social Council in Lebanon is composed of 71 elected members representing various economic bodies, trade unions and free trade unions, and industry experts. The office of the General Assembly consists of nine members, in addition to 10 specialized committees: The Committee on General Economic Issues, The Committee on General Social Issues, The Committee on Human Development and Human Rights, The Committee on Productive Activities, The Committee on Science and Technology, The Environment Committee, The Committee on Regional issues and Agriculture, The Committee on Labor, Occupations and Crafts, and the Youth and Sports Committee. This Consultative Council is a platform for discussion and interaction between various productive forces linking expertise that strives to develop an integrated socio-economic and environmental vision for Lebanon.

The council did not wait for the legislative and executive authorities to initiate and research issues, but it rather took a keen sense of the economic, social and environmental conditions in Lebanon, and called on stakeholders to present solutions for the current situation.

In this context, the committees per their competence, called upon the stakeholders in Lebanon to discuss common visions that facilitate the process of drafting recommendations to the executive and legislative authorities in Lebanon. The members of the specialized committees analyze the situation and implement the most effective policies to solve the crisis.

The Economic and Social Council and the Political Parties Document

Since its formation by year-end 2017, the Council has taken several steps to contribute to the society and presented ideas and proposals aimed at moving the economic cycle and absorbing the effect of the existing imbalance. One of the most prominent steps was requesting the Lebanese parties to present the economic aspect of their electoral programs to the Council, to formulate an economic vision that is compatible with the visions of most political forces in Lebanon. Accordingly, seven parties responded to this call and set up an economic dialogue table. In six meetings, representatives of these parties made an extraordinary effort to reach common ground, despite the different political and economic backgrounds from which they originate. The first agreement among them was the issuance of a document composed of 22 articles aimed at reducing public expenditure. This document intends to be at the heart of the ministerial statement of the upcoming government. It undoubtedly contributes -over three to five years period- to reduce the deficit in the general budget to below five percent of GDP, especially as political parties contribute to the preparation of the document and approval of such items are present in the executive and legislative authorities.

Current Economic Challenges and Approaches

The Economic and Social Council seeks to mobilize the parliamentary blocs and political decision-makers, in addition to the forces involved in the production process (employers and workers), to urge them to develop an economic policy based on activating productive sectors.

The Council’s Committee on Economic Issues has prepared an immediate action paper and a medium-term plan to stimulate economic growth. The Council’s General Assembly discussed and approved the paper in mid-October 2018. It seeks to stimulate equitable and sustainable economic growth and points out various topics of social and developmental dimensions. It also takes into account the citizens’ concerns and the realization of their demands and aspirations to ensure the sustainable human growth on the real economy, based on production which in turn requires a full package of structural reforms at the economic, financial and administrative levels.


Summary

Lebanon currently faces challenges due to structural weaknesses in its economy, including the lack of employment opportunities and the inability to create them, the deficit in both the budget and current account, in addition to a broad gap in the balance of trade, the increase in the size of private debt and obligations of the private sector (both businesses and households). This is in addition to the considerable weight of public debt on the economy and on the structure of interest rates in the domestic market, and the poor level of public services. Lebanon also suffers from situational factors such as the crisis of displaced Syrians, the decline in the value of remittances, and the slow pace of projects (extraction of oil and gas, electricity, etc.). Lebanon also faces challenges stemming from the absence of governance, including non-compliance with laws and regulations, weak state bodies and lack of power, and the absence of regulatory frames. All of these challenges are driving down economic growth and increasing unemployment rates.

Several steps are essential to activate the economy and improve growth to broaden the structure of the economy and its size, which allows the reformation of middle-income social class, re-distribute job opportunities and production aspects on a broader set of citizens, in addition to enhancing social safety nets (such as social security, pension funds, retirement system, etc.).

Reforming the judiciary system, enhancing its independence, and improving its effectiveness are transitory measures to improve the performance of state institutions and ensuring local and foreign investment potentials. It is also essential to provide an appropriate investment environment and financing structure, besides diversifying financing and funding means (expanding the activity of the Beirut Stock Exchange), and involving citizens in the capital base of the economic sectors. It is also important to commit to public-private partnership and expedite implementing decrees of Law No. 48 issued on September 7, 2017. Removing infringements on public property is a necessity, and effectively managing them for the benefit of the state, preserving the national heritage and proper investing of natural resources and assets for the sake of present and future generations through the initiation and transparent management of a sovereign fund.

الحَصيلةُ اللُّغَوِيَّة ولُغات الخِطاب الإعلاميّ

«اللّغة قدرةٌ ذهنيةٌ مكتسبةٌ، يمثّلها نسق، يتكوّن من رموز منطوقة، يتواصل بها أفراد مجتمع ما»1. وهي تنطوي في طبيعتها على الحقائق التالية2:

    1. إنّها مجموع المعارف اللُّغوية، بما فيها المعاني والمفردات والأصوات والقواعد التي تنتظمها جميعاً. تتولد وتنمو في ذهن الفرد ناطق اللّغة أو مستعملها فتمكّنه من إنتاج عبارات لغته كلاماً أو كتابةً، كما تمكّنه من فهم مضامين ما ينتجه أفراد مجموعته من هذه العبارات، وبذلك تُوجِدُ الصّلة بين فكره وأفكار الآخرين، وتتداخل في تكوين هذه القدرة عواملُ فيزيولوجية، تتمثّل في تركيب الأذن، والجهاز العصبي، والمخ والجهاز الصوتي لدى الإنسان.
    2. إنّ هذه القدرة تُكتسب ولا تُولَد مع الإنسان، وإنّما يولد ولديه الاستعداد الفِطري لاكتسابها، ويدفعه في العادة شعوره بالانتماء إلى مجموعته البشريّة، نفسيَّاً واجتماعيّاً وحضاريّاً، ورغبتُه في التعايش وتبادل المنافع والمصالح بينه وبين أفراد هذه المجموعة.
    3. تتمثّل هذه القدرة المكتسبة بطبيعتها في نسق مُتّفق، أو مُتعارَف عليه بين أفراد ما يُسمّى الجماعة اللّغوية، أو الجماعة الناطقة بلغةٍ ما. وتدخل في تكوين هذا النسق في العادة وحدات أو أنساق أخرى متفرّقة يرتبط بعضها ببعض وهي:

 أ) النّسق الصّوتي: وهو الذي يحدّد نطق الكلمات أو أجزاء الكلمات، وفق الأنماط المقبولة أو المتعارف عليها لدى الجماعة اللّغوية.

ب) النسق الدَّلالي: ويعني ترتيب الوحدات المعنويّة وفق سماتها الدلاليّة المعروفة أو المقبولة في اللغة.

ج) النسق الإعرابي أو النّحوي: ويعني ترتيب كلمات الجملة أو الجُمل في أشكالها المقرّرة في اللغة.

د) النّسق الصّرفي: وهو النّسق الذي تُعالَج فيه بُنى الكلمات وأنواعها وتصريفاتها أو اشتقاقاتها.

هـ) النسق المُعجمي: ويقصد به مجموع المفردات اللّغوية المتاحة للتعبير عن المعاني والمواقف المختلفة في إطار اللغة.


أهميّة اللغة وأنواعها:

إنّها وسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومواقفه، وإرضاء غريزة الاجتماع لديه، وهي أيضاً وسيلته٣ إلى تنمية أفكاره وتجاربه، وإلى تهيئته للعطاء والإبداع والمشاركة في تحقيق حياةٍ مُتحضّرةٍ. ويزداد اكتسابه للمهارات والخبرات كلّما نمت لغته وتطورت وزادت علاقاته بالآخرين قوّةً واتّساعاً.

على الرّغم ممّا أسلفنا القول من أنّ اللّغة عبارة عن «رموز منطوقة أو كما عرّفها بعض العلماء «أصوات٤ يُعَبِّر بها كلّ قوم عن أغراضهم» فإنّ لِلُّغة بمفهومها العام مدلولاً أوسع من ذلك، إنّها وسيلة للتفاهم والتواصل والتعبير عن العواطف والأفكار العامة، لا يحدد مدلولها بالكلمات والعبارات، التي تصطلح على معانيها أو دلالاتها أمّة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات، إذ إنّها تشتمل على كلّ ما يمكن أن يعبر به الإنسان عن فكرة أو انفعال أو موقف أو رغبة معيَّنة، فالصورة لغة، والأشكال المرسومة لغة، والحركات الجسميّة لغة. إنّ كلّ أعضاء الحواس يمكن استعمالها في خلق لغة، فهناك لغة الشمّ ولغة اللّمس، ولغة البصر ولغة السمع، وهناك لغة كلّما قام شخصان فأضافا معنىً من المعاني إلى فعل من الأفعال بطريق الاتفاق، وأحدثا هذا الحدث بقصد التفاهم بينهما. فعِطرٌ يُنشر على ثوب، أو منديل أحمر أو أخضر يطلّ من جيب سُترة أو ضغطة على اليد يطول أمدها قليلاً، أو كثيراً، كلّ هذه تُكَوَّنُ عناصر من لغة، ما دام هناك شخصان قد اتّفقا على استعمال هذه العلامات في تبادل أمر أو رأي٥.

المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان

توطئة:

صُمِّمت السياسة الاقتصاديّة الرّاهنة التي بدأ تطبيقها في العام 1993 لتحقيق هدفين مترابطين هما تثبيت استقرار الاقتصاد الكلّي وإطلاق برنامج إعادة الإعمار وما تطلّبه ذلك من موارد ماليّة تخطّت وقتها حجم الادّخار الذي كانت متوفّراً. حقّقت تلك السياسة هدفيها جزئياً، غير أنّ الاستمرار باعتمادها لعقدين كاملين بعد فورة إعادة الإعمار التي شهدها لبنان بعد اتفاق الطائف أحدث انحرافات في الاقتصاد الحقيقي ودفع بالاقتصاد الكلّي نحو هشاشة متزايدة أضحت تهدد التوازن الاقتصادي غير المستقرّ أصلاً.

إنّ التحوّل نحو سياسة اقتصاديّة مغايرة لتلك التي سادت على مدى ربع قرن أكثر من مطلوب، بغية تقويض التّوازنات الهشّة على مستوى الاقتصاد الكُلّي و توزيع الثّروات والمداخيل بعدالة تصاعدية. من الضروريّ في هذه المرحلة اعتماد سياسة تهدف إلى تحقيق نموّ مبني على الاستقرار الناجز والرّفاه الاجتماعي و على ترشيد استهلاك الموارد الطبيعيّة.

يلعب المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان حاليًّا دوراً هاماً في محاولة صياغة سياسة اقتصادية اجتماعية و بيئيّة متكاملة للبنان لتحقيق النموّ و التنمية المُستدامة.


لمحة تاريخيّة عن الاقتصاد اللبنانيّ:

شهد الاقتصاد اللبنانيّ في العقود الثلاثة التي سبقت الحرب الأهلية فترة عُرفت بالفَورة الاقتصادية، وذلك بفعل استقطابه للحركة المرفئِيّة في المنطقة بدايةً وللرّساميل الساعية للأمان لاحقاً. لقد شكّلت مثلاً نسبة السّلع المصدّرة إلى السّلع المستورَدة 72% في العام 1973 بحسب مراجع البنك الدولي. هدفت الإجراءات النقديّة التي تمثّلت بإقرار تغطية ذهبيّة وازنة للنّقد والبدء بمراكمة الذهب احتياطاً نقديّاً إلى تعزيز الثقة بالعملة الناشئة بعد الانفصال الجمركي عن سورية ممّا أدّى إلى زيادة التدفّقات الماليّة إلى الدولة المستقلّة حديثا.

نشطت في أواسط خمسينيّات القرن الماضي قطاعات الخدمات ومن ضمنها قطاعات المال والسياحة والنّقل البحري والجوّي والبرّي على وجه الخصوص. تطوّرت هذه القطاعات متكاملةً مع الرّساميل الوافدة وأتى هذا النشاط مترافقاً مع دعم كبير من قبل السلطة السياسية عبر إقرار قانون السريّة المصرفيّة وتخصيص تلك القطاعات بالتسهيلات والاستثمارات، نذكر على سبيل المثال لا الحصر شركة طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان.

كان من البديهي بسبب الازدهار الذي شهده الاقتصاد اللبناني في تلك المرحلة أن يسيل الحبر الكثير حول أهميّة هذا النموذج الاقتصادي ودور الاقتصاد اللبناني في المنطقة. ربطت معظم التحاليل هذا الازدهار بنموّ قطاعات الخدمات حصراً، واعتبرت بأنّه على قطاعات الإنتاج الحقيقي (الزراعي والصناعي) أن تتطوّر بمقوّماتها الذاتية من دون أيّة سياسة اقتصادية عامة ولا أيّة سياسة قطاعية حاضنة كما كان الحال في قطاع الخدمات.

إنّ النموذج الاقتصادي في تلك المرحلة، وإن شهد نموّاً منظوراً في المؤشّرات الاقتصادية، قد حمل خللاً هيكليّاً بسبب اعتماده على قطاعات غير حقيقية. أدى هذا النموذج أيضاً إلى إنماء غير متوازن وسبّب خللاً اجتماعيًّا فتفاقم الفقر في المناطق حيث لم ينشط قطاعا المال والسياحة، وكبر حزام الفَقر والبؤس حول العاصمة. ترافقت هذه المرحلة مع إهمال شديد للشأن الاجتماعي ما أدّى إلى تعميق الفروقات بين الطبقات الاجتماعية.


الهيئة العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.

المؤشّرات الكُليّة في الاقتصاد:  عدم اسقرار في التوازن

يُجْمِع الاقتصاديّون في معظم دراساتهم المُعَدّة في العقود الثلاثة الأخيرة على غياب كامل للسياسة الاقتصادية أو شبه غياب، ولكن بالرغم من ذلك فإن الاقتصاد الكلّي كان ولا يزال بحالة من الاستقرار. في المقابل نرى في التقارير الدوليّة تنبيهات متكررّة تشير إلى دلالتي ضعف تقوّضان توازن الاقتصاد الكُلّي وهما عجز الميزان الجاري وعجز الموازنة العامّة، أو ما يُعرَف بالعجز المزدوج.

عجز الميزان الجاري

إنّ العجز في الميزان الجاري مُزمن ومُستدام، ولكنْ بالرغم من هذه الاستدامة لم تتوانَ التدفّقات النقدية عن تمويل هذا العجز. إنّ قدرة لبنان على استقطاب الموارد المالية لتمويل عجزه يظهر مدى مكانته لدى الدول من جهة، و مدى قدرة مُغْتَرِبيه ومكانتهم وانتشارهم في المنطقة والعالم من جهة أخرى ما يعزز قدراتهم التحويليّة التي تتخطى السبعة مليارات والنصف مليار دولار أميركي سنويّاً.

إنّ العجز الجاري يعكس أيضاً خللاً بنيويّاً يُضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات تصديريّة ما يؤدي إلى عجز كبير في الميزان التجاري تجاوز الستة عشر مليار دولار في نهاية العام 2017 بحسب تقارير المصرف المركزي. كذلك فإنَّ التحويلات التي تموّل هذا العجز، جزئيًّا أو كلّيّاً، ليست تحويلات استثمارية طويلة الأمد تُراكم رأس المال وتعمل على تحفيز الاستثمار وتولِّد فرص عمل. هذه التحويلات هي بجزئها الأكبر تحويلات مصدرها الكفاءات اللبنانية الاغترابية التي دفعتها الأزمات السياسية والأوضاع الاقتصادية في لبنان الناتجة عن ضيق سوق العمل إلى الهجرة.

ممّا لا شكّ فيه بأنّ العجز المُزمن والمُستدام في الميزان الجاري يفرض توجّهات في السياستين المالية والنّقدية تهدف إلى الإبقاء على نِسب مُرتفعة من التّحويلات الماليّة بغرض تمويل العجز، مع ما يتأتّى من إجراءات نقديّة لها أثر على الاقتصاد برمّته. إن تمويل العجز الجاري برساميل مُسْتَقطَبة من الخارج يُعرِّض الاقتصاد عامّةً لتقلّبات دوريّة واسعة خاصةً إذا أتى جزء كبير من هذه الرّساميل بشكل استثمارات قصيرة الأجل كما كانت الحال خلال ربع قرن مضى. هناك تضارب بين التوجّهات النقديّة الهادفة إلى استقطاب ودائع لها دور في تمويل الدين العام من جهة، والتوجّهات النقدية والمالية الساعية إلى استقطاب استثمارات أجنبيّة مباشرة لها دور فاعل في خلق فرص عمل وتسريع معدّلات النموّ الاقتصادي من جهة أخرى. فالودائع من الخارج تجذبها نِسب الفوائد المرتفعة فيما الفوائد المتدنّية تساهم في جذب الرساميل المنتجة وتعزّز الدورة الاقتصادية وترفع نسب النمو.

عجز الموازنة العامّة

يكمن السبب الثاني في هشاشة الاقتصاد الوطني وعدم الاستقرار في التوازن في العجز المتمادي في الموازنة العامة وما ينجم عن هذا العجز من تسارع في وتيرة الدين العام. لا بدّ من الإشارة بأنّ الدول عامةً لا تفلس بالمعنى المالي الضيق للحالة، إلّا أنّ عدم قدرة المالية العامة بشكل دائم على ردم العجز إلّا من خلال اللجوء إلى المزيد من الاقتراض يؤدي إلى الإخلال في خدمة الدين و في القدرة على الاستمرار في الاقتراض. والحَرِيّ ذكره أنّ توجّهات السياسة النقديّة عامّة و بالتحديد في لبنان تُسَخّر مجمل إجراءاتها لتفادي الوقوع في هكذا خلل، مع ما نتج عن هذه الإجراءات من انعكاسات سلبيّة تراكمت على مدى عِقدين من الزّمن.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا العجز أدّى إلى تعطيل دور أدوات السياسة المالية في إدارة الاقتصاد وإلى اضطلاع السياسة النقدية مُنفردة بمهام تلك الإدارة مع ما نعرفه عن محدودية السياسة النقدية في علاج هذا الخلل منفردةً. إنّ الاقتراض المتزايد بهدف إيفاء الفوائد على الدين العام لا يولِّد نمواً خلّاقاً لفرص العمل، لكنّه يساهم في توسيع الهوّة بين المداخيل و القطاعات ممّا يزيد من الفروقات الاجتماعية و يولّد مزيداً من التوتّر.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ ارتباط القطاع المصرفي برمّته بأدوات الدين العام يُضعف التصنيف الائتماني للبلاد و يؤثر على تصنيف القطاع رغم متانته من حيث معايير السيولة، والملاءة، ورقابة السلطة النقدية، والرقابة الذاتية، والتوجهات المُحافظة.


السياسة الاقتصاديّة في لبنان ما بعد الطائف:

إنّ السياسة الاقتصادية في لبنان بشقّيها النقدي والمالي، صيغت لتلائم حقبة اقتصادية محدّدة من تاريخ البلاد، فحقّقت أهدافها مرحليًّا وما لبثت أن أرخت بِوِزْرِها على الاقتصاد والمجتمع في مراحل لاحقة. يمكن إيجاز هذه الحقبة على الشكل التالي:

في مواكبة حقبة إعادة الإعمار وما بعدها

إنّ السياسة الاقتصاديّة التي واكبت وسهّلت عملية إعادة الإعمار في السنوات الخمس 1993-1997 نجحت في تجنيب الاقتصاد مخاطر عدم الاستقرار التي تولّدها ضغوط الإنفاق الإعماري على الموارد المالية كما على الأسعار بمفهومها الاقتصادي. ومن أهم ما حققته تلك السياسة من إيجابيات يمكن أن يتلخّص بالتالي:

أوّلاً، ساعد تثبيت سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأميركي على استقرار نسبة التضخم على مستويات منخفضة فكان هذا التثبيت بمثابة المرساة التي كان يعوّل عليها لإحداث توازنات مستقرّة في كافة متغيِّرات الاقتصاد الكُلِّي.

ثانياً، أدّت سياسة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية على مدى عقدين ومن خلال أسعار فائدة مرتفعة مقارنة بالأسعار السائدة عالميًّا إلى استقطاب رساميل وودائع من الخارج، كان لها دور مساهم و فعال في الاقتراض العام والخاص.

ثالثاً، سهّل تزاوج سعر الصرف الثابت والفائدة المرتفعة على المصارف تحقيق نمو مؤثر ومضطرد في كافة بنود ميزانياتها وعلى مدى ربع القرن الفائت، هذا ما عزز متانة القطاع المصرفي، وقدرته على تمويل الاقتصاد خلال العقود اللاحقة.

بالرغم ممّا حقّقته السياسة الاقتصادية في تلك الحقبة من نجاحات إلّا أنها حملت وتحمل بعض المخاطر ومنها:

أوّلاً، من الناحية الاجتماعية، لم تَسْتَعِد الأجور والقدرة الشرائية إلّا جزءاً يسيراً ممّا كانت عليه في الحقبة التي سبقت سنوات الانهيار النقدي 1984-1992. كما أنَّ النموّ الاقتصادي، وعلى تفاوت وَتيرَتِه خلال أكثر من عقدين من الزمن، لم يُحدث تراجعاً موازياً في نسب البطالة والهجرة بل تسارعت وتيرة ارتفاع هذه النّسب خلال السنوات السبع الأخيرة رغم ما تحقّق في تلك الفترة من نموّ اقتصادي وإنْ بمعدّلات منخفضة. وقد نتج عن ذلك، مع غياب السياسة الاجتماعية، اتساعٌ متنامٍ للهوّة الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي باتت تهدّد بتقويض الانصهار المُجتَمَعي وحتى الوطني.

ثانياً، إنّ ارتفاع نِسَب الفوائد أدّى إلى تراجع الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي المنتج (زراعة، صناعة) وإلى تراجع تراكم الرأسمال الحقيقي، ما انعكس على تراجُع في نسب العمالة.

ثالثاً، إنّ تثبيت سعر صرف العملة أدّى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج المحليّة، ما أحدث تراجعاً في تنافسية الإنتاج.

سياسة اقتصادية ذات بُعد مُعطَّل ومُعطِّل

تقوم السياسة الاقتصادية، بتوجّهاتها التقليدية، على ركيزتين هما السياسة النقدية والسياسة المالية، وتسعى من خلال تلازمهما وتناسقهما إلى تحقيق هدفَيّ النموّ الاقتصادي والحد من البطالة في إطار من الاستقرار الكلِّي وهذا ما يُعرف بالمثّلث الذهبي في علم الاقتصاد.

لكنّ العجز في الموازنة العامة والنموّ المُتسارع للدَّين العام أدى إلى تعطُّل أدوات السياسة المالية أي: إنّها لم تعد قادرة على الاضطلاع بأيٍّ من أدوارها في إدارة الاقتصاد. فدور السياسة المالية في مواجهة التقلّبات الدوريّة للنشاط الاقتصادي معطّل لأنّ أدوات هذه السياسة أضحت مُسخّرة لتأمين خدمة الدين العام ولإبقاء عجز الموازنة على مستويات يحدّها انهيار الإنتاج في الاقتصاد الخاص، كذلك دورها معطل في إعادة التوزيع و في تمويل إنتاج الخدمات العامة.

أمّا السياسة النقدية الموكل إليها مهمّة الحفاظ على سعر الصرف ، فقد حُمِّلت منفردة مهام الإدارة الاقتصادية. غير أنَّ هذه السياسة بطبيعة أدواتها قادرة على الاضطلاع بأحد أدوار السياسة المالية فحسب ألا وهو دور مواجهة التقلّبات الدورية للنشاط الاقتصادي وذلك ضمن حدود ضيّقة. فالسياسة النقديّة هي أيضاً مُسخّرة لهدف تأمين التدفُّقات الماليّة التي تموّل المديونيّة العامّة والمديونية الخاصة. إنّها تبقي لذلك على شكل من أشكال النّمو الذي لا يترافق ونسب وازنة لتراكم رأس المال في قطاعات الإنتاج، كما لا يترافق مع تراجع نسب البطالة، لا بل يُسرِّعُها.


ضعف وانحسار التدفّقات الاستثماريّة

ترافقَ توجُّه السياسة النقديّة إلى جذب الودائع حصراً مع وجود معوقات منعت تدفق الاستثمارات الحقيقية الطويلة الأمد بالحجم الذي يتطلّبه النمو المولِّد لفرص العمل. يشكل الفساد أهمّ تلك المعوقات وأخطرها، يليه ضعف الإنتاجية في الإدارة العامة بسبب البيروقراطية وعدم تحديث الإطار التشريعي والإجرائي الملائم للاستثمار والمنافس للتسهيلات التي تقدمها اقتصادات أخرى، وتأتي بعد ذلك مُعدّلات الفائدة المرتفعة.

الفساد بمفهوم الاقتصاد السياسي وأثره على تدفّق الرّساميل الاستثمارية

إنّ التحديد الدقيق الذي يعتمده الاقتصاد السياسي لماهية الفساد يُظهر قدرة هذه الآفة على تقويض الأسس التي تقوم عليها الدولة. إنّ أساس الفساد هو جنوح الجشع عند من لديهم سلطة القرار وسلطة الإكراه، وهما سلطتان مستمدتان أصلاً من سلطات الدولة، بحيث يوظّفون هاتين السلطتين للاستحواذ على المال العام أو الموارد العامة أو لابتزاز المواطنين.

يُظهر هذا التعريف المُقْتضَب خطر الفساد على بنيان الدولة. فالعقد الاجتماعي بمفهومه المبدئي والمجرد أعطى الدولة حق اللجوء إلى الإكراه في حالات ثلاث أساسية أُضيفت إليها حالة رابعة فرضها التطور نحو اقتصاد السّوق. الحالات الأساسية للجوء إلى السلطة الإكراهية هي أوّلاً، واجب إحقاق الأمن والانتظام العام وفرض العدالة المُستمَدة من المبادئ الإنسانية والقوانين، ثانياً، واجب الحفاظ على الملكية الخاصة وضمان احترام الالتزامات التعاقدية، وثالثاً واجب فرض الرسوم والضرائب. أمّا الحالة الرابعة فتطال سلطة التدخل لتصحيح الاختلالات التي قد تُحدثها قُوى السوق في النظام الاقتصادي المبني على التبادل الحرّ.

هذا التعريف المُختَصر للفساد يُظهر السبب الأقوى لفشل السياسة الاقتصادية في استقطاب الرساميل الاستثمارية، فيما نجحت إلى حدٍّ ما في استقطاب الودائع. فالمُستثمر ينظر أوّلاً وأساساً لكيفيّة استعمال السّلطات لسلطتها، إذ إنّ ربحيّة الاستثمار أو عدمها تكمن في شرعيّة هذا الاستعمال أو عدمها، كما يكمن حق المستثمر في ملكيّة أصول استثماره وكيفيّة إدارتها، وعدم الخوف عليها. لذلك يأتي تقييم المُستثمر لمؤشّر الفساد في بلد ما في طليعة المُعطيات التي تُحْتَسب على أساسها المخاطر الملازمة لاستثماره.

ضعف الإنتاجيّة في الإدارة العامّة

تُعتبر البيروقراطيّة و غياب التشريعات الحديثة من معوقات الاستثمار في لبنان كونها تزيد من كلفة الاستثمار مالاً مبدَّداً ووقتاً مهدوراً. إنّ مرتبة لبنان المتدنِّية على سُلَّم سهولة الأعمال هي خير دليل على أنّ البيروقراطية هي أحد أسباب ضعف قدرته على جذب الاستثمارات. يتطلب استخراج ترخيص بناء في لبنان مثلاً ما معدله 244 يوماً مُقارنة بـ 49 يوماً في الإمارات بحسب تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017 الصادر عن البنك الدولي. يُصَنّف لبنان بحسب هذا التقرير في المرتبة ما قبل الأخيرة بين الدول العربية يليه السودان. هنا نشير إلى أهميّة اتّخاذ الإجراءات التشريعية و التنفيذية اللازمة لتطبيق المشروع المُعَدّ من قبل حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بداية تسعينيّات القرن الماضي لاعتماد ما يُعرف بالشبّاك المُوَحَّد لتأسيس الشركات one stop one shop. من الضروري أيضا إعداد المراسيم التطبيقيّة والمباشرة بتطبيق قانون الحكومة الالكترونية.

أسعار الفائدة المرتفعة

هي من معوقات الاستثمار كونها تدخل في صميم النموذج المتَّبع لتقييم جدوى أيّ مشروع استثماري، بحيث إنَّ الفائدة المرتفعة على القروض الاستثمارية تقود إلى استبعاد مشاريع استثماريّة قد تكون مجدية في ما لو قُورن المردود الاستثماري بنسبة فائدة أدنى على القروض.


المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في لبنان:
نظرة جديدة للوضع الاقتصادي الاجتماعي و البيئي

إنّ الإنماء الذي ننشده كمجلس اقتصادي واجتماعي للبنان هو إنماء اقتصادي واجتماعي وبيئي. فالنّمو الاقتصادي في هذا الإطار الإنمائي هو هدف تحدّ بلوغه قيود ثلاث وهي: الاستقرار المالي، التقدم الاجتماعي المتمثّل بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص عن طريق الإنفاق العام الرِّعائي، وحماية الموارد الطبيعيّة من الاستنزاف المُتَفلِّت. وما الإخلال بأيٍّ من هذه القيود سوى تقويض للأُسُسِ التي يُبنى عليها المسار الإنمائي المُستدام برمته.

من المُسَلَّم به أنّ التزام السياسة الاقتصادية المنشودة بالضوابط الصارمة التي يفرضها الإنماء المستدام سوف يكبت النمو الاقتصادي بالمقياس والقياس التقليديين. فالقياس التقليدي للنشاط الاقتصادي لا تشمل حساباته التقييم السلبي لمدى التدهور الاجتماعي والبيئي، ولا التقييم الإيجابي للتقدّم على هذين المَيدانين.

لذا تطوّرت أسُس احتساب النشاط الاقتصادي راهناً باتّجاه مقاربة تشمل الوقع الاجتماعي والبيئي للنموِّ الاقتصادي. فالموارد البشريّة والموارد الطبيعية هي بحق أصول رأسماليّة لها المساهمة الأكبر في النشاط الاقتصادي، والمحافظة عليها وتطويرها هي السبيل لتحقيق الإزدهار الحقيقي. وما هدف الحَوْكَمة الجيِّدة في هذا السِّياق إلّا التوصُّل إلى توازن مُستدام بين متطلّبات النُّمو من جهة، وبين الضوابط الاجتماعية والبيئيّة لذلك النموّ من جهة أخرى.

يتألَّف المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في لبنان منذ تشكيله بنسخته الحالية الثانية في نهاية العام 2017 من 71 عضواً مُنتخباً يمثلون الهيئات الاقتصادية والنقابات العمالية ونقابات المهن الحرّة والخبراء في لبنان. انبثق عن الهيئة العامة هيئة مكتب مؤلّفة من 9 أعضاء بالإضافة إلى عشَر لجان متخصّصة هي التالية: لجنة القضايا الاقتصادية العامّة، ولجنة القضايا الاجتماعية العامّة، ولجنة التنمية البشرية وحقوق الإنسان، ولجنة النشاطات الإنتاجية، ولجنة العلوم والتكنولوجيا، ولجنة البيئة، ولجنة السياحة، ولجنة قضايا المناطق وشؤون الزراعة، ولجنة قضايا العمل والمهن والحرف، ولجنة الشباب والرياضة. يشكل هذا المجلس ذو الدور الاستشاري منصّة نقاش وتفاعل بين كافة قوى الإنتاج و تجمع خبرات تعمل جاهدة لصَوْغ رؤية اقتصاديّة اجتماعيّة بيئيّة مُتكاملة للبنان.

لم يكتف المجلس بانتظار أن تُبادر السلطتان التشريعية و التنفيذية و تطرح عليه قضايا للبحث، بل بادر إحساسا منه بدقّة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية في لبنان و دعا أصحاب الشأن لتدارس سُبُل الخروج من الوضع الراهن.

في هذا السّياق، تنصرف اللجان بحسب اختصاصها إلى دعوة أصحاب الشأن في لبنان للنقاش بغية الوصول إلى رؤى مشتركة تسهّل عملية صَوْغ توصيات تُرْفَع للسلطتين التنفيذية والتشريعية في لبنان. كما أن أعضاء اللجان من أصحاب الاختصاص يعملون على تحليل الوضع ودراسة أنجع السُّبل للخروج من الأزمة.

المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و وثيقة الأحزاب

بادر المجلس ومنذ تشكيله في نهاية العام 2017 إلى درس خطوات متعدّدة للمساهمة في تقديم الأفكار والاقتراحات الهادفة إلى تحريك الدورة الاقتصادية واستيعاب الخلل القائم. من أبرز تلك الخطوات كانت دعوة الأحزاب اللبنانية الأساسية لتقديم الشقِّ الاقتصادي في برامجها الانتخابية إلى المجلس، بغية صياغة رؤية اقتصادية تتوافق عليها معظم القوى السياسية في لبنان. بناءً على ذلك، لبّى سبعة أحزاب تلك الدعوة، وأقيم في المجلس طاولة حوار اقتصادية جمعت حولها الأحزاب السبعة. بذل ممثِّلوا الأحزاب على مدار ستّة اجتماعات جهداً استثنائياً من أجل الوصول إلى حدٍّ أدنى مشترك على الرغم من تباين الخلفيّات السياسية والاقتصادية التي ينطلقون منها. كانت باكورة الاتفاق فيما بينهم إصدار وثيقة من اثنين وعشرين بنداً تهدف إلى خفض النّفقات العامة. تصلح تلك الوثيقة لأن تكون في صلب البيان الوزاري للحكومة المرتقبة لأنّها تساهم من دون أدنى شك، وعلى مدار ثلاث إلى خمس سنوات، إلى خفض العجز في الموازنة العامة إلى ما دون الخمسة بالمائة من الناتج المحلي، خاصةً وأنّ الأحزاب السياسية المساهِمة في إعداد الوثيقة والموافِقة على هذه البنود موجودة في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

التحديات الأساسيّة الرّاهنة للاقتصاد وسُبُلُ معالجتها

يسعى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في حركته باتّجاه الكتل النيابية وصحاب القرار السياسي، بالإضافة إلى القوى المشاركة في العملية الإنتاجيّة (أصحاب عمل وعمال)، إلى حثّهم على وضع سياسة اقتصادية ترتكز على تفعيل القطاعات الإنتاجية.

لقد أعَدَّت لجنة القضايا الاقتصادية العامة في المجلس ورقة إجراءات فوريّة وتوجّهات على المدى المتوسط لتحفيز النمو الاقتصادي، وتمت مناقشة هذه الورقة وأُقِرَّت من قبل الهيئة العامة للمجلس في أواسط تشرين الأوّل من العام 2018 الحالي. تهدف الورقة إلى تحفيز النمو الاقتصادي العادل والمُستدام و تلحظ نقاطاً عديدة ذات أبعاد اجتماعيّة وتنموية. كما تأخذ بعين الاعتبار معالجة هموم الناس وتحقيق آمالهم وتطلّعاتهم لتأمين نمو مُستدام لاقتصاد حقيقي مُؤَنْسن يرتكز على الإنتاج أوّلاً وهذا يتطلَّب رزمة من الإصلاحات البنيويّة على الأصعدة الاقتصادية والمالية والإدارية.


خُلاصة

يواجه لبنان حاليًّا تحدّيات ناجمة عن ضعف بنيوي في اقتصاده منها عدم وجود فرص عمل وعدم القدرة على توفيرها، والعجز المزدوج المتمثل بعجز الميزان الجاري وعجز الموازنة، إضافة إلى عجز كبير في الميزان التّجاري و ارتفاع حجم الديون الخاصة والالتزامات المترتّبة على القطاع الخاص (أسر، شركات). كلّ هذا بالإضافة إلى ثقل الدّين العام على الاقتصاد وعلى بنية الفوائد في السوق المحلّية، وضعف مستوى الخدمات العامّة. كما يعاني لبنان من تحديات ناجمة عن عوامل ظرفية مُتَمثّلة بأزمة النازحين السوريين والتراجع في قيمة التحويلات الماليّة والبطء في إنجاز المشاريع (استخراج النفط والغاز، الكهرباء، الخ). يواجه لبنان أيضا تحديات ناجمة عن غياب الحَوْكَمة منها عدم الالتزام بالقوانين والأنظمة، وضعف أجهزة الدولة وغياب هيبتها، وغياب دَوْر الهيئات الرّقابية. تدفع كلّ تلك التحديات إلى انخفاض نسبة النّمو الاقتصادي وارتفاع معدّلات البطالة.

المطلوب لتفعيل الاقتصاد وزيادة النمو خطوات من شأنها توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني وحجمه، بما يسمح بإعادة تكوين الطبقة المتوسّطة وتوزيع فرص العمل ومجالات الإنتاج على أكبر شريحة من المواطنين إضافة إلى تأمين شبكات أمان اجتماعي (ضمان اجتماعي، ضمان الشيخوخة، نظام تقاعد، إلخ.)

يشكّل إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته وزيادة فعاليته نقطة عبور إلى تحسين أداء مؤسسات الدولة، وضمانة للاستثمار المحلّي والاجنبي. المطلوب أيضا توفير البيئة الاستثمارية والبنية التمويلية، مع التنويع في سبل التمويل (توسيع نشاط بورصة بيروت)، وإشراك المواطنين في القاعدة الرأسمالية للقطاعات الاقتصادية. من المُهم أيضا الالتزام بالشراكة بين القطاعين العام والخاص والإسراع بإعداد المراسيم التطبيقية للقانون رقم 48 الصادر بتاريخ 7 أيلول 2017. من الضروري أيضا إزالة التعديات على الأملاك العامة وإدارتها بشكل فعّال لصالح الدولة، والحفاظ على التّراث الوطني واستثمار الموارد الطبيعيّة من أصول وموجودات لصالح الأجيال الحاضرة والمقبلة، من خلال إدارة شفّافة لصندوق سيادي بعد إنشائه.

معركة حطّين

مثلما يبزغُ ضوء النّهار من عتمة اللّيل الحالك، هكذا بزغ نجم صلاح الدّين الأيوبيّ من عتمة الحقبة التاريخيّة السالفة بكلّ آلامها وسوداويّتها، فكانت «معركة حطين» (في 4 تموز 1187) لؤلؤة انتصاراته، و«بداية النّهاية» للوجود الفَرنجي (الصّليبي) في هذه المنطقة.
إذ إنّ المكان الجغرافي يبقى مجرّد جغرافيا فقط إذا لم يكن هناك إنسان يُدخله التاريخ، هكذا هو الحال مع «حطين» التي كان للقائد صلاح الدين شرف إدخالها التاريخ من بابه العريض، فغدت بذلك «جغرافيا تاريخيّة» و«تاريخاً جغرافيّاً» بامتياز، وعلى هذا الأساس تبقى حِطّين دائماً أكبر من كلّ ما كُتب وما سيكتب عنها.
فلا تاريخ بلا جغرافيا، ولا جغرافيا بلا تاريخ، ولا تاريخ وجغرافيا بلا إنسان يعطي الجغرافيا أهميّتها التاريخيّة، ويعطي التاريخ أهميّته الجغرافيّة؛ بمعنى التّلازم الوثيق بين المكان والزّمان والإنسان. هكذا هي «حِطِّين» (كموقع جغرافي)، و4 تموز 1187 (كزمن تاريخيّ) وصلاح الدين (كإنسان قائد كبير).
ولعلّ المُستشرق البارز هاميلتون جيب كان مُصيباً في قوله: إنَّ «صلاح الدين الأيوبيّ نجح في كلّ ما نجح فيه ليس لأنّه استراتيجيّ عسكريّ باهر، أو سياسيّ تكتيكيّ ماهر، فقط، بل لأنّه تمسّك أولاً وأخيراً بالمُثُل الأخلاقيّة، وبضرورة لمّ الشمل وتوحيد الكَلِمة».
فماذا عن معركة حِطّين وقائدها صلاح الدّين؟ وماذا عن البُعد الاستراتيجي لها؟ وما الدروس والعِبَر المُستخْلَصَةُ منها على الصعيد الغربيّ، وعلى الصعيد العربيّ، وعلى الصعيد الإسرائيليّ الصهيونيّ؟
تُعْتَبر معركة حِطّين من أهمّ المعارك في التّاريخ التي أثارت اهتمام العالم الغربيّ والعربيّ والإسلاميّ، ولا تزال دروسها ومآثرُها جديرة بكلّ اهتمام.
فعندما تتفرّق الكلمة، تضعف المواقف، وتنهار القوى، وتتزعزع الإرادات، وتضيع الأوطان، وتُهان الهوية. وإذا توحدت، يحصل النقيض، وتحتفظ أيّة أمّة بكيانها وهيبتها وهويّتها، ولقد عرفت بلادنا العربية وأمتنا هذين النقيضين في القرن الحادي عشر للميلاد، لمّا كان كلّ حاكم عربي يغنّي على ليلاه، ولا يفكّر إلا بشخصه ومُلكه ونفوذه، بعيداً عن مصلحة الجماعة، في الوقت الذي توحّدت فيه قوى الغرب لشنّ حربها على الشرق بغية «انتزاع الأماكن المقدّسة من أيدي المسلمين».
لقد خيّم على بلادنا، في ظل أولئك الحكّام، جوٌّ من التّفرقة والتمزّق، بينما كان جوّ الوحدة يخيم على الغرب رغم كثير من الخلافات والعداوات بين ملوكه وأُمرائه، الذين أوجدوا قاسماً مشتركاً فيما بينهم ضدّ المسلمين والشرق.
تذرّع الفرنجة – الذين أُطلق عليهم اسم الصّليبييّن – بحججٍ وذرائعَ شتّى في سبيل الاستيلاء على بيت المقدس وانتزاعه من أيدي المسلمين. ولمّا كان للعامل الدينيّ أثره الأوّل والأساس في ذلك العصر، فقد كان لكلمة البابا أوربانوس الثاني ودعوته إلى تجنيد الجيوش لهذا الغرض، إضافة إلى دور الرّهبان والقساوسة ورجال الدّين المسيحيين، فقد كان لكلّ ذلك تأثيره المهمّ على سير الحملات التي عُرفت بـ «الصليبية» بدءاً من سنة 1096 ميلادي، مع أن العوامل الأخرى – غير الدينيّة – كانت لها أهميتّها الأولى غير الظاهرة. فوق كلّ ذلك، ورغم هذا الخطر الذي كان يهدد الأقطار العربية والإسلامية، إذ كانت هذه الأقطار موزّعة بين خلافتين: الخلافة الفاطميّة في مصر، والخلافة العباسيّة في بغداد…، أمّا الأندلس فقد كانت تتعيش حالة من التمزّق والانحدار نحو السقوط المتدرّج في عصر ملوك الطوائف وعموماً فقد كانت خلافة بغداد والقاهرة كلتاهما تعانيان من الوهن وتردّي السلطة وشيوع الفرقة ما يغري بالإغارة عليهما واستباحة حماهما، ولقد جاءت الغزوة الصليبيّة الأولى على الشرق العربي/الإسلامي سنة 1096، ونجحت في تكوين مملكة لاتينيّة في القدس بقيادة «غودفروا دي بويون» ابن كونت بولونيا، كما نجح الفرنجة فيما بعد بتأسيس عدد من الإمارات كإنطاكية والرّها وطرابلس.
انتشى الصليبيّون بنشوة النّصر، وتتالت غزواتهم، وما أن كانت الحملة الثالثة التي قادها ريتشارد الأول ملك إنكلترا، والملقّب «بقلب الأسد»، والى جانبه ملك فرنسا فيليب أوغست، حتى كانت الأمّة العربيّة والإسلامية تعيش وضعاً أفضل من زمن الغزو الأوّل (عام 1096) في ظلّ قائد شجاع، تمكّن من إدراك مكامن الضّعف والقوّة فوحّدها وانتشلها من الحضيض، وأعاد لها هيبتها الزاهية، ذلك هو صلاح الدين الأيوبيّ، الذي وجّه للصليبييِّن ضربة قاضية في معركة من أكبر معارك التاريخ الفاصلة؛ هي معركة حطين في 4 تموز 1187.

ولد يوسف بن نجم الدين أيوب (الذي حمل لقب صلاح الدين فيما بعد) في قلعة تكريت التي كان والده حاكماً عليها، وقد انتقل مع والده إلى الموصل على أثر خلاف بين الوالد وبين «بهروز» حاكم بغداد الفعلي تحت اسم خلافة عباسيّة صُوَرِيّة لادور لها، ودخل وأخوه شيركوه في خدمة عماد الدين زنكي حاكم الموصل، ولما شبَّ صلاح الدين انخرط أيضاً في خدمة هذا الحاكم العظيم.
كان صلاح الدين من القادة الموهوبين عسكريّاً، ذا شخصية فذّة، وإرادة قويّة، ومعرفة في فنون الحرب والسياسة، وكان ذا خُلق متين، يتميّز بإنسانيّة ونبل، قلَّ أن وُجدت في تلك الفترة التي عاش فيها، وقد نال إعجاب خصومه وأعدائه وتقديرهم قبل أصدقائه، وإنّ أفضل حُكْمٍ ما نطقت به الأعداء قبل الأصدقاء – كما يقولون-.
كان صلاح الدين الأيوبي يصحب عمّه في غزواته ويتولّى قيادة قسم من الجيش، ويُبلي البلاء الحسن. وكانت له وقائع مشهورة في تلك السنّ المبكرة، وخاصة بما وُفِّق فيه من دفع الصليبييّن عن الاسكندرية في إحدى غاراتهم البحرية.
ولم تكن ناحية القيادة وحدها هي التي لفتت الأنظار إلى صلاح الدين، بل إنّ شجاعته وإقدامه وآدابه وحسن معاملته للأهالي قد جعلت له منزلة محمودة، فقال في ذلك أحد المؤرخين:
«والذي أدهش المسيحييّن من أمر صلاح الدين هو مروءتُه وشهامته وكرامته وكرمه وحلمه ومحافظته على العهود» ففي تلك الفترة كانت مصر تتخبّط في حالة من الفوضى والاضطراب لا توصف، فدفع إليها نور الدين زنكي جيشاً لإنقاذها بقيادة أسد الدّين شيركوه، وكان صلاح الدين في عداده، وقد اشتبك هذا الجيش عدّة اشتباكات مع الصليبييّن في غزوتين، أمّا في الغزوة الثالثة فقد استولى شيركوه على مصر بدون دماء، وخلع عليه العاضد، آخر خليفة فاطمي (وكان هذا في حالة من الضعف والمرض لاحول له ولا طول)؛ بالوزارةَ لمباشرة مهام الأمور فيها.
وعلى أثر موت شيركوه، لم يعد يصلح للوزارة في مصر غير صلاح الدين، فصدر إليه أمر الخليفة الفاطمي في 23 آذار / مارس / سنة 1169، وقد جاء فيه: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجة عند الله لديك، فأوفِ بعهدك وخذ كتاب أمير المؤمنين بيدك». وكان اللقب الذي عُرف به صلاح الدّين: «الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدّنيا والدين يوسف بن أيوب».
ولم يكن صلاح الدّين حين قُلِّد الوزارة أربى على الثانية والعشرين من عمره، ولكنه عمرٌ حافلٌ بخبرة الحرب والقيادة والإدارة، وقد استطاع بحنكته أن يظفر بحبّ المصريين، وألّا يفقد ثقة سيّده في الشام والعراق نور الدين زنكي.رغم دبيب الرّيب بينهما.
ولعب القَدَرُ دوره إلى جانب صلاح الدين، عندما تُوفّي نور الدين زنكي والخليفة الفاطمي العاضد وآموري ملك القدس، فخلا له الجو وأصبح السيّد المطلق في مصر، والقائد الأقوى بين جميع قادة المسلمين آنذاك، فراح يجمع الصفوف ويحشد القوى ويستعدّ للذّود عن حياض العروبة والإسلام. وكان أمله الكبير يتمثّل في توحيد مصر وسورية وفلسطين. وبذلك وحده يمكن إنقاذ البلاد ودفع الخطر الصليبيّ عنها.
بلغت قوة صلاح الدين ذروتها، مما دفع الصليبيين إلى أن يعقدوا معه هدنة مدّتها أربع سنوات بدءاً من عام 1185. إلا أن سياسة «أرناط» الصّليبيّ صاحب حصن الكرك وانقضاضه على قافلة للمسلمين أثناء سيرها من القاهرة إلى دمشق، عام 1187م كانت سبباً مباشراً في خرق الهدنة وإعلان الحرب،فكانت «معركة حِطّين» هي الفاصل الرّئيس بين استمراريّة التهديد بالتوسّع الصليبيّ في المنطقة ، وبين حياة التخلّص من ذلك الكابوس المُذل…
والحقيقة أنّ صلاح الدين كان قد فرغ من إحياء الجبهة الإسلامية المتّحدة بعد أن دانت له الموصل بالطاعة، واستطاع توحيد مصر والشام والعراق والجزيرة، الأمر الذي جعل الفرنجة في فلسطين مطوّقين من الشمال والجنوب والشرق، وزاد من سوء وضع مملكة الفرنجة في بيت المقدس، اضطراب أوضاعها الداخلية نتيجة لوفاة ملكها المريض «بغدوين الرابع»، وقيام ملك قاصر هو «بغدوين الخامس» الذي لم يلبث أن توفي هو الآخر ممّا أدى إلى سلسلة من المؤامرات الداخليّة بين الفرنجة انتهت بتنصيب «غي لوسينيان» على عرش المملكة الصليبيّة سنة 1186 م، وكان غي هذا رجلاً ضعيفاً لم يستطع أن يحظى باحترام أمراء دولته وعلى رأسهم «أرناط» صاحب حصن الكرك، ‎الذي لم يشأ أن يترك الفرنجة في فلسطين ينعمون بفرصة الهدنة لتصفية خلافاتهم الداخليّة، واختار أن ينقضّ على قافلة المسلمين تلك التي أُشير إليها، فعجّل بالمعركة الحتمية بين صلاح الدين والفرنجة برفضه إطلاق سراح أسرى رجال هذه القافلة، ولما اتضح لصلاح الدين عجز الملك «غي لوسينيان» عن ردع «أرناط» وإجباره على ردّ الأسرى لم يعد أمامه إلا القتال؛ فقام بحركة تعبئة شاملة لقواته التي أخذت تتوافد عليه من مصر وحلب والجزيرة وديار بكر، ولمّا اكتملت قواته خرج على رأسها من دمشق في آذار 1187 ليهاجم حِصْنَيِّ الكرك والشّوبك، فاصطدم بالفرنجة عند صفوريّة في موقعة سقط فيها معظم أفراد جيشهم بين قتلى وأسرى، في حين عَدّ المسلمون هذا النصر «باكورة البركات».

أمّا الصليبيون فقد ثابوا إلى رشدهم بعد هذه الهزيمة التي حلّت بهم، فوحّدوا صفوفهم، وحاولوا أن يتناسَوْا خلافاتهم، وحشدوا قواتهم عند صفوريّة، وهنا ظهرت براعة صلاح الدّين العسكريّة مستفيداً من دروس أسلافه القادة العرب، فقرّر ألّا يتقدم نحو الصليبييِّن لمنازلتهم، واختار أن يستدرجهم ليسيروا نحوه فيصلوا إليه مُنْهَكين من طول الطريق وحرارة الجوّ وقلّة الماء، ولذلك بادر صلاح الدين بمهاجمة مدينة طبريّة وإحراقها – وكانت في أيدي الفرنجة – الأمر الذي استثارهم فزحفوا لتخليصها في ظروف قاسية. وكان صلاح الدين ورجاله ينتظرونهم قرب طبريّة ناعمين بالماء الوفير والظلّ المديد، مدّخرين قواهم لساعة الصفر، وعندما سمع صلاح الدين بأن الصّليبييِّن شرعوا في الزّحف إليه، تقدّم على رأس رجاله نحواً من خمسة أميال ليرابط غربيّ طبرية عند قرية حطّين، الواقعة في منطقة غنيّة بالمرعى وفيرة الماء، بها قبر النبي شُعَيب، وكان ذلك في تمّوز 1187، في يوم راكد الهواء، شديد الحرارة، بلغ فيه الفرنجة «سطح جبل طبرية» المشرف على سهل حطّين، وهي منطقة على شكل هضبة ترتفع عن سطح البحر أكثر من 300 مترٍ ولها قِمّتان أشبه بالقرنين، ممّا جعل العرب يُطلقون عليها اسم «قرون حِطين». وقد حرص صلاح الدين على أن يقف رجاله بحيث يحولون بين الفرنجة والوصول إلى ماء بحيرة طبرية في وقت «اشتد بهم العطش»، ثم أمر صلاح الدين بإشعال النار والأعشاب والأشواك التي تكسو الهضبة، وكانت الرّيح تهبُّ باتجاه الفرنجة، فحملت حرّ النار والدّخان إليهم، فاجتمع عليهم العطش، وحرّ الزّمان، وحرّ النار، والدّخان وحرّ القتال» على حد قول ابن الأثير.
وعندما أشرقت شمس يوم السبت، الرّابع من تموز 1187، اكتشف الفرنجة أنَّ صلاح الدين استغلَّ ستار الليل ليضرب نطاقاً حولهم حتى أحاطت بهم قواته «إحاطة الدائرة بقطرها». وبذلك بدأ الهجوم الشّامل على الفرنجة وهم في أسوأ الظروف فأخذتهم سهام المسلمين، وكَثُر فيهم الجراح وقوي الحرّ وسامهم العطش الفرار» حسب قول المؤرخ ابن واصل.
وقاتل الجيش الفرنجي ببسالة لا نظير لها متحمّلاً عطشه ونار خصمه، لكنّ هجمات المسلمين ظلت تتكرّر دون أن تترك للعدو مجالاً لالتقاط أنفاسه فانهزم مشاتُه، أمَّا فرسانه فقد لاذ قسم منهم بالفرار مُخترقاً صفوف المسلمين بقيادة «ريموند» أمير طرابلس، وارتدّ قسم آخر نحو تلّ حطين حيث نُصبت خيمة الملك «غي» والتفّ حولها نحو ماية وخمسين فارساً يدفعون المسلمين عنها، وأدرك صلاح الدّين أنّ هزيمة الصليبيين تتم ساعة تُدَكّ خيمة مليكهم، فأرسل إلى تلك الخيمة وحاميتها موجة من الجند المهاجم إثر موجة، حتى رآها تُدَكّ، ويقع الملك «غي» وسائر الأمراء والفرسان الصليبييِّن، وفي مقدمتهم «رينو دي شاتيّون» المعروف عند العرب بـ«أرناط» (صاحب حصن الكرك)، كلّهم وقعوا أسرى بين أيدي الجنود المسلمين، وقد سيقوا مع غيرهم من أكابر الفرنجة (خاصة جيرار مقدّم فرسان الدّاوية) الى صلاح الدين في مخيّمه، فأحسن استقبالَهم وأمر لهم بالماء المثلّج ليرووا ظمأهم، لكنّه قطع رأس «أرناط» بسيفه تنفيذاً لوعد قطعه على نفسه إذا وقع هذا الأميرُ في قبضته، وذلك لخيانته الميثاق الذي كان قد سبق وارتبط به معه، ولجرائمه السابقة في قتل الأسرى، وكان صلاح الدين قد ذكّر ‎أرناط بجرائمه وقرَّعه بذنوبه وعدّد عليه غَدراته.

ويختلف المؤرّخون في تقدير عدد قتلى الصليبييِّن وأسراهم في هذه الوقعة حيث ذكر بعضهم «إنَّ عدد قتلاهم كان اثنين وعشرين ألفاً، وذكر آخرون أنّه كان خمسين ألفاً». كما ذكر أنّ المسلمين قتلوا ثلاثين ألفاً وأسروا مثلها، لكنّ أدقّ وصف يمكن اعتماده في هذا المجال هو قول المؤرخ ابن الأثير: «وكثر القتل والأسر فيهم، فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحداً، ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا واحداً، وكذلك قال المؤرخ «أبو شامة» في كتابه «أزهار الرّوضتين في أخبار الدّولتين».
في الواقع، لقد أثبت صلاح الدين الأيوبيّ أنّه ليس هناك سلام بغير قوّة، وأن احتلال الأراضي لا يقضي على الأمم، ولكن الذي يقضي عليها هو احتلال إرادتها، وليس بعدد السنوات يُقاس عمر الشعوب والأوطان… (وقد استردّ صلاح الدين بيت المقدس بعد نحو 90 سنة على احتلال الصليبييّن لها). ولكن، ماذا أدخل صلاح الدين في القاموس العسكريّ من مصطلحات جديدة من خلال معركة حطين؟ وما الأهمية الكامنة فيها؟

أولاً: كرّس بما لا يقبل الشّكَّ تأثير العوامل الجغرافيّة وتضاريس الأرض على سير المعارك والحروب، والرَّبط والدمج بين الجغرافيا والحرب في العلم العسكريّ.

ثانياً: استخدم استراتيجيّات جديدة سبق الغرب الأوروبيُّ (والأميركي فيما بعد) فيها بأكثر من 800 سنة (كاستراتيجية الحرب الاستباقيّة (أو الوقائيّة) + واستراتيجيّة الأرض المحروقة، قبل الروس والألمان (والأميركييّن فيما بعد) + واستراتيجيّة «السلاح الكيماوي» البدائي الممثل بحرائق الأشجار والأعشاب الجافّة + استخدام «سلاح التعطيش» ضد الصليبييِّن و«طمر الينابيع» وتدمير صهاريج المياه وتلويث الآبار فأصبح أعداؤه بين حرَّين، وهم عطشى: حرّ النار وحرّ الصيف. يضاف إلى ذلك «سلاح الاستدراج» الذي استخدمه صلاح الدين ضد أعدائه، إلى المكان الذي اختاره هو، وفق استراتيجيّة السيطرة على الموارد المائيّة والزراعيّة)… وصولاً إلى توصية هامّة تقول: وكم من أرض قتلت جاهلها فعلاً.

ثالثاً: لم يتفرّد صلاح الدين برأيه وموقفه الشّخصيّ في معاركه – ومن بينها معركة حطين بالطبع-، بل كانت استشارته لمعاونيه ومساعديه (المستشارين) ذوي الخبرة في الشؤون الجغرافيّة والمسالك والبحر من أهم العوامل المساهمة في الانتصار أيضاً … ولعلّ أشهرهم كان القاضي الفاضل…

رابعاً: إنّ هذه السياسة العسكريّة التي اتبعها القائد صلاح الدين كانت نتيجة «المدرسة العسكرية الصلاحيّة النوريّة» حيث من هذه المدرسة تخرّج أيضاً العادل والكامل والمظفّر الذين انتهجوا «استراتيجية المياه» (التعطيش + طمر الآبار + تلويثها وتسميمها + إغراق الأراضي بالمياه لتصبح مستنقعات موحلة تعيق تحركات العدوّ العسكرية). بالإضافة إلى «استراتيجيّة الاستدراج» + وسلاح طوبوغرافية الأرض + والمناخ والأمطار والحرارة + واستراتيجية تخريب وتدمير (وفق سياسة «الأرض المحروقة» المعروفة اليوم) + وحرق الأعشاب والغابات لإنتاج الدّخان الخانق (كسلاح كيماوي طبيعي…)…


في ضوء ذلك، نتساءل: ماذا أفرزت معركة حطّين من نتائج ذات طابع استراتيجي غربياً وعربياً وإسرائيلياً؟ وما هي العبرة المركزية منها على مختلف الصّعد؟

على الصعيد الغربي:

أولاً: إدراك القوى الغربيّة ذات الطابع الاستعماري العنصري لأهمية الموقع الجغرافي (الجيو-سياسي والاستراتيجي) للمنطقة العربية بين القارات الثلاث: آسيا وأوروبا وأفريقيا، فضلاً عمّا تزخر به من طاقات بشريّة وطبيعيّة دفينة تشكل خطراً داهماً في وجه القوى الدولية إذا امتلكها شعب هذه المنطقة وتحكّم بها، إضافة إلى ما تتميّز به على صعيد الممرّات المائية والبحار والمضائق كعصب مهم جداً مستقبلاً.

ثانياً: شكلت «حروب الفرنجة» (المعروفة بالحروب الصليبيّة) رأس الحربة للغرب ضد هذه المنطقة تحت حجج وذرائع شتّى. وهذه الحروب هي ذاتها التي أفرزت أخطر وأقدم وصيّة لضرب العرب والمسلمين منذ نحو ثمانية قرون، ولا تزال تُدَرَّس في الغرب، وهي المتمثّلة بوصيّة الملك الفرنسي لويس التاسع (قائد الحملة الصليبيّة إلى مصر وقد اعتُقِل على أثرها وسجن بين جدران دار ابن لقمان لمدّة شهر كامل في جزيرة الورد عام 1250)، حيث قال فيها – بعد تأمّل وتفكير عميقين – موجّهاً كلامه إلى الغربيين: «إذا أردتم أن تهزموا العرب والمسلمين فلا تقاتلوهم بالسّلاح وحده. فقد هُزِمتم أمامهم في معركة السّلاح. ولكن حاربوهم في عقيدتهم ووحدتهم، فهي مكمن القوّة فيهم»…
هذا، وقد شكّلت هذه الوصيّة أخطر وثيقة في هذا الاتجاه (وهي محفوظة في دار الوثائق القوميّة في باريس)، وهي التي فتحت الباب واسعاً أمام عمليّة التبشير والاستشراق.
كما أوصى في نهايتها بضرورة «العمل على قيام دولة غريبة في المنطقة العربية تمتد ما بين غزة جنوباً، وأنطاكيا شمالاً، ثمّ تتجه شرقاً وتمتد حتى تصل إلى الغرب»…

ثالثاً: على أساس وصيّة الملك لويس التاسع وأهميّة المنطقة العربيّة في مشروع الشرق الأوسط، كان مؤتمر «كامبل بنرمان» (رئيس الوزراء البريطاني) عام 1905، الذي دعا إليه كبار المفكّرين والاستراتيجيين الغربييّن، طارحاً عليهم السؤال الوحيد وهو: «ما هي الوسائل الكفيلة بتأخير سقوط الامبراطوريات الاستعماريّة، كي لا تنهار مثلما انهارت امبراطوريتا الإغريق والرومان؟». وبعد عامين على هذا المؤتمر صدر التقرير الذي عُرف فيما بعد بـ «تقرير كامبل بنرمان» (عام 1907) حيث جاء فيه إنّ من يسيطر على منطقة شرقي البحر الأبيض المتوسّط، يستطيع التحكّم في العالم. حيث في هذه المنطقة يتواجد شعب واحد، تتوفر عنده كلّ مقومات الأمّة والقومية، وفي أرضه ثروات هائلة تشكّل عصب حياة الغرب والغربييِّن، وهي بالنّسبة لهذا الشعب بمثابة «روحه»، ويجب على الغرب التحكّم بهذه الروح والسيطرة عليها. كما يجب العمل على إبقاء هذا الشعب بحالة من التمزّق والتّفرقة والتقسيم والقتال الدّاخلي.. وكانت التّوصية الأخيرة في تقرير بنرمان هذا شبيهة تماماً لوصيّة الملك لويس التاسع، حيث تقول: «يجب العمل بكل الإمكانات لخلق حاجز بشري قوي وغريب، يفصل الجزء الآسيويّ عن الجزء الأفريقيّ في المنطقة العربيّة، عدوّ لسكان المنطقة، وحليف للغرب»… وبعد أربعين عاماً كانت ولادة «إسرائيل» في هذه المنطقة المحدّدة بالضبط، وحقيقة الأمر أنه على أساس ذلك، كانت اتّفاقية سايكس -بيكو (1916)، ووعد بلفور(1917)، ومؤتمر فرساي (1919)، ومؤتمر سان ريمو (في إيطاليا 1920) الذي وزّع الانتدابات على الدّول العربيّة وكانت فلسطين من حصّة بريطانيا تمهيداً لقيام «الوطن القومي اليهودي» فيها. والغرابة «أنّ قلّة بسيطة في الوطن العربي تعرف بأن اتفاقية سايكس-بيكو كانت صهيونية مئة بالمئة» ولو كانت الواجهة لها بريطانيّة فرنسيّة.. وكذلك الحال بالنسبة لوعد بلفور البريطاني عام 1917، حيث يجهل الكثيرون من أبناء العرب والمسلمين, أنّ وعداً فرنسيّاً أعطي لليهود الصهيونييّن في باريس (هو وعد جولز كامبو) قبل خمسة أشهر من وعد بلفور البريطانيّ (وتحديداً في حزيران 1917) رفعه كامبو ‎إلى سوكولوف بعد اجتماعات عدّة حضرها رئيس الوزراء الفرنسي يومها (ريبو)، حيث كان كامبو يومها السكرتير العام لوزارة الخارجيّة الفرنسيّة، في الوقت الذي كان فيه ناحوم سوكولوف، ممثّل الحركة الصهيونيّة في فرنسا…

وهكذا، في الرابع من شهر حزيران/ يونيو 1917، نشرت الحكومة الفرنسية الرّسالة- الوعد التي أرسلتها إلى ممثل الحركة الصهيونيّة في فرنسا، وفيها إعلان صريح من جانب الحكومة الفرنسيّة عن عطفها على المخطط الصهيونيّ، والرسالة موقّعة من قبل السكرتير العام لوزارة الخارجيّة الفرنسيّة كامبو، جاء فيها:
«لقد تفضّلتم بتقديم المشروع الذي تكرّسون جهودكم له، والذي يهدف إلى تنمية الاستعمار اليهودي في فلسطين. إنّكم ترَوْن أنّه إذا سمحت الظّروف من ناحية، وإذا توافر ضمان استقلال الأماكن المقدّسة من ناحية أخرى، فإنَّ المساعدة التي تقدّمها الدّول المتحالفة من أجل بعث القوميّة اليهوديّة في تلك البلاد التي نُفِيَ منها شعب إسرائيل منذ قرون عديدة، ستكون عملاً ينطوي على العدالة والتعويض».
وتضيف الرّسالة: «إنّ الحكومة الفرنسيّة التي دخلت هذه الحرب الحاليّة، للدفاع عن شعب هوجم ظلماً والتي لا تزال تواصل النّضال لضمان انتصار الحقّ على القوة، لا يسعُها إلّا أن تشعر بالعطف على قضيَّتكم التي يرتبط انتصارها بانتصار الحلفاء، إنَّني سعيد لإعطائك مثل هذا التأكيد».
وقليلون جداً في الوطن العربي هم الذين أدركوا صهيونيّة مارك سايكس وجورج بيكو، كما يعترف كريستوفر (ابن مارك سايكس) بصراحة في كتابه الذي صدر عام 1953، ويتناول فيه ريتشارد سبثورب أحد رجال الكنيسة في القرن الماضي، كما تتناول دارسته الأخرى حياة والده مارك (وعنوان كتابه هذا: دارسة مأثرتين) حيث يقول عن والده في جهوده نحو الصهيونيَّة «كان قد اعتنق الصهيونيّة سنة 1915» (أي قبل توقيع المعاهدة بسنة واحدة) اعتناقاً لم يَدْرِ به العرب، وكانت مساعيه من أقوى العوامل في حصول اليهود على وعد بلفور.
كذلك الحال بالنسبة للرَّئيس ويلسون الأميركي صاحب المبادئ الأربعة عشر المتضمِّنة حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، فإنّه لعب دوره الخطير إلى جانب الوطن القومي اليهودي من خلال وعد بلفور وهو الذي قال عن اتفاق سايكس بيكو إنّه ظاهرة من ظواهر الاستعمار وعمل مناقض لحقِّ الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وعن طريق المفاوضات التي جرت بين بريطانيا وأميركا بصدد وعد بلفور والنص الذي يجب أن يصدر به كان للرئيس ويلسون دوره الأول في اختيار الكلمات التي تضمّنها هذا التصريح حيث انتقاها كلمة كلمة، فأتت بما هو معروف اليوم بوعد بلفور وبشكل كتاب رسمي موجّه من بلفور وزير الخارجية البريطانية إلى اللورد روتشيلد الصهيوني، وقد تلقّى ويلسون رئيس الولايات المتحدة من لويد جورج ومن وايزمن نصَّ ما اتُّفق عليه من عبارات وعد بلفور فوافق على ذلك وباركه قبل أن يصدر الوعد رسميّاً في 2 ت2 سنة 1917. وعلى هذا الأساس، كانت أميركا الدّولة الأولى التي اعترفت «بقيام إسرائيل» فور إعلان دافيد بن غوريون عن قيامها 1948. وكذلك كان حال أوّل مندوب سامٍ بريطاني على فلسطين عام 1920، الصهيوني هربرت صموئيل، تمهيداً لقيام هذه الدولة على أرض فلسطين العربيّة تنفيذاً لوصيّة الملك الصليبي لويس التاسع عام 1250، وتقرير كامبل بنرمان 1907… ولقد قال حاييم وايزمن عن هربرت صموئيل: إنه صموئيلنا. نحن عيّنَّاه في هذا المنصب…

رابعاً: أَلَمْ يقُل الجنرال غورو الفرنسيّ أمام قبر صلاح الدّين الأيوبي في دمشق (بعد معركة ميسلون) عام 1925: ها نحن عدنا يا صلاح الدين؟ وكذلك فعل الجنرال اللّنبي حين دخل فلسطين والقدس بعد الحرب العالميّة الأولى ومطلع عهد الإنتداب؟
خامساً: أَلَيْسَ مشروع المستشرق الأميركي برنارد لويس اليوم حول تقسيم الشرق الأوسط بموافقة الكونغرس الأميركي بالإجماع، الدليل الحيّ للحفاظ على أمن وسلامة إسرائيل في المنطقة، والانتقام من معركة حطين وقائدها صلاح الدين الأيوبي في القدس وتهويدها؟

على الصعيد العربي:

أولاً: كان قيام دولة الاحتلال الصهيونيّ على أرض فلسطين العربيّة سنة 1948، ردّاً صليبيّاً جديداً على معركة حطِّين وقائدها الأيوبيّ، واستمراراً للحروب الصليبيّة ومُكَمّلاً لها…
ثانياً: العمل بكلّ الجهود الغربيّة والصهيونيّة على جعل فلسطين «دولة يهوديّة» وتهويد القدس ردَّاً على «مملكة القدس الصليبيّة»… والإبقاء على الشعب العربي والدّول العربيّة في حالة انقسام وتمزّق وتفتيت وخلاف، ليسهل على «إسرائيل» التحكّم بمقاليد الأمور.
ثالثاً: أعادت حرب تشرين الأول 1973 الرّوح إلى معركة حطين… وكان توحيد الجبهة السوريّة المصريّة بقيادة الرئيس حافظ الأسد والرّئيس أنور السادات هو التَّجسيد الحيّ للوحدة السوريّة المصريّة التي أفرزت الانتصار في معركة حطّين… وهذا هو الدرس الهامُّ من «الوحدة السياسيّة والعسكريّة» حيث يستبسل الجنديُّ العربي عندما يتوفّر له القرار السياسيّ بالقتال… وكان من الممكن أن يلاقي الإسرائيليّون نفس الهزيمة الصليبيّة في حطّين، وقد عاشوا حالة الهزيمة هذه بتفاصيلها الدقيقة لولا الجسر الجوّي الأميركي الذي أنقذ أسرائيل من نهاية قاسية… وبدأت التفكير باستخدام السلاح النّووي…
رابعاً: هذا، وفي ذكرى مرور ثمانية قرون على معركة حطين احتفلت القاهرة بهذه الذكرى عبر ندوة فكريّة مهمّة بدعوة من منظّمة تضامن الشعوب الآسيويّة والأفريقيّة تحت عنوان «حطين صلاح الدين ومستقبل العمل العربيّ الموحّد»، شارك فيها عدد كبير من الباحثين والمفكّرين العرب والأجانب، وقد أشرف على التحضير لها أحمد حمروش رئيس اللجنة المصريّة للتضامن من الآسيوي الأفريقي، وعبد المجيد فريد رئيس مركز الدّراسات العربيّة في لندن (شارك فيها: شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وبابا الاسكندرية وبطريرك الكنيسة المرقسيّة البابا شنودة الثالث والكاتب الكبير محمّد حسنين هيكل وعبد الرحمن الشرقاوي وأحمد شوقي ود. عبد العال الصكبان ود. محمّد حسن الزيّات ود. قاسم عبده قاسم…).

على الصعيد الإسرائيلي الصهيوني:

من هذا المنطلق، ليس صدفةً أبداً أن تعمد القيادات الإسرائيلية وبمناسبة مرور 800 عام على معركة حطين، إلى إعداد احتفال أقامته أكاديميّة العلوم التاريخية في تل أبيب: دعت إليه عدداً كبيراً من المؤرخين والأساتذة والباحثين من شتى أنحاء العالم. وهذا نموذج يدلّ على مدى الوعي الصهيوني بأهميّة استخدام التاريخ ضمن أسلحة الصّراع ضد العرب. كذلك كان طبيعيّاً أن يطرح الصهاينة سؤالهم عن الأسباب التي دفعت الصّليبييِّن إلى الجلاء عن بيت المقدس بعد حوالي قرنين من الزمن، كي يتلافَوْا هم، نفس المصير الذي لاقاه الصليبيّون في ذات البلاد التي اغتصبوها باسمهم ضمن عملية الثأر التاريخي. حيث إنّ المكوّنات الأساسيّة بين الحركة الصليبيّة والحركة الصهيونيّة متشابهة.
وقد اكتشف الإسرائيليّون أنّ الصليبييِّن هُزموا وجَلَوْا عن هذه البلاد بسبب الخلافات بين أُمرائهم من جهة، وانقطاع الروابط بينهم وبين القوى التي تزوّدهم بالمال والسلاح وأسباب البقاء، لذلك تعلّمت إسرائيل الدرس وعملت – وتعمل – على إبقاء الروابط الخارجيّة وتدعيمها، ولهذا تشترك في برنامج حرب النجوم الأميركي واتفاقيّة منظَّمة التجارة الحُرّة وتسعى للانضمام إلى الحلف الأطلسيّ… كما يقوم الكيان الصهيونيّ بدرس المستوطنات الصليبيّة بمنظور معاصر ليحاول من خلالها فهم المشكلات التي أدّت إلى فشل الكيان الصليبيّ باعتباره كياناً دخيلاً…

خلاصة عامّة:

في الواقع، إنّ معركة حطّين بالنّسبة إلى الفرنجة كانت أضخم من كارثة حربيّة لأنّه لم ينتج عنها أسر ملكهم وضياع هيبة مملكتهم وسلطتها الفعليّة في فلسطين وحسب، وإنّما نتج عنها نقص واضح في الفرسان المحاربين، بعد أن سقط زهرة فرسانهم بين قتيل وأسير، وهكذا غدت فلسطين عقب معركة حطين في متناول قبضة صلاح الدين، فشرع يفتح البلاد والمدن والثغور الصليبيَّة واحداً بعد آخر، حتى توّج جهاده بتحرير بيت المقدس في سنة 1187، وتابع فتوحاته نحو بيروت حيث كان التنوخيّون الموحّدون في إمارتهم إلى جانبه بقيادة الأمير حِجى وبعد فتحها لمس صلاح الدين رأس حجى قائلاً له «ها نحن أخذنا بثأر آبائك فاطمئِنّ»، ثمّ أقطعه المقاطعات التي كانت لآبائه باستثناء بيروت.
هذا، ولا بدَّ من الإشارة إلى أهمّيّة بيت المقدس في نظر صلاح الدين الأيوبيّ والمسلمين قاطبة، عندما ردّ على الملك الإنكليزي، ريتشارد قلب الأسد أثناء المفاوضات بينهما قائلاً له بشكل قاطع: «أمّا القدس فهو لنا كما هو لكم، وهو عندنا أعظم ممّا عندكم. ففيه مسرى نبيِّنا ومجمعُ الملائكة… فلا تتصوّر أنّنا ننزل عنه! أمّا البلاد فهي لنا في الأصل، واستيلاؤكم عليها كان طارئاً لضعف من كان فيها من المسلمين في ذلك الحين».
فهذه هي رسالة صلاح الدين الأيوبيّ، قبل ثمانمئة وثلاثين عاماً تقريباً. وهي رسالة صالحة لأيّامنا هذه رغم مرور هذه المدّة من‎ الزّمن… ونقول: ما أشبه اللّيلةَ بالبارحة… بمعنى: أنَّ بلاد العرب للعرب وحدَهم وأنّ وجود الصهيونييِّن ظاهرة شاذَّة كوجود الصليبييِّن بالأمس.
وهدف الرسالة هو توحيد الصّفوف وجمع كلمة العرب لكي نفوّت الفرصة على الصهيونيّة ومن ورائها الاستعمار، ويُقضى على كلّ نفوذ أجنبي القضاء النهائي.
ويبقى أخيراً سؤالُنا الكبير: متى يستفيق العرب، ومتى يتعلّمون الدّرس والعِبرة من معركة حطِّين، وصلاح الدين الأيوبيّ ويجسّدونها عملياً على الجغرافيا نفسها لتخدم التاريخ نفسه؟ مع إيماننا العميق بأنّ الأمّة التي أنجبت صلاح الدّين الأيوبيّ قادرة على أن تأتي بأمثاله… ونحن شعب محكومٌ بالأمل شرط ألّا يدبّ اليأس والإحباط إلى القلوب والإرادات…


المراجع:

1- ابن الأثير «الكامل في التاريخ»، القاهرة 1303هـ. ‎
2- أبو شامة «أزهار الرّوضتين في أخبار الدّولتين»، القاهرة 1287 هـ.
3- الموسوعة العسكريّة. الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1977، الطبعة الثانية 1981، ص 821-822.
4- الموسوعة الفلسطينية / أنيس صايغ / دمشق 1984، ص 249-250.
5- صبحي عبد الحميد «معارك العرب الحاسمة»، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، طبعة ثانية 1980، ص 112-130.
6- السيد فرج «أدهى رجال الحرب في الشرق والغرب»، مطبوعات دار الشعب، القاهرة، 1970، ص 119-131.
7- خالد الفيشاوي «800 عام على حطّين، صلاح الدين الأيوبي والعمل العربي الموحد» مجلّة «الفكر الاستراتيجي العربي»، العددان 21-22 تموز – تشرين الأول 1987، ص 295-204.
8- مجلّة «المنابر» البيروتية.
9- مجلّة «الجيل» (قبرص)، العدد 9 أيلول 1987. ص 90-97. وهاميلتون جيب «التيارات الحديثة في الإسلام» (Modern Frends of Islam) («الجيل»، المرجع السابق، ص 72).
10- قدري قلعجي «صلاح الدين الأيوبي»، دار الكاتب العربي، بيروت، 1966.
11- السير هاملتون جيب «صلاح الدين الأيوبي»، دراسات في التاريخ الإسلامي»، حرّرها يوسف إيبش، المؤسسة العربية ‎ ‏للدراسات والنشر، بيروت، 1966.
12- إرنست باركر «الحروب الصليبيّة» تعريب الدكتور السيد الباز العريني، بيروت، دار النهضة العربية 1967، ص 180 -182.‎ ‏ ‎

اخلاقيات الاعلام في لبنان بين الممارسة و التنظيم

عندما تنوي الحديث عن واقع أخلاقيات الإعلام، أول ما يستوقفك مشهد الناس في المقاهي والتجمعات ووسائل النقل وصالات الانتظار والاماكن الاخرى، وهم منهمكون بحواسيبهم وهواتفهم النقّالة، غير آبه اي فرد منهم بمن وما يحيط به، وتصدمك من ناحية ثانية، اجابة “لا اعرف “على سؤال “ما هي الاخلاق؟” لبومهارت، أحد علماء الاجتماع، من قبل مجموعة وازنة من أبرز اصحاب المؤسسات المختلفة ورجال الاعمال المعاصرين (1).
يدفع هذا المشهد الاتصالي وهذه الاجابة عن الاخلاق الى مراجعة نقدية لمحدّدات وتعريفات ومبادئ الاخلاق والاعلام او ما يعرف بأخلاقيات الاعلام، ومقاربة هذه المفاهيم والمحدّدات مع الواقع الاعلامي في لبنان ومدى التزامه بالاخلاقيات المنصوص عنها او المتعارف عليها، والتعرّف على الاسباب الكامنة وراء الانتهاكات المفترضة لاخلاقيات الاعلام، ومحاولة تصويب وتوضيح بعض النقاط الملتبسة وايجاد بعض الافكار التي قد تفيد او تساهم على الاقل، في تخفيف حدة هذه الانتهاكات.
ان الغاية من اخلاقيات الاعلام في اي مكان، هي حماية المجتمع وكذلك المؤسسات الاعلامية والعاملين في المجال الاعلامي من الانحراف والممارسات غير الاخلاقية (تجاوز آداب الكلام والملابس)، وذلك من خلال وضع ضوابط وقواعد ومعايير اخلاقية لسلوك المؤسسات الاعلامية وشروط ممارسة اعمالها. وهذه الشروط والمعايير تشكل جزءا من الفكر والوعي الاخلاقي(2)، الذي تسترشد المؤسسات الاعلامية به اثناء قيامها بعملها وممارستها لدورها، ويقيّم السلوك الاخلاقي للمؤسسة الاعلامية بمقارنة وعيها الاخلاقي مع ادائها وواقعها العملي.

 يبلغ عدد المستخدمين للإنترنت في لبنان حوالي اربعة ملايين مستخدم، اي نسبة 89,9%، وهذا ما يؤشر الى تراجع تأثير الاعّلام التقليدي، وبداية هيمنة الاعلام الالكتروني
يبلغ عدد المستخدمين للإنترنت في لبنان حوالي اربعة ملايين مستخدم، اي نسبة 89,9%، وهذا ما يؤشر الى تراجع تأثير الاعّلام التقليدي، وبداية هيمنة الاعلام الالكتروني

الوعي الاخلاقي للاعلام اللبناني
( مبادئ وافكار ومواثيق اخلاقية)
ان اخلاقيات الاعلام هي مجموعة اخلاق اعلامية جامعة، متنوعة ومتفاعلة ضمن مكوّن الاخلاقيات، وتتضمن اخلاقا اعلامية عامة (النزاهة والصدق والامانة والاخلاص..) ومبادئ مهنية لا يمكن فصلها عن الاخلاقيات مثل الموضوعية، المسؤولية، الاستقلالية، الجرأة … وعدم التفريط بحق الاعلام كسلطة رابعة في مراقبة السلطات الاخرى ومواكبة المسائل والقضايا التي تهم الناس و”تعبر عن ميولهم وروحهم وعقليتهم واتجاهاتهم” (3).
وتضمنت اول شرعة لبنانية للاخلاق المهنية الصحفية (1974)” تتجنب المطبوعة نشر المواد التي من شانها تشجيع الرذيلة والجريمة…وتتجنب نشر الانباء غير الموثوق بصحتها…والتعصب واثارة النعرات وتتحاشى القدح والذم والتحقير… وتتجنّب عدم الافتراء والاتهام الباطل … والشتم والتهويل والابتزاز…وتعتبر المصلحة العامة قبل السبق الصحافي … ولا تلجأ الصحف الى وسائل غير مشروعة لاقتناص المعلومات، والحرص على عدم البوح بمصادر المعلومات ، و احترام خصوصيات الافراد والجماعات” … كما ركز اول ميثاق شرف تضعه وسائل الاعلام المرئية والمسموعة(1992) على “التزام الرقابة الذاتية وما يضمن عدم المس بالاخلاق والاداب العامة..”(4).
تشمل اخلاقيات الاعلام ايضا، أخلاقا اعلامية وطنية وسياسية او خطوطاً حمراء اعلامية (5) مثل (عدم بث او نشر ما يعكّر الاستقرار والسلامة العامة، عدم بث ونشر ما يثير النعرات الطائفية والعنصرية، عدم التعرض لكل ما يعرّض لبنان الدولة ووحدتها وسيادتها وحدودها، وما يعكر علاقات لبنان الخارجية، وكل ما يلحق الاذى بمعنويات القوى المسلحة ولا سيما خلال الحرب، وكل ما يمس بكرامة الرؤساء والمرجعيات…(6)
وهناك اخلاق اجتماعية وثقافية للإعلام، مثل: (المسؤولية الاجتماعية والاخلاقية عن كل ما يصدر من مواد وبرامج اعلامية، وعدم بث او نشر كل ما يمس او يتعلق بخصوصيات الافراد والامن العائلي، والمعتقدات والاديان) واخلاق اعلامية قانونية وادارية مثل: (الامتناع عن نشر وبث تحقيقات او قرارات سياسية وادارية وحكومية قبل ان تعلن رسميا، وعدم نشر او بث وقائع تحقيقات التفتيش المركزي المالي والعدلي السرية الطابع). (7)
مظاهر ازمة الاخلاقيات المتفاقمة: عندما ننتقل الى مرحلة المقارنة بين مستوى الفكر والوعي الاخلاقي للإعلام في لبنان، ومستوى السلوك الاخلاقي من جهة ثانية، يرتسم امامنا مشهد مقلق لأخلاقيات الاعلام بمختلف مكوناتها: فعلى مستوى الاداء السياسي للاعلام تكثر الحريات الاعلامية والصحفية، وتغيب الصحافة الحرة والمستقلة في ضؤ غياب التمويل الذاتي الذي دفع الاعلام الى موقع المرتهن للقوى السياسية والطائفية والمالية. وبدل ان ينقل الاعلام الى السياسة قيم الصدق والمكاشفة وقول الحقيقة، انتقلت امراض اهل السياسة الى الاعلام: اصطفافات طائفية … فسيفساء مذهبية، واصبحت وسائل الاعلام كجوقات الزجل او “كومبارس” لدى السياسيين في هذا الاتجاه او ذاك. (8)
وقد تحولت مقدمات الاخبار والبرامج السياسية الى صدى لقوى الامر الواقع، رعاة واصحاب المؤسسات الاعلامية، منتهكة بذلك مبادئ المسؤولية والموضوعية والاستقلالية وتجاوز الخطوط الحمراء، بتعرّض كثير من البرامج الاعلامية، الى سلامة البلاد وسيادتها ووحدتها، واثارة النعرات الطائفية (لا محظورات او خطوط حمراء امام البرامج السياسية في المحطات اللبنانية …) وأكثر من مرة اهتز الامن وانفلت الشارع وشارف على الانفجار بسبب برنامج تلفزيوني ساخر او فيديو الكتروني مسرب…
كما تأثّرت اخلاقيات الاعلام بتحوّل محطات التلفزة، الى منصّات متقابلة، متنافسة حينا ومتواجهة احيانا، تتقاذف الاتهامات والافتراءات من خلال البرامج السياسية العالية النبرة، و”الاسكتشات” الساخرة مثل (بسمات وطن، ما في متلو، كتير سلبي،…)، مع ما تستعمله هذه البرامج، من مفردات والفاظ وعبارات شارعيه، وصور ومشاهد وايحاءات بعيدة كل البعد، عن تقاليد الاعلام الرصين وتراث اللبنانيين واخلاقياتهم.
وعلى مستوى الاخلاق الاجتماعية والثقافية، هناك ظاهرة اعلامية تتجاوز الخطوط الحمراء ايضا، وتتمثل بتمادي الاعلام في لبنان، في “مسرحة” شاشات التلفزة، وذلك عن طريق نقل المسرحيات “الفاقعة” بإيحاءاتها الى البيوت والعائلات كما هي ومن دون اية مونتاج او “فلترة”. والامر ذاته يحصل مع بعض الفيديوهات التي تتداولها المواقع الالكترونية ويتلقفها الاعلام التلفزيوني من دون اية مراعاة للبعد الاخلاقي.

تحوّلت محطات التلفزة منصّات متقابلة، تتقاذف الاتهامات والافتراءات
تحوّلت محطات التلفزة منصّات متقابلة، تتقاذف الاتهامات والافتراءات

وتبيّن دراسة عن ثقافة المجتمع اللبناني الاستهلاكية (9)، انه مجتمع استهلاكي بامتياز، يعيش”هوس الاستهلاك” الذي تعود اسبابه الى تزايد دور سياسات الترويج والاعلان المعتمدة من قبل شركات الانتاج والتوزيع. فاللبناني بحسب هذه الدراسة يصرف الغالي والنفيس من اجل شراء تلفزيون وفيديو او جهاز خليوي، لكنه ضعيف في استهلاكه الثقافي الاساسي، وبالإمكان القول انه يعيش “تنبلة” ثقافية مزمنة.
وتبيّن الدراسة نفسها ان اغلب المستجوبين افادوا بان مستواهم التعليمي هو جامعي وان 93% منهم من محبي المطالعة، بينما تسجل المكتبات العامة ما يشبه الكساد وتشكو اسواق معارض الكتب من قلة المشترين. وهذا ما يفسر رواج “البرستيج” / المظهر/ الذي تساهم وسائل الاعلام والاعلان في ترسيخه وتنميطه، كأحد اهم دوافع الاستهلاك عند اللبنانيين.

ميثاق الشرف الإعلامي الذي أطلقته المواقع الالكترونية اللبنانية في 3 شباط/فبراير 2016 وتناول المبادئ العامة لعملها، فهل يُعمل به؟
ميثاق الشرف الإعلامي الذي أطلقته المواقع الالكترونية اللبنانية
في 3 شباط/فبراير 2016 وتناول المبادئ العامة لعملها، فهل يُعمل به؟

 

يبلغ عدد المستخدمين للانترنت في لبنان نحو أربعة ملايين مستخدم، اي نسبة 89,9%

لقد أصبح الاعلان في الاعلام اللبناني صناعة همها فقط، الربح على حساب الضوابط الثقافية والاخلاقية. وزادت نسبة التلوث البصري الذي يسببه الاعلان (المعدل العالمي للاعلان 6 دقائق في الساعة وفي لبنان 14,5 د بالساعة) هذا بالإضافة الى فوضى الملصقات واللوحات الاعلانية المنتشرة في كل مكان. وبيّنت دراسة احصائية للإعلان على احدى محطات التلفزة اللبنانية: بث 123 اعلان بـ 58 د، خلال 4 ساعات بث تلفزيوني. وتضمنّت هذه الاعلانات خمور 5 %، سجائر 6%، ظهور المرأة 84% ومشاهد وايحاءات جنسية. كما اظهرت هذه الدراسة تعرض 89,6% من الاطفال بصفة منتظمة لمثل هذه الاعلانات.(10)
ولا يقل اهمية، عن التلوث البصري، التلوث اللغوي الذي يسببه الاعلان. فقد بينّ استطلاع ميداني تضمنته دراسة بعنوان: اللغة الرديئة للإعلان: اشكالية التعبير(11)، ان أكثر من 59 % من افراد العينة اعتبروا ان الثقافة هي المتضرر الاول من تدهور اللغة التي تعتبر روح الثقافة. و76% يعتقدون ان الفئة العمرية الاكثر تاثرا باللغة الاعلانية هي ما بين 10الى 20سنة. ووصف 79 % من العينة اللغة المستخدمة في الاعلان بالرديئة والمهجّنة للغة العربية.
ففي خضم الزخم الاعلاني، اجتاحت الاعلانات لغة بات من الصعب تسميتها بالعربية، هي لغة هجينة تمزج بين العامية التي يتدنى مستواها احيانا الى السوقية، وبين الكتابة الخطأ وبين المزج بين اللغة العربية والاجنبية. ومن نماذج هذه اللغة:
ـ وطنك …ألبك …. بالألب يا وطن (قلبك) (12)
وكان بالإمكان ببساطة ترك النص كما هو في العربية: وطنك قلبك، بالقلب يا وطن.

لا محظورات او خطوط حمراء امام البرامج السياسية
لا محظورات او خطوط حمراء امام البرامج السياسية

ويضاف الى الاعلام الاعلاني وملوثاته، تلك البرامج والافلام الكثيرة التي تبدو في مظهرها مسلية وهادفة اجتماعيا، ولكن في الواقع، تحمل في طياتها شحنات ومشاهد ومواقف وقيما هدّامة وبالأخص لجيل المراهقين والشباب. ومن بين هذه البرامج تلك التي لم تكتف بالقليل من المشاهد الموحية، فراحت تلجأ الى الايحاءات الجنسية المباشرة والسافرة مثل برنامج (نقشت) على شاشة ال د س. وغيره.
كما ان هناك من المسلسلات التي تمتعّت باعلى “رايتنغ” مشاهدة في الموسمين، مثل مسلسل “الهيبة” على الام ت ف، والذي تجاوز كل الخطوط الحمر في اسقاطه لهيبة المجتمع والدولة امام هيبة شيخ الجبل، شيخ الحصن المنيع لتجارة المخدرات. “جبل” الذي أبرزه المسلسل كرجل جبار، وفاتن وجذاب وقادر رغم كل ارتكاباته وجرائمه، ان يفلت من قبضة الدولة والعدالة ويستمر شيخاً للجبل يخشاه الجميع. ولقد تجلّى الانتهاك الصارخ لأخلاقيات الاعلام بإظهار شخصية “جبل”، تاجر المخدرات، على صورة فارس نبيل ومقدام يدغدغ احلام ومخيلة الكبار والصغار.

يبقى الأخطر في هذا المجال، تصاعد تاثير الاعلام الالكتروني والتفاعلي الحديث، والانتشار السريع والكثيف للمواقع الالكترونية المحلية والعالمية، ومن بينها مواقع لا حسيب ولا رقيب على اصحابها والقيمين عليها، ولا قدرة على الضبط الكامل لعمليات تلقيها، وبالمقابل، غياب الجهود الجدية لمواجهة اخطارها، لا سيما وان هذه الوسائل الحديثة تتميز بالتفاعلية والانتشار غير المحدود و”بالتفتيت والفردانية واللاّتزامنية وقابلية التحميل والتحويل والتوصيل”(13).
وتشير الارقام الى انتشار الاعلام الالكتروني في لبنان بوتائر سريعة، ففي عام 2007 بلغ عدد المستخدمين للإنترنت باللغة العربية 28 مليون ونصف المليون، ومن بينهم 600 ألف مستخدم في لبنان اي نسبة 15,4% من عدد السكان(14)، واليوم، اي بعد 11 سنة تقريبا، يبلغ عدد المستخدمين للإنترنت في لبنان نحو اربعة ملايين مستخدم، أي نسبة 89,9% (15)، وهذا ما يؤشر الى تراجع تأثير الاعّلام التقليدي، وبداية هيمنة الاعلام الالكتروني، الامر الذي بات يتطلب جهودا حثيثة وسريعة لمواكبة هذه التطور.
ومن المظاهر المعبرة عن ازمة الاخلاق المتفاقمة على مستوى القيم، دور اعلام الإنترنت والفيديو الذي يعمل في ظل غبار المعارك السياسية، ويجري كالنعاس تحت قعر المجتمع، والذي يوشك ان يدمر الفئة العمرية الشابة. والخطير في الموضوع ان الطبق الرئيسي لإعلام الانترنت والفيديو، الترويج لأنواع من أنشطة الترفيه في لبنان، تسيء الى صورة لبنان والمرأة اللبنانية وقيم المجتمع اللبناني، والعدد المخيف لزوار هذه المواقع داخل لبنان وخارجه.(16)
ومن مظاهر ازمة الاخلاقيات ايضا، انكفاء الاعلام وعدم اضطلاعه بالمسؤولية الاخلاقية تجاه مسائل خطيرة كالمخدرات. وفي هذا السياق، تبيّن دراسة احصائية ان 25% من الشباب اللبناني، جربوا المخدرات مرة او اكثر(17). وينسحب الانكفاء الاعلامي على مسائل اخرى مهمة كعدم تطبيق المادة 30 من قانون المرئي والمسموع التي تلزم الاعلام بث برامج للمصلحة العامة والتقارب والتلاقي بين اللبنانيين (18).
وينبري هذا الاعلام بالمقابل، وفي معرض التنافس على “السكوب” الاعلامي، الى خرق خطوط حمراء قانونية وادارية، بنشر وثائق وقرارات ومحاضر تحقيقات لها طابع سري او قبل ان تعلن رسميا، وذلك بشكل مخالف للأصول المهنية والاخلاقية، ولعل فضيحة الفضائح في هذا المجال، في الفترة الاخيرة، طريقة تعامل الاعلام في لبنان مع قضية المسرحي زياد عيتاني.

التلاعب بالصورة يمكنه ان يظهر قصة مختلفة كلياً عن الحقيقة
التلاعب بالصورة يمكنه ان يظهر قصة مختلفة كلياً عن الحقيقة

اسباب تفاقم أزمة اخلاقيات الاعلام
هناك العديد من الاسباب التي جرى استخلاصها من خلال هذه الدراسة، وكان لها دورها في تراجع اخلاقيات الاعلام ويمكن ايجازها كما يلي:
֍ التناقض بين الطبيعة المستقرة نسبيا، للثقافة ” المقيمة” (العادات والتقاليد والمفاهيم والافكار واللغة)، والوتيرة المتسارعة لتطور التكنولوجيا “الوافدة” (تكنولوجيا الاتصال والمعلومات).
֍ انفجار ثورة المعلومات وطفرة التكنولوجيا وتجاوزها حدود الدول وتشريعاتها وثقافاتها ومعتقداتها وتأثيرها النوعي والكمي على شكل المادة الاعلامية ومحتواها.
֍ تأثّر الواقع الاعلامي بالواقع السياسي اللبناني وتبعية الاعلام مادياً وسياسياً للقوى السياسية النافذة.
֍ القمع السافر من خلال مسلسل اغتيال صحفيين وترهيبهم، والمقنّع من خلال امتناع بعض المحطات التوقيع على ميثاق شرف اعلامي لحماية الصحفيين، وقبول صحفيين تحويل الاعلام منصات طائفية، او لعب دور الامن في الاعلام او تسلل امنيين للعب دور اعلاميين..
֍ عدم وجود ضوابط قانونية واخلاقية وتقنية كافية للحد من التلوث الاعلامي والاعلاني البصري واللغوي، وتأثيرهما السلبي على ثقافة المجتمع من خلال التأثير على الاطفال والشباب.
֍ انكفاء الاعلام وعدم قيامه بمسؤوليته ودوره الطبيعي تجاه القضايا والأحداث التي لها اهميّتها وأولويّتها في حياة الناس.
֍ المعالجة الرقمية للصورة وما تعنيه من انقضاء لعهد الصورة “البريئة” والصادقة وبداية لعهد الصورة المعدّلة والمركّبة والمشكوك بصدقيّتها.
֍ طغيان تكنولوجيا الاتصال الوافدة وتحكمها المتزايد بالسلوك الإتصالي للأجيال الفتية والصاعدة في مجتمعاتنا، في حين تواكب دول المنشأ، التطور التكنولوجي باستخدام الضوابط القانونية (19) والتقنية اللازمة لحماية مجتمعاتها.

احد البرامج التي لجأت الى الايحاءات الجنسية المباشرة والسافرة لزيادة نسبة المشاهدة
احد البرامج التي لجأت الى الايحاءات الجنسية المباشرة والسافرة لزيادة نسبة المشاهدة

 

نتانج ومقترحات
يتبيّن بنتيجة هذه الدراسة، انه لا يوجد في لبنان ميثاق اعلامي واحد عصري ومتكامل، وبان هناك فجوة واسعة، تزداد اتساعا بين المواثيق، المبادئ، الضوابط والخطوط الحمراء الاعلامية الموجودة، وبين السلوك والاداء الاعلامي والاعلاني، وبان هناك مخاطر جديدة وجديّة تتمثل بالطفرة التكنولوجية الوافدة وبالاخص طفرة الاعلام الالكتروني، وتقابل بالتجاهل او التعامل الانفعالي غير الحرفي أو المدروس على جميع المستويات.
كما يتضح مما سبق، ان هناك لأساب مادية وغير مادية، ما يشبه التواطؤ من قبل الاعلام، مع المجتمع السياسي الطائفي ومجتمع الأعمال بأشكاله الظاهرة والخفية، وكذلك هناك شعور بغياب الحماية او الحصانة سببه وجود ملامح للقمع السافر او المقنّع بحق الاعلاميين.

تعبّر النتائج المذكورة عن وجود ازمة حقيقية في اخلاقيات الاعلام في لبنان، تستدعي معالجة لا تحتمل التأجيل، وتتطلّب متابعة مشتركة وحثيثة من قبل اصحاب الشأن الاعلامي، التقليدي والاتصالي الحديث، والمرجعيات الثقافية والتربوية والاجتماعية والعلمية، وبرعاية مباشرة وفاعلة من قبل الدولة والجهات الحكومية المعنية والمختصة. ويجب ان تكون اولوية العمل والجهد المشترك، ايجاد ميثاق اعلامي، اتصالي ـ تفاعلي حديث، يتيح الافادة من الطفرة التكنولوجية الوافدة بما لا يلحق الضرر بمقومات لبنان الثقافية والاجتماعية، وياخذ بعين الاعتبار الملاحظات الأخرى المهمة التي سبق ذكرها.

دور جبل عامل في تشكيل دولة لبنان الكبير

لم تكن رؤى الفرنسييِّن واللّبنانييِّن مُتطابقةً حول توسيع «لبنان الكبير» إلى «حدوده التاريخية»؛ وذلك تبعاً للأوّليات السياسيّة والاقتصاديّة والديمغرافيّة لكلٍّ من الطّرفين. فَحَوْل ضمّ الأقضية الأربعة: حاصبيّا وراشيّا والبقاع وبَعْلبَكَّ في الشّرق، وسهول عكّار في الشّمال، إلى لبنان كان التّوافق بينهم كاملاً، بحُكم التقاء المصالح. كتب روبير دوكي إلى ميللران، يقول: إنّ امتداد حدود لبنان إلى أقضية راشيّا وحاصبيّا «أمر ضروري لأنّ الأمانيَّ اللُّبنانيَّة لا يمكن تلبيتها دون إلحاق البقاع بلبنان. ومن حسنات هذا الإلحاق أنّه، على الأقل، يطرد منها السّلطات الشريفيّة،(يقصد الحكومة العربيّة في دمشق عام 1919) فضلاً عن أنّه يسهّل لنا تقطيع أوصال الدّولة الشّريفيّة»؛ فجرى ضمُّ البقاع إلى «لبنان الكبير» في «إعلان زحلة» في 3 آب 1920.
كذلك كان التّوافق الفرنسيّ اللّبنانيّ تامّاً على فصل مدينتيْ طرابلس الشام وبيروت عن الدّاخل السوريّ، ولكنّ التّباين كان حول صلتهما بـ «لبنان الكبير»: أيكون إلحاقاً كُلِّيّاً أم استلحاقاً جزئيّاً يُحافظ لهما على بعض الاستقلاليّة البلديّة الموسّعة Municipe. وبعد مشاورات بين المسؤولين الفرنسييِّن في بيروت وباريس، قرّر ميللران ربطهما بـ «لبنان الكبير» ربطاً تامّاً، على أن تحتفظا، مرحليّاً، «باستقلال بلدي واسع… كمُستَلحَقَتيْن مستقلَّتَين Municipes».(1)

ضمّ جبل عامل إلى «لبنان الكبير»:
خيارات واحتمالات
أمّا التّناقض الأكبر بين المصالح الفرنسيّة واللّبنانيّة فكان جَلِيّاً حول موضوع ضمّ جبل عامل، بكلّيّته أو بجزء منه، إلى «لبنان الكبير». فالفرنسيّون كانوا يقدّمون المصالح السياسيّة ـ الاقتصاديّة على ما عداها، لذلك رغبوا بالبقاء على حدود خط سايكس ـ بيكو، شماليّ عكّا، محتفظين بكامل جبل عامل؛ كونه المورد الزّراعي، واليد العاملة الرّخيصة، والمصدر الضّريبي الهامّ. هذا فضلاً عن دوافع تنافسهم الاستعماريّ مع الإنكليز المُتعاطفين مع الصّهيونيّة وأطماعها في فِلِسطين، كوطن قوميّ يهوديّ يصل بحدوده الشّماليّة حتى نهر اللّيطاني.
أمّا سُكّان جبل لبنان فكانوا يَرَوْن الأمور بالمنظار الديموغرافيّ الطائفيّ، فاعتبروا جبل عامل، بأغلبيّته الإسلاميّة الشيعيّة، ثقلاً إسلاميّاً خطراً. وكان الإكليروس المارونيّ «مُعادياً لأيِّ إلحاقٍ يُدْخِل في لبنان الكبير عناصر سُكّانيّة تُشكّل ثِقلاً موازناً للأكثرية المارونيّة… وخصوصاً سنجق صيدا [جبل عامل] الذي يُدخل إلى لبنان نحو80 ـ 90 ألف متْوالي، يقطنون في بلاد صور وصيدون»(2). هذا ما يفسّر كَون المذكّرات اللّبنانيّة إلى مؤتمر الصّلح عام 1919كانت، جميعها، تصل بحدود لبنان الجنوبيّة حتّى مجرى اللّيطاني فقط، مع تطاول محدود في الزّاوية الجنوبيّة الشرقيّة، كي يشمل المسيحييِّن في قضاءيْ مرجعيون وحاصبيّا فحسب (3).
هذا المعيار الطّائفي لم يكن في حسبان الفرنسييِّن البتَّة، إذ ظهر تمسّكهم بمناطق جبل عامل والبقاع بمسلميهما، وتهاودهم بطرابلس وبعض عكّار بمسيحييّهما، ما دفع المطران عبدالله الخوري إلى أنْ يعبِّر للبطريرك الحْوَيِّك عن مخاوفه بقوله: «نخشى أن نُعطى جنوب لبنان الحالي مع البقاع الغربيّ فقط دون بَعْلَبَكَّ والبقاع الشرقيّ، وأن نُحْرَم طرابلس ونصارى عكّار. ألْفَتْنا [الفرنسييِّن] إلى عدم موافقة إلحاق نحو سبعين ألف متْوالي من الجنوب في لبنان، وترْك مسيحيّي البقاع وعكّار خارجين عنه، وقد بُلّغْنا أنَّ رأي غورو هو المُعَوَّل عليه هنا»(4).

البطريرك الماروني الياس الحْوَيِّك
البطريرك الماروني الياس الحْوَيِّك

ومهما يكن، فإنّ التّقارير المُتَبادلة بين باريس وبيروت تُبيِّن أنَّ المسؤولين الفرنسييّن كانوا أمام مُسَلّمة فرنسيّة ثابتة، وهي: الاحتفاظ بجبل عامل، بكامله، ضمن منطقة النفوذ الفرنسيّ في سوريا، مهما بلغت الأطماع الإنكليزيّة ـ الصهيونيّة فيه، والتحفّظات اللبنانيّة عليه. ففي رأى دوكي: إنّ سنجق صيدا (جبل عامل) «يجب أن يتبع في كلّ الحالات، كما لبنان وبيروت، للسّيادة الفرنسيّة نفسها. فهو بلاد ساحليّة، وإنها لَفُرصة مُؤاتية لضمّها إلى الدّاخل [السوريّ ـ اللّبنانيّ]»، مرّةً وإلى الأبد (5).

مع هذا الحرص الفرنسيّ، كان جبل عامل أمام احتمالين:
أ ــ ضمّ جبل عامل كُلّيّاً إلى لبنان. يقول دوكي، مهندس تجزئة سوريا: « يجب أن نتوق، بأكثر قدر مُمْكن، إلى ضمّ سنجق صيدا إلى لبنان». ولكنّ اعتراضات بعض اللبنانييِّن على جزء من هذا الضمّ، ومطالبتهم بالمناطق الواقعة شماليّ اللّيطانيّ فقط، جعلت جبل عامل أمام احتمال آخر، احتمال الضّمّ الجزئي إلى لبنان(6).
ب ــ ضَمّ جبل عامل جزئيّاً إلى لبنان، أي تقسيمه إلى منطقتين

الجنرال الفرنسي هنري غورو، الذي كان لاعباً أساسياً في تقسيم المنطقة
الجنرال الفرنسي هنري غورو، الذي كان لاعباً أساسياً في تقسيم المنطقة
الخيام ، محافظة النبطية
الخيام ، محافظة النبطية

وكيانين، الأمر الذي استبعده دوكي بقوله: «ليس بالإمكان توسيع لبنان حتى مجرى الليطاني الأدنى، كما يريد عدد من اللبنانييّن.حيث أنّ صعود الحدود الفلسطينيّة حتى اللّيطاني تقريباً، يقطع الاتّصال والتّواصل بين صيدا والدّاخل العامليّ، وبين شماليّ فِلِسطين وجنوبي لبنان»، وبذلك نقسم «البلاد المتْوالية إلى قسمين، فتقتصر هذه على قضاء صور فحسب»(7).
كذلك أكد الجنرال غورو للرّئيس ميللران على وحدة جبل عامل بقوله: «إن أحداث شهر أيار الأخير تُظهر بجلاء الوحدة السياسيّة والدينيّة لهذه الجماعة [العامليّة]». ويتابع: إنّ هذا المخطّط التقسيميّ لا يراعي لا الاعتبارات الدّينيّة الشيعيّة، ولا الأبعاد السياسيّة والإداريّة والجغرافيّة الخاصّة بالمِنطقة، ولا المصالح الفرنسيّة في البلاد. وموضوعيّاً، «إنّ هذا التّجمّع الشيعيّ في بلاد بشارة، الذي يشكّل كلاًّ سياسيّاً مُتجانساً ومُتَماسكاً مُرتبطاً بصور وصيدا، سيجد نفسه مقسوماً إلى قسـمين. إنّ هـذا التّخطيط يُقيم سَدّاً وسط هذا التجمّع السياسيّ والدينيّ ذي العادات والتّقاليد والمصالح المُشتركة».
ويتابع غورو القول: من الناحية الدينيّة، «إنّ مراكز الجذب الطبيعيّ للشّيعة هي صور [مركز الزّعيم الدينيّ السيد عبد الحُسَين شرف الدين] والنبطيّة [مركز احتفالات عاشوراء] (وهذه نقاط تبقى لنا) ـ يقول غورو ـ ثم إنّ هذه المِنطقة الأخيرة هي مـركز ديـني هام، حيث تُقام كلّ عام احتفالات العاشوراء التي تجذب السُّكّان من كلّ المناطق الشيعيّة». إنّ ردَّ الشّيعة على هذا التّقسيم «سيُعَرِّضنا نحن والإنكليز للصّعوبات، إذ سينتفضون علينا جميعاً». كذلك بالنّسبة إلى المسيحييِّن، فإنّ هذا المُخَطّط يقتطع «مناطق مسيحيّة من أبرشية صور».

وينتقل غورو إلى لُعبة المصالح والاقتصاد، فَيَرى أنّ هذا التّقسيم، فضلاً عن أنّه مُغاير لكلّ منطق، يخلق مشاكل سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة كثيرة، يطال بعضها المصالح الفرنسيّة نفسها. فمن النّاحيتين السياسيّة والاقتصاديّة، إنّ هذا المُخَطط يَبْتر دائرَتَيْ صور ومرجعيون، ويقتطع من منطقة النفوذ الفرنسي أراضيَ خصبة، ويجعل للملّاك العقاريين في جبل عامل: من بيروتييّن وصيداوييّن وصوريين ومرجعيونييّن علاقات متداخلة مع سوريا وفلسطين في آن، وستتبع السجلات العقارية والضريبية إلى دولتين؛ وبحكم القيود الجمركية فإنَّ محاصيل جبل عامل سَتَتّجه كُليّاً نحو فلسطين، وفي ذلك مكاسب للإنكليز وخسائر للفرنسييِّن.(8)
هذه المضاعفات السّلبيّة للتّقسيم فَرضت الإبقاء على «وحدة الأراضي العامليّة»، ضمن مِنطقة الانتداب الفرنسيّ، وجعلت جبل عامل ، من جديد، أمامَ احتمالاتٍ ثلاثة(9)
1- الاحتمال الأساس «بضمّ سنجق صيدا كلّه إلى لبنان»… خلافاً للتّحفًّظات اللّبنانيّة.
2- ضَمّ جبل عامل بكامله إلى الدّاخل السّوري، وهو مرفوض فرنسيّاً لأنّه يقوّيّ التيّار العروبيّ.
3- احتمال جديد، بِجَعْل جبل عامل «كياناً مستقلاًّ استقلالاً مُطلقاً»، أو «مستقلاً استقلالاً ذاتياً إلى جانب لبنان ومُفَدْرلاً معه»؛ ودائماً ضمن منطقة النّفوذ الفرنسيّ.
هذا الاحتمال الجديد لجبل عامل « بِكِيان ذاتيّ مستقل استقلالاً مُطْلقاً» كان حُلماً للعامليين. فمجلّة «العرفان» طالما تبنّت عراقة هذا الجبل بالاستقلال الذاتيّ، «واحتفاظه باستقلاله وإمارة أمرائه ردحاً طويلاً من الزمن، وعُرف سكانه بإباء الضيم والشجاعة»(10). وصحيفة «الحقيقة» تقول: «بَلَغَنا من مصدر ثقة أنَّ رؤساء وعقـلاء جبل عامل يطلبون المحافظة على بلادهم، وعدم انضمامها إلى بقعة أخرى، بل يرغبون في توسيعها»(11).

مقتطفات من تقرير غورو إلى ميلليران في 3 تموز 1920
مقتطفات من تقرير غورو
إلى ميلليران في 3 تموز 1920

ولكنّ العاملييّن، في نزعتهم الاستقلالية هذه، لم يكونوا مُدركين إلّا جانباً من المِشكِل، هو استقلالهم في جبلهم عن محيطهم، ولكنهم كانوا ساهين عن مصيرهم المحفوف بالمخاطر، إلى جوار الصهيونية الطامعة بضم بلدهم إلى فلسطين، الأمر الذي التفت إليه سكرتير المفوضية الفرنسية (روبير دو كي)، وإن يكن من باب الحفاظ على المصالح الفرنسيّة أكثر منه حفاظاً على سلامة جبل عامل. ففي تقـريره إلى ميللران في 17 تموز 1920، يقول ( دو كي):
«دون أي شك، يمكن تشكيل دويلة متْواليّة صغيرة في هذا البلد، بعد إعطاء ضمانات للأقلية المسيحية فيه، إنما يمكن أن يكون لذلك مساويء خطيرة، [منها]: ترْك هذه الجماعة الصغيرة الضعيفة (أو الهشَّة) وحيدة، ولو تحت سلطتنا، على تماسّ مع فلسطين الصّهيونية التي تبدو، حتى قبل أن تولد، متطلّعة إلى تـوسّع اقتصاديٍّ، وهي بشكلٍ عامٍّ ذات طابَع هُجومي توسّعي»(12).
ومُجدّداً، كان المفوَّض السّامي الجنرال غورو يلتقي مع رؤية السّكرتير دوكي، بإسقاط احتمال «الكيان الذاتي المستقلّ لجبل عامل»، حمايةً له من الصّهيونيّة، ويلحّ على الرّئيس ميللران «لتشكيل لبنان الكبير، إداريّاً، بأسرع وقت ممكن، بحدوده الأكثر توسّعاً، ضامّاً إليه سنجق صيدا، منقوصاً منه القسم [غير المحدد بعد] الذي سيُعطى إلى فِلسطين»(13).

مقتطفات من مجلة العرفان، تلحظ قيام دولة لبنان الكبير والتقسيمات التي طالت المنطقة - المجلد السادس سنة 1921
مقتطفات من مجلة العرفان، تلحظ قيام دولة لبنان الكبير والتقسيمات التي طالت المنطقة – المجلد السادس سنة 1921
لحظة إعلان قيام دولة لبنان الكبير
لحظة إعلان قيام دولة لبنان الكبير

بإسقاط احتمال الاستقلال التامّ المُطلق لجبل عامل، لم يبقَ له سوى إلحاقه، موحَّداً بالطّبع، بلبنان، سَواء أكان مُندمجاً فيه أم «مُفَدْرلاً» معه، ودائماً ضمن النّفوذ الفرنسيّ.
وبنتيجة المُشاورات والدّراسات، أخذ الرّئيس ميللران بحلٍّ وسط بين وجهتيْ نظر المفوّض السّامي وسكرتيره، والاعتراضات المارونيّة، والطُّموحات الاستقلاليّة العامليّة، فأشار باعتماد حلٍّ توفيقيٍّ بين الأطراف الثّلاثة، وكتب (في 6 آب 1920) إلى غورو يقول: «رغم اعتراضات الموارنة، يصعب عدم ضمّ سنجق صيدا إلى لبنان، ويصعب ترْك المَتـاوِلَة القاطـنين بلاد صور وصيدا معـزولين بين لبـنان والمستعمرات الصهـيونيّة التوسّعيّة في شمال فلسطين. وعند الاقتضاء، يمكن أن يُفَدْرَل سنجق صيدا [جبل عامل] بلبنان، مع احتفاظه بشيء من الاستقلال أو الحُكم الذاتيّ»(14). وأخيراً ترك ميللران «للمفوّض الساميّ أن يُحَدِّد الزّمان والظُّروف التي سيكون فيها ممكنٌ ضمّ هذه المِنطقة الجنوبيّة إلى لبنان»(15).
وسريعاً بدأت الإجراءات التنفيذيّة لإلحاق جبل عامل بلبنان، إذ حضَر المستشار ترابو، في أوائل آب 1920، إلى صور، وأبلغهم «جَعْلَ ولايات سوريا ولايات متّحدة تحت وصاية فرنسا. وبشّرنا ـ تقول «البشير» ـ بانضمام قضاء صور إلى لبنان الكبير، إذا كان للأهالي رغبة في ذلك [؟!]، فصفّق له الجميع، وكُتبت مضبطة مآلها طلب الانضمام إلى لبنان الكبير، فوقّعها رؤساء ووجوه القضاء،

وسلّموها إلى حضرة المُستشار» (16) بحسْم موضوع ضم جبل عامل إلى «لبنان الكبير»، وصلت المداولات الفرنسية إلى تحديد الخطوط الرئيسة لحدود «لبنان الكبير». فجاء بعضها على لسان غورو في إعلان زحلة في 3 آب، بضم «جميع البلاد الواصلة إلى قمم جبل الشيخ» إلى لبنان. واستكملها الرئيس ميللران في تصريحه في 24 آب للوفد اللبنانيّ في باريس برئاسة المطران عبدالله خوري، بأن «يحتوي لبنان سهول عكّار في الشّمال، وأن يمتدَّ إلى حدود فلسطين في الجنوب [غير المحددة بعد]، وأن ترتبط به مدينتا طرابلس وبيروت ارتباطاً تامّاً، شرط أن يكون لهما استقلال بلديّ واسع (Municipes)، مع مُراعاة الفُروقات الاقتصاديّة بين المدن والجبل» (17).
أخيراً، حقيقتان من «غائية التاريخ»(18) Téléologie ينبغي إبرازهما:
– الأولى: إنّ ضمّ جبل عامل بكلّيّته إلى «لبنان الكبير» يؤكّد أنّ فرنسا قدّمت مصلحتها الوطنيّة على مصلحة «اللبنانوييِّن»، وبالتالي لم تكن «أمّاً حنوناً» بالمُطلق أو بالمجان للبنان واللبنانييِّن، وبخاصّة للمسيحييِّن، وعلى الأخصِّ للموارنة.
– والثانية: إنّ تَمَسّك فرنسا بجبل عامل ضمن منطقة نفوذها، خدمةً لمصالحها، أنقذه من الأطماع الصّهيونيّة بترابه ومائه، حتى لَيُمكنَ القولُ: [فوائد] قوم عند قوم فوائد !!

خربة سلم، جبل عامل
خربة سلم، جبل عامل

مقالات