الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

من ذاكرة الجبل

شهامة معروفية

مأثرة إنسانية

من ذاكرة الجبل

مأثرة إنسانية

عنـــــدما تــــــواطأ الصّيّـــــاد مـــــع الذئبــــة

مأثرة إنسانية 3
“حدثت هذه الواقعة المؤثرة منذ نيّف وسبعين عاماً في زمن لم تكن فيه تشريعات ولا قوانين ناظمة للصّيد حينها سارية المفعول، القانون السّائد آنذاك كان قيم الفرد الذّاتية المتأثّرة بقسوة العيش وبغريزة البقاء التي لا ترحم ”.

مرت أسابيع عديدة لم تطمئنّ أسرة على أغنامها وماعزها في قرية حوط التي تقع على السفوح الجنوبيّة الغربية الوعرة لجبل حوران، فبين ليلة وأخرى يسطو الذّئب على حظيرة أحدهم وينتهب خروفاً سميناً أوجَدْياً أو نعجة أو عنزاً، والذّئب وحش ماكر وماهر في التخفّي والسّطو النّهاريّ على قطعان الرّعاة، والليليّ على حظائر المواشي …
ولما كانت تلك المواشي التي يسميّها الفلاّحون بـ “الحلال” تمثّل جانباً من أرزاق الأسرة فقد كانت عملية السّطو الجريئة تلك تعتبر خسارة فادحة للرّزق. إذ إنّ تلك المواشي مصدر هامّ للّحم والحليب وصناعة اللّبن والسّمن والكثاً وكلّ هذا يشكل عنصراً مهمّاً من غذاء الأسرة وخصوصاً الأطفال، كما أنّه يشكّل العناصر الأساس من وجبة “المنسف1” التي كانت تقدّم للأضياف في زمان كانت فيه الضيافة قيمة اجتماعيّة عليا.
نشط الصيّادون في البحث عن المكان الذي يكمن فيه ذلك الذّئب الذي أقضّ مضاجع أهل القرية، وكمن كثيرون بالقرب من الحظائر المجاورة لبيوتهم وقد حشا كلّ منهم جفته أو مخزن بارودته بالخرطوش لينتقم من ذلك الوحش المعتدي الذي عكّر صفاء ليالي المزارعين…
ليلة من تلك الليالي، كان أحدهم قد اقتعد حجراً يرقب في سواد العتمة، سمع دبيباً خفيفاً على الأرض لم يتبيّن مصدره بالتّحديد، وفجأة لَحَظ جسماً يطوّح بخفّة فوق حائط الحظيرة التي يعلو أكثر من مترين وينقض إلى داخلها، حدثت جلَبة وضوضاء واختلط الحابل بالنّابل داخلها، وهُرِعت بعض الكلاب القريبة نابحة من حيث كان يشاغلها ذئب آخر في الجانب المقابل من موقع الحظيرة المُستَهدَفة، هي خطّة ماهرة يتقن الذّئاب ممارستها غريزيّاً.
في تلك الثّواني المتسارعة تبيّن الرّجل على ضوء النّجوم الخافت جسماً يطوّح في الظلمة إلى خارج الحَظيرة ثم تبعه جسم آخر لاحقاً به، أطلق رصاصة لم تُصب هدفاً، كان الذئب بغريزته الموروثة عبر آلاف السنين قد عرف أن يختار صيده، فقد قذف بجدي سمين إلى أعلى من فوق الحائط خارج الحظيرة بعد أن قطع حنجرته بأنيابه التي لا تخطئ هدفها، ثمّ تبعه سابقاً إيّاه ليلتقطه قبل وصوله إلى الأرض ويفرّ به يعدو بعيداً، ولم تنفع رصاصات عديدة أُطلقت عشوائيّاً في جوف الظّلمة سوى تهويش عبثي لكلاب القرية.
كان الذئب قد فاز بصيده ومضى، ولم تستطع الكلاب اللّحاق به، فهو يعدو لنفسه أمّا الكلاب فتركض لأسيادها…
***
في اليوم التالي جدّ الرّعاة والصّيّادون في تمشيط جرود القرية الوعرة بحثا عن الجحور التي يمكن أن تكون مخبأً للذئاب التي تتهدد “حلال” القرية.
أيام مرّت وجاء راع يقول إنّ ذئبة تكمن بجرائها في رجم من رجم أرض الخشاع، ممّا يعني أنّ هناك فرصة لقتل الوحش الذي عاث فسادا وقتلا في حظائر القرية. لكن الذّئب وحش شرِس بفطرته، وتصعب مهاجمته، وخصوصاً إن أُصيب بجرح ولم يُقتَل من الطلقة الأولى، إذ يشكّل على صائده في تلك اللّحظات خطراً قاتلاً، رغم هذا المحذور فقد تطوّع نوّاف العبد الله لقتل تلك الذئبة التي أمكن تحديد مكمنها، ونوّاف هذا من الصيادين المَهَرة في القرية ومن رجالها الأشدّاء.
ابتنى الرّجل “بنّوجاً”2 وكمن فيه بحيث تكون الطّريدة على مرمى مؤكّد من طلقات جفته ذي السّبَطانتين، وأخذ يرقب خروج الذّئبة من جحرها الكائن في الرّجم أو دخولها إليه.
مضى وقت من النّهار لم يرَ ما ينبئ بالهدف المرجوّ، وحَمِيت الشّمس، ولكن الرّجل كان صبوراً ورابط الجأش، مرّ وقت حسبه دهراً، ثمّ لحظات، ومن خلال الثّقوب بين الحجارة الجرديّة التي بُنِي “البنّوج” بها رأى الذّئبة قادمة تهرول باتجاه مكمن جرائها، فاستعدّ لإطلاق النّار عليها، تريّث قليلاً، دارت الذّئبة حول الرّجم، ثمّ أطلقت أصواتاً مختلفة لا تشبه الأصوات التي اعتاد سماعها من الذئاب عند عوائها، تريّث أيضاً، ثوانٍ مرّت، خرج على إثرها أربعة جراء من الجُحر داخل الرّجم ذي الحجارة المتراكمة على شكل هرم عشوائيّ الجوانب وعندما تدافع الجراء نحو الوالدة كانت قد اختارت صخرة أزليّة مسطّحة لها شكل بلاطة انبطحت عليها على ظهرها، ثم تقلّبت يمنة ويسرة وتقيّات من بطنها كومة من قطع صغيرة من لحم صيدها، كانت قد اختزنتها في جوفها وجاءت بها لتطعم صغارها، تكوّم اللّحم الطّازج الطّريّ على سطح البلاطة، وهُرِع الصّغار يتناغون فرحين وأخذوا يلتهمون بشراهة وجبتهم المُرتَقبَة التي طالما طال انتظارهم لها، ذُهِل نوّاف لمشهد الأمومة المؤثر هذا، رأى الذّئبة مخلوقاً مختلفاً عن الصورة المرعبة المختزنة في مخيلته، بدت له مخلوقا جميلاً من مخلوقات الله وجذبه مشهد الجراء الصغيرة بفرائها الرائعة، ثم رأى الجراء الجائعة وهي تُلحّ في طلب نصيبها من القوت، وأدرك أن ما كانت تصيبه من حلال القرية هو ذلك القوت. أعاد النّظر في المشهد المؤثر لأمومة الذئبة وفكر لنفسه: لو قتلت هذه الذئبة الآن، وهي في مرمى بندقيتي، فما الذي سيحدث لهذه الجراء البريئة؟ بالتأكيد فإنها لن تصمد للجوع أكثر من أيام معدودات وستموت بدورها، تراءى له أن هذه الجراء لا تختلف عن صغار بقية المخلوقات بما فيها صغار قريته وأطفالها، ثم جال في فكره أنّ الذئبة تتصرّف ليس بحب القتل بل بغريزة البقاء لكنه بالمقابل متربّص بهذه الأم ليقتلها فقط بسبب سعيها لكسب طعامها بالطريقة الوحيدة التي تملكها وهي صيد الأغنام أو الماعز أو ما تيسر لها من الطرائد السّارحة في البرية، فهذه الذّئبة تفعل ما أعدّتها الطّبيعة له وما على مالكي الماشية إلّا أن يحصّنوا حظائرهم ويهتمّوا بكلابهم وعندها فلن تجد إلى قطعانهم سبيلاً. كانت الصورة قد اتّضحت في ذهنه ولم يعد لديه أيّ شك بأنّه لا توجد لديه ذريعة حقيقيّة تبرّر له إطلاق النّار على هذه الذئبة الأم، شعر عندها براحة نفسيّة قلّما شعر بمثلها في السابق، تأبّط بندقيته وخرج بهدوء من البنّوج ومضى مبتعداً عن الذّئبة وجرائها، وبدورها كانت الذّئبة قد تنبّهت لتحرّكه مبتعداً عنها وعن جرائها، فأقعت على ذيلها مطمئنّة.
في ذلك اليوم تواطأ نواف مع الذّئبة ولم يخبر أحداً بما شاهده، وفي اليوم التّالي، داهم الرّجم مجموعة من الصّيادين، لكنّهم لم يعثروا على الأسرة التي ارتحلت عن المكان بحثاً مأوى سرّي جديد، وغارات ذئبيّة نهاريّة أو ليليّة أُخرى.

1. “المنسف” هو لون من الطعام اقتبسه أهل جبل العرب من تقاليد عرب البادية، يعد للضيوف على صدر من النحاس يملأ بالبرغل وحبات الكبة وقطع اللحم ثم يسكب عليه السمن العربي، ثم تسكب “الملاحية” المصنوعة من اللبن فوق صحن الضيف. وعادة توضع قطع اللحم الكبيرة على أطراف “المنسف” لتكون الأقرب لأيدي الضيوف

2. البنّوج: كلمة يقصد بها العامة بناء بسيط من الحجر الغشيم على شكل دائرة قطرها نحو متر بارتفاع قامة الصيّاد الذي يكمن فيه بقصد التخفّي عن طريدته

شهامة معروفية
شهامة معروفية

شهامة معروفية

متعب الأطرش وتاجر الحبوب الدمشقي

قبل نحو مئة عام، وفي الأعوام الأخيرة من العهد العثماني كان جبل حوران يُموّن الشام بالحبوب نقلاً على ظهور الجمال، وكان كل من تغضب عليه الدولة يلجأ إلى الجبل فتصان حياته ويعيش في أمان.
في تلك الفترة كان بين الشيخ متعب الأطرش شيخ قرية رساس الواقعة جنوب مدينة السّويداء ببضعة كيلومترات وبين تاجر الحبوب الدّمشقيّ عبد الله حبّاب تعامل تجاري، متعب يورّد له الحبوب إلى بادية الشام ليبيعها له، وحبّاب يسلّفه دراهم عن حبوبه ليتصرّف بها لسد حاجات بيته ومضافته المفتوحة على الدوام للضيوف.
عند تصفية الحساب في ذلك العام والبلاد على أبواب الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت الذي كانت فيه تجارة الحبوب مزدهرة بين الجبل وبين عاصمة الولاية دمشق، والطلب عليها مرتفع بسبب من مصادرة الوالي جمال باشا للحبوب لتموين الجيش العثماني الذي كان يعدّه للهجوم على قناة السويس وتحريرها من قبضة المحتلّين الإنكليز، لم يرضَ الحبّاب بالربح المشروع الذي كان يحصّله من حبوب متعب الأطرش ، فما كان منه إلاّ أن زاد مبلغاً “هو بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف قرش فضّة (عملة عثمانيّة من عملات ذلك الزمان)، وكان المجموع الذي أراده التاجر سبعة عشر ألف قرش.
كتب الرّجل سَنَداً وقدّمه للشيخ متعب ليوقّعه، تمنّع متعب عن التوقيع بادئ الأمر، فقال له الحبّاب آمراً:
– احفظ كرامتك ووقّعه.
كان الشيخ متعب وحيداً في بيت الحبّاب، فقال له:
– أَترضى أن أوقّع مُجبَراً؟
– نعم وقّع مُجبَراً.
فما كان من متعب إلاَ أنْ قال لمن حوله:
– اشهدوا أنا أوقّع على هذا السند مُجْبَراً
قال الحبّاب بصلف المسيطر على الوضع:
– اشهدوا أنّه مغصوب على هذا التّوقيع.
وقّع الشيخ متعب على سند الحبّاب مُكرَهاً، ودفع لغريمه المبلغ المطلوب منه.
مرّت فترة قصيرة من الزمن تسلّط بعدها جمال باشا على أهل الشام (دمشق) بسبب الأوضاع الحربية الناشبة، وكان عبدالله حبّاب من جملة التّجار الذين نفاهم جمال باشا إلى الأناضول، لكن الرّجل تمكّن من الهرب من منفاه وعاد متخفّياً إلى الشام، غير أنّه لم يستطع البقاء فيها والرقابة العثمانية ترصد حركات وسكنات الناس في الشوارع والزواريب والبيوت، وهكذا وجد نفسه مضطرّاً للجوء إلى “جبل الدروز” كما كان يُدعى آنذاك.
كان الرّجل يريد أن يأمن على حياته، ولم يكن من مكان يحتمي فيه الدخيل في بلاد الشام غير الجبل في تلك الفترة، إذ كان جمال باشا آنذاك يعمل جاهداً على تجنّب خلق فتنة مع بني معروف لحساسية موقع جبلهم على قرب من طريق تحرّكات الجيش العثماني باتجاه الجنوب نحو فلسطين ومصر.
***
ثلاثة خيّألة نزلوا عصر ذلك اليوم في دارة الشيخ متعب، عرف الرّجل من فوره اثنين منهم، كانوا عبد الله حبّاب غريمه تاجر الحبوب الدمشقيّ الذي سبق له أن ابتزه عندما كان وحيداً في مدينته دمشق، مستغلاًّ انفراده به بعيداً عن قومه، وكان برفقته ابن أخ له اسمه كمال، ومعهما شخص ثالث قريب لهما.
استقبلهم الشّيخ متعب ببشاشة وترحاب وكأنْ لم يكن بينه وبين أحد منهم أيّة مشكلة تثير ضغينة ما!، وكان يعلم بقصّة نفي جمال باشا لعبد الله ولكنّه لم يكن يعلم بهروبه من المنفى، غير أنّه أدرك الآن أنّ صاحبه جاءه ناحراً يطلب اللّجوء والدّخالة1
قال له: لا يداخلك شك أنني أسلّمك لجمال باشا ولو خربت داري2، حياتك من حياتي وراحتك من راحتي.
وهكذا أفرد الأمير متعب لثلاثتهم غرفة في دارته الكبيرة، وطابت لعبد الله الإقامة في راحة وأمان في رساس، ولمّا اطمأنّ كمال على عمّه عبد الله تركه عند الشيخ متعب وعاد إلى دمشق.
بعد زوال غيمة جمال باشا عن البلاد وعودة الشام إلى حياتها الطبيعية رجع عبد الله حبّاب إلى مدينته وهو يقدّر حسن صنيع الشيخ متعب معه أحسن تقدير، وتوفي عن صداقة بينهما.

1. الناحر والدّخيل: أي من يطلب الحماية.

2. قام الفرنسيّون بتدمير دار الشّيخ متعب الأطرش في قرية رساس على أثر اشتراكه في المعارك الأولى من الثّورة السورية الكبرى.

الشيخ محمد أبو شقرا

الشيخ محمد أبو شقرا في ذكرى مرور 25 عاما على وفاته

شيخ العصر

الشيخ محمد أبو شقرا طبع زمانه بطابع لا يمحى
وأعطى الموحدين مؤسسات وأنظمة وهيبة وكرامة

يوافق الرابع والعشرون من تشرين الأول 2016 الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة الشيخ محمد أبو شقرا عن عمر إحدى وثمانين سنة قضاها في الجهاد والبذل والتضحية وخدمة طائفته ووطنه والقضايا العربية والإسلامية.
نتذكّره في هذه المناسبة ونترحّم عليه كما نتذكّره ونترحّم عليه عند ذكر مآثره ورؤية إنجازاته واستعراض مواقفه. إنه أحد الرموز الروحية والوطنية. والرموز خالدة في صفحات التاريخ، ماثلة في الذاكرة الشعبية حيّة في ما تركته من أعمال، وخصوصاً من مؤسّسات تدرُّ الخير العام والنفع المستدام.

الشيخ العلم
أشتهر العديد من الرؤساء الروحيين عند الموحِّدين ( الدروز) منذ أن برزوا طائفة إسلامية لها خصوصيتها الناتجة من تفسيرها الخاص لبعض آيات القراَن الكريم. وعُرف هؤلاء الرؤساء الروحيون بلقب شيخ العقل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وكان لمعظمهم شهرة في أحد الميادين التالية: الفقه، والعلم، والأدب، والشعر، والزهد، والتقوى والتصوّف، والمواقف من أرباب الأمور، وأشهرهم وأشهر أولياء وعلماء الموحِّدين ( الدروز) قاطبة هو الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي المعروف بالأمير السيد ( قدّس الله سرّه).
ومع تبدّل الزمان والأحوال والدول، والانتقال الى الحكم النظامي في لبنان الصغير منذ سنة 1861، ثمّ في لبنان الكبير منذ سنة 1920، صار لمشيخة العقل دور رسمي تمثيلي، قُدّر للشيخ محمد أبو شقرا أن يقوم به وأن يجلّي فيه بما كان عنده من صفات ومزايا وقوّة شخصيّة وحسن تمثيل، وبما أقام من مؤسسّات وأحدث من إصلاحات وتنظيمات، وإتخذ من مواقف جريئة ووطنيّة حتى يصح القول إنّه ظاهرة قد لا تتكرّر، وقد لا يجود الزمان بمثله.
إن الحديث عن الشيخ محمد أبو شقرا يتطلّب أكثر من مقالة مهما كانت طويلة حتى إنه يتطلّب أكثر من كتاب، ذلك أنه تصعب الإحاطة بجميع جوانب شخصيّته وحياته الحافلة بالنشاطات المتعدّدة والإنجازات الكثيرة، وبالجهاد في ميادين مختلفة منذ أن حمل السلاح، وهو فتى، في سنة 1925 ليجاهد في الثورة السورية الكبرى التي أعلنها وقادها سلطان باشا الأطرش، وليجاهد بعد ذلك في سنة 1945 مدافعاً عن مدينة دمشق ضد اعتداءات الفرنسيّين عليها، ومنذ أن انبرى إلى ساح العمل الخاص فأسّس شركة للنقل وغدا رئيساً لمجلس أرباب العمل والعمال لنقابة السيارات والسائقين في الجمورية العربية السوريّة، ثمّ حين تسلّم مشيخة العقل في لبنان نزولاً عند طلب أبرز القادة الروحيين والسياسيين الدروز، فكان الشيخ العلم، وكان شيخ العقل في الطائفة، وعقل الشيخ في الوطن، لدوره الكبير على صعيد الطائفة وعلى صعيد الوطن لبنان.

بداية المسيرة
أُنتخب الشيخ محمد شيخ عقل في اجتماع حاشد في مقام الأمير السيد عبد الله (ق) بتاريخ 29 نيسان 1949 ضم كثيراً من رجال الدين وعلى رأسهم شيخ العقل الشيخ محمد عبد الصمد، والكثير من الفعاليات الزمنيّة، وعلى رأسهم الأمير عادل أرسلان وكمال بك جنبلاط. وكان الشيخ محمد مسمّى، بناءً على ثنائيّة مشيخة العقل التي كان معمولاً بها، إلا أنه أعلن منذ البداية نهجه المتحرّر من الفئويّة والغرضيّة ووضع نفسه في خدمة الجميع بقوله في أول خطبة له عند استقباله في دار المختارة لدى قدومه من سورية بتاريخ 5 حزيران 1949،وهو أنه لا يعتبر نفسه ممثلاً لحزب دون آخر، أو لفئة معيّنة أو منطقة، بل يعتبر نفسه مسؤولاً لدى كل فرد من أبناء الطائفة، عما فيه خير المجموع، وعبداً مأموراً من الحق سبحانه للتوجيه نحو الخير حيثما وجد، والسعي إلى الإصلاح وتوحيد الكلمة.
كان الشيخ محمد يعرف حاجات الدروز ومتطلّباتهم، وبين تاريخ إنتخابه وتاريخ قدومه إلى لبنان، تعرّف أكثر إليها بدراسة أوضاعهم الخاصة والأوضاع العامة، فوضع منذ البداية برنامج عمل من عدة بنود أساسية يحدّد كيفية قيامه بمصالح الطائفة، وتحصيل حقوقها ورعاية شؤؤنها، وإنشاء ما تفتقر اليه من مؤسسات، ووضع ما تحتاج اليه من أنظمة وقوانين، والنهوض بها في شتّى المجالات.
لقد رسم الشيخ محمد الخطوط العامة لمسيرته، وحدّد المبادئ التي يلتزم بها، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، والدور الذي يمكن أن تقوم به مشيخة العقل على عتبة النصف الثاني للقرن العشرين. وما كانت المبادئ عنده شعارات تُرفع وتُطلق، بل هي ترجمة عمليّة لصفات تحلّى بها، وإيمان صادق راسخ في النفس يترجم سعياً مخلصاً وعملاً دؤوباً. وما كان برنامج العمل موادَّ كُتبت على الورق، وإنما هو خُطط مدروسة ستنفّذها عزيمة صادقة، وإرادة صلبة تتغلب على الصعوبات مهما كبرت، وإدارة حكيمة وسليمة تتوّخى السبل والمساعدات الضروريّة.
باستعراض ما قام به الشيخ محمد أبو شقرا خلال مسيرته في مشيخة العقل بين سنة 1949 وسنة 1991، نرى أنه حقّق معظم نقاط البرنامج، وأن ما لم يستطع تحقيقه يعود سببه إلى الواقع السياسي والواقع الاجتماعي الدرزي، وتعاقب الأحداث العامة والخطيرة وخصوصا بعد سنة 1975. كما يعود أيضاً إلى الحدود السياسية التي اصطدم بها، وإلى التشدّد في بعض أوساط الطائفة، وإلى محاربته ممن خَشَوْا تعاظم دوره وشأنه. ومع هذا يكفيه فخراً ما قام به، وهو بريء الذمة أمام الله والناس مما لم يستطع القيام به لأنه حاول جهده في ذلك.

يلقي كلمة في حفل افتتاح المؤسسة الصحيّة في عين وزين
يلقي كلمة في حفل افتتاح المؤسسة الصحيّة في عين وزين

“جاهد في الثورة السورية الكبرى سنة 1925 ثم جـــــاهد مدافعاً عن دمشق ضد إعتداءات الفرنسيين سنة 1945”

رعاية شؤون الموحّدين
كان الشيخ محمد أبو شقرا الراعي الصالح لجميع الموّحدين ( الدروز) أنّى وُجِدوا، سواء في لبنان أم في سورية وفلسطين وشرق الأردن، أم في جميع بلدان الاغتراب ، وبناءً على ذلك، وعلى اهتمامه بالكثير من النواحي بشكل غير مسبوق، وبنسبة عالية، تتصف رعايته بالشمول، كما أنّ من الطبيعي أن يأخذ الدروز اللبنانيون القسط الأكبر منها لأن الشيخ محمد هو شيخ العقل عندهم.
تعود المكانة الرفيعة التي حظي بها الشيخ محمد إلى دوره الريادي في الاهتمام بشؤون الموحِّدين الدروز بالوجوه المألوفة سابقاً، وفي وجوه استدعتها الحداثة وسنّة التطور، وأوجدها عقله الخلاّق ونشاطه المميّز. وهي رعاية للشؤون الدينية والاجتماعيّة، واهتمام بالقضايا المعيشيّة، واتصال مباشر وفعّال بالناس، ورعاية لنشاطاتهم، ومطالبة بحقوقهم، والدفاع عن قضاياهم، والدفاع عن كرامة الطائفة ضد المسيئين والمفترين، وتنظيم شؤون الدروز، مما سيجري الحديث عنه.

الرعاية الدينية والاجتماعيّة
كانت الزيارات التي يقوم بها شيوخ العقل، والسهرات التي يحيونها في المساجد ( المجالس) والخلوات، وأحياناً في البيوت، محدودة وتقتصر على القيام بالفروض الدينيّة. لكن الشيخ محمد كثّفها وجعلها متتالية وأحياناً شهرية أو أسبوعيّة، يحدّد مكانها وزمانها في السّهرة أو الزيارة الحاصلة، حتى بلغ عددها المئات، منها عدة زيارات للقرية الواحدة، وشملت الأكثرية الساحقة من القرى اللبنانيّة المأهولة بالدروز. كما أنّه طوّرها إلى لقاءات مع الزمنيين، والى مناسبات وعظٍ وإرشاد يلقي فيها الخطب والمواعظ والإرشادات.
إن تلك الزيارات والسهرات والاجتماعات الدينية، بمختلف وجوهها وأمكنتها، كانت مناسبات للتثقيف الديني والتوجيه الاجتماعي، والتوعية، والدعوة إلى التمسّك بأهداب الدين والعمل بنواهيه، كما كانت واحداً من المجالات التي شاءها الشيخ محمد لمعالجة بعض المشكلات الاجتماعيّة وإبداء وجهة نظر الدروز في القضايا المطروحة والأمور المصيريّة وتبليغ الرسائل إلى الجهات الرسميّة وإلى غيرها من الجهات. ومن هذه المجالات النداءات والبلاغات المتكرّرة التي تحضّ على التشبّث بالعادات والتقاليد والقيم والفضائل، وتظهر مساوئ الآفات المتفشيّة بقوّة وبسرعة في جميع المجتمعات.
هناك أمر آخر من الرعاية الاجتماعيّة هو رعاية الشيخ محمد لعشرات المصالحات في القرى، وقد كثرت إبّان الأحداث اللبنانيّة بين سنتي 1975 و 1990. وكانت كل من هذه المصالحات تنهي النزاعات الدمويّة بشكل جذري، وذلك بصفح ذوي القتلى، وبعدم مطالبة العديدين منهم بحقوق ماديّة إكراماً لراعي المصالحة الشيخ محمد وقد تم العديد من تلك المصالحات بمساهمة الزعيم وليد جنبلاط وكان يشارك الشيخ محمد أحياناً في الرعاية بعض زعماء الدروز أو وجهاء ومشايخ أبرزهم المرجع الروحي الشيخ أبو حسن عارف حلاوي.
يضاف الى ذلك وجوه شتّى من الرعاية، منها تقديم المساعدات للمنكوبين من خلال صناديق ولجان شكّلها الشيخ محمد أو اشترك في تأسيسها، كمساعدة منكوبي جبل العرب إبّان اعتداء الشيشكلي عليهم في سنة 1954، ومساعدة منكوبي زلزال آذار 1956 ، ومساعدة منكوبي المتن الأعلى على يد القوات الكتائبية في أواخر سنة 1976، ومساعدة المتضرّرين من الأحداث اللبنانيّة بتأسيسه مع الأمير مجيد أرسلان ووليد بك جنبلاط صندوق الطوارئ سنة 1982، والمؤسسة الدرزية للرعاية الاجتماعية سنة 1983. ومن وجوه الرعاية رعاية المؤسسات والجمعيات والنشاطات الفكرية، التي أولاها الشيخ محمد اهتماماً كبيراً ودعمها ورعى مناسباتها.

الاهتمام بالمغتربين
إن اهتمام الشيخ محمد أبو شقرا بالمغتربين، والتواصل المستمر معهم، ورعاية نشاطاتهم ومؤتمراتهم، ومتابعة جميع شؤونهم، أمور غير مسبوقة من قبل مشيخة العقل. وقد بدأ الشيخ محمد بذلك بعد أشهر من تسلّمه لمهامه، فعيّن بالاتّفاق مع نظيره الشّيخ محمد عبد الصمد المعتمدين من قبل مشيخة العقل ليقوموا بممارسة الطقوس الدينية في المغتربات. وناشد الشيخان المغتربين في ندائهما الأول لهم أن يرعوا حرمة العهود، ويثبتوا على المألوف من دأب الدروز وتقاليدهم.
كما أولى الشيخ محمد أبو شقرا شؤون المغتربين عناية كبيرة فراسلهم وراسلوه، وطرح له معتمدو مشيخة العقل المشكلات والصعوبات فساعدهم في حلّها وفي التكيف مع الواقع الجديد دون التخلّي عن الأصالة والمبادئ وما فعله في هذا المجال عزّز صلات المغتربين بالمقيمين وصلتهم بالوطن الأم، وزاد التحام الفروع بالجذوع والجذور، وساعد المغتربين على التمسّك بعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم وبهويتهم الدينية والوطنيّة، وساهم أكثر في اتّحادهم في المغتربات، وفي تأسيس الجمعيات والنوادي والبيوت العامة التي تجمعهم في المناسبات، والتي عُرف كل منها في المدينة التي أُقيم فيها باسم “ البيت الدرزي”.

المطالبة بحقوق الطائفة
من مآثر الشيخ محمد أبو شقرا مطالبته بحقوق الدروز كأفراد لكلٍّ منهم الحقّ بتسلّم وظيفة او مركز في الدولة هو أهل له، ومطالبته بحقوق الطائفة ككل لدى الدّولة والمؤسسات، ومطالبته بتنفيذ المشاريع وإيصال الطرقات إلى القرى والمناطق المأهولة بالدروز. وقد قدّم في هذا المجال عشرات المذكّرات والعرائض والاحتجاجات والنداءات إلى المسؤولين، مرفقة ببيانات إحصائية تظهر عدد الوظائف والمراكز في كل قطاع أو مؤسسة وعدد الدروز فيها، مما يظهر الغبن اللاحق بهم. وهذه البيانات والإحصاءات اعتمدها وزراء ونواب الدروز وقدّموا على أساسها المذكرات موّقعة منهم ومن الشيخ محمد الذي كان أبرزهم في المطالبة بحقوق الطائفة لانشغالهم بالأمور العامة وبحقوق المناطق والناخبين أكثر من انشغالهم بحقوق الطائفة العامة.
علّق الشيخ محمد على سياسة الإهمال والإجحاف المعتمدة إزاء الدروز فقال: إن ما يؤخذ من الدروز لا يفقرهم، ولا يغني من أخذه، ولكن العدل جميل والإنصاف واجب والتوزيع يجب ان يكون، في النظام الطائفي السائد في لبنان، قائماً على أساس النسب المقرّرة للطوائف. وكان يحرص، من أجل حفظ حقّ الدروز، على استمرار هذا النظام واستمرار توزيع المناصب والوظائف على الطوائف على أساسه “كي لا تأكل السمكة الكبيرة السمكة الصغيرة” بحسب قوله.

في قصر بعبدا مع قضاة المذهب ed
في قصر بعبدا مع قضاة المذهب ed

“رعى خلال سنوات الحرب عشرات المصالحات التي تكللت بإنهاء النزاعات وصفح ذوي القتلى وأسقاط الكثيـــــرين للحقــــوق المادية إكراما لـــه”

الدفاع عن كرامة الطائفة
كان الشيّخ محمد أبو شقرا أبرز رجال زمانه في الدفاع عن كرامة الطائفة، لأنه كان مركّزاً على كل ما يعنيها، ومتابعاً أكثر من غيره لما يسيء إليها وينال من كرامتها. وقد تصدّى للمفترين والمسيئين، وكان يمنع نشر أي كتاب أو منشورة تتضمن إساءة ولو بجملة إلى الدروز، ويوقف تمثيل أي مشهد لمسرحية فيه شيء من هذا القبيل، ويطلب من كل مسيء، عن قصد او عن غير قصد، الحضور إليه لتقديم الاعتذار أو نشر الاعتذار في وسائل الإعلام، حتّى بات الجميع يتهيّبون الأمر ويمتنعون عن نشر وتمثيل وتصوير ما يتضمن إساءة للدروز معلنة كانت او مضمرة.
وكثيرة هي الكتب التي مُنعت وأوقف بيعها،وتلك التي أُتلفت، لأنّها تتضمّن افتراءات واتهامات وأباطيل تشّوّه عقيدة الموحّدين وتنسب إليهم ما هو بعيد عن مفاهيمهم وقيمهم، ومناقض للحقيقة وللواقع، حتى إن الشيخ محمد طلب إحراق ألف نسخة من كتاب فيه إساءة إلى المعتقد عن جهل وعن غير قصد، لكنه عوّض على المؤلف ثمن تلك النسخ.
وكان الشيخ محمد يطلب ممن يعتمدون على كتب مؤلّفين مغرضين أو يعوزهم الاطلاع الكافي أن يعودوا إلى المراجع والمصادر الصحيحة، وأن يعتمدوا في ما يكتبون على ما يصدر من الدروز، وعلى ما يكتبونه، وهو من أجل هذا كان يوضح، في بعض ما يكتبه من مقالات وما يقوله من خطب، حقيقة مسلك التوحيد، ويؤكّد على إسلام الموحِّدين لدحض افتراءات واتهامات الجاهلين والمغرضين. كما أنّه كان يشجّع أي مؤلّف يوضح ذلك أو يكتب تاريخ الدروز الصحيح.
كان الدفاع عن الكرامة الشخصيّة لأي درزي، والدفاع عن الكرامة العامة للدروز، نهجاً سار عليه الشّيخ محمد قبل أن يتولّى مشيخة العقل، وتابعه بشكل أعم وأشمل، ومن موقع القوّة والمسؤولية بعد أن تولاّها. وقد ثارت ثائرته وحرك فعاليات جبل العرب في سورية للاحتجاج والتظاهر في العام 1951 ردا على التعرض بالإساءة من موظف حكومي للمرحوم عارف النكدي الذي تسلّم وظائف رفيعة عدّة في الجمهورية العربية السورية.
وفي آذار من السنة المذكورة، وبعد حادثة الباروك التي افتعلتها السلطة اللبنانيّة لإفشال المهرجان الذي أقامه الزعيم كمال جنبلاط في البلدة، أوقف حاجز للدرك مقام في سهل السمقانية وفداً من نخبة رجال الدين وفتّشهم. فانبرى الشيخ محمد للدفاع عن الحرية المضطهدة في الباروك، ثمّ انبرى للدفاع عن الكرامة المهانة على حاجز قوى الأمن، وحرّك عموم الدروز فقدّموا العرائض الاحتجاجيّة، وصرّح يومها بأن رجال الدين الدروز لا يُهرّبون السلاح ولا يحملونه، لكنهم سيحملونه للدفاع عن الكرامة إذا اقتضى الأمر، وهدّد بالثورة، ووقف الى جانبه زعماء الدروز في لبنان وسورية والمعارضون للحكم من سائر الطوائف. وفي مناسبة لاحقة للحادثة وجد نفسه أمام بعض رجال السطلة فخاطبهم قائلا: بلّغوا رئيس الجمهورية أن من الخير له وللبلاد أن يضع حدّاً لهذه التصرّفات وإلا سيكون لنا معه شأن آخر. فما كان من رئيس الجمهورية بشاره الخوري الا أن أرسل إليه محافظ جبل لبنان فؤاد صوايا للاعتذار منه ومن رجال الدين المجتمعين معه في بلدة عبيه، ثمّ أعطى الأمر بمنع تفتيش رجال الدين الدروز.

صورة جامعة للمؤسسة والأبنية التابعة لها في عين وزين 2 copy
صورة جامعة للمؤسسة والأبنية التابعة لها في عين وزين 2 copy

تنظيم شؤون الطائفة
رأى الشّيخ محمد أبو شقرا ضرورة مركزة القرار الديني في مشيخة العقل، وتطوير بعض الطرائق المتبعة، ووضع أنظمة جديدة تتماشى مع روح العصر وسنّة التطوّر، فطرح الأفكار والمشاريع على نظيره الشيخ محمد عبد الصمد ، وجرى تنفيذها باسم مقام مشيخة العقل، وقد استطاع خلال هذا التعاون المشترك تحقيق بعض الأمور، كما استطاع بالتعاون مع القيادات السياسيّة تحقيق أمور أخرى. وهذا أهم ما تحقق في مجال تنظيم الشؤون الدرزية.
• توحيد الطقوس الدينية: يقترن باسم الشيخ محمد أبو شقرا توحيد الطقوس الدينية في لبنان وسوريّة، وذلك بتوحيد نص عقد الزواج وخطبته ومقدّمة الوصيّة، وتوحيد نص الصلاة على الميت، والقيام بالصلاة من قبل مصلّين يتقنونها. وقد رأى الشيخ محمد توحيد الرحمة على الميت عند الصلاة عليه، لأنّها في الأصل دعاء لله تعالى واستغفار منه تحوّل مع الزمن إلى تأبين للميت وشهادة به مبنيّة على حسن الظن، وقد رأى ضرورة إعادتها إلى الأصل وإخراجها من دائرة التأبين والشهادة، لأنها كشهادة كثيراً ما تخضع لمزاج المصلّين وللعوامل السياسيّة والمصلحيّة، وكثيراً ما يساء إعطاؤها فيزاد منها لغير المستحق وينقص للمستحق.
• تنظيم رجال الدين: رأى الشيخ محمد أبو شقرا ضرورة تنظيم رجال الدين وفق صيغة بعيدة عن التنظيم الإكليريكي عند المسيحيين، وفي إطار يتوافق مع مسلك التوحيد العرفاني البعيد عن المظاهر والطقوس والوجاهة. لقد عمل على إحصاء رجال الدين وتدوين أسمائهم في سجلات، وتحديد كيفية الانتساب إلى سلكهم بطريقة تركّز على الجوهر لا على المظهر. وكان يرى أن هناك خطأ في تصعيب دخول المريد إلى السلك المذكور، وتقييده بالزِّيّ فيما يتعلّق بالموظّفين والمجنّدين والعاملين، لأن الزِّيّ عنده مظهر لا يوصل الى الجنّة، وعدم التقيد به لا يحرم منها. لذا كان يسهّل دخول المريدين من هؤلاء شرط تزيِّيهم بالزيّ الديني عند أداء الفروض الدينية مع إخوانهم. كما طلب من رجال الدين عدم الانغماس في الشؤون السياسيّة، لأن ذلك منافٍ للتعاليم الدينية التوحيديّة، ولأن عند رجل الدين ما يكفيه عن ذلك، ولأن السياسة لا تدخل شيئاً إلا وتفسده.
كما حرص الشّيخ محمد على ألّا ينتسب إلى سلك الدين ويستمر فيه إلا من يستطيع القيام بشروطه الأساسية والحفاظ على كرامة الشعار الديني. كما رأى ضرورة إنشاء مدرسة للعلوم الدينية تخرِّج مشايخ علماء متديِّنين، وهذا الأمر الذي لم يتحقق في عهده تحقق في سنة 2014 بإنشاء “معهد الأمير السيِّد للعلوم التوحيدية” برعاية المجلس المذهبي ومشيخة العقل الحالية في عبيه، لكنه عوّض عن ذلك بما كتبه من مقالات وخطب ومواعظ في السهرات والاجتماعات والمناسبات والندوات، بهدف الإرشاد والتوجيه والتوعية الدينية.
• إنشاء الهيئة الروحية العليا: تألفت هذه الهيئة في 23 تشرين الأول 1949 من شيخي العقل في لبنان: الشيخ محمد أبو شقرا والشيخ محمد عبد الصّمد، ومن شيوخ العقل في سورية: الشيخ أحمد الهجري، والشيخ أحمد جربوع، والشيخ يحيى الحناوي. وهذه الهيئة هي صاحبة الحق المطلق بمعالجة القضايا ذات المساس بكيان الطائفة العام، أو بمصلحة رجال الدين دون تفريق في الأمكنة والأقاليم.
• إنشاء المجلس الروحي الأعلى: عرض الشيخ محمد أبو شقرا فكرته بتأسيس هذا المجلس في صيف 1950، وتمت الموافقة على نظامه بصفته النهائية في 10 ايار 1952. وغايته العمل على رفع مستوى الهيئة الروحيّة، وتنظيم المعابد والمؤسسات الدينية العامة، وإنشاء المدارس الروحيّة ومعالجة قضايا الطائفة الملّية. لكنه استثني من التشريع القانوني فيما بعد.
• وضع نظام إنتخاب شيخ العقل في سنة 1953: وقد هدف الشيخ محمد أبو شقرا من هذا النظام انتخاب شيخ العقل بموجب أسس قانونيّة ووفق شروط محدّدة، من أجل تجنيب الدروز أزمات هذا الاستحقاق، كالأزمة التي جرت في سنة 1946 عندما انتُخِب الشيخ محمد عبد الصمد خلفاً للشيخ حسين حماده، والأزمة التي جرت في سنة 1949 عند انتخاب الشيخ محمد أبو شقرا نفسه خلفاً للشيخ حسين طليع، والأزمة التي ستجري لاحقاً في سنة 1954 عند انتخاب خلف للشيخ محمد عبد الصمد.
• وضع قوانين تنظيم القضاء المذهبي والمجلس المذهبي وإنتخاب شيخ العقل: كان للشيخ محمد أبو شقرا فضل كبير في إصدار هذه القوانين. وقد صدر القانون الأول في 5 اَذار 1960. وصدر القانونان الأخيران في 13 تموز 1962، وتم إنشاء المجلس المذهبي بموجبهما، وهما يتفقان مع معظم ما طرحه الشيخ محمد من قبل في نظام المجلس الروحي الأعلى ونظام انتخاب شيخ العقل.
تأخر الرئيس فؤاد شهاب في إصدار هذه القوانين وماطل وأخلف بوعود كثيرة قطعها للشيخ محمد، مراعياً بذلك خواطر المعارضين لها، والتوازن بين أفرقاء الدروز المختلفين حول نصوصها، مشترطاً أخذ موافقة جميع النواب الدروز. لذا لامه الشيخ محمد على موقفه هذا، وهاجمه بالرغم من تقديره له وتأييده لمواقفه السياسية، حتّى إنه قال له عند مماطلته بإصدار قانون تنظيم القضاء المذهبي: “هل نحن في مقام رئاسة الجمهوريّة أم في سوق النوريّة”. فكان هذا حافزاً للرئيس على إصدار القانون المذكور بعد أيام.
وكان للشيخ محمد أبو شقرا الفضل الأكبر في وضع ملاكي المجلس المذهبي ومشيخة العقل وبقي العمل بموجبهما حتى صدور قرار تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز بتاريخ 12/6/2006 المعمول به حالياً والذي وحّد مقام مشيخة العقل.

الاهتمام بالبناء
تميّز الشيخ محمد أبو شقرا عمن سبقه من الرؤساء الروحيين، وعن الكثير من أعيان الموحِّدين (الدروز) ومسؤوليهم، باهتمامه بالبناء.لذا تقترن باسمه مجموعة من الأبنية، منها بناء يحمل اسم “المؤسّسة”، ومنها قرية، الأمر الذي يحمل على القول إنه رجل البناء، وإنه ذو عقل مؤسساتي.
إن اهتمام الشيخ محمد بالمقامات الدينيّة يدخل في صلب مهامه، ومن ذلك تحسين مقام النبي أيوب وإضافة الطوابق والغرف العديدة عليه وإيصال المياه والكهرباء والطريق إليه، وإعادة بناء مقام الأمير السيد في عبيه بعد عبث “القوات اللبنانيّة” فيه خلال حرب الجبل. وإن بناء دار عماطور يندرج في إطار كونه إبن هذه البلدة، وعليه الاهتمام بكل موضوعاتها ومشاريعها، ولكن الفضل الأكبر له هو إصراره على بنائها لتكون داراً لجميع العماطوريين، ومعارضته إقامة أية دار عائلية. وهذا يدلُّ على نهجه الذي عبّر عنه منذ قدومه من سورية إلى لبنان، ووصوله إلى عماطور في 5 حزيران 1949، إذ قال لأبنائها إنه يريدهم كتلة واحدة في سبيل مصلحة البلدة دون أي تمييز بينهم. وهذا ترجمة لنهجه العام الذي تعبّر عنه الأمور الصغيرة كما الأمور الكبيرة. كما أنه حدّد قواعد استعمال الدار، فهي لإقامة المناسبات الثقافية والندوات ولإقامة المآتم دون ندب، والأفراح دون رقص وغناء وموسيقى في داخلها، وهذه القواعد اقتبستها بعض القرى.
أما الأبنية التي شادها الشيخ محمد أبو شقرا ببادرة منه، أو كان له الفضل الأكبر في إقامتها، فهي التالية بحسب التسلسل الزمني لبدء العمل بها:
• دار الطائفة الدرزية في بيروت: وهذه الدار هي من جملة بنود برنامجه الموضوع في سنة 1949. وقد باشر ببنائها معوّلاً على أريحية بني معروف ( الدروز)، ومعتمداً على مبلغ من المال قدّمه له رئيس الجمهورية بشاره الخوري لينفقه كيفما يشاء، فحوّله لبناء دار عامة في العاصمة بيروت تكون للدروز مرجعاً وملتقى بعد أن كانوا يحارون أين يجتمعون في المناسبات وأين يستقبلون زوارهم من الشخصيات الكبيرة، ولتكون أيضاً مقراً لمؤسساتهم وهيئاتهم، ومرجعاً للمّ الشمل وتعزيز الكرامة وإحياء المآثر. وقد احتُفل بوضع حجر الأساس لها في 16كانون الثاني 1953، ودُشنت في 4 نسيان 1965 ، وارتفع عليها العلم الدرزي المخمّس الألوان، كأول بناء درزي يرتفع عليه، كما ارتفع من قبل، ولأول مرّة ،على سيارة مشيخة العقل بوضعه على مقدّمة سيارة الشّيخ محمد.
• قرية المعروفيّة: بوشر العمل بها في سنة 1957 لتكون بيوتاً للنازحين من أبناء جبل العرب بعد أن أُجبروا على ترك الخيام التي أقاموا فيها في محلّة “ وطى المصيطبة” في بيروت. وكان للشيخ محمد فضل فك اشتباك هؤلاء مع قوى الأمن، وفضل تحصيل حقوق قتلاهم وجرحاهم، وتأمين التعويضات لبناء بيوت لهم في مكان اختاره بين الشويفات وعين عنوب حيث عرف باسم “ المعروفيّة” نسبة إلى بني معروف.
• المؤسسة الصحيّة للطائفة الدرزيّة: وهذا المشروع كان كدار الطائفة من جملة بنود برنامج الشيخ محمد. وقد باشر بتنفيذه معتمداً كما اعتمد في بناء الدار على أريحية بني معروف وعلى مبلغ من المال قدّمه له المحسن إلياس شربين أثناء الحوادث اللبنانية لينفقه في سبيل خير الدروز، فجعله لمصلحة مؤسسة تأوي عجزتهم وتستقبل مرضاهم ومرضى سواهم، وقد جرى الاحتفال بوضع حجر الأساس لها في 16/05/1978 ،وجرى الاحتفال بافتتاحها في 04/06/1989.

“بذل جهوداً كبيرة في ما كان يكتبه من مقالات أو يلقيه من خطب، لتوضيح مسلك التوحيد، والتأكيد على إسلام الموحِّدين ودحض افتراءات واتهامات الجاهلين والمغرضين”

“اقترن اسمه ببناء المؤسسات وتوحيد الشعائر الدينية ووضع قواعد السلوك والتحذير من السياسة والمظاهر وبإعفاء الموظفيـن والمجندين والعاملـين من الزيّ الدينـــي”

الاحتفال بعيد المولد النبوي في دار الفتوى في 26 نيسان 1972 ويبدو من اليمين كل من الرئيس صائب سلام سماحة الشيح محمد أبو شقرا الرئيس سليمان فرنجية
الاحتفال بعيد المولد النبوي في دار الفتوى في 26 نيسان 1972 ويبدو من اليمين كل من الرئيس صائب سلام سماحة الشيح محمد أبو شقرا الرئيس سليمان فرنجية

التميّز في تمثيل الطائفة
كانت مهمة الرئيس الروحي لطائفة الموحّدين (الدروز) محدودة النطاق في الماضي، لا تتعدّى الإطار الدرزي، إلا عندما يضطر هذا الرئيس للوفود إلى ولاة الأمور. ومع شيخ العقل الشيخ حسين حماده (1858-1946) ازداد حضور مشيخة العقل على صعيد رسمي، ثمّ ازداد أكثر مع الشّيخ محمد أبو شقرا مما عزّز موقع الطائفة بين الطوائف. وأسباب ذلك تعود إلى قوّة شخصيّته ومهابته ووقاره ولباقة حديثه وذكائه وحيويّته وشجاعته واشتراكه في الأكثرية الساحقة من القمم الإسلامية الروحيّة، والقمم الإسلامية الروحيّة السياسيّة، والقمم الإسلاميّة المسيحيّة، والعديد من الاحتفالات بالأعياد والمواسم الدينيّة الإسلاميّة، بسبب ازدياد تعاطي رؤساء الطوائف في الشؤون السياسيّة، ولاسيما في الحوادث اللبنانيّة التي جرت بين سنتي 1975 و 1990.
كان الشّيخ محمد ديّنا تقيّاً حافظاً للكتاب الكريم، عاملاً بتعاليمه، وكان على يقين أن الأجر لا يتأتى من العبادة والتقوى فقط، بل يتأتى من العمل لأجل الآخرين ولأجل تحقيق مصالحهم، وأن الأجر الكبير يتأتّى بحسن أداء المسؤوليّة التي يتولّاها المرء وبحسن تمثيل طائفته والوفاء بالتزاماته إزاءها. لذا لم يرَ ضيراً في التعاطي بالشؤون السياسيّة، لأنه تعاطى فيها بهدف خدمة الوطن والمساهمة في حلّ مشكلاته، ومن زاوية “تديين” السياسة لا تسييس الدين، كما تعاطى فيها من موقعه الرسمي التمثيلي لإظهار انفتاح طائفته على الآخرين، وتحقيق مصالحها وتعزيز كيانها.
مثّل الشيخ محمد الطائفة في مناسباتها الخاصة، وترأس قممها الدينية والسياسية، ومثّلها في الكثير من المؤتمرات والقمم داخل لبنان، لكنه لم يمثّلها في أي مؤتمر خارجه إلا في سورية فقط، لأنها الجار والشقيق، ولأنها الوطن البديل الذي عاش فيه ست عشرة سنة. وما عدا ذلك كان ينتدب من يمثله في المؤتمرات التي دُعي إليها في الدول العربية والأسيوية والاتحاد السوفياتي.
كان الشيخ محمد يتميّز في أي مؤتمر أو اجتماع يحضره أو في أيّة قمة يمثّل الطائفة فيها. وكثيراً ما ارتفعت يده مع يد مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة ويد رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يعلنون إتحاد المسلمين، وكان هو يركّز على إلغاء مقولة: مسلم وشيعي ودرزي، الّتي يقصد بها تفريق المسلمين الدروز عن إخوانهم السنّة والشّيعة، ويؤكد على إسلامية الموّحدين وعلى أنهم كالسنة والشيعة طائفة إسلاميّة.
كان الشّيخ محمد أبو شقرا كبيراً مع كبار من رؤساء الطوائف في لبنان عاصرهم والتقى بهم في المؤتمرات والاجتماعات والقمم، وهم المفتي محمد علايا، والمفتي حسن خالد، والإمام موسى الصدر، والإمام محمد مهدي شمس الدين، والبطريرك مار بولس بطرس المعوشي، والبطريرك مار أنطون بطرس خريش، والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير، والبطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، والبطريرك مكسيموس حكيم، وجارى سائر الرؤساء الروحيين في الانفتاح على بعضهم البعض، وفي تبادل غير مسبوق للزيارات حيث زار مقر البطريركيّة المارونيّة، وزاره البطريرك الماروني. كما زار هو مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، اللذين زاراه في منزله وفي دار الطائفة الدرزية، التي عقدت فيها كما في دار الفتوى وفي مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بعض القمم الروحية والقمم الروحيّة السياسيّة.
وكان الشيخ محمد أبو شقرا ممثلاً كبيراً لطائفة قامت بدور كبير قبل أن تصبح الطائفة الخامسة في العدد في لبنان. لذا كان حين يتكلّم في المؤتمرات والمناسبات يتعملق بشخصيّته القويّة وبأطروحاته ومنطلقاته التي يرتكز فيها على تاريخ الطائفة الدرزيّة ودورها وقيمها ومفاهيمها. وكان يتكلم مع المسؤولين على مختلف مستوياتهم بناءً على ذلك. قال ذات يوم في أحد المؤتمرات إنّه كان أول طلب له من رئيس الجمهوريّة هو الحفاظ على الأخلاق. وتكلم في أول مؤتمر إسلامي حضره، وعُقد في 5 كانون الثاني 1952 استنكاراً لمطالبة المحامين تحويل بعض صلاحيات المحاكم المذهبيّة إليهم، فأدهش الحاضرين واستحسنوا كلامه وصفقوا له طويلاً، وقال رئيس المحكمة الجعفرية الاستئنافيّة العليا محمد جواد مغنيّة: إن المسلمين لديهم كافة أنواع الأسلحة إلا أنهم تنقصهم “القنبلة الذريّة” فوجدوها الآن بشخص الشيخ محمد.
قابل الشيخ محمد أبو شقرا الكثير من رؤساء الدول والوزراء والسفراء والقناصل ورؤساء البعثات والهيئات، وزاره الكثير من هؤلاء فأعجبوا بشخصه وبلباقة حديثه وجرأته. وضمّن حديثه ذات يوم مع السفير الفرنسي كلاماً باللغة الفرنسيّة، فقال له بيتين للشاعر الفرنسي كورناي مدلولهما أن عمر المرء لا يقاس بعدد السنوات وإنما بروحه الفتيّة. وتكلّم في أحد مؤتمرات المغتربين الذي انعقد في دار الطائفة الدرزيّة بالإنكليزيّة ليرحّب بهم، لأنّه علم أن الكثيرين منهم لا يعرفون العربية، ثم دعاهم إلى تعلّم اللغة الأم.

رجل المواقف
كان الشيخ محمد أبو شقرا شفافاً في تصرّفاته، صريحاً في كلامه حتى لو إتسم بالقسوة، شجاعاً في قول الحقّ حتّى على الأقوياء الذين يهابهم الناس، مبدئياً في سلوكه وفي تعاطيه، لا يتردّد في اتخاذ الموقف الملائم حتى ولو أبعد المحبين عنه وأغضب الكثيرين منه وأتت نتائجه على حسابه. وقد كان محبّوه يلفتونه إلى ضرورة تخفيف لهجته، وعدم اعتماد الصراحة دائماً وتسمية الأشياء بأسمائها، فكان يجيب أن من واجبه أن يكون صريحاً، وأن يمسك بمبضع الجرّاح لإنقاذ المريض، وأن يقول الحق لأن الساكت عن النطق به شيطان أخرس، وأن يجاهد لإحقاقه ضد مغتصبيه وضد الظلمة، وأن المؤمن القوي المجاهد خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف المستكين.
اتخذ الشيخ محمد أبو شقرا الكثير من المواقف الشجاعة مع المسؤولين وفي المحطّات الصعبة والخطيرة، وأدلى بالكثير من التصريحات والأقوال التي سكت عن قولها الكثيرون، وواجه رؤساء الجمهورية ورؤساء الوزارات وسائر المسؤولين وكبار القادة الروحيين والزمنيين بصراحته وصدقه المعهودين.وقد تعدّدت مواقفه الشجاعة في مخاطبة الكبار وفي إبداء آرائه وفي إظهار موقف الطائفة الدرزيّة في المحطات الصعبة والخطيرة وإزاء القضايا الوطنيّة والعربيّة والإسلاميّة. ومن الصعب استعراض جميع هذه المواقف وأقوال الشيخ محمد فيها التي كثيراً ما تردّدت ولا تزال تتردد على ألسنة الناس، لذا نكتفي بذكر بعضها كنماذج.
منذ أن طُلب الشيخ محمد لتسلّم مشيخة العقل، وقبل أن تبدأ مسيرته فيها، اتخذ موقفاً يدلُّ على شممه وإبانه، وحرصه على كرامة المشيخة التي يجب أن تولّى لا أن تُطلب، وهو رفضه الوصول إليها من باب أية زعامة، ورفضه القدوم من سورية إلى لبنان إلا بصفة شيخ عقل.
كان الشيخ محمد رجل المواقف التوحيديّة الدرزيّة، يشدّد دائماً على وحدة طائفته ويعمل على تحقيقها وعلى إزالة الخلافات الداخلية وكل ما ينال منها، وكثيرة هي دعواته لِلمِّ شملها وجمع أبنائها تحت شعار التوحيد مما حمل بعض القادة الدروز على القول عنه إنّه كان “يلفُّهم بعباءته”. فلقد تمكن مثلاً في سنة 1958 بوقفته الشجاعة في الباروك أن يعيد إلى الدروز وحدتهم التي حاول الرئيس كميل شمعون وأعوانه زعزعتها، وإحداث الفتنة بين الدروز. وحاول مراراً رأب الصدع الدرزي الناتج من الخلاف حول انتخاب شيخ العقل سنة 1954 إلى أن أثمرت جهوده وجهود سائر القادة عن المصالحة السياسيّة والروحيّة العامة في أواخر سنة 1966.
انسجم الشيخ محمد في الكثير من المبادئ والمواقف مع القائد كمال جنبلاط، والتقى وإياه في العديد من المواضيع الإصلاحيّة على صعيد لبنان، وفي المواضيع الإصلاحيّة على صعيد الطائفة الدرزيّة. وقد آزره في إنهاء عهد الرئيس بشاره الخوري، وفي عدم التجديد للرئيس كميل شمعون، والتقى وإياه في تأييد الرئيس فؤاد شهاب. كما آزر وليد بك جنبلاط في قيادته الناجحة للطائفة خلال الأحداث اللبنانيّة. ومما يذكر عنه نزوله من عماطور، بعد تسلّمه للمشيخة بقليل، لمؤازرة كمال جنبلاط عندما جرى التحامل عليه في المجلس النيابي، وخرج منه غاضباً، وبهذا وقف إلى جانبه ضد سياسة الإرهاب الفكري. ومما يؤثر عنه عدم استقباله وفد الحكومة السوريّة التي قامت بالانفصال عن الجمهوريّة العربيّة المتحدة سنة 1961 ،معتبراً هذا الانفصال ضربة للوحدة العربيّة.
عمل الشيخ محمد مع مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على تحقيق وحدة المسلمين. كما عملوا مع رؤساء الطوائف المسيحيّة على تحقيق وحدة اللبنانيين حين تصدّعت بسبب الاختلاف حول انطلاقة العمل الفلسطيني المسلّح ضد إسرائيل من لبنان، وحين زاد تصدّعها بعد نشوب الحوادث اللبنانيّة في سنة 1975.
قدّم الشيّخ محمد مشروع حلٍّ لإنهاء الحوادث اللبنانيّة رحّب به أكثر القادة، إلا أنّ الرئيس إلياس سركيس لم يسر به. ومن أجل منع قيام حرب الجبل بين الدروز والمسيحيين زار الشيخ محمد القصر الجمهوري وقابل الرئيس أمين الجميل وقائد “القوات اللبنانيّة” فادي إفرام، وعرض عليهما مشروع حلٍّ متكامل لقضية الجبل انطلاقاً لحل المشكلة اللبنانية، لكن اليد الدرزيّة الممدودة عبر الشيخ محمد إلى المسيحيين وإلى الحكم الذي يهيمنون عليه، لم تقابل يبد ممدودة، لأن “ القوات اللبنانيّة” اختطفت القرار المسيحي، فكان ذلك من أهم أسباب حرب الجبل.
لم يترك الشيخ محمد مناسبة إلا وذكّر فيها بضرورة وحدة المسلمين والعرب لجهاد الصهاينة الذين كان يعتبر الجهاد ضدّهم فرض عين، ويكفل الدروز في القيام بذلك. وقد توجّه إلى دروز فلسطين عند قيام حرب تشرين المظفَّرة في سنة 1973، طالباً منهم المسارعة إلى الثورة على الصهاينة. وتكلّم في الاحتفال بحلول القرن الخامس عشر الهجري، في 9 كانون الأول 1979، فناشد العاهل السعودي الملك خالد أن يدعو إلى مؤتمر في مكّة المكرّمة منطلق الهجرة الأولى للمسلمين، لإقرار ما يجب عمله. وقد قوبلت بالتصفيق مراراً كلمته الحماسية التي تذكّر بأسباب قوّة المسلمين عند انطلاقة الإسلام وبأسباب ضعفهم الحالي، والتي تدعو إلى عدم التأخر في إعلان الجهاد المقدّس لتحرير فلسطين.
اشتهر الموّحدون الدروز عبر تاريخهم بالاتجاه العربي الإسلامي، وعبّروا عنه قولاً وفعلاً. ويكتسب التعبير عنه على لسان رئيسهم الروحي الشيخ محمد أبو شقرا أهمية كبيرة في مرحلة إقامة الكيان الإسرائيلي في فلسطين واشتداد أخطاره على جميع الدول العربيّة مما يستدعي من جميع القادة والمسؤولين والفعاليات الزمنية والروحية حشد القوى في مواجهة هذه الأخطار وسواها من الأخطار الخارجيّة.

سماحة-الشيخ-أبو-يوسف-علي-عب1
أثناء افتتاح دار الطائفة الدرزية في فردان في 4 نيسان 1965 ويبدو من اليمين النائب نجيب صالحة، النائب بهيج تقي الدين، سماحة الشيخ أبو يوسف علي عب

الدور الكبير
إن دور أي منصب أو موقع ديني أو سياسي ِأو اجتماعي أو عسكري يزداد فعاليّة أو ينقص تبعاً لشخص متسلّمه ومقدرته وكفاءته. فهو عند البعض اعتيادي أو دون ما يستحقه المنصب أو الموقع، وهو عند النخبة كبير، كما هو متألق عند القّلة من هذه النخبة. وهكذا كان دور الشيخ محمد أبو شقرا الذي تألق بأعماله وإنجازاته ومواقفه التي جرى الحديث عن بعضها فتألقت معه مشيخة العقل وتعملقت، وبلغت على يده عصرها الذهبي وتعزّز شأنها بين الرئاسات الروحيّة.
تألّق دور الشيخ محمد أبو شقرا إبان ثنائية مشيخة العقل بين سنتي 1949 و 1954، وتألّق في ثلاثيتها بين سنتي 1954 و 1970، ثم تألّق أكثر عندما توحّدت المشيخة بشخصه من سنة 1970 إلى حين وفاته في سنة 1991. وقد ترافق توحّدها هذا مع توحّد القيادة السياسيّة بشخص وليد بك جنبلاط. وتكاملت هاتان القيادتان وعملتا معاً في سبيل مصلحة الطائفة الدرزيّة واجتيازها بنجاح أصعب المراحل التاريخيّة.
تعدّى دور الشيخ محمد أبو شقرا الإطار الدرزي فعمل على حل مشكلة المقاصد الخيرية الإسلاميّة القائمة بين الرئيس صائب سلام ومعارضيه. وطٌلب منه إنهاء النزاع بين الإمام موسى الصدر وكامل بك الأسعد. كما إنه قبل طلبا من عائلات زغرتا للتوسط وإنهاء نزاع بينها أدى الى وقوع عشرات القتلى، وقد نجح الشيخ محمد في تحقيق المصالحة التي تمت بإشرافه ومباركته. بل أن دوره تعدّى الإطار اللبناني عندما طلب توّسطه بين الهند وبنغلادش لإطلاق سراح الأسرى الباكستانيين المحتجزين لدى الهند.
قُدِّر للشّيخ محمد أبو شقرا أن يتسلّم مشيخة العقل لمدّة طويلة بلغت الاثنتين والأربعين سنة حفلت بعطاءات وإنجازات كانت على مستوى عزمه وحيويته ونشاطه الذي لا يعرف الكلل ولا الملل حتّى بدا كأنّه فريق عمل. وكانت أيضاً على مستوى التحديات والمراحل الصعبة والمحطات المصيريّة. وكان من حسن حظّ الموحِّدين (الدروز) وجود الشيخ محمد قائداً روحياً لهم في هذه المراحل والمحطات.
اختلف الناس بشأن الشيخ محمد كما اختلفوا بشأن أي رجل عظيم. لكن المختلفين بشأنه متفقون على أنّه قائد عظيم وشيخ علم بارز من شيوخ الموحِّدين الدروز وعلم من أعلام الوطنيّة، أشاد به الكثيرون في حياته، وأشاد به الكثيرون في يوم مأتمه، وأصدرت الضحى عدداً خاصاً في أربعينه تضمن أهم مواقفه وما قيل في مدحه والثناء عليه. ومن أفضل القصائد التي قيلت فيه قصيدة الشاعر أديب العطّار، التي قالها بمناسبة افتتاح المؤسسة الصحيّة في عين وزين ومنها البيت التالي:
لـــــم تعرف الأجيــــــــــال مثـــــلك سيّـــــــــــــــــــــدا للعقل من بعد الأمير السيّد.

آل الحمدان

اَلُ الحمدان

في تاريخِ جبلِ حَوْرانَ

جرى الحديث عن اَل حمدان في تاريخ جبل لبنان، وعن أصلهم ونَسَبِهم، وذلك في العدد 17 من مجلّة “ الضّحى”. وفي ما يلي سيجري الحديث عن أقربائهم في تاريخ جبل حوران. وإذا كان لهذين الفرعين الحمدانْيّين تاريخ مشترك في شمال سورية وفي النزوح منه إلى جبل لبنان، ونزولهم في منطقتي “ الغرب” و “المناصف”، فإنّه صار لكلٍّ منهما تاريخ منفصل عن الاَخر منذ نزوحهم من المنطقتين المذكورتين.

نزوح الحمدان إلى جبل حوران
عُرِف آل حمدان في جبل حَوران باسم آل الحمدان وباسم الحمدانيين، لذا سنذكرهم بهذين الاسمين. كما سنذكر الجبل باسم “جبل حوران” لأنّه الاسم المتداول في زمنهم قبل أن يصبح جبل الدّروز، ثم جبل العرب، وأخيرًا محافظة السّويداء التي هي إحدى المحافظات السّوريّة.
أنشأ الأمير فخر الدّين المعني الثاني علاقات مع قبائل حوران، ورمّم قلعة صرخد (صلخد) في جبل حوران، وجعلها مخزنًا للحبوب، إلا أنّ هذا لم يتعدَّ إنشاء قاعدة مؤقّتة للحكم المعني، وذلك في إطار سياسة الأمير التّوسّعية التي أعقبت عودته من أوروبا سنة 1618.
يقترن أول نزوح درزي إلى جبل حوران بغية توطُّنه بتاريخ محدَّد، هو سنة 1685، وبأمير اسمه علم الدّين، مختلف على نسبه، إذ يقول البعض إنّه مَعْنيٌّ، ويقول البعض الآخر إنّه يمنيّ، ويقول أمين بك آل ناصر الدّين إنّه من آل ناصر الدّين التّنوخيين وإنه لجأ إلى جبل حوران خوفًا من انتقام الأمير أحمد المعني منه لجريمة ارتكبها1. وتتّفق الرّوايات على أنّ الأمير علم الدين عاد إلى لبنان وعاد معه بعض من رافقوه الذين هم عند البعض 150 فارسًا مع عيالهم، وعند البعض الآخر 1500 نسمة.
وتتفق معظم الرّوايات أيضًا على أن حمدان الحمدان من قرية كفرا (الغرب) هو من ثبَّت أقدام النازحين إلى جبل حوران، فيما هو في نظر المؤرِّخ سليمان أبو عز الدين أول النازحين. وقد ذكر هذا نقلاً عمّا سمعه من أعيان دروز حوران أثناء زيارته لهم في سنة 1897، في مقالة له بعنوان “توطّن الدروز في حوران” نشرتها مجلة “الكلّية”2. كما أنّ المؤرِّخ الدّمشقي نعمان قساطلي رأى قبل المؤرِّخ سليمان أبو عزّ الدين أنّ الحمدان هم أوّل من توطّن الجبل، وذلك في مقالته عن الجبل في سنة 1910 في مجلة “الهلال”3.
إنّ أبرز النزوحات الدّرزية الأولى إلى جبل حوران هي نزوح سنة 1685، ونزوح سنة 1711. إلا أن هناك نزوحات بينهما منها نزوح حمدان الحمدان المختلف على تاريخه، بسبب اعتباره من البعض أوّل النازحين، وبسببه عدم وضوح تاريخ إحراق كفرا، والمُختَلف فيه أيضا على علاقة آل الحمدان بالأمير علم الدين، إذ من الروايات ما ينفي أية علاقة بين الفريقين.
أما لماذا نزح الموحِّدون (الدّروز) إلى جبل حوران في أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر، فهذا عائد إلى الصراع القيسي اليمني الذي أسفر عن مواقع كثيرة انتصر في معظمها القيسيون على اليمنيين، وتوَّجوا انتصارهم عليهم في موقعة عين داره في 5 آذار 1711، ومن فصول هذا الصّراع هجوم آل تلحوق القيسيين بقيادة الشيخ بشير تلحوق على قرية كفرا (الغرب)، قرية الحمدانيين، وإحراقهم لها، واضطرار حمدان الحمدان وسائر الحمدانيين إلى تركها.

ساحة المشنقة في السويداء التي كانت تعرف بـ مشنقة الحمدان
ساحة المشنقة في السويداء التي كانت تعرف بـ مشنقة الحمدان

التوطُّن في جبل حَوران
أقام النازحون الأوائل في مطحنة الدّنيفات أولّاً، وفي إحدى الرّوايات في شمسكين، أي الشيخ مسكين. كما أقاموا في خربة الدّلي الواقعة إلى الغرب من إزرع. وبعد التحاق نازحين جُدُد بهم انتقلوا جميعًا إلى قرية تُبْنَة الواقعة إلى الغرب من اللّجاه المُسمّاة أيضًا “الوعرة” لوعورة مسالكها، وقد شكَّلت للموحِّدين (الدّروز) الحصن المنيع للاحتماء به في حروبهم أثناء تصدِّيهم للحملات المصريّة والعثمانيّة والفرنسيّة. وتقع اللّجاه على حدود المقرن الشّمالي والمقرن الغربي من جبل حوران، ذلك أنّه جرى تقسيم الجبل، انطلاقًا من وسطه حيث تقوم السّويداء، إلى أربع مناطق سمَّوها مفارق أو مقارن، هي المقرن الشّمالي، والمقرن القبلي أي الجَنوبي، والمقرن الشّرقي، والمقرن الغربي. وهذه التّسميات مبنيّة على معنى “المقرن” اللغوي، الذي يعني قطعان الغنم التي ترد إلى الجبل من الجهات الأربع، لترعى فيه.
أقام النازحون في تُبْنة لمدّة سنتين ازداد خلالهما عددهم، بفضل من لحقوا بهم من اليمنيّين على إثر هزيمتهم في عين داره سنة 1711، وإحراق قرية كفرا (الغرب) قرية الحمدانيين. فانتقلوا إلى المَجْدَل وريمة اللّحف، أي ريمة لحف اللجاه، المسمّاة أيضًا ريمة الفخور نسبة إلى آل أبو فخر تمييزًا لها عن ريمة خازم الواقعة أيضًا في جبل حوران. ونزل حمدان الحمدان في قصر في نجران معروف بـ “قصر مقري الوحش”. حيث عثر في أحد جدرانه على كميّة من النقود الذهبية -حسبما يروى- كانت من أسباب غناه.
كان جبل حوران مسكونًا من بعض البدو المستقرِّين، وبعض عشائر سنِّيّة ومسيحية، يتحكَّم بها البدو الذين يتخذون من الجبل ممرًّا أو مرعى لقطعانهم في فصل الصيف، ويفرضون الضرائب، ويعيثون خرابًا في الأملاك. وكانت علاقة البدو مع النازحين الدّروز علاقة مسالمة وصفاء في بادئ الأمر. إلا أنّهم ما لبثوا أن نظروا إليهم نظرة حذر وريب وخوف منهم، ومن تزايد أعدادهم، ومن مقاسمتهم الأراضي التي تسرح فيها مواشيهم، فقد صمَّموا على قتالهم وإخراجهم من المنطقة، وظنُّوا ذلك سهلاً كما فعلوا من قبل مع فئات عدة تمكنوا من تهجيرها. لكنّ المتوطِّنين الجُدُد كانوا رجال حرب أشدَّاء، متمرِّسين في القتال، فصمدوا بقيادة حمدان الحمدان، واستبسلوا زيادة في الدفاع عن مواقعهم، لاعتبارهم المعركة معركة حياة أو موت، إذ إنّ نهايتهم ستكون التّهجير من جديد بعد أن هجروا أوطانهم الأصلية، أو ستكون الذلّ والخضوع لسيطرة البدو الذين لا يرحمون.
وبما أنّ مهاجميهم كثيرو العدد، وهم من قبائل زبيد والسّرديّة والفحيليّة، اضطرَّ النازحون إلى الاستنجاد بأعداء أعدائهم، أي أبناء قبيلة المخمس، فآزرهم هؤلاء، وساهموا في صمودهم وانتصارهم، فسمّوهم الجوابرة، أي الذين جبروا خاطرهم وأنجدوهم عند الضّيق، ووقَوْهم شرّ الهزيمة.
كان لانتصار النّازحين بقيادة حمدان الحمدان أثره الكبير، ونتائجه البعيدة المدى، إذ إنّه من ناحية ثبَّت أقدامهم، وكبَّر شأنهم، وعظَّم هيبتهم في عيون مجاوريهم ومساكنيهم حتى بات الجميع يتهيَّبونهم ويحسبون ألف حساب قبل أن يخاصموهم. ومن ناحية أخرى سَرَّع وكثَّف عمليات نزوح الموحِّدين (الدّروز) من جميع المناطق الشّامية إلى جبل حوران، لأنهم رأوا فيه مكان العيش الكريم، وفسحة الحريّة المنشودة، والملجأ الأمين، والحِصن الحَصين، والمستقَرّ المضمون. وكلّ هذا صبَّ في مصلحة حمدان الحمدان بالتّأكيد على قيادته، وعلى استمراريّة هذه القيادة بشخصه وبأشخاص ذرّيته من بعده.

“انتصار النّازحين بقيادة حمدان الحمدان ثبَّت أقدامهم في جبل حــــــــوران وفتح باب النــــــــزوح إليــــه من جميع المناطق الشّـــــامية”

وبعد أن كان البدو لا يعترفون للفلاّح في جبل العرب بحق الجيرة والحمى إلا بما يحيط بمنزله فقط، أصبح الجبل كلّه بقراه وأهاليه وأراضيه حمًى واحداً، يهبُّ أبناؤه للدّفاع عن نزيل أيٍّ منهم، والدّفاع عن أرض أي فلاح، واسترجاع ماشية أيّ إنسان أو أية قرية، يسلبها البدو، حتى إن أهل الجبل كثيراً ما استعادوا المواشي المسلوبة من أطراف نجد في المملكة العربية السّعودية.
توطَّن حمدان الحمدان والنّازحون الأوائل في قرى المقرن الغربي الذي هو الممرُّ الرئيس للقادمين إلى الجبل من المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدّروز) في لبنان وفلسطين وسورية. وبعد ذلك تمدَّد التوطّن إلى السّويداء ومقارن الجبل الأخرى إبتداء بالمقرن الشمالي فالشّرقي فالقبلي (الجنوبي). وما تناقله الرواة، وما جاء في كتب الرحَّالة الأجانب، لاسيّما الرحّالة جون لويس بركهاردت، يفيد عن قلة عشائر الجبل السنّية والمسيحية قبل تكاثر الدّروز فيه، كما يفيد عن أنّ قراه، بما في ذلك أمّاتها: السّويداء وشهباء وصلخد، كانت بقايا آثار، وبيوتًا مسكونة بأُسَر قليلة. لذا كانت القرى المهجورة والبيوت الخَرِبة تنتظر من يعيد بناءها ويؤهِّلها للسّكن، وكانت الأراضي الواسعة والخصبة تنتظر من يستغلّها في الزرع.
ازداد التوطُّن في الجبل بفضل دعوات حمدان الحمدان وأبنائه، وتشجيعهم على النزوح إليه، فعُمّر وتحوَّل من حالة البداوة إلى حالة الحضارة، ومن منطقة قليلة السّكان إلى منطقة عامرة. كما أن اسمه الذي استقرَّ عليه (جبل حوران) بعد اسمه العربي (جبل الريّان) تحوّل إلى اسم (جبل الدروز) لتكاثر بني معروف (الدروز) فيه، ولتشكيلهم أكثريّة سكانه منذ أواخر القرن الثامن عشر. فغدا اسمه جبل الدروز منذ أوائل القرن التاسع عشر في التعابير المحلية، ومنذ أواخر هذا القرن في التقارير الرسمية. ثم سمِّي مؤخَّرًا جبل العرب لنفي أبنائه الدروز الصّفة الفئوية المذهبيّة عنه، وليصبح اسمًا على مُسَمّى، أي جبل العرب المسلمين الموحدين الذين يعتزّون بعروبتهم وبمساهمتهم في التاريخ العربي والإسلامي، ويعتزّون خصوصًا بنضالهم الوطني والقومي بقيادة أحد رموزهم سلطان باشا الأطرش، ابن جبل العرب.

المَشْيَخة الحمدانيّة في جبل حوران
نزح حمدان الحمدان من كفرا (الغرب) إلى جبل حوران وبرفقته أخوه، فيما يذكر حنا أبي راشد أنه نزح وحده من كفرا وأن أخاه هو أخ بالتعاهد لا من الأب والأم، وأن اسمه خليل الحمدان، نزح من صفد في فلسطين، ونزل ضيفًا عليه فأحبَّه وقرَّبه منه وتآخيا على الحياة والموت4. وهنا يصح التساؤل: كيف أصبح حمدان الحمدان شيخًا في جبل حوران وليس له إلا أخ واحد من دمه أو بالتعاهد؟ وفي رأينا أنه غدا شيخًا في الجبل لأنه كان شيخًا لقرية كفرا وقد نزح منها ومعه بعض أقربائه وبعض أهلها، ولأنّه كان أيضاً الأبرز بين سواهم من النازحين الذين قدَّموه عليهم. وفي اعتقادنا أنّ اَل الحمدان لم ينزحوا دفعةً واحدةً، وأنّ آخر النازحين منهم نزحوا عقب هزيمة اليمنيين في موقعة عين داره.
كانت الأكثرية الساحقة من النّازحين من العشائر العاميّة، وممّن جار عليهم حكّامهم، فهربوا من ظلمهم وإجراءاتهم، أو جار عليهم زمانهم فألجأتهم الحاجة إلى النّزوح، أو تركوا مواطنهم بسبب المنازعات، فكانوا يصلون أولاً إلى دار حمدان الحمدان أو دار من خَلفَه من أبنائه وأحفاده، فيسمّي لهم قرية يقيمون فيها، ويعيِّن عليهم شيخًا هو، على العموم، كبير النازحين، هذا إذا لم يكن في القرية المسمَّاة شيخ من آل الحمدان. فلقد لاحظ بركهاردت، الذي قام برحلات في جبل حوران من سنة 1810 إلى سنة 1812، أنّ أكثر من ثماني قرى يرأسها أقرباء الحمدان، وأنّ الرّؤساء الآخرين هم من العائلات الدّرزيّة الكبرى5. كما أنّ الشّيخ الحمداني بلغ من القوة حدًّا سمح له بالتحكُّم في تعيين مشايخ قرى السّهل الحوراني، المتاخمة للجبل، إذ لا يعيَّن شيخ عليها إلا بموافقته.
وكما كان للشّيخ الحمدانيّ سلطة تعيين الشّيوخ على القرى، وحقّ إسكان النازحين في أي مكان، كان بإمكانه أن يُرَحِّل من يشاء، إذ رحَّل العديد من الأسر، لكنّه عجز عن ترحيل القويّة منها كآل أبو فخر، مثلاً، الذين أبدوا مقاومة له. ولم يكن تغيير المكان بالأمر الصّعب، إذ يستطيع ربّ البيت أن يحمّل أمتعته على جمل أو حمار ويرحل مع أفراد عائلته. كما أن إيجاد البديل عن مكان السّكن كان سهلاً لكثرة البيوت المهجورة، ولكثرة القرى الخَرِبة الخالية أو شبه الخالية من السّكان. وتِبْعًا لذلك كان سكان القرى ينقصون أو يزيدون. فمدينة صلخد التاريخية –وهي ثالث مدينة في الجبل حاليُّا- كانت مأهولة في أواخر القرن الثامن عشر، وغدت في سنة 1810 خالية من السكان.
كان شيوخ القرى مرتبطين بالتّبعيّة بالشيخ الحمداني، يدفعون له الضّرائب المترتّبَة عليهم، ويدفع هو منها ما يترتّب للمتصرّف العثماني في حوران. كما كانوا يسيرون على رأس مقاتلي قريتهم للقتال معه عند الحاجة. وإذ تتسلسل أهميّتهم تبعًا لقوة عصبيّات عشائرهم، أو تبعًا لعددها أو قدمها في توطُّن الجبل، يبقى الشّيخ الحمداني الشّيخ الأكبر، أي شيخ المشايخ. وعلى هذا الأساس استقرَّ الحكم العشائري في جبل حوران زمن المشيخة الحمدانية حيث كانت أمور كلّ قرية تُبحَث في مجلسها من قبل شيخها وشيوخ عشائرها، فيما كانت الأمور العامّة تُبحث في مجالس شُورى تضمّ شيوخ القرى والعشائر وعلى رأسهم الشّيخ الحمداني.
كانت علاقة الشّيوخ الحمدانيين حسنة مع باشوات دمشق، وظلّت كذلك حتى أواخر الرّبع الأوّل من القرن التاسع عشر، إذ إنّ الدولة العثمانية كانت تحكم جبل حوران عن طريقهم، شأنه في ذلك شأن الكثير من الأطراف البعيدة عن المركز، مستغنية بذلك عن حكم عصبيته المذهبية الدّرزية بطريقة مباشرة، وبإرسال الموظّفين والجنود. وبفضل هذه العلاقة الحسنة، وطريقة الحكم غير المباشر، تمتّع الشّيوخ الحمدانيّون بالامتيازات والحقوق التّالية:

في-منازل-وأحياء-كهذه-مبنية-كلها-من-الأحجار-البازلتية-البركانية-سكن-المهاجرون-الأوائل-بزعامة--آل-الحمدان-وأعمروا-الجبل
في-منازل-وأحياء-كهذه-مبنية-كلها-من-الأحجار-البازلتية-البركانية-سكن-المهاجرون-الأوائل-بزعامة–آل-الحمدان-وأعمروا-الجبل

• الزّعامة الأولى في جبل حوران وما يتّصل بها كإعلان الحرب، وإجراء السلم، والدّعوة إلى الاجتماعات، وعقد الاتّفاقات، والتكلّم باسم الأهالي، وتعيين الوفود لمقابلة المسؤولين.
• حقّ تعيين الشّيوخ في القرى.
• جباية الضّرائب ودفع المطلوب منها للدّولة.
• قبول النّازحين الجدد.
• استضافة الغرباء.
• ترحيل المُقيمين وفق مبدأ ألّا يملك الفلاح إلّا باب بيته.
• أخذ ربع إنتاج الفلّاحين.
• السماح للبدو بالمرور في الجبل مقابل جزية تسمّى “القود”، وبالإقامة المؤقتة مقابل جزية تسمى “القلاط”، وبالإقامة الطويلة مقابل جزية تسمى “القُصْرَة”، وذلك كي يحقّ للبدو الاستفادة من مراعي الجبل ومياهه.
• أخذ رسم “الحوّاط” ورسم “الخُلْعة” أي ما يخلع على العريس، ورسم الزواج من المسيحيين.
• أخذ ضريبة المَنْزول (المضافة).
• أخذ شاة من كل قطيع يرعى في الحمى، وخُمس ما يولد من ذكور الأغنام والماعز.
• حقّ تسخير الفلاّحين.

جدول بأسماء اّل حمدان حتى سنة 1925
تميّز اَل الحمدان بأنهم لم يتكاثروا، بل ظلّوا قلائل خلال قرنين وربع. وفي ما يلي ثَبْتٌ بأسمائهم حتى سنة 1925 اعتماداً على حنّا أبي راشد الذي قام سنة 1925 بجولات ميدانيّة في جبل حَوران، المعروف اَنذاك باسم “ جبل الدروز” وسلسل أسماء اَل حمدان بدءاً بحمدان الحمدان، وبأخيه (خليل). إلّا أنه، في رأينا، لم يذكر جميع أسمائهم بدليل أنّه لم يذكر شبلي الحمدان الذي ذكره الرحّالة بركهاردت، وابن شبلي الذي ذكره الرحّالة بورتر، والأخوين حمد ومحمود وابن محمود (خطّار) الذين ذكرهم حيدر الشهابي، وسترد هذه الأسماء لاحقاً، وبدليل أنّ هناك العديد من الشّيوخ الحمدانيين غيرهم، ومنهم وهبي ابن شيخ السّويداء (حسين)، وخزاعي الحمدان وشيخ السويداء وهبي الذي كان معاصراً لشيخ عرى شبلي الحمدان ومنهم الشيخ سلامة حمّود والشيخ سليمان حمّود.
المشيخة الحمدانية في السّويداء
أثناء إقامته في نجران بالمقرن الغربي علم حمدان الحمدان أنّ إلى الجنوب الشرقي منها مدينة كبيرة دارسة اسمها السويداء، وأنّ الإقامة فيها أفضل من إقامته الحالية. ففضَّل الانتقال إليها تاركًا نجران لأخيه خليل. وأخذ السّويداء من عشيرتين كانتا تتناوبان المَشْيَخة فيها، هما عشيرة إسلامية من بني سويدان، وعشيرة مسيحيّة معروفة بدحدل.
إنّ السّويداء مدينة تاريخية قديمة، غنيّة بالآثار الّنبطية والرّومانية، لا يقلّ محيط خرائبها عن عشرة أميال، الأمر الذي وفّر للشّيخ الحمداني الإقامة في أحد دورها الكبيرة، ووفَّر للقادمين الكُثُر إليها بناء منازل من حجارتها ومن حجارة خرائب سيع القريبة منها. ومُناخ السّويداء جيد ومعتدل، وهي وسط الجبل، وعقدة المواصلات فيه، وكانت على طريق الحجّ سابقًا بدليل وجود بركة للمياه اسمها “بركة الحَجّ”، وحولها أراض واسعة وغنيّة. كلّ هذا وفَّر للسويداء عوامل النمو، فغدت أكبر بلدات الجبل، وقاعدته أو عاصمته، ومقرًّا للشيخ الحمداني.
تسلَّم مشيخة السويداء بعد حمدان الحمدان أبناؤه وأحفاده. ويذكر حنّا أبي راشد أنّ يوسف ـــ وهو حفيد خليل الحمدان الذي ورد ذكره عنده كأخ لحمدان الحمدان الأوّل بالتّعاهد- انتزع زعامة السّويداء من يحيى الحمدان، ورحَّله إلى عرى، وحين شبّ ولدا يحيى: هزاع وواكد استرجعا السّويداء، وظلّا زعيمَيّ عرى والسّويداء إلى أن انتزعهما منهما آل الأطرش6. وقد لجأ الشّيخ بشير جنبلاط وأخوه الشّيخ حسن إلى الشّيخ الحمداني في السّويداء عندما تركا الشّوف بعد أن قضيا على ابني عمّهما الشّيخ نجم جنبلاط، في نيسان 1793، وقد أمضيا في ضيافته في السّويداء مدة سبعة أشهر.
تخلَّى الأمير بشير الشّهابي الثاني عن الإمارة في سنة 1820، ولجأ مع حليفه الشّيخ بشير جنبلاط إلى جبل حوران، وبعد أن رضيَ عنه والي صيدا عبد الله باشا عاد إلى شفا عمرو في فِلِسطين فيما بقي أبناؤه والشّيخ بشير جنبلاط في ضيافة آل الحمدان. وقد وصف المؤرِّخ حيدر الشهابي إكرام الشّيوخ الحمدانيين للشّيخ بشير جنبلاط ولأبناء الأمير بشير ومرافقيهم، فقال: “وفي 2 رمضان 1236 [3 حزيران 1821م] رجعوا المراسيل من عند الأمير بشير يأمر أولاده وناسه بالتوجّه لعنده حالاً فساروا من قرية “الكفر” نهار الأحد في رمضان إلى نبع خراشي الذي شرقي قرية السويده [السويداء] وحضروا المشايخ بيت الحمدان لوداعهم. وقد كانوا المشايخ المذكورين في مدّة إقامة الأمير وناسه في جبل حوران أبدوا كل خدامة ومعروف في الزخاير والإكرام وقدَّموا كلما قدروا عليه. وهم أناس مشايخ دروز حوران. ولم يوجد أكرم منهم في تلك البلدان. وهؤلاء أصلهم من بلاد الدّروز من مقاطعة الغرب من قرية كفرا التي هي الآن خراب فحضر جدّهم حمدان لديار حوران واقتنى قرايا ومواشي. وتظاهر عند الدّول إلى أن حصلوا على هذه الحالة والذين هم موجودين الآن من أكابرهم المشايخ يوسف ويحيى وحمد وأخوه محمود والد خطَّار”7.
ويذكر المؤرِّخ حيدر الشهابي أيضًا لجوء آل الحمدان إلى جبل لبنان سنة 1244هـ= 1828/ 1829م، وإكرام الأمير بشير الشهابي لهم، فيقول: “وفي هذه السنة غضب صالح باشا والي الشام على بيت الحمدان مشايخ حوران وقبض على كبيرهم الشّيخ يوسف، وبعدما سلب ماله قتله. فنزحوا جميع أهله إلى جبل الشّوف فقبلهم الأمير بشير بكلّ إكرام وعَيَّن لهم الميرى وسكنوا في قرية نيحا وقدَّم لهم كلّما يحتاجوا وبقَوْا في حمايته إلى أن عُزِل صالح باشا وولِّي مكانه محمد باشا. فحرَّر إلى الأمير أن يأمرهم في الرجوع إلى أوطانهم وأن يكونوا متسلّمين كما كانوا. فقبل الأمير بشير سؤال الوزير ورجعوا بعدما أكرمهم الأمير في الخُلَع وهم ناشرين رايات الثّنا والحمد من الأمير بشير”8. وقد استقرَّ حسين بن يوسف شيخاً في رساس المجاورة للسويداء. وهنا يصحّ التّساؤل التالي: لماذا سكن اّل حمدان في نيحا ولم يسكنوا عند اّل حمدان في باتر المجاورة لنيحا؟. وفي رأينا أنّ هذا يعود إلى أنّ تاريخ سكنهم يتزامن مع تاريخ غضب الأمير بشير على اَل حمدان لنصرتِهم خصمه الشيخ بشير جنبلاط، ولربما شاء هذا الأمير ردّ الجميل لاَل الحمدان بإنفاقه عليهم.
حضر الرَّحَّالة الأوروبي بورتر إلى جبل حوران سنة 1852، وكتب سنة 1853 عن مشاهداته فيه، فقال: “إنه قابل إبن الشيخ شبلي الحمدان في عرى”. وذكر أربعة زعماء آخرين، وقال: “إنّ الحمدان ما زالت العائلة الأقدم وجاهة”. ووصف الشّيخ واكد الحمدان، شيخ السويداء، فقال: “يمتطي مُهرًا أبيض أنيقًا، ويرتدي عباءة قرمزية وعمامة بيضاء.. من أشرف عائلات حوران، مُعترف به كأعلى مرتبة شيوخ الدّروز. ولكن ليس من شجاعة كبيرة في ميدان القتال”9.

“بقيادة الحمدان تحوَّل جبل حوران من البداوة إلى الحضــــارة ومن منطقة مقفرة إلى منطقة عامرة وتبدّل اسمه إلى «جبل الدروز» بعد أن أصبحوا أكثرية سكــــانه”

المَشيخة الحمدانية في عرى
كان هناك عدة شيوخ من آل الحمدان في قرى الجبل، أبرزهم شيخ عرى الذي يُعتبر الزّعيم الثاني بعد الزّعيم الأوّل المُقيم في السويداء. وكان شبلي الحمدان شيخ عرى في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر. وقد وصفه الرحَّالة بركهاردت بأنّه ألطف وأكرم إنسان تعرَّف عليه في سورية، وأنّه شديد الشّغف بتوسيع معارفه وتعلَّم اللغات الأجنبيّة والاطِّلاع على عادات الأوروبيّين وأخلاقهم، كما أنّه جواد مضياف يطعم أكثر من 40 إنسانًا يوميًّا، بالإضافة إلى الأعراب الذين يمرُّون في طريقهم إلى مضارب البدو. وقد جذب بصفاته هذه، وبتسامحه، الفلّاحين إلى قريته بمن فيهم جميع أفراد الطّائفة المسيحيّة في السّويداء وعلى رأسهم خوري الرّوم حتى صارت عرى واحدة من أكثف قرى المنطقة، “بحيث بات يصحّ القول بأنّه الزعيم الدرزي لحَوران [جبل حوران] مع أنّ هذا اللقب يُطلق على حميّه حسين بن حمدان شيخ السّويداء”10.
كان الشيخ شبلي الحمدان كريماً كمن سبقه ومن أعقبه من الحمدانيّين الذين وصفوا بالجود، وإنّ هذه الصفات التي تمتّع بها، وخصوصاً تسامحه مع الفلاّحين والمسيحيّين، إضافة الى كرمه وحسن ضيافته، ورغبته في التثقّف، هي إحدى الصفحات المضيئة من تاريخ الحمدانيين، الذين تمادى البعض عند الكتابة عنهم، في الحديث عن ظلمهم للفلّاحين.
تقدَّمت في عهد شبلي الحمدان القوّات الوهَّابيّة إلى بلاد الشام، ووصلت طلائعها إلى سهل حوران وتجاوزته إلى جبل حوران في تموز 1810، فبلغت قريتي صَبحة وصُبحيّة اللّتين كانتا خربتين من خرائب الجبل، ضُمّتا فيما بعد إلى شرق الأردن عند تخطيط الحدود بين منطقتي الانتداب البريطاني والانتداب الفرنسي، وقد جرت فيهما الموقعة الأولى مع القوّات الوهّابية، ثم جرت موقعة أخرى معها في عرى حيث هُزمت وارتدّت. وقد رأى الرحَّالة بركهاردت آثار القتال مع الوهّابيين في حقل محروق لا يزال حتى اليوم يعرف عند أهالي عرى بـ “كرم المْوَهّب” نسبة إلى الوهابيين، وقد غنم شبلي فرس وبندقيّة القائد الوهابي الذي قتله.

المهارة القتالية للدروز وشجاعتهم الأسطورية كانت العامل الأهم في تثبيت استقرارهم في الجبل ونجاحهم في إعماره
المهارة القتالية للدروز وشجاعتهم الأسطورية كانت العامل الأهم في تثبيت استقرارهم في الجبل ونجاحهم في إعماره

في الثورة على إبراهيم باشا
أرسل محمد علي باشا، والي مصر، ابنه ابراهيم على رأس ثلاثين ألف جندي لاحتلال بلاد الشام التي طمع بالسيطرة عليها وانتزاعها من السلطان العثماني محمود الثاني. وبعد احتلال ابراهيم باشا لها تقرَّب من السكّان، وأصلح النّظام الضرائبي، وأضعف الإقطاع، وأنشأ مجالس المَشورة لإدارة المدن، ووضع الأنظمة الحديثة، وحقَّق المساواة بين النّاس أمام النّظام، وألغى تمييز المسلمين عن النّصارى. فبدا الحكم المِصري في بدايته أفضل من الحكم العثماني في أعين النّاس.
لكنَّ ابراهيم باشا ما لبث أن عدَّل في سياسته، فاتّخذ، بضغط من الحاجة، ومن ضرورات الاستعداد والتجهُّز لمتابعة القتال ضدّ الدولة العثمانية، مجموعة من الإجراءات والتّدابير التي ضايقت الناس ونفَّرتهم من الحكم المصري ودفعتهم إلى الثّورة عليه، هي زيادة الضرائب، وإحتكار بعض السلع، والسخرة، ونزع السلاح، والتشدُّد في تنففيذ التجنيد الإلزامي. فقامت بوجهه الثّورات في طرابلس وعكار ومنطقة العلويّين وجبل نابلس والخليل، وفي صفد التي أدت ثورتها إلى نزوح أكثر من خمسمائة عائلة درزية منها إلى جبل حوران. وقد استطاع ابراهيم باشا إخماد هذه الثّورات، وتجنيد السكّان بالقوة بمن فيهم دروز جبل لبنان الذين، بعد أن رفضوا ذلك وفرَّ بعضهم إلى جبل حوران، قبلوا بتجنيد 450 شابًّا بدلاً من 1500 شابّ طلبهم في البداية، لكنّهم اشترطوا بأن يكونوا في فرق خاصة بهم.
وبعد أن أعفى ابراهيم باشا دروز جبل حوران من التّجنيد الإلزامي في سنة 1834، عاد وطلب من شريف باشا حكمدار الشام تنفيذ ذلك. فاستدعى شريف باشا شيوخهم إلى دمشق، فنزلوا اليها وعلى رأسهم الشيخ يحيى الحمدان. وحين طلب منهم تقديم 150 شابًّا للخدمة الإلزامية، أجابه الشّيخ يحيى الحمدان أنه لا يمكن للدّروز أن يقدِّموا شبابًا لأنّهم على تخوم البادية، وبحاجة إلى الرجال ليدافعوا عن قراهم ومزروعاتهم ضد تعديات البدو، وأنّه يمكنهم تقديم ضرائب إضافية عن مائتي فدان إذا أُعفي الجبل من التجنيد الإلزامي11. وعندما ألحَّ الشّيخ يحيى في رجائه إعفاء الدّروز من التّجنيد، غضب شريف باشا وتقدَّم منه وصفعه، وأمره بتنفيذ التّجنيد خلال عشرة أيام. وقد جاء في مخطوطة بعنوان “قصّة اللّجاه” كتبها في سنة 1842 الرئيس الروحي للموحِّدين(الدّروز) في جبل حوران، الشّيخ حسين ابراهيم الهجري، ما يلي:
“فجعل المشايخ يبدون الرّجاء لشريف باشا إعفاءهم عن ذلك، فلم يزداد عليهم سوى حَتمًا وجبرًا وتشديدًا، وجعل يبدي لهم الغيظ والكظم والتهديد، فلجَّ بالرّجاء من أجل هذا الشّأن من أخذته الغَيْرة على العيال والولدان الشيخ يحيى الحمدان طمعًا بقبول الرّجاء، فعند ذلك مشى الوزير بنفسه إليه وقيل إنه صفقه بيده على خدِّه وغضب غضبًا شديدًا عليه12”.
كان دروز جبل حوران يؤمِّنون حمايةً لمنطقتهم تعجز عنها الدولة ويريحون الجيش المِصري من تأمينها، كما أنّ تجنيد 150 شابًّا منهم لن يزيد في قوة الجيش المصري في بلاد الشام، ومع هذا أصرَّ ابراهيم باشا ونائبه في الشّام شريف باشا على ذلك، لا لكسب هذا العدد القليل جدًّا، وإنما للتّمهيد للسيطرة على الجبل وعلى اللّجاه اللّذين أصبحا ملجأً للفارّين والعاصين، يهدِّدون منهما أمن منطقة حوران، وكانا يريدان كسر شوكة الدروز الذين يظهرون آنذاك استثناءً عن محيطهم، وقد تمظهر ذلك بدايةً في إهانة شريف باشا للشّيخ يحيى الحمدان.
عاد الشّيخ يحيى الحمدان ومرافقوه إلى الجبل، واجتمعوا في السّويداء مع سائر الشّيوخ، وتباحثوا في إساءة بالغة لهم ولجميع الدروز ممثَّلةٍ بإهانة شيخهم الأكبر، وفي طلب صعب التحقيق. لقد وُضِعوا أمام أمرين مُرَّين: إمّا إفراغ جبلهم من عدد كبير من شبابهم، وهذا يجعله مكشوفًا أمام غَزَوات البدو، والعيث بالأملاك والمزروعات، والتعدِّي على العيال، وإمّا الثورة وما فيها من صعوبات وخسائر، لأنّهم قلَّة وجيوش ابراهيم باشا كبيرة وقوية، هَزمت الوهابيين واليونانيّين والجيوش العثمانية، وأخضعت كلّ الثّورات في بلاد الشّام. وكان اتخاذ أيِّ قرار بشأن هذين الأمرين صعبًا أمام الشّيخ يحيى الحمدان وسائر الشّيوخ، لذا قرَّروا مشورة الرئيس الرّوحي الشّيخ إبراهيم الهجري، فذهب إليه بعضهم، ودخل عليه الشّيخ حسين أبو عسَّاف شاكي السلاح –وكان في المسجد (المجلس) يتعبَّد- فقال له: “فزت يا أبو عسَّاف دخلت الجنة بسيفك ورمحك”. وكان هذا موافقة منه على ثورة يعتبرها حربًا مقدَّسة؛ وهو القائل: “ما لابراهيم إلا ابراهيم”.
قرَّر دروز جبل حوران الثّورة والهجيج، وكان هذا في كانون الأول 1837. والهجيج هو انتقال الجميع: رجالاً ونساءً وشيوخًا وأطفالاً، مع المواشي إلى مكان آمن. وآمَنُ الأمكنة بالنّسبة إليهم كانت اللجاه أو الوعرة التي تحميهم بكثرة صخورها البركانية ومغاورها، ووعورة مسالكها التي يعرفونها ويجهلها الغرباء. وبدأوا الثورة بمهاجمة القائد علي آغا البصيلي في الثعلة، وكان قد جاء ليباشر بجمع الشّباب وسوقهم إلى الجندية، فأبادوا حملته. وتتالت بعدها الحملات المصرية عليهم، وتتالت وقائعهم معها فبلغت 60 موقعة، أو بحسب مصطلحاتهم، 60 شرًّا أو يومًا أو كونًا، سمّوا بعضها ذبحة كذبحة البصيلي. وقد انتصروا في أكثرها مع أنهم ما كانوا يزيدون عن ألفي رجل، حتى إن لفظة “ درزي” باتت تثير الجزع والخوف في قلوب المصريين لما لاقوه من الأهوال في مواقع اللّجاه مع الدروز. ولا مجال هنا للتكلُّم عن تلك الحملات والوقائع التي تحدّثنا عنها إذ تحدّث عنها الكثيرون13. وإنما هناك ضرورة للتحدُّث عن أبرز الحملات والمراحل، وعن دور الشّيخ يحيى الحمدان.
بعد إبادة الحملة المصرية الأولى أرسل شريف باشا حملة ثانية بقيادة محمد باشا مفتش الجيش المصري، وعددها ثمانية آلاف جندي، وفي المراجع الدّرزية إثنا عشر ألف جندي مزوَّدين بالمدافع التي تعامل معها دروز حوران لأوّل مرة وغنموها وتمكّنوا من سحق تلك الحملة.
إزاء هذا قاد شريف باشا بنفسه حملة ثالثة عددها عشرون ألف جنديّ وفي المراجع الدرزية أكثر من ذلك، لأنها تألّفت من معظم القوات المصرية في بلاد الشام، إضافة إلى جيش يقوده وزير الحربية أحمد منيكلي باشا. لكن الثوَّار هزموها فتشتَّت الناجون منها في مجاهل اللّجاه.

صورة لمجموعة من أفراد قبيلة الرّوله مع أحد الضيوف تعود للعام 1934- تمكن الدروز من كسر شوكة هذه القبيلة التي تحكمت طويلا بالجبل ومراعيه وسكانه
صورة لمجموعة من أفراد قبيلة الرّوله مع أحد الضيوف تعود للعام 1934- تمكن الدروز من كسر شوكة هذه القبيلة التي تحكمت طويلا بالجبل ومراعيه وسكانه

كان يحيى الحمدان، بصفته شيخ مشايخ جبل حوران، القائد الأوّل للثوار، إلا أنّه لم يكن في المواقع الحربية أبرز من بعض القادة المقاتلين الشجعان، وبعض حمَّالي البيارق الذين يصبحون القادة الفعليين في المعارك، لأنّ القتال يتركَّز حول البيرق، وإنّ الدروز الذين يقدِّمون أعيانهم عليهم في المجالس والمضافات كثيرًا ما يتقدمونهم في المعارك، ويبزُّونهم في الشّجاعة والبطولة. ولقد برز لقب “سبع اللجاه” وغيره على العديد من الفرسان، وبرز من الأبطال إبراهيم الأطرش الذي قُتل في إحدى المواقع، وابن أخيه اسماعيل الأطرش، وحسين أبو عسَّاف، وحسين درويش، وقسَّام الحنَّاوي. وكان الشّيخ يحيى الحمدان على رأس مجالس الشورى التي تُعقد للنّظر في كيفية التصدِّي للحملات الزاحفة، وكيفيّة تحرّك هجيج الدروز وتنقُّلهم في اللّجاه، وكيفيّة توسيع نطاق الثّورة للتخفيف من الضّغط على الثوَّار المعتصمين باللّجاه. وبرز إلى جانبه الرئيس الروحي الشيخ إبراهيم الهجري. ومن محاولات توسيع نطاق الثّورة الطّلب من شبلي آغا العريان إيقادها في سفحي جبل حرمون: الشّرقي والغربي.
بعد أن هزم الثوّار الحملة الثّانية أرسل الشّيخ يحيى الحمدان رسائل إلى بعض أعيان دمشق وغوطتها يستحثّهم على الثورة، ومنها رسالة إلى كلّ من الأعيان الآتية أسماؤهم: شيخ ومفتي قرية الهِيجَانة إحدى قرى المرج، وشمدين آغا أكبر أعيان أكراد دمشق، وأبو السّعود أفندي، وعمر آغا البوزلي من أهالي حي الميدان، وعبد المحسن أحد عساكر الجهادية الفارّين من الجيش المصري. وهذا ملخّص الرّسائل، وهو أن الدروز شتَّتوا العساكر المرسلة إليهم فلم يبقَ منها إلا القليل، وأنهم غنموا المدافع والجبخانة والذخيرة، وأنّهم لا يحتاجون إلى مساعدة، بل هم مستعدُّون لمساعدة أهل الغوطة ودمشق إذا هبُّوا إلى الثورة، ليطردوا المصريين من دمشق “ولينقذ الله جمع الإسلام من قوم أهل ضلال”، وأنّهم، أي الدروز، “يضربون بسيف الله والسلطان فيما غيرهم ماتت المروءة فيه”14.
لكن حكمدار الشام شريف باشا تمكّن من منع قيام الثورة في دمشق وغوطتها بأساليب الشدّة والقمع التي بلغت حد إعدام كل يوم أو كل يومين ثلاثة من الدّروز لإرهاب الناس كما يقول معاصر لذلك.
حين علم إبراهيم باشا بهزيمة الحملة الثّالثة حضر بنفسه إلى جبل حوران، ومعه معظم قواته، وأمدَّه والده محمد علي باشا بنجدات كبيرة، فبلغ مجموع حملته عشرين ألف جنديّ فيهم خيرة القادة والضّباط والجنود، وفيهم القائد سيف المعروف بسليمان باشا الفرنساوي. أحاط إبراهيم باشا باللجاه من كل الجهات، وضيَّق الحصار على الثوّار المحاصرين فيها، وسمَّم ينابيع المياه، وبركها التي تسمَّى الواحدة منها “المصنع” وفي تعابير أهل جبل حوران “المطخ”، لكي يضايق الثوار ويميتهم عطشًا إن لم يستسلموا. وبفضل هذا الأسلوب غير الإنساني وغير الأخلاقي، الذي عارضه ناظر الصحة في جيشه كلوت باشا، استطاع أن يجبر الثوار على القبول بالصّلح والتسوية، بعد أن تمكّن من إخضاع الثورة التي قام بها شبلي آغا العريان في جهات وادي التّيم، وشارك فيها دروز جبل لبنان بقيادة الشيخ حسن جنبلاط والشّيخ ناصر الدين العماد.
كان إبراهيم باشا مضطرًّا لترك دروز حوران وشأنهم والعودة إلى شمال سورية لمواجهة الجيوش التي أعادت الدولة العثمانية تجهيزها. وكان دروز حوران مضطرّين لوقف القتال لعدم قدرتهم على مواصلته بعد خسائرهم البشرية والمادية، وبعد أن أصبحوا وحيدين في معركة غير متكافئة. وتوصّل الفريقان إلى تسوية تقضي بخضوع الدروز التام للحكم المصري، وتسليمهم 700 بندقيّة من سلاحهم و2000 بندقية مما استولوا عليه من أسلحة الجيش المصري، مقابل إعفائهم من التجنيد الإلزامي والسخرة، والسماح لهم بحمل السلاح. وهم يعيبون على إبراهيم باشا تسميمه المياه من أجل إخضاعهم، لكنهم يذكرون مأثرته بعدم السماح لأي جندي بالاعتداء على النّساء.

“كان الشيخ شبلي الحمدان كريماً متسامحا مع الفلاّحين ومع المسيحيّين وكان حسنُ الضيافة راغباً في التثقف فسطّر إحدى الصفحات المضيئة من تاريخ الحمدانيين”

أسباب نهاية المشيخة الحمدانية
عاشت زعامة الحمدان في جبل حوران أكثر من قرن ونصف، وكانوا في البداية حكَّامه، وشيوخ مشايخ عشائره. لكنهم مع الزّمن وجدوا أنفسهم أمام عشائر كثيرة، تزداد أعدادها بفضل النزوحات الفرديّة والجماعيّة المتتابعة، وأكبرها بعد سنة 1711، ونزوح عائلات كثيرة من الجبل الأعلى في سنة 1811 على إثر نزاعهم مع جيرانهم، ونزوح عائلات كثيرة من جبل لبنان على إثر انتصار الأمير بشير الشّهابي على الشيخ بشير جنبلاط سنة 1825، ونزوح أكثر من خمسمائة عائلة من صفد إبّان الثورة فيها على إبراهيم باشا. وكانت من بين هذه العشائر، التي تكاثرت أعدادها في الجبل، عشائر ذات نفوذ في الماضي، مثل آل الأطرش وآل عز الدّين وغيرهم، فيما لم يتكاثر آل الحمدان، بل ظلُّوا قليلي العدد لا يستطيعون تأمين الشّيوخ على القرى إلا لأقل من عشرة.
وبهذا أصبح شيوخ عشرات القرى من العشائر الوافدة التي عمدت إلى تقوية وضعها بالتّحالف فيما بينها، والتي كان منها قادة أبطال مثل الشيخ إسماعيل الأطرش والشيخ حسين أبو عساف والشيخ حسين درويش، وهؤلاء برزوا في معارك اللجاه، كما برز غيرهم فيها وفي مجابهة حملة السّاري عسكر سنة 1852، التي انتصر فيها الدروز انتصارًا باهرًا على تلك الحملة وغنموا المدافع والأسلحة، في الوقت الذي لم يشترك الحمدان في الهجوم عليها، كما لم يسجِّل لهم أي دور قيادي للدروز في معاركهم بعد ذلك.
ومع ازدياد عدد النازحين إلى الجبل، وتكاثر المقيمين القدامى فيه، ازداد عدد “الفَلتيّة” وهم الذين لا يملكون أرضًا، ويعملون بالأجرة أو مرابعين، وتوسَّعت دائرة الصّراع الطبقي وازدادت حدّته بين مشايخ يملكون النّسبة الكبيرة من الأراضي، وهم مُعفَوْن من الضّرائب، ويأخذون الضّرائب من الفلّاحين، وبين عامّة الناس (العاميّة) الذين يتطلَّعون إلى التّغيير وإلى تحسين أوضاعهم، ويرفضون الواقع المعاش. ففيما دار الصراع بين دروز جبل لبنان على أساس الغَرضية القيسيّة واليمنيّة، تم الغرضيّة الجنبلاطيّة واليزبكيّة، دار الصراع بين دروز جبل حوران على أساس طبقي وعشائري.
ومقابل شعور “العاميّة” بالغبن وتكتّلهم، وترافق ذلك مع رغبة شيوخ العصبيّات القويّة بالمزيد من النّفوذ، لم يكن المشايخ الحمدانيّون موحَّدين، بل كانوا منقسمين على أساس الفرعين الرّئيسين وهما فرع حمدان الحمدان وفرع أخيه بالتعاهد خليل، وكانت عندهم ثنائيّة الزّعامة وازدواجيتها المتمثَّلة بالزّعامة الأولى في السويداء التي هي المقرّ الأساس، والزّعامة الثانية في عرى. كما كانوا متفرِّقين يكيد بعضهم لبعض، ويعمل شيوخ عرى على أخذ مكان شيوخ السويداء من أجل تسلّم الزعامة الأولى. وهذا ما قام به شيخ عرى يوسف الحمدن من فرع خليل الحمدان الذي أجبر شيخ السويداء يحيى الحمدان من فرع حمدان الحمدان على الانتقال إلى عرى، و حلّ هو مكانه، وهذا ما قام به أيضاً شيخ عرى واكد يحيى الحمدان الذي استعاد السّويداء من الشيخ حسين ابن يوسف الحمدان، وحلّ مكانه فيها. يضاف إلى ذلك وقوف بعض آل الحمدان المصاهرين لآل الأطرش إلى جانب آل الأطرش في صراعهم مع آل الحمدان الآخرين وذلك للوصول إلى زعامة عرى.
إضافة إلى هذه العوامل التي أضعفت الحمدانيين جاءت سياستهم إزاء الفلاَّحين، وبعض شيوخ العشائر، تزيد من النقمة عليهم، وتؤلِّب المزيد من العشائر ضدهم، ذلك أن بعضهم تمادَوْا في ظلم الفلاحين وتسخيرهم، وفرض الضّرائب عليهم، وترحيلهم، والاقتصاص من معارضيهم، واللّجوء في بعض الحالات إلى الشنق في قنطرة من بناء أثري قديم، سُمِّيت لهذا السبب بـ “المشنقة”، وسُمّي الحي الذي تقوم فيه بالسويداء “حيّ المشنقة”. ولقد حاول الشّيخ الحمدانيّ شنق ظاهر عامر الذي حال بينه وبين زواج فتاة لم ترتضيه، لكنّ الدّروز الذين دعاهم إلى الاجتماع في هذه المناسبة منعوه من تنفيذ حكمه الجائر.
كان المشايخ الحمدانيون يستمدُّون، خلال تولّيهم المشيخة، السّلطة والهيبة من رضى الوالي العثماني ومن متصرّف حوران، لكنهم فقدوا جزءًا منهما في سنة 1828 عندما غضب والي دمشق عليهم وقتل أحد شيوخ السويداء الشّيخ يوسف الحمدان. كما فقدوا أيضًا الغطاء المعنوي الدّيني بنزاع شيخ السويداء واكد الحمدان مع الرّئيس الرّوحي الشّيخ إبراهيم الهجري، الذي تطلَّع الفلّاحون إليه لوقوفه إلى جانبهم، وكانوا يتجاوزون الشّيخ الحمدانيّ في سلوكهم الطّريق إلى مقرّ الشيخ الهجري في قنوات، ما أغاظ الشّيخ الحمدانيّ، فهدَّد وتوعَّد مقسمًا على إهانة “هذا الشّوفاني”، أي الشّيخ إبراهيم القادم من الشّوف، إذا لم يلزم حدّه. ومع أنّه لم ينفِّذ ما توعَّد به، فقد خَطَّأته والدته لتجرُّؤئه على هذا الشيخ الجليل الذي يُطلب رضاه وبركته، وأنذرته بقرب زوال سعده. وهكذا كان إذ لم يَطُل الأمر بعد ذلك حتى انتهت المشيخة الحمدانيّة على يد الطّرشان.

مجموعة من قبيلة السردية في سوريا التي بدأت عهدها بقتال النازحين الدروز ثم أصبحت حليفا مهما لهم
مجموعة من قبيلة السردية في سوريا التي بدأت عهدها بقتال النازحين الدروز ثم أصبحت حليفا مهما لهم

نهاية المشيخة الحمدانية في عرى
فيما كانت الزّعامة الحمدانية تشيخ وتضعف، ودوحتهم تذبل، كانت زعامة شابّة تنشأ بشخص الشّيخ إسماعيل الأطرش الذي وصفه الرحّالة بورتر قائلاً: “إنه الأشجع، يتحدَّر من عرق شجاع، فهو يتفوَّق على كثير من الزّعماء الآخرين في شجاعته وبراعة شخصيته. بهذا حصل على نفوذ وتأثير كبيرين، ليس عن طريق مكانة إجتماعية أو ثروة، وليس عن نسب قديم وشريف، بل كمقاتل استطاع بسيفه أن يشقّ طريقه نحو الزعامة”15. وقد أقدم اسماعيل الأطرش حيث أحجم الحمدان في مجالات عدّة، منها نصرة تاجر من دروز لبنان وتحصيل حقِّه من بدو في سهل حوران، ونصرة دروز لبنان في الفتنة الطائفية التي نشبت سنة 1860. وهذا، إضافة إلى شجاعته وقوّة شخصيته، جعل أبناء مجتمع يمجِّد الفروسية، ويزعِّم الأبطال، يتجهون إليه. ثم إنّه زاد من مؤيّديه بالتّحالف مع آل القلعاني وآل عزّام، وبالتّحالف والتصاهر مع آل الحجلي وآل الحنَّاوي.
قال ابن خلدون في مُقدَّمة تاريخه: “ولا بدّ في الرّئاسة على القوم أن تكون من عصبيّة غالبة لعصبيّاتهم واحدة واحدة، لأنّ كلّ عصبيّة منهم، إذا أحسَّت بغلبة عصبيّة الرئيس لهم، أقرُّوا بالإذعان والإتباع”16. فلم تعد عصبية آل الحمدان هي الغالبة بل نافستها عصبيّة آل الأطرش ثم تفوَّقت عليها، وغدت هي العصبيّة الغالبة وفق مبدأ ابن خلدون.
كان الصّراع يشتدّ في الخفاء بين اسماعيل الأطرش وآل الحمدان، وينتظر سببًا مباشرًا، ولو بسيطًا، لينفجر، فجاء هذا السبب سنة 1859 حين أرسل شيخ السّويداء، واكد الحمدان،ومنهم من يقول شيخ عرى هزّاع الحمدان، بائع أمواس للحلاقة إلى اسماعيل الأطرش في القريَّا، من قبيل الهزء به والاستخفاف بشأنه. وحين وصل البائع إلى دار اسماعيل وعلم اسماعيل أنه مُرسَل من الشّيخ الحمداني فسَّر ذلك أنّه رسالة فيها إهانة وتهديد له ولأسرته بالقتل. فاستدعى أنصاره وأعلمهم بالأمر، وسار على رأسهم إلى مكان الزّعامة الحمدانيّة الأقرب، وهو عرى حيث طرد الشّيخ هزَّاع الحمدان منها بدون إراقة دماء.
بات هناك زعامتان في الجبل: زعامة الشّيخ واكد الحمدان في السّويداء، وهي الأهمّ والأقوى على الصّعيد الرسمي، وزعامة الشّيخ اسماعيل الأطرش في عرى، وهي زعامة ناشئة باتت الأقوى على صعيد الوقائع، وعلى الصّعيد الدّرزي خصوصاً. لكن الشّيخ الحمدانيّ قدَّم لوالي دمشق مبلغًا كبيرًا من المال اشترى به موافقته على التخلُّص من الشّيخ اسماعيل الأطرش، فكتب الوالي إلى قائمّقام بصرى أن يسمِّم لاسماعيل، فدسَّ له السّم في فنجان قهوة، ما أدَّى إلى وفاته بعد أسبوع. لكنّ ابنه إبراهيم ورث الزّعامة الطّرشانية بعده، وأكمل ما بدأه.

نهاية المشيخة الحمدانيّة في السّويداء
إن الأسباب التي أدَّت إلى نهاية المشيخة الحمدانيّة في عرى هي في معظمها من الأسباب التي ستؤدِّي إلى نهاية أختها في السويداء، ذلك أنّ واكد الحمدان الذي استطاع أن يزيح بالرّشوة أكبر خصومه وأخطرهم، اسماعيل الأطرش، فشل في تلبية مطالب الفلاَّحين الذين تكاثرت أعدادهم في جهات الجبل بما في ذلك السّويداء التي رحَّل منها واكد الحمدان اَل جربوع إلى أم الرمّان، فوقف هؤلاء ضدّه.
تكتل الفلاَّحون الناقمون على الحمدان، وانضوَوْا تحت لواء قادة منهم ومن مشايخ العشائر المتنفّذة، وقدَّموا إلى الشيخ واكد الحمدان المطالب التالية: “عدم تسخير الفلّاحين وترحيلهم من قراهم- السّماح للفًلتيّة [الذين لا يملكون أرضًا بامتلاك الأرض ولأهل السّويداء بتحويل الأراضي المشاع إلى أراض زراعيّة- دفع الضرائب المتأخرة للدّولة العثمانية من أموال القلاط وهي الضريبة المفروضة على البدو الذين يؤمّون الجبل- عدم أخذ ضرائب تعسّفية من الفلّاحين”17.
لم يكترث واكد الحمدان لمطالب الفلّاحين فزادت معارضتهم له، فاتّجهوا نحو إبراهيم الأطرش الذي تبنَّى مطالبهم، واتّخذ منهم وسيلة لتحقيق طموحه الشّخصي، وهو القضاء على المشيخة الحمدانيّة في السّويداء، وتزعّم الجبل، فسار بهم وبأنصاره نحو السّويداء عام 1869، وما إن وصلت البيارق إلى الكوم الواقعة جنوبها حتى كان الحمدانيّون قد غادروها إلى ولغا بعد أن رأوا كثرة الجموع الزّاحفة إليهم، ولمسوا عدم مقدرتهم على مواجهتها ومواجهة خصومهم في السّويداء نفسها، لقلّة عددهم كأسرة ولقلة مناصريهم من الأسر الأخرى كاَل عزّي وبضع أسر صغيرة غيرهم وهذا يثبت كثرة أعداء الحمدان في المرحلة الأخيرة من عهدهم، كما يثبت وصف بورتر لواكد الحمدان حين قال عنه “إنّ لا شجاعة عنده في القتال”، إذ إنّه تخلَّى بسهولة عن السّويداء حتى أنه تركها بسرعة مع أقربائه دون أن يتمكّنوا من أخذ مقتنياتهم وأموالهم، لكنّ المنتصرين أرسلوا لهم قسمًا منها إشفاقًا عليهم، وإظهارًا للوفاء لهم لما قدّمه أسلافهم للجبل، وتقديرًا لتوفيرهم الدّماء ولتركهم السّويداء بدون مقاومة وبهذا رُحِّلوا بعد أن كانوا هم يُرحِّلون.

في عرى بنى شبلي الأطرش دارا للزعامة الطرشانية ولم يبق في البلدة أو في السويداء آثار بناء تعود إلى آل الحمدان
في عرى بنى شبلي الأطرش دارا للزعامة الطرشانية ولم يبق في البلدة أو في السويداء آثار بناء تعود إلى آل الحمدان

“أهان الحاكم المصري شيخ الحمدانيين فاندلعت ثورة أباد الدروز خلالها ثلاث حملات كبرى للمصريين وشتتوا شملها فاضــطر ابراهيم باشا لقيادة جيش جرار بنفسـه لإخماد الثورة”

لم يتحمّل واكد الحمدان الصدمة إذ لم تمضِ أيام قلائل على تركه السّويداء حتى توفِّي فجأة في ولغا تم تبعه أخوه هزَّاع، وولده إسماعيل خلال أسبوع واحد، ودُفنوا جميعًا بالقرب من زيتونة لا تزال حتى اليوم منتصبة أمام مضافة داود أبو عسَّاف18.
انتقل آل الحمدان من ولغا إلى بصرى الحرير في سهل حوران، وبعدوا عن قومهم وأصبحوا عرضةً للتعدِّيات والمضايقات. فطلبوا من صهرهم شيخ شهباء، أبي طلال وهبه عامر، النّظر في أمرهم، فدعا إلى اجتماع في شهبا حيث قرَّر المجتمعون إعادتهم إلى الجبل. ووافق الشّيخ ابراهيم الأطرش على ذلك شرط ألّا يجتمعوا في مكان واحد، وأن يوزَّعوا في أكثر من قرية. وبناءً على ذلك عادوا إلى الجبل وتوزَّعوا في سليم وشهبا والعفينة وكناكر. وبناءً على الاتّفاق المعقود قبل الزّحف إلى السويداء وطرد اَل الحمدان منها، أخذ اّل الأطرش وأبناء عمّهم ما كان فيها لاّل الحمدان المطرودين، أي ربع الأراضي، فأخذ إبراهيم الأطرش وسط دار الحمدان، وأخذ اّل المعّاز الجانب الجنوبي، واّل العبّاس الجانب الشمالي. واستقرّ إبراهيم في السويداء وله زعامتها، فيما استقرّ أخوه شبلي في عرى، وله زعامتها وربع أراضيها. وأصبح الطرشان شيوخ مشايخ الجبل، ولهم المرتبة الأولى، يليهم آل عامر فآل هنيدي فآل عز الدّين فآل نصّار فآل مرشد، وغيرهم من العشائر التي تتسلسل في الأهمية، لكنّ العامة سيثورون عليهم بعد عشرين سنة، اي سنة 1889 للمطالبة بحقوقهم، كما ثاروا من قبل على الحمدان، وسيتجدّد الصراع الاجتماعي السّياسي في سنة 1947 باسم نزاع الشّعبية والطّرشان.
إنتهى دور آل الحمدان في سنة 1869 على صعيد مشيخة السّويداء التي هي قاعدة جبل حوران، لكنه بقي لهم دور في التّنظيم الإداري الذي أحدثه العثمانيّون بجعلهم الجبل قضاء، وإحداثهم مجلسًا فيه للإدارة والدعاوى، يرأسه قائمّقام، وفيه أعضاء منتخبون من كبار مشايخ العائلات المتنفِّذة، فكان الرئيس الروحي الشّيخ حسين ابراهيم الهجري الشّخصية الثّانية بعد القائمّقام، يليه الرئيس الروحي الشيخ أبو علي قسَّام الحنَّاوي فالشيخ يحيى واكد الحمدان الذي استمرَّ في مجلس إدارة القضاء حتى سنة 191877
وإضافة إلى هذا الدور الإداري المحدود الذي انتهى سنة 1877، حاول الحمدان استعادة دورهم القياديّ، فأبلوا بلاءً حسنًا في موقعة قرّاصة ضد الحملة العثمانيّة التي قدمت سنة 1878 إلى الجبل بقيادة جميل باشا، بينما تراخى إبراهيم الأطرش في ذلك، فلامه أحد أبناء السّويداء، وهدَّده قائلاً: “إنّ صاحب السّويداء سيعود إليها”. ويبدو أنّه كان في نيّة آل الحمدان المقيمين في سليم الانتقال إلى السّويداء “وقد اعتزم أحدهم العودة إليها لولا أن فاجأته المنية، ثم أراد أخوه بعد وفاته أن ينتقل إليها، ولكن المنيّة أيضًا فاجأته قبل أن يحقِّق رغبته. وهكذا لم يتمكّن الحمدانيون من استعادة زعامتهم المفقودة”20.
ناصر شبلي الأطرش العاميّة في ثورتهم على الطّرشان سنتي 1889 و 1890، على أمل أن يتسلّم بفضل ذلك زعامة الجبل مكان أخيه ابراهيم. لكنّه تحوّل عن نصرتهم لأسباب لا يتسع المجال لذكرها. وكان من أطروحات هؤلاء إحلال سعيد بن يحيى بن واكد الحمدان مكان ابراهيم الأطرش.
ظلَّ هناك من يأسف على سقوط آل الحمدان من أبناء حوران جبلاً وسهلاً. ومن هؤلاء الشاعر الحوراني المشهور أحمد العليّان الذي دعا على السّويداء بالخراب والحرق لأنّها رضيت بعزل آل الحمدان الذين كانوا أسياد الجبل، وقيام مشيخة الطّرشان مكانهم، وبعض هؤلاء كانوا رعاة ماعز، لا يزالون إلى اليوم يحملون شهرة “المعَّاز” وهذا ما قاله أحمد العليّان:
يبلاك يا دار السّويدا بطوب يهدّك ويصبغ حنوتك21 بنيل وجــــــــــــــــــــــاز
عـــــــــزلت ابن حمــــــــــــــــــدان قـــــــــدوة بلادنا غاب الملك وتنصّب المعَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاز

زرنا في سنة 1982 آل الحمدان المقيمين في شهباء، في إطار جولاتنا الميدانيّة التي كانت آنذاك لجمع المعلومات عن بحثنا الذي أصدرناه في سنة 1985 بعنوان “جبل العرب”، فوجدناهم يجهلون تفاصيل ما جرى لأسلافهم في الثّلث الثاني من القرن التاسع عشر، ولا يعلمون إلا القليل من المدوّن عن تاريخهم في جبل حوران. أما المحامي حازم الحمدان من قرية كناكر، وهو ابن يحيى بن عسّاف بن مصطفى بن هزّاع بن يحيى (قائد الثورة على إبراهيم باشا) فقد أرسل إلينا إبّان إعدادنا هذه المقالة رسالة تتضمّن في ما تتضمّنه الأمرين التاليين:

أولاً: أسماء الأكثريّة السّاحقة من أبناء آل الحمدان منذ نزوحهم إلى جبل حوران حتى اليوم ووجود فروع من اَل الحمدان خارج جبل العرب، نشأت بعد انتقال الحمدانيين منه في فترة انتقال المشيخة منهم إلى اّل الأطرش، فلقد نزح قاسم وشعلان وعلي الحمدان إلى جهات حمص وحماه، ومن أبنائهم وأحفادهم تكوّنت الفروع التالية:
1. اّل حمدان في الرستن التابعة لمحافظة حمص.
2. اّل الشيخ في بلدة صوران في منطقة حماه.
3. اّل رزّوق في بلدة صوران في منطقة حماه.
ثانياً: وجهة نظر اَل الحمدان في بعض مجريات الأمور، نوردها كما هي دون مناقشتها، مكتفين فقط بالإشارة إلى انفرادهم بها، وإلى مخالفتها للشائع والمتداول، ومفادها نفي صحّة روايات ثلاث ورد ذكرها سابقاً، هي رواية شنق الشيخ الحمداني لبعض الفلّاحين في القنطرة الأثرية القديمة المعروفة باسم المشنقة، ورواية نزاع الشّيخ الحمداني مع الشّيخ إبراهيم الهجري، ورواية بائع أمواس الحلاقة الذي أرسله الشيخ الحمداني إلى إسماعيل الأطرش. فهذه الرّوايات هي، في رأي المحامي حازم الحمدان نقلاً عن السّلف، من أساليب الدّعاية التي اعتمدها الطرشان وأنصارهم لتشويه سمعة اّل الحمدان، وتأليب الناس عليهم22.
إن وجود اَل الحمدان في الأماكن التي ورد ذكرها -وإن كسائر عموم الناس- هو مما يذكِّر بأسرة قامت بدورٍ بارز في تاريخ جبل حوران (جبل العرب) بحيث لا يبحث أحد فيه إلا ويتطرَّق إليهم لأنّ لهم الفضل الأول والأكبر في تأسيس تجمّع درزي غدا أكبر تجمّعات الموحِّدين (الدروز) في دول لبنان وسورية وفلسطين. ولا يزالون يُذكرون بالفخر والخير بالرّغم من الشوائب التي اعترت مسيرتهم وشوَّهت بعض بهاء صورتهم، وأدَّت في آخر الأمر إلى نهايتهم.
ذكرت لنا المعمِّرة السيدة فايزة فلحوط (مواليد 1895) وهي والدة الشاعر والمسؤول الثقافي والسياسي في سورية، الدكتور صابر فلحوط، أنشودة قيلت في الهجيج أثناء قدوم حملة ممدوح باشا على الجبل، وهي تصف ما حلَّ بالأراضي أثناء الحملة، وتذكر طلبات ممدوح باشا الشبيهة بطلبات من سبقه من القادة العثمانيين وتذكّر بإبراهيم باشا المصري، وباَل الحمدان23. ومما جاء في أبياتها الخمسة البيتان التاليان:
أرض حوران صـــــــــــــــــــــــــــارت بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور ومـــــــــــــــــــــــــــا ظل فيها فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدَّان
وما ظل فيها ولا فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدّان هيـــــــــــــــــــــــــــذي قرايــــــــــــــــــــــــــــــــــــا الحمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدان

الهوامش

1. أمين اَل ناصر الدين: الأمراء اَل تنوخ، مجلة “ أوراق لبنانية”، المجلد الثالث ص 300-303
2. مقالة سليمان أبو عز الدين في مجلّة “الكلية” عدد تشرين الثاني 1925، وقد اوردناها كاملة في كتابنا: جبل العرب… دار النهار، دار عويدات 1985، ص399-402.
3. مجلة “ الهلال” عدد أوّل كانون الأول 1910. وقد أوردنا نص مقالة المؤرخ نعمان قساطلي في كتابنا: جبل العرب… ص 379-383.
4. حنا ابي راشد: جبل الدروز، منشورات مكتبة الفكر العربي، طبعة 1961، ص 50.
5. بركهاردت: رحلات إلى سوريا، تعريب سلامة عبيد، بعنوان: جبل الدروز في القرن التاسع عشر، ص 43.
6. حنا أبي راشد: جبل الدروز، ص51.
7. تاريخ حيدر الشهابي المعروف بالغرر الحسان، منشورات الجامعة اللبنانية 1969، القسم الثالث، ص 674.
8. المرجع نفسه، ص795.
9. برجيت شيبلر: انتفاضات جبل الدروز – حوران، دار النهار 2004، ص 79.
10. بركهاردت: المرجع المذكور سابقاً، ص 41-42.
11. مذكرات تاريخية عن حملة إبراهيم باشا لمؤلف مجهول، تحقيق أحمد غسان سبانو، ص 81.
12. قِصّة اللّجاه للشيخ حسين إبراهيم الهجري (مخطوطة) ص 48 من النسخة التي نحتفظ بصورة عنها في مكتبتنا.
13. للمزيد من المعلومات أنظر كتابنا: جبل العرب ص 177-189. ومقالتنا في مجلة “ الضحى” بعنوان: ثورة الموحِّدين الدروز على الحكم المصري”، العدد 10 نيسان 2014، ص 28-37. وعباس أبو صالح: تاريخ الموحِّدين الدروز السياسي في المشرق العربي، منشورات المجلس الدرزي للبحوث والإنماء 1980، ص 209-232.
14. أنظر عن هذه الرسائل، ونص إحداها، أسد رستم: المحفوظات الملكيّة المصريّة، منشورات المكتبة البولسيّة، طبعة ثانية 1986، المجلد الثالث، ص 334-336. أيضاً مذكرات تاريخيّة عن حملة إبراهيم باشا على سوريا، ورد ذكرها، ص84.
15. برجيت شيبلر: انتفاضات جبل الدروز، ص 79.
16. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد: تاريخ ابن خلدون، مؤسسة الأعلمي، ص 132.
17. هيثم العودات: انتفاضة العاميّة الفلاحية في جبل العرب، ص 32. وللمزيد من المعلومات انظر كتابنا: جبل العرب ص 202-208. وعبد الله حنا: العامية. الانتفاضات الفلّاحية في جبل حوران، دار الأهالي 1990، ص 107 وما بعدها.
18. علي أبو عسّاف: تاريخ اّل أبي عسّاف، دار جبران، السويداء 2012، ص 86.
19. فندي أبو فخر: تاريخ لواء حوران الاجتماعي 1840-1918، دمشق 1999، ص 38-39. وعبد الرحيم أبو حسين: حوران في الوثائق العثمانية 1842-1918، ص41.
20. شبلي العيسمي واَخرون: التعريف بمحافظة جبل العرب، وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية 1962، ص60 -61.
21. حنوتك: حجارك.
22. رسالة المحامي حازم الحمدان إلينا بتاريخ 10 ايلول 2016، وفيها إجابات عن أسئلة عدة وجّهناها إليه.
23. شريط مُسجّل بتاريخ 21ــ 12ــ 1987.

المجاهد يوسف صفا

مجاهد زاهدٌ فُروسيُّ الخِصال

يوسف صفا قَنِع من الدّنيا بِشَظَف العَيش ومشقّات النّضال
عرف السّت نظيرة وشارك المعلّم مسيرات العزّة والثّورات

ضَرَبتُ الشّاويش بجرْزة الدّبق فعلقت بشاربيه فاضطُرّ لحلقهما
وأرسلتني السّت نظيرة بعدها للخِدمة في الجيش الفَرنسيّ

أوصل شمعون البلاد إلى الثّورة فذهبتُ إلى الشّام
ولبستُ الكوفيّة والعِقال وبدأتُ توزيعَ السّلاح

ينتمي المجاهد يوسف صفا إلى صنفٍ من الرّجال الذين ولدهم جبل لبنان في مرحلة ما بعد الاستقلال في النصف الثاني من القرن الماضي وهي كانت مرحلة زاخرة بالتّحدّيات والأحداث التي غيرت مسار البلد. وقد كان هذا المجاهد البسيط والمندفع من أصحاب العزيمة الذين يستشعرون أمواج السّياسة وعواصفها بالفِطرة فيهبّون إلى العمل ويفتتحون المعارك وحدهم دونما حساب للمخاطر ولما قد ينالهم من تَبِعات.
يوسف صفا المناضل البسيط المخلص أنفق حياته في الجهاد وأهمل أسباب معيشته حتى أنّه لم يهتمّ بأمر الزّواج إلا متأخّراً. وهو عاش حياته فقيراً فعلاً ولم يَفُزْ من هذه الدنيا إلّا بوظيفة سائق في بلديّة بيروت مع سكن شعبٍّي في بلدة “المعروفيّة” أمّن له سقفاً يحتمي به، قبل أن يعود إلى بلدته عين قَني ليمضي في بيته البسيط القسط الأخير من حياته الحافلة.

فماذا يحمل هذا الرّجل التّسعيني من ذكريات عمره الحافل بالتّحدّيات والوقفات الشّجاعة، وما الذي بقي في ذاكرته البعيدة عن ملامح تلك الفترة الغنيّة وأبرز محطّاتها؟
“الضّحى” زارت المناضل صفا في منزله المتواضع فكانت الحصيلة هذا اللقاء:

> يوسف صفا ، من أنت؟
أنا ابن بلدة عين قني الشوفية ولدتُ في العام 1923 لأبوين فقيرين اشتُهِرا بالوَرَع والاستقامة، وأنا أترَحّم عليهما كلّ وقت لأنّهما زوّداني بالتّربية الصّالحة وبقِيَم الإخلاص والوفاء

> كيف كانت بداية علاقتك بدارة المختارة؟
كنت طفلاً حين عرفت أنّ السّت نظيرة جنبلاط والدة المعلّم كمال جنبلاط هي إبنة بلدتي “عين قني” وغالباً ما كانت والدتي تصطحبني لزيارتها باستمرار إلى قصرها في المختارة سيراً على الأقدام، وقد كنت معجباً بها، وبحسن أدائها، وبتعاطيها الذّكي واللّبِق مع النّاس كزعيمة للجبل. وهي كانت تقدر عاطفتي وحماستي وغالباً ما كنت أسمعها تقول لوالدتي “ولدك يوسف سيكون له شأن في المستقبل”. في تلك الأثناء لم أكن قد تعرّفت إلى نجلها كمال بك، بسبب متابعته لدروسه في عينطورة ثمّ في فرنسا، وكانت الزّعامة السّياسيّة آنذاك منوطة بصهره حكمت بك زوج شقيقته “ليندا”.

مواجهة مع الدّرك
عُرفت بسرعة التّصرّف وبدأت مشاكلك مع السّلطة في وقت مبكّر من شبابك، أخبرنا عن أوّل مواجهاتك مع رجال الأمن
في أحد الأيّام استوقفني مشهد أحد عناصر الدّرك ويدعى ملحم بوماضي وهو ينهال بالضّرب على أحد أولاد البلدة بعد ما كسّر له درّاجته الهوائيّة، فلم أتمالك أعصابي ورحتُ أرشق الدّورية بالحجارة حتى عادوا أدراجهم، وهم يتوعّدون بالاقتصاص منّي بعدما تعرّفوا إلى اسمي. وفي اليوم التّالي كمنوا لي قرب نبع الشّالوف بينما كنت مع رفاق لي نصطاد طيور السُّمّن بواسطة “الدّبق” ولما أقبلنا على الدّورية حاول بوماضي اعتقالي فضربتُه بجرْزة الدّبق فعلقت بشاربيه ما اضطرّه لحَلْقِهما، فكانت صدمة كبيرة له. ولمّا رأته السّتّ نظيرة سألته عن شاربيه أجابها: “يا ستّنا اسألي زلمتك”. بعد أيام على تلك الحادثة دعتنا السّتّ لنستقبل معها أحد الجنرالات الفرنسييّن ويُدعى ألكسندر، وعندما شاهدتني قالت لي :”هيّا أخبرني عمّا فعلتَه بـ ملحم بوماضي”، ولما أخبرتها بما حصل، ضحكت وقالت لي :”ما بقى بدّي مشاكل”. ولم تمضِ سوى أيّام قليلة حتى أرسلت بطلبي كي أنقل رسالة من قِبَلِها إلى الجنرال ألكسندر في مكان إقامته في بعبدا، ونقدتني يومها مبلغ 5 ليرات أجرة الطّريق، وشدّدَت عليّ بضرورة تسليمه الرّسالة باليد. وهكذا حصل. ولمّا سلّمته الرّسالة قرأها وأمر أحد الضّبّاط بإلحاقي بالمعسكر الفَرنسي بعد تسليمي بدلة عسكريّة. وقد استمرّيت مع الجيش الفَرنسي مدّة ثلاث سنوات براتب قدره 17 ليرة كلّ شهر.

المجاهد يوسف صفا في شبابه a
المجاهد يوسف صفا في شبابه a

“وضعت لوح الصبّار على مقــعد سيّارة ضـــابط الدرك فجلس وعلا صراخه من الشوك الذي علق بقفـــــــــاه”

متى تعرفت على المعلِّم كمال جنبلاط؟
تعرفت عليه بعد انتخابه نائباً عن الشّوف خلفاً لـ حكمت بك، ومن ثمّ تعيينُه وزيراً للزّراعة في حكومة رياض الصّلح. إلّا أنّ علاقته مع الرّئيس بشارة الخوري ساءت بسبب الفساد ومحاولته التجديد لولاية ثانية. في تلك الفترة كانت المعارضة تتصاعد ضد الرئيس بشارة الخوري، وقد شاركت في كلّ المهرجانات التي أفضت في النّهاية إلى استقالته من الحكم في العام 1952.

كانت تلك الفترة حافلة بالمواجهات ولا شكّ أنّك كنت شاهداً عليها؟
نعم شاركت في كافة التّحرّكات والتّظاهرات التي قامت آنذاك وكان أوّلها مهرجان شعبي أقيم في بلدة “بتخنيه” في المتن الأعلى وانتهى بسلام. أما الثاني فأقيم في الباروك لكنّ السّلطة التي هالها النّجاح الكبير لمهرجان “بتخنيه” خشيت أن تتّسع دائرة الاحتجاج الشّعبي فقرّرت أن تحاول كسر المدّ الشّعبي، واتّخذت قراراً بقمع المجتمعين في الباروك بقوّة السّلاح. وبالفعل قامت القوى الأمنيّة بإطلاق الرّصاص باتّجاه المشاركين في الاحتفال، وأوقعت عدداً من القتلى والجرحى أذكر منهم المرحوم فايز فليحان. وفي منزل لآل أبو علوان رأيت محمّد أبو خزام ونجله داوود وقد أصيبا وكانا بحالة حرجة، فسارعت أنا ومنير جنبلاط والرّفاق لإسعافهما، فيما كان كمال بك لا يزال يخطب في الجماهير المحتشدة متحدّيا القمع ومصرّاً على أن يستمرّ المهرجان ولا ينفضّ قبل إلقاء الكلمات.
المهرجان الثّالث جرى في صَوفر، وكانت مهمّتي تأمين الطّريق عند نفق المديرج، حيث ترجّلت من الحافلة أنا وحمد عبد الخالق لاستكشاف النّفق، لكنّنا لم نعثر على شيء. وفي صوفر عمل الدّرك على تطويق مكان المهرجان من دون الاحتكاك بالنّاس، فيما كان المعلّم يخطب بالحشود كعادته غير آبه بشيء. بعد ذلك أقيم مهرجان كبير للغاية في محلّة الحمّام العسكري كان نجما الخطابة فيه المعلّم والشّيخ عبد الله العلايلي. وتلا ذلك مهرجان ضخم أقيم في دير القمر ضمّ كلّ الأحزاب والشّخصيّات المعارضة لحكم الرّئيس بشارة الخوري. وفي هذا المهرجان تشكّلت الجبهة الاشتراكية، ولقد رأيت بنفسي الرّئيس كميل شمعون مُمْسِكاً بشمسيّة كان يضعها فوق رأس كمال بك.

يوسف-صفا-اليوم---صفحات-جهاد-وحياة-كفاح-وصبر
يوسف-صفا-اليوم—صفحات-جهاد-وحياة-كفاح-وصبر

قَطيعة مع الرّئيس المُنْتَخَب

> لكنّ كميل شمعون انقلب على كمال بك بعد قليل من انتخابه!؟

بقيت العلاقة طبيعيّة لكن حذرة لبعض الوقت، ثم بدأ كميل شمعون يتنكّر للبرنامج الذي انتُخب على أساسه وتعاهدت المعارضة عليه في دير القمر. فبعد الانتخابات النّيابية وفوز الجبهة الاشتراكية، ذهبنا لتهنئة النواب الفائزين فاستقبلنا بالتّرحاب في منزل النائب نسيم مجدلاني في بيروت وفي منزل المرحوم العميد ريمون إدّه، هناك قالوا لنا التّهنئة يجب أن تكون لكمال بك وليس لنا. أما شمعون فكان استقباله لنا فاتراً. وكانت أسباب القطيعة تتزايد كل يوم.

انتخابات العام 1957 كانت من أسباب الثّورة في العام التالي أليس كذلك؟
في العام 1957 وبسبب تصاعد الخلاف بين المعارضة وشمعون قام الأخير بحلّ مجلس النّواب والدّعوة إلى انتخابات نيابيّة جديدة مَهّد لها بتعديل قانون الانتخاب وحدود الدَّوائر الانتخابية بما يضمن فوزه بأكثرية تؤيد التجديد له لولاية ثانية عبر تعديل الدستور الذي لا يسمح للرئيس بذلك. وقد وظّف شمعون كل ثقل السلطة وأجهزتها من أجل التأثير على الناخبين، وحصلت أعمال تزوير واسع، فكانت النّتيجة توجيه ضربة قاسية للمعارضة وإسقاط مُعظم رموزها، وفي مقدّمهم كمال بك. وأذكر كيف كان كمال بك يهزّ برأسه استهجاناً كلّما وصلته النّتائج من القرى والبلدات الشّوفية، ما دفعه للانتقال إلى بيت الدّين ليكون على مقربة من عملية فرز الأصوات، وبقيت في انتظاره طوال الليل لكنّه لم يعد. بعد ذلك وصل سماحة شيخ العقل الشيخ محمّد أبو شقرا الذي أبلغ الشّباب الذين التقاهم بأنّ الـبيك أصبح في بيروت، وقد يسافر إلى الهند، ولدى سماعي هذا الخبر صُعِقْت وتوجّهت من فوري من المختارة إلى الجديدة وأقمت حاجزا على تقاطع الطّريق المؤدّي إلى المختارة وإلى المزرعة وقطعت الطريق بالحجارة.

ماذا كان قصدك من ذلك، ومَن كلّفك بتلك المهمّة؟
هذه كانت قناعتي ولم يكلِّفني أحد، لأنّ خسارة المعلّم للانتخابات، وسفره إلى الهند كان سيبدو بمثابة نكسة كبيرة لأنصاره ولكل أهل الجبل.
أصداء هذا التحرّك وصلت إلى شباب المزرعة، فتوجّهت مجموعة منهم إلى المختارة وهم :عزّ الذين أبو كرّوم وناصيف البعيني ويوسف حسن البعيني. وفيما كنّا نتداول ببعض الخطوات التّصعيديّة، حضرت دوريّة من الدّرك على رأسها الضّابط السّيّىء الذّكر سامي الحشيمي، فأوقف الجيب قرب دكّانة بطرس سركيس وتوجّه إلى المخفر فاستغلّيت فترة مكوثه في المخفر وأحضرت لوحاً من الصّبّيْر مليئاً بالأشواك ووضعته حيث يجلس من حيث لايدري، ولما عاد وصعد عل عجل وجلس في مقعده سُمع صُراخُه إلى آخر السّوق من شدّة الألم ونحن نقهقه من الضّحك، فاستنجد بـالصّيدلي صَرّوف لإزالة الأشواك التي علقت بقفاه. ولمّا عرف بأنّي وراء هذا العمل، صرخ بأعلى صوته قائلاً :”سيكون حسابك عسيراً جداً يا يوسف صفا”.

> لماذا هذا العداء بينك وبين الضّابط الحَشيمي؟
كلّ ضابط في الدّرك مهمّته حفظ الأمن، لكنّ الحشيمي كان متحمّسا جدّاً لخدمة عهد شمعون بحيث جعل من نفسه خصماً لكلّ الوطنيين، وكان هذا الضّابط رمزاً للأسلوب الذي أصبحت فيه الدّولة مطيّة للرّئيس شمعون وجماعته، كثيرون مثله من المنتفعين بدأوا يعملون لشمعون طمعاً في المنافع والنّفوذ وهو تمادى كثيراً عندما بدأ يتطاول على المعلّم وعلى قصر المختارة. وكان الحشيمي يلاحقني لأنّني كنت متحمّسا للمعلّم وللمختارة وكان يريد أن يجعل منّي عبرة بحيث إذا كسرني فإنّ كثيرين سيخافون أن يصيبهم ما أصابني.
وبسبب مقلب لَوْح الصّبّير حقد عليَّ وحضر في اليوم التّالي فجأة إلى عين قَني محاولاً اعتقالي لكنّه لم يجدني لأنّني كنت أتّخذ احتياطاتي
وفي اليوم التالي ذهبت إلى البلدة لوداع ابن عمّي قبل سفره إلى الخارج وإذا بزوجته تصيح بي :”يا يوسف انتبه الدّرك طوقوا البيت”، لم أجد بُدّاً عندها من إطلاق بعض الأعيرة النّارية باتّجاههم لكي أؤمّن طريق فراري، وقفزت من النّافذة برفقة صديق لي يدعى حسن الحدّاد، باتّجاه أحد بيوت آل جنبلاط القريبة، ومن هناك تحصَّنت بإحدى الأشجار وأخذت أطلق النّار باتّجاههم. ولمّا علم المختار عبّاس فارس بالأمر أرسل قريبي فوزي صفا كي يقنعني بوقف إطلاق النّار ثمّ لحق بي عارف جنبلاط وطلب منّي مغادرة البلدة منعاً للمشاكل، فأجبته طالما هذا الـرّجل (الحشيمي) موجود هنا لا أحدَ يستطيع أن يرغمني على شيء.

> ماذا عن خطة الحشيمي لاقتحام قصر المختارة ؟
بدأت الأمور عندما لمحت نوراً ينبعث من فانوس في بيت أحد مواطنيّ البلدة فتسلّلت باتّجاه المكبس لأستوضح الأمر، وتمكّنت من رؤية ومعرفة شخصين من المختارة وستّة دركيِّين بالإضافة إلى الضّابط الحشيمي، ولما رآني الضّابط فوجئ وسألني ماذا تفعل هنا :”أجبته أنا سهران في أملاك كمال جنبلاط”، قال لي :”عليك إذن البقاء داخل القصر. لقد ارتبت بأهداف هذا الاجتماع الليلي وشعرت بقوّة أنّ ثمّة شيء ما يُدَبّر من قبل السّلطات لاقتحام القصر؟ بعد قليل التقيت بَغتةً في السّوق بأحد الذين اجتمعوا بالحَشيمي فوبّخته لمشاركته في الاجتماع وهدّدْته فأنكر

أنّ له علاقة بالأمر لكنّه أقرّ بأنّ هناك خطّة وزاد على ذلك بأن كشف لي أيضاً بأنّ الدّرك سلّموا رجلاً بارودتين لاستخدامهما في عمليّة الهجوم على القصر وأنّ رجلاً من أنصار الرّئيس شمعون النّافذين هو خليل سركيس سيكون طليعة المُهاجمين بالإضافة إلى الضّابط الحشيمي يرافقهم القائمّقام ربما لإعطاء “شرعيّة قانونيّة” للعملية.
في اليوم التّالي ذهبت برفقة سليمان نمّور للقاء ملحم معروف للتّشاور بالأمر وما يمكننا فعله، وهناك أبلغنا عارف جميل بأنّ غريمنا سركيس المكلّف بتصدّر الهجوم موجود في السّوق فصمّم سليمان نمّور على تأديبه فلحقت به وفي الطّريق التقيت بأبو عفيف الفطايري فحذّرني من الرّجل، في تلك الأثناء وصل شقيق الرّجل وكان يدعى بطرس مستنكراً أفعال أخيه وقال لي :”يا يوسف أخي مش آدمي، وجاحد وناكر للجميل لكن لا تؤذوه أرجوكم. لكنّ الجو كان متوتّراً وكنّا خائفين فعلاً ممّا يُدَبّر في الظّلام ضد قصر المختارة والمعلّم. وصلنا أنا وسليمان إلى أمام دكّان خليل سركيس فراح يهدّد ويتوعّد ويكيل لنا بالشّتائم وقال لنا ما معناه :”سنخلص منكم قريباً” وكان في كلامه تهديد وإهانة لكمال بك ولأهلنا بني معروف، فثار غضبي وحصل عراك انتهى بمقتل الرّجل.

> ماذا نتج عن تلك الحادثة؟
في الظّاهر كانت الحادثة شخصيّة تأسّفنا لها علماً أنها كلفتني سنوات من عمري لكن في الحقيقة كانت المواجهة عنواناً لبلوغ التّحدّي مع جماعة شمعون ذروته، وقد أشعرنا ذلك بالخطر لأنّ شمعون لم يقف عند حدّ، وكان الفساد أصبح عامّاً في الحكومة وعلى عينك يا تاجر. لهذه الأسباب تحوّلت حادثة المختارة إلى شرارة ما عُرِف بعدها بثورة 1958.

> كيف بدأت أحداث الثّورة
كانت مقدمات الثورة قد تجمّعت في أكثر من مكان لأنّ شمعون استعدى الزّعماء الأقوياء كلّهم مثل المرحوم صائب سلام والزّعيم أحمد الأسعد عبر إسقاطهم في الانتخابات، وكانت المظاهرات والمواجهات مع السّلطة تعمّ البلد. لكنّ شرارة الأعمال المسلّحة ضدّ حكم الرّئيس شمعون انطلقت من الشّوف وكنت طرفاً فيها.
فبعد مقتل خليل سركيس انتقلت من القصر إلى عين قَني لأخبر والدي بما حصل، فقال لي (كون قد حالك). تلك اللّيلة أمضيتها برفقة سليمان نمّور في بيت نسيب الشّمعة، وفي الصّباح انتقلنا إلى مرج بسري ومنه إلى المزرعة حيث نزلنا بضيافة يوسف البعيني، وهناك التقينا الشّباب: ناصيف البعيني وشاهين أبو كرّوم. وقد أبلغني ناصيف بأنّ الشّيخ عارف أبو حمزة يريد التّحدّث إليّ، فالتقيته في اليوم التّالي في أوّل عين قَني، فقال لي :”عليك بالذّهاب إلى دير العشاير مع عارف جميل”. من هناك انتقلنا إلى الورهانيّة بضيافة صديق لي يُدعى فريد غانم، ثم انتقلنا إلى عين دارة وكان المعلّم سبقنا إليها، أمضينا تلك اللَّيلة بضيافة الشَّيخ أبو حافظ عطا لله، ومن عين دارة ذهبنا إلى قرية بْتَخْنَيْهْ بضيافة سليمان أبو الحسن، حيث أمضينا ثلاثة أيام، انتقلنا بعدها إلى عنجر، ومنها إلى الزّبداني، وهناك اتّصلنا بسلمان أبو حمزة فحضر من فوره، وانتقلنا برفقته إلى الشّام.
في الشّام أمدّونا بالأسلحة وكانت آنذاك دولة الوحدة برئاسة الرّئيس جمال عبد النّاصر المعادية لسياسات شمعون الذي كان يقود الجهود للدخول في “حلف بغداد” ومشروع أيزنهاور وبالتّالي سلخ لبنان عن محيطه السّوري والعربي. وأذكر أنّ دمشق كانت تغصّ بالمجاهدين المعارضين لحكم الرّئيس شمعون هناك وكان الجو حماسيّاً وأيّامها اعتمرت الكوفيّة والعقال وبدأت بتوزيع السلاح.

عهد-شمعون-تميز-بالفساد-وبالسعي-لإلغاء-المعارضين-فقامت-الثورة
عهد-شمعون-تميز-بالفساد-وبالسعي-لإلغاء-المعارضين-فقامت-الثورة

> كيف بدأت الأحداث المسلّحة؟
بدأنا العمل فوراً وكان أوّل عمل قمنا به ونحن في طريق العودة من دمشق وبناء على تعليمات الشّيخ سليمان أبو حمزة أن توجّهت إلى نقطة الحدود السّورية اللّبنانية في المصنع برفقة سليم غريزي، وكانت المهمّة استعادة السّلاح الذي تمّت مصادرته ويخصّ خزاعي العريان، وهناك قمنا بتطويق المكان واعتقلنا ستّة عشَرَ عنصراً من الجمارك من بينهم شخص من جماعة معروف سعد نقلتُه معي إلى المصنع السّوري وتركته بحال سبيله، بعدما سلّمته إلى فوزي القنطار. وبعدها تسارعت الأحداث واتّسع نطاق المواجهات وتدفَّقَ المجاهدون بالمئات من المحافظات اللّبنانيّة من بني معروف ومن غيرهم، وقدم مجاهدون من جبل العرب من سوريا إذ كانت المعركة في مواجهة شمعون ذات طبيعة وطنيّة عروبيّة لا طائفيّة واستمرّت الثّورة حتى نهاية عهد الرئيس شمعون الذي أفشلت المعارضة مساعيه لتجديد رئاسته ست سنوات أخرى.

> تم بعد ذلك اعتقالك وصدر حكم بحقك فما الذي حدث بالتّحديد؟
في طريق العَودة إلى الشّوف من سوريا نصحني بديع الأعور أن أحاذر المرور ببلدة عين زبدة وسلوك طريق دير عين الجوزة وفيما كنّا نسير عبر طريق متعرّج مليء بالصّخور فاجأنا كمين للدّرك كان مرابطا في ذلك المكان وأمرنا برمي سلاحنا أرضاً وقاموا بإطلاق النّار باتّجاهنا فقُتِل الشّابّ عارف مكارم وأُصبت في بطّة ساقي فربطت الجرح خوفاً من النّزيف، وكان على رأس الدّوريّة ضابط من آل العماد أمرني بتسليم نفسي فأعطيته المسدّس وعرفته باسمي “حسيب” صفا أيْ إنني اخترت اسما مستعارا لأن اسم يوسف صفا كان ذائعا ورمزاً للتمرّد ومشاكسة الحكم، فما كان منه إلّا أن حملني على ظهره إلى ساحة البلدة، ولما كَشف الطبيب على مكان الإصابة قال لي حظك حلو الرّصاصة لم تخترق العظم، فانتزَعَها وقطّب الجرح. وبعد قليل رآني شخص من آل عزّام وقال: سلامتك يا يوسف صفا. قلت بنفسي انكشفت اللّعبة!! في تلك اللّيلة لم أشعر بالخوف ولكنّني كنت قلقاً، وفي صباح اليوم التّالي قبضوا عليّ وتمّ نقلي إلى المحكمة العسكريّة في بيروت، وأدخلوني النّظارة وباشروا التّحقيق معي وحُكِم علي بالإعدام. وتولى القاضي رياض طليع تلاوة الحكم. بعد ذلك نُقِلتُ في إحدى المصفّحات إلى سجن الرّمل، حيث تعرّفت إلى عجاج بومغلبيه ورقيب في الدّرك يدعى خدّاج خدّاج الذي نقلني إلى الانفراد. وبعدها التقيت بـ ماجد حماده فأخبرني بأنّ جماعتي بدأوا بالتّظاهر في المبنى الثّالث ويريدون انضمامي إليهم. في تلك الأثناء حضر إلى السّجن المحامي ونقدني مبلغ 50 ليرة وأخبرني بأنّهم استبدلوا وصف الجريمة من القتل إلى الاتجار بالمخدّرات فخُفّضَ الحُكم من الإعدام الى المؤبّد بناء على توصية بي من قبل الأمير مجيد أرسلان مع كميل شمعون، ونُقلت من سجن الرّمل الى سجن القلعة. وبعد الاستئناف صدر حكم برّأَني من القتل العمد وخرجت من السّجن وعدت إلى عين قني.

يوسف-صفا--إلى-يمين-الصورة-بالعدة-الكاملة
يوسف-صفا–إلى-يمين-الصورة-بالعدة-الكاملة

“كان شمعون مصمّماً على كسر شـــــوكة كمال جنبلاط فخرج بالفكرة الجنونيّة لاقتحام واحتلال قصر المختارة”

> كيف تصف علاقتك بوليد بك ؟
ممتازة، وبعد وفاة المرحوم سليمان رشيد أرسل بطلبي ليوظّفني مكانه في القصر فاعتذرت منه وتمنّيت أن تكون الوظيفة من نصيب قريبي أبو سليم حسيب صفا لأنّه أفضل منّي. ولمّا ذهبت إليه برفقة أبو سليم نادى على نجليه تيمور وأصلان وقال لهما إنّ يوسف صفا حمى قصر المختارة سنة 1958. ومنذ نصف سنة تقريباً قلّدني ميدالية المعلّم كمال جنبلاط.

> بعد خروجك من السجن كيف كنت تتدبّر أحوالك المعيشيّة؟
في البداية تعاطيت بعض الأعمال التّجاريّة، ومن ثمّ انتقلت للسّكنى في المعروفيّة، ولمّا علم المعلّم بذلك أوفد إلّي فؤاد صعب ليطمئنّ عن أحوالي، فقلت له مستورة والحمد لله. وقد أمّنَ لي قريبي زين صفا وظيفة سائق في بلديّة بيروت.

> في أية سنة إقترنت بشريكة العمر ورفيقة الدرب؟
في العام 1969 ولم نرزق بالأولاد لكنّ وجودها إلى جانبي يساوي كنوز الدّنيا وما فيها. أدعو لها بطول العمر ولولاها لا نفع للحياة.

بَكّا حاضرةُ المجدِ القَديم

بَكّا حاضرةُ المجدِ القَديمآثارٌ نبطيّةٌ ويونانيّةٌ ورومانيّةٌ وإسلاميّةٌ
تجعلُ لها مكاناً على خارطة السّياحة الثّقافيّة

السّابقون نَشَدوا الأمانَ في منازلَ بعيدة عن الطّريق العامّ
وأهل الزّمان تنافسوا لمدّ بيوتهم حولها لمسافة 3 كلم

في بكّا خيول لا زالت تُستخدُم لحراثة الحدائق
بسبب نفور البعض من أضرار الفِلاحة المكيانيكيّة

الرّحّالة السويسري بركهارت
الدّروز اشتُهروا بشجاعتهم الشّخصيّة وعُنفوانهم.

مقام-منسوب-للنبي-سبلان-في-ابلدة-القديمة
مقام-منسوب-للنبي-سبلان-في-ابلدة-القديمة

تقع بلدة بكّا في الجانب الجنوبي الغربيّ من محافظة السّويداء على ارتفاع 1035 فوق مستوى سطح البحر، في منطقة وسط بين السّفوح الجبليّة الوعرة إلى الشّرق منها وبين سهل حوران إلى غربها. ومنذ أن عَرفت بكّا العمران في العصر النّبطي فقد ارتبطت بطريق يصلها بالمدينتين النبطيّتين الهامّتين بُصرى إلى الغرب منها على مسافة نحو 4 كلم، وصلخد إلى الشرق منها بنحو 16 كلم. وتبعد بكّا جنوباً عن مدينة السويداء مركز المحافظة نحو 25 كلم. وقد زحف عمرانها من مرتفع التلّة الأثرية النبطية، الرومانيّة، العربيّة الإسلامية؛ التي كانت بعيدة نسبياً إلى الغرب من الطريق العام الذي يربط بين السّويداء وسائر قرى المقرن القبلي من الجبل بحيث امتدت البلدة بطول 3 كلم شمالاً وجنوباً، وعرض نحو 2 كلم شرقاً وغرباً. وتتبع بكّا ناحية ذيبين، منطقة صلخد في محافظة السويداء.
يبلغ عدد سكان البلدة 4,700 نسمة، ويعني اسمها في لغة الأنباط، الدّير أو القريبة من القمر وفق ما كتب توفيق الصفدي في كتابه “جنوب الشام”. ويلفت النّظر التّشابه بين اسم بكّا (وتكتب أحياناً “بكّة”) وبكّة وهو اسم قرآني لمكّة المكرّمة ممّا يدلّ على قِدَم الاسم.

الشّواهد الأثريّة في بكّا
ترك الأنباط في بكّا آثاراً منها مازال قائماً إلى يومنا هذا كجدار السّور الشّمالي الغربي الذي يتميّز بحجارته الكبيرة، والعنابر ذات القناطر العالية داخل البلدة بالإضافة إلى أبواب حجريّة ومقابر تتضمّن كتابات إغريقية وأبراجاً بيزنطيّة وبقايا كنيسة حُوّلت إلى جامع بعد الفتح العربي الإسلامي، ومقبرة ترجع إلى القرن الثاني الميلادي. وقد وُجدت في دار تركي أبو بكر بئر عميقة وقربها مغارة ضمّت عظاماً وتوابيت حجرية ترجع للعصر الرّومانيّ، وبئراً أُخرى في مشاع البلدة.
ومن آثار بكّا أربع برك كانت تصلها مياه الشّتاء من وادٍ يتّصل بأعالي قمم الجبل، اثنتان منها تقعان شمال شرق البلدة القديمة وفي إحداها نبع ماء غير سيّال لا يجفّ، وبركة في جنوب القرية القديمة تمّ ردمها وأنشئت مكانها مدرسة، وبركة أخرى تقع غرب القرية. كما سكن الغساسنة بكّا قديماً، وقد دانوا بالمسيحية في ظلّ حكم امبراطورية الرّوم البيزنطيّين بعد حلولهم في البلاد محل دولة الأنباط.
ومن الأوابد الأثريّة في بكّا مقام يُزار هو “مقام النّبيّ سَبَلان” المُعاد ترميمه، وآثار جامع قديم منسوب لعهد الخليفة عمر بن الخطّاب، وبابان منحوتان من الحجر البازلتي (حَلَس)، يعتَقد أنّهما جزء من بناء لكنيسة قديمة وقربهما قناطر أثريّة. وآثار في الدّار القديمة للمجاهد صيّاح الأطرش رفيق سلطان في جهاده ودار جدّه سلامة المشهور بـ “سمّ الموت” وهي دار مبنيّة على طبقات مُتراصفة فوق بعضها لآثار تبرز منها أعمدة وتيجان حجريّة وزخارف وكتابات تعود لعصر الأنباط والعصر الرّوماني والمسيحي البيزنطي.
وتظهر بكّا للرّائي من بعيد على شكل تلّة تشبه تلال القرى الأثرية في الجزيرة السّورية وبلاد ما بين النّهرين، وذلك لتعاقب العمران على أرضها في عصور سالفة تعود لأكثر من ألفي عام.

الشيخ-أبو-علم-الدين-جميل-بدرية-يحضر-القهوة-للضيوف
الشيخ-أبو-علم-الدين-جميل-بدرية-يحضر-القهوة-للضيوف

لمحة تاريخيّة
يذكر بركهاردت الرّحالة السويسريّ المكلّف من قبل بريطانيا باستطلاع بلاد العرب وهو الذي زار جنوب سوريا عام 1811 أنّ بكّا كانت خَرِبة خالية من السّكان،( ورد ذلك في ترجمة لسلامة عبيد عن كتاب “جبل حوران في القرن التّاسع عشر…”، وهكذا فإنّ الفضل في إحياء العمران الثّابت والمستقرّ في سائر قرى جبل حوران يعود لدور بني معروف الموحّدين، ذلك أنّ البدو الذين توارثوا تقاليد الغزو عبر التاريخ وبخاصة قبيلة عَنًزًة التي كانت ترتاد البلاد أواخر فصل الرّبيع من كلّ عام قادمة من بوادي شبه الجزيرة العربية (الرّوَلة ومن يتّصل بهم)، كانت تُرْهِبُ فلاّحيّ البلاد، وبَدْوَها، وحتى أولئك البدو الذين يقطنون في وعور اللّجاة شمال غرب الجبل، وكلّهم كانوا رعاة يأنفون التّحضّر والعمل في الزّراعة ويترحّلون طلباً لمراعٍ لماشيتهم إذ كانوا يرعون في براري الجبل في موسمي الرّبيع والصّيف، وفي ذلك يقول بركهاردت في مُتَرجَم سلامة عبيد ص 37 “كان بدو اللّجاة يخافون من تخطّي حدود وعرهم بسبب حالة القتال المستمرّة بينهم وبين قبيلة عَنَزة القويّة من جانب، وبينهم وبين حكومة دمشق (العثمانية) من جانب آخر، بينما تتحاشى عَنَزة الاقتراب كثيراً من اللّجاة خوفاً من السّطو على مواشيها أثناء اللّيل وخوفاً من بنادق البدو الذين يسكنونه ويحتمون في كهوف ووعور موحشة تجهلها قبيلة عنَزة الصّحراويّة.
“أما العمّال في مصانع البارود (في القرى الخَرِبة المحاذية لِلّجاة إلى الشرق منها)، فقد كانوا من الدروز الذين اشتهروا بشجاعتهم الشّخصيّة وعنفوانهم… وهذا ما كان يحدو بالبدو تحاشي الاقتراب منهم”. إنّ هذه الشهادة العيان من الرّحّالة بركهاردت تؤكّد للباحث بأنَّ إقامة حياة حضرية راسخة في بكّا وفي سائر حواضر جبل حوران وقعت على كاهل بني معروف الموحّدين وما بذلوه من تضحيات لتثبيت حياة زراعيّة مستقرّة في الجبل.

بنو معروف يرسِّخون عمران بكّا
مع توطّن عشيرة آل الأطرش المعروفيّة في القريّا المجاورة لِـ “بَكّا” اكتسب التحضّر وضعاً أكثر رسوخاً في القسم الجنوبي لجبل حوران، وهكذا فقد نزل آل الحمّود وهم فرع من العشيرة الأطرشيّة في بكّا، ومن المرجّح أن يكون ذلك قد حصل نحو أواسط القرن التّاسع عشر أو قبله بقليل، إذ استقرّ فيها سلامة الحمّود الملقّب بـ “ سلامة سمّ الموت” لشدّته في مجابهة المتعدّين على الحياة الحضريّة وقِيَمها، تلك القِيَم التي فَرضها الموحّدون في ديار أفرغتها من السكّان عوامل الخراب وفي طليعتها الغزوات البدويّة وانعدام الأمن لغياب سلطة الدّولة عن الأرياف البعيدة عن دمشق عاصمة الولاية، فضلاً عن الجفاف الذي يضرب المنطقة بين عام وآخر (ولم يزل)، وموجات الجراد.
لم يكن أمام بني معروف إلا الاستقرار في هذا الجبل المنيع بعد أن اضطُرّوا لعوامل مختلفة إلى الهجرة إليه تاركين موطنهم السابق في جبل لبنان (وكان يدعى “جبل الدروز” ) وقد كانت العوامل الأهمّ هي الصّراعات السياسية في جبل لبنان وانعكاساتها منذ معركة عين دارة ثم جاء الاضطهاد الشهابي في ظلّ حكم بشير الشّهابي الثّاني ثم الحرب الأهليّة عام 1860وما تبعها من تدخّلات فرنسية أوروبّيّة ضدّ الدّروز في أوضاع جبل لبنان حتى الاحتلال الفرنسي عام 1919. لكن أضيفت في ما بعد عوامل الهجرة الطّوعية لأسباب اقتصاديّة واجتماعيّة وعائليّة أو لغيرها من الأسباب، وقد يسّر ذلك أنّ لبنان وسوريا كانا لفترة طويلة وحتى ما بعد الاستقلال يمارسان سياسة الحدود المفتوحة لمواطنيهما الأمر الذي جعل انتقال الأشخاص والأسر ممكناً من دون عوائق.

وسط-البلدة-ويبدو-مبنى-المجلس-البلدي
وسط-البلدة-ويبدو-مبنى-المجلس-البلدي

الأسر في بكّا
من العائلات المعروفيّة التي توطّنت في بكّا إلى جانب آل الحمّود الأطارشة أقاربهم آل المعّاز وعويضة وأبو دقّة وإلى جانبهم توافدت عائلات عديدة كآل الباسط (أصلاً أبو خزام من كفرحيم في جبل لبنان)وأل عطا الله، وآل مراد وأبو محمود وينتمون لآل مراد وآل أبو حجيلي والجاسر وآل الحرفوش وحديفة وآل مهنّا وأبو أحمد وآل بدريّة وأبو بكر وآل نفّاع وآل السلمان طربيه، وآل بلّان والنّجم وعمّار ورزق والظلّي، وآل الحكيم والمؤيّد (في الأصل آل صعب) وآل غبرة (أصلاً: أبو الحسن) وآل فرح، وكلّها أُسر تنتمي إلى بني معروف.

صياح الأطرش، شيخ بكّا وهم: مزيد أبو بكر وفارس أبو محمود مراد وجدعان المعّاز…

صياح الأطرش، شيخ بكّا وهم: مزيد أبو بكر وفارس أبو محمود مراد وجدعان المعّاز...
صياح الأطرش، شيخ بكّا وهم: مزيد أبو بكر وفارس أبو محمود مراد وجدعان المعّاز…

بلدة أثرية

تحتوي بكّا على ثروة كبيرة من الآثار التي تعود إلى عصر الأنباط لأكثر من ألفي عام في البلدة وتتابعها في العصر الرّوماني والبيزنطي ــ الغسّاني والعربي الإسلامي، الأمر الذي يؤهّلها لأخذ مكانها على الخارطة السّياحيّة السّوريّة فيما لو أُخذ هذا الأمر بالجدّيّة اللازمة من قبل مواطنيها ومن قبل الجهات الحكوميّة المختصة. ويشير عالم الآثار الدكتور علي أبو عسّاف في ص 16 من كتابه “الآثار في جبل حوران” إلى أنّه في قرية صماد الحورانيّة على مسافة 3 كلم إلى الغرب منها وجدت آثار أدوات استخدمها الإنسان القديم تعود للعصور الحجرية التي تمتد بين 12000 و 4000 سنة قبل الميلاد.

بلدة الشهداء
بالاستناد إلى سجلّ محفوظ في بلديّة بكّا تبيّن لنا أسماء 16 شهيداً قضوا في المواجهات خلال العهد العثمانيّ بينما سقط للقرية في مواجهة الاحتلال الفرنسيّ خمسة وعشرون شهيداً قال فيهم الشّاعر الشّعبي للثّورة السّورية الكبرى الشّاعر صالح عمار أبو الحسن:
رجال بـكّـــــــا بيِغِلْبوا ومـــــــــا يُغْلَبـــوا فرسان من صَوْت المدافع يطربوا
قيدومهم صيّاح في يوم الوغى يَوْمِ اِن على ظَهر السّلايل يركبوا
ويسمّي الدّكتور عبدي صيّاح الأطرش مجاهدين من بكّا “واصلوا جهادهم في المنفى”، إلى جانب قادة الثورة ورفيقهم صياح الأطرش، شيخ بكّا وهم: مزيد أبو بكر وفارس أبو محمود مراد وجدعان المعّاز…

اقتصاد البلدة
تبلغ مساحة الأراضي المزروعة في بلدة بكّا نحو 14,000 دونم تُزرع بالقمح والشّعير والحمّص والعدس والفول. ومن أهمّ الأشجار المزروعة في بكّا الزّيتون، يليه اللّوزيات والكرمة والتّين وغيرها من الأشجار كالفستق الحلبي والتّوت والجوز والرّمّان والإجّاص ومعظم هذه الأشجار تُزرع في الحدائق المنزليّة حيث يتوفّر لها الماء من شبكة مياه الشّرب.
وهناك 18,350 دونم مصنفة كأراضٍ وعرة وتُعتبر من أملاك الدّولة، ولكنّ هذا حرم أهالي القرية من استصلاحها والإفادة منها لأنّ التكنولوجيا الحديثة يمكن لها أن تستصلحها وتُدْخلها في مجال الإنتاج الزراعي. وتهتمّ العديد من الأسر في القرية بتربية الماشية سواء لحاجة المنزل أو بهدف تحقيق دخل إضافي من ذلك تربية الأبقار المحسّنة وتُرَبّى الأغنام والماعز بالمشاركة مع رعاة من البدو وهذا بالإضافة إلى تربية الطيور الدّاجنة. ومن مصادر الدّخل الإضافية التي تدعم معيشة الأسر في الظّروف الحاليّة العمل في دوائر الدّولة أوفي القطاع الخاصّ وكذلك تحويلات العاملين في الخارج من أبناء البلدة إلى ذويهم وهذه تشكّل مصدرا هامّا من مصادر الدّخل الأسريّ..

تربية الرّاماج
الرّاماج نوع من العصافير الجميلة المتنوّعة الألوان التي تتراوح من الأخضر إلى الأزرق والأصفر والنّيلي والأحمر. والماوردي منه والمشجّر (روز) هما الأغلى ثمناً فزوج الصّيصان منهما يبلغ سعره نحو 15000ل.س، وهو طائر شرس لدرجة أنّه يفرم بمنقاره شبك منخل السّلك غير المُفولذ ويفتح ثغرة فيه ليهرب من خلالها لذا لا يؤمَن لضربات منقاره، فنَقْرَة منه تُدمي وتؤلم لفترة من الوقت، ويشكّل الرّاماج دَخْلاً إضافياً للأسرة في بكّا التي أعدّت في منازلها مئات الغرف التي خصّصت لتربية عصافير الرّاماج.
ويربّى الراماج في غرف خاصّة واسعة نسبيا ومزودة بنوافذ للتهوئة، وتتّسع الغرفة الواحدة إلى 10 ــ 20 زوجاً من الرّاماج، وكلّ زوج يعطي 4 إل 6 صيصان كلّ شهرين ونصف الشّهر تقريباً، والعدد المثاليّ 4 صيصان. ويعطي الصّوص أفراخاً بعد 7 شهور من نقفه البيضة. وزوج الرّاماج يُعتبر بالغاً في عمر 5 إلى 7 شهور، ويدعى “مخلوف” وسعره من 7000 إلى 8000 ل.س، أمّا الزّوج الأكثر بلوغاً فيُدعى بـ “العتقي” سعره فوق 10000 ل.س ويكون عمره أكثر من سنة. وعموماً فإنّ الزّوج الواحد يعطي بالسّنة 4 أفواج. ويُباع الرّاماج لتجّار متخصّصين يأتي أكثرهم من حلب، ويبلغ متوسّط إنتاج الغرفة الواحدة ما يعادل 100$ أمريكي شهرياً. ولكنّ الأحداث في حلب تسبّبت بهبوط أسعار الرّاماج عن مستواها المألوف. وقد كان يتمّ تصديره منها إلى تركيّا لشركة “راماج” حيث يستفاد منه في صناعة مستحضرات التّجميل بالدرجة الأولى.
ويفيد السيّد جهاد الزاقوت أبو الحسن وهو أحد مربّي الرّاماج، بربحيّة تربية هذا النّوع من الطّيور ولكنّ الأمر يحتاج للدّراية الكافية تجنّباً للخسارة، فالرّاماج يتعرّض لتعفّن الأعشاش بسبب كثرة الأفراخ، كذلك يُصاب بالطّفيليات ومنها النَّمَس وهي حشرات بالغة الصّغر (تظهر بوضوحٍ بالضّوء) وهي تقتل الأفراخ الصّغيرة، ويتمّ تعفيرها بالمبيدات الحشرية.
ويتغذّى الرّاماج على حبوب الدُّخُن والقمح المبلول من يوم لآخر لأكثر (خوفاً من التعفّن)، وبزر دوّار الشّمس والذّرة الصّفراء المبلولة وعلى بيض الدّجاج غير البلديّ.

تربية-طيور-الراماج-أوجدت-مصدر-دخل-إضافي-للأسر-في-بكّا
تربية-طيور-الراماج-أوجدت-مصدر-دخل-إضافي-للأسر-في-بكّا

خيول .. في عصر التّكنولوجبا
وعلى الرّغم من التّطوّر التّقني في الزّراعة التي أصبحت تعتمد الآلات الحديثة فلم تزل في بكّا أربعة خيول لحراثة الحدائق والمساحات المحدودة بواسطة المحراث الرّوماني القديم، ويَعْتَبرُ زبائن هذا النّمط من الحرث بحكم تجربتهم العمليّة أنّه أكثر جدوى من الحراثة الآليّة التي ترصّ التّربة وتعيق تهويتها ممّا يضعف إنتاجيّتها. كما أنّ الآليّات الزّراعيّة الخفيفة كالفرّامة لا تنزل عميقاً في التّربة وذلك بخلاف سكّة المحراث الرّوماني القديم التي تشقّ التّربة وتحافظ على رطوبتها ولا ترصّها، لأن رصّ التّربة بتأثير دواليب الجرّار يجعل القسم الواقع تحت التّربة المحروثة من الأرض كالبلاطة التي تمنع التُّربة من امتصاص الماء والرّطوبة الجوّيّة، كما تعيق حركة الجذور فيها لتصلّبها!.

توسّع البلدة
بنيت منازل القرية القديمة على مسافة مئات الأمتار من الطّريق العام، الذي يصل بين قرى المقرن القبلي من الجبل والسّويداء مركز المحافظة، لأنَّ النّاس لم يكونوا يرغبون في الماضي بمرور القوافل والقوات العسكريّة بين بيوتهم، ولكن بعد الاستقلال عام 1945 أخذ العمران يقترب تدريجيّاً من الطّريق العامّ وتجاوزه باتجاه الشّرق باتّجاه قرية حوط. ولكنّ امتداد عمران القرية الحديث اللّافت للنّظر هو امتدادها الطّولي لنحو ثلاثة كيلومترات بمحاذاة الطّريق العام الذي يصلها ببلدة ذيبين جنوباً وإلى جهة الشّمال حيث تقاطع طريق بصرى غرباً وصلخد شرقاً. وتكتسي القرية الحديثة باللّون الأخضر لوفرة الحدائق المنزليّة وفائض المياه التي تُسْتَجرّ من الآبار الارتوازية التي توفّرها الدّولة للمواطنين. ولكنّ المُقلق هو هجرة الأيدي العاملة والهجرة الدّائمة وخاصّة خلال الأحداث الدّامية التي ألمّت بسورية بعد عام 2011 وما تلاه إذ يندر أن تجد بيتاً ليس منه مهاجر أو نازح أو مغترب.

علي عبيد

المُجاهد والشّاعر عَلي عبيد
ابن عاليَه وأمين سرّ الثّورة السّورية

“ما رأيتُه ورأيتُ نضرة الجهاد في صباحة وجهه، وجمال الصّبر ورزانة العقل إلّا حَسِبْتَي أمام صحابيّ من أولي العَزم الذين أنبتتهم الجزيرة وتتلمذوا لأبي القاسم (ص) وجعل منهم الإيمان عباقرةَ رجولة وبطولة”.
(المجاهد الفلسطينيّ أكرم زعيتر)
يعتز آل عبيد بانتمائهم العروبيّ العريق، فهم يعودون أصلاً إلى عشيرة عربيّة يمنيّة، وإلى ذلك يشير يحيى عمّار صاحب كتاب الأصول والأنساب إذ يذكر أنّ من أسلاف آل عبيد الأحنف بن قيس الذي قال فيه معاوية بن أبي سفيان إنّه: “إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف من بني تميم ولا يدرون لماذا غضب”..ومنهم عاصم الشّاعر المعروف بالفرزدق المشهور بمحبّته لآل البيت وعلى منهجه اعتنقت جماعة منهم الإسماعيليّة الفاطمية ثمّ … الحاكميّة فيما بعد”.

أسرة عربية عريقة
كانت الجماعة التي استجابت لدعوة التّوحيد من آل عبيد تُقيم في شماليِّ سورية أيام هجمة الفرنجة على الشّرق الإسلامي في ما سمي “الحروب الصّليبيّة، وهناك قاتلوا إلى جانب الأمراء المعنيّين ضدّ الفرنجة عام 1110م. لكن بسبب غياب الوحدة بين صفوف المدافعين لتنازع سلاطينهم وملوكهم آنذاك فقد كانت الغَلَبة للفرنجة في تلك الحملة، فذهب آل عبيد مع المعنيّين إلى طغتكين السّلجوقيّ حاكم دمشق الذي بعث بهم إلى ثغور السّاحل الشّاميّ في لبنان، ونزلوا أخيراً في بلدة حمّانا، وفيما بعد انتقلوا إلى بلدة عاليه بعد نزاع مع المقدّمين من آل مزهر. وقد انتشرت فروع منهم إلى جهات عديدة، ورجع بعضهم إلى مذهب السنّة كآل عبيد الذين سكنوا في غوطة دمشق في جهات المعظّمية، أمّا آل عبيد الذين سكنوا في أشرفيّة صحنايا فلم يزالوا على مذهب التّوحيد.
كما نزح آخرون منهم إلى مدينة بيروت واستقرّوا في حارة ساقية الجنزير ومنهم اليوم آل الضّاروب، ويذكر حنّا أبو راشد أنّه في عام 1870 بعد الحملة الفرنسية على جبل لبنان، نزح علي عبيد مع ولديه حسين واسماعيل إلى جبل حوران ونزلوا في مدينة السويداء ولم تزل ذرّيّتهم فيها إلى يومنا هذا.

“كان علي عبيد أحد المجاهدين الذين دخلوا دمشق بقيادة سلطان باشا الأطرش في 30 أيلول عام 1918 ورفعـوا العلم العربي فوق ســراي المدينة”

شخصيّة صلبة
ولد علي بن حسين عبيد عام 1865 في بلدة عاليه الواقعة في قلب جبل لبنان، وفيها تعلّم القراءة والكتابة، وكانت تلك فترة صعبة على بني معروف بسبب الحملة الفرنسيّة الظالمة على جبل لبنان بحجة حماية المسيحيين، وقد ترافق دخول القوات الفرنسية بقيادة الجنرال بوفور بحملات تنكيل بالسّكان الدروز، وشهدت تلك الفترة موجات نزوح كبيرة من جبل لبنان ووادي التّيم إلى جبال حوران التي بدأ الدروز بالهجرة إليها قبل أكثر من قرن ونصف من ذلك التاريخ. وكان والد الطفل علي من الذين قرروا في تلك الظّروف النّزوح إلى السّويداء في “جبل الدّروز” كما أصبح يُدعى آنذاك. ولمّا كان الوالد حسين عبيد متمكّناً من القراءة والكتابة فقد تسلّم رئاسة بلديّة السويداء عام 1890، أمّا ولده عليّ الذي حمل اسم جدّه فقد كان في عام 1910 يعمل كموظّف جباية في ماليّة السّويداء وذلك حسب محمّد جابر في كتابه “أركان الثّورة السّورية الكبرى 1925 ــ 1927”.

علي-عبيد
علي-عبيد

شارك عليّ في الحرب الدامية ضدّ حملة سامي باشا الفاروقيّ على الجبل، وفي معركة الكفر ضد العثمانيّين اتّهم بقتل قائد الحملة العثمانيّة التي توجّهت إليها وهو ابن أخت سامي باشا ففرّ متخفّياً إلى لبنان بإيعاز من رشيد طليع الذي كان يشغل آنذاك وظيفة متصرّف (قائمّقام) درعا، وعلى أثر ذلك توثّقت عُرى الصداقة بين الرجلين المجاهدين.
وبعد تراجع الحملة العثمانيّة عن الجبل بـتأثير نُذُر الحرب العالميّة الأولى التي كان الأتراك يستعدون للانخراط فيها كحلفاء لألمانيا خفّت وطأة الحكم التّركي على بني معروف، فرجع عليّ إلى الجبل حيث أتيح له أن يشهد بوادر الثّورة العربيّة على الحكم العثماني وأن ينخرط في صفوف المناضلين في سبيل تحقيق حلم الدّولة العربية بقيادة الملك فيصل الأول، وكان المجاهد الشّاب على عبيد أحد أفراد مجموعة المجاهدين الذين دخلوا دمشق بقيادة سلطان باشا الأطرش في 30 أيلول عام 1918 ورفعوا العلم العربيّ فوق سراي المدينة قبل وصول القوّات البريطانيّة إليها.
بعد استتباب الأمر للقوات الفرنسية بدأ التوتر يتصاعد بينها وبين الوطنيين السّوريين وخصوصا في جبل العرب وتحول تفكير هؤلاء إلى كيفية تنظيم المقاومة ضدّ الاحتلال الفرنسي، ومن أجل ذلك أقام رشيد طليع ومساعده نبيه العظمة عام 1920 نحو أربعة أشهر في منزل علي عبيد في السّويداء الذي تحول إلى مقرّ نشط لرفض دخول الفرنسيّين إلى سوريا. وكان رشيد طليع، بحكم مقدرته التّنظيميّة، يطلب مِمَّن يوافقه الرّأي أن يقسم يمين الإخلاص للوطن وأن يتعهّد بتقديم كلّ ما يملك من أجل طرد المستعمرين من البلاد والعمل على استقلال الوطن السّوري.
وكان الفرنسيّون يدفعون أموالاً جزيلة لكسب أنصار لهم ممّن كانوا في الصّف الوطنيّ إلى جانب سلطان باشا والنّخبة من الوطنيّين ممن التفّوا حوله، ولما كان علي عبيد شاعراً فارساً وسياسيّاً وطنيّاً فقد أغاظه تقلّب بعض الوجهاء الذين حَنثوا بيمينهم، فتناولهم بقصيدة لاذعة توثّق الموقف السّياسي في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الجبل، إذ قال فيهم:
قلت آه ثـــمّ اَوّاه عـــقلي أنــــــــــــــــا ويـــــن
عقلي حسب لي الناس فيهم أمانه
عقلي حسب لي الناس في عندهم دين
ثــــــــاريه بعض النـــــــــــــــــاس ما لْهم ديــــــــــانه
يــــــــاحيف يـــــــــا دروز الجبــــــــــل كيــــف خِبْليـن
خــافــــــــــوا ونامـــــــــوا وسلّمـــــــوا للإهـــــــانـــه
البعـــــــض من أجـــــل الدّراهم مْطيعيــــن
البعض خافوا خوف ذلّ وجبانـــــــه
والبـــعـض لابـــــــــــــــــــــح لَقْعـــــود الدّواويـــــــــــــــن
لاجــــــــل الوظـيفـــــــــــــــــة مِعتمـــــــل للخـيــــــــانه1
الــعــــــــزّ مطلـــوب النّــــــــــداوي الشّهيمــــــــــين
والمـوت أهـون مــــــــــــن شماتة عِدانــــــــــــــا2
الــــذّل حـايــــــــــــق بـــــــــــــالــــرّجـــــــــال الــرّديـيـــــــــــن
مثـل الـهتيــمي ملــــــــــــــوبــداً في مكانــــــــــــــه3
كان علي عبيد ورفاقه إلى جانب سلطان، فريقاً من بني معروف ذوي ميول عروبيّة خالصة، هالهم ما جرى في ميسلون وعملوا صفّاً متراصّاً بهدف طرد الفرنسيين من سوريا وتحقيق استقلالها في إطار دولة مدنيّة عنوانها “ الدّين لله والوطن للجميع”، ومن هنا كانت وفادة علي عبيد من قبل سلطان باشا إلى الأردنّ وهناك قابل الضابط حسيب ذبيان الذي كان قد طلب حضور المجاهد علي إليه في السّلط كونه قائد منطقة السّلط هناك، ومن ثمّ التقى علي برشيد طليع، كان الرّجلان حسيب ورشيد، من مجموعة “الضبّاط العرب الذين اشتركوا في معركة ميسلون وواصلو نضالهم في تأسيس إمارة شرق الأردنّ باعتبارها ميداناً للثّورة العربيّة الكبرى “حسب تيسير ذبيان في كتابه:”حسيب ذبيان في ذاكرة الثّورة العربيّة، ص 86”.

علي عبيد يتوقّع اندلاعَ الثّورة
كان علي عبيد قد ردّ على رسالة هلال عزّ الدّين بقصيدة تحمل طابعاً نبوئيّا ينذر بنشوب حرب ــ ثورة في سوريا وذلك قبل نشوب الثّورة وصيرورتها أمراً واقعاً بمدة من الزّمن، إذ كان علي عبيد بحسّه الوطني يستشفّ ما تحمله آنذاك الأيام الحبالى بإرهاصات الثّورة القادمة لكون الفرنسيّين مزّقوا البلاد السّوريّة إلى دويلات ضدّ إرادة شعبها، وهو لا يرى خَيْراً بما اصطنعوه من دولة أسمَوْها “دولة جبل الدّروز” ومن هنا يتّضح لنا عمق رؤية الرّجل من خلال رَدّه على شكوى صديقه هلال عزّ الدّين الحلبي وعلى تساؤله وقلقه على المصير الوطني العام… وممّا جاء في قصيدته تلك:
أنــــــــــــا بعينـــــي شـــــايــــــــــف الكــــــــــلّ نســــــــــــــوان
وهـــذي الزّمرة فـــــرّق الله شظاها
بــأوراق ســـوري تشتري كل إنســـــــــان
لـــو كان خاتــم كتب الله وْقَراهــــا
إن طعتني اصبر لْيا ما بعــد نيســـان
لْيــا مـــا يبيّــن صيفها من شتاهـــــــــــــا
آني أشـــــوف بمنظـــــــــــر العقــل يــــا فـــلان
لابــــــدّ مـــــــــــــن يــــــــــــــــــومٍ يــــــــلعلـــــــــــع حِـــــــــــداها
ثم يطلب منه أن يَتَروّى وأن يوثّق علاقاته برفاقه والذين يثق بهم، ويعرف حالتهم وتذمّرهم مما آلت إليه الأمور ليكونوا مستعدّين للقيام بالثورة.
وإلى جانب نشاطه التّحضيري السّرّي للثّورة المرجوّة كان علي عبيد يقوم بوظيفة رئيس كتّاب في الحكومة التي رأسها الأمير سليم الأطرش وبعد وفاة الأمير سليم شغل وظيفة رئيس محكمة صلح السّويداء بين 1920 و 1922 في حكومة دولة جبل الدّروز التي رأسها الكابتن كاربييه. وبحكم أعماله الوظيفيّة تلك كان يطّلع عن كثب على دقائق سياسة كاربييه الذي كان يلقب نفسه غروراً بـ “امبراطور جبل الدّروز”.
يقول علي عبيد في معرض توصيفه لوضع الجبل المنذر بنشوب الثّورة مبيّناً لهم حقيقة المعاناة باختصار وتكثيف شديدين:
ربّك حَكَم بــــالدّور لَاهل السـّــفــــــــــــــالـــــــــي
دورٍ قَصيـــــــــــر وبفتــكـــــــر زَرعـهم قاس4
ربّك كــــريم ومــطّلـــــع عــــــا كـــــــــلّ حالــــــــي
وبعد الحصيدة يـــــــــا فتى مَوسم دراس5
خلّيـــــك فــــــــــــــــــــرز ومحتــــــــــرص عَ الخْيــــالــــــــــي
ولابــــدْ يومــــــــــــاً ينتصــــــــــب فيه بَرْجاس6
حــــالــــــــــة جبلنــــــــــا اليـــــــــوم كلّــــــــــه خَـــجـالــــــــــــــــــــــــي
أكبــــــــر رجــــالــــــــــه للــطّـــــــرق عاد كـنّــــاس7
اللّـــــــــي يعـــــــــزّ النّفــــــــــــس يـْــــــــــــــــــذلّ الامـــــــوالِ
ونشـــر الكتابــــــــــة عَ الملا وسائـــــــــر النّـاس8
ويفيدنا على عبيد أنّ كاربييه الذي كان يقدّم نفسه حاكماً محرّراً لجبل الدّروز كان في حقيقة أمره لِصّاً. حيث يقول: “مؤخّراً حصل الكابتن كاربييه على إجازة مدّة ثلاثة شهور وذلك على أثر استحواذه على ثمانية آلاف ليرة أخذها من صندوق الحكومة مدّعياً أنّه سيضعها في البنك الزّراعي فاستبدل خمسة آلاف ليرة منها بورق سوري وضعه في البنك المذكور وثلاثة آلاف ليرة ألفان ضمّها بالجيبة وألف ليرة اشترى فيها سجّاد قدّمها لحضرة الجنرال ساراي من أجل أن يبقيه حاكماً على جبل الدّروز”.
كان الفرنسيّون قد نَفَوْا إلى مدينة الحسكة في أقصى الشمال السّوري، مجموعة من الشّخصيات الذين كانوا يرَوْن أنّهم يحرّكون الرأي العام في الجبل ضدّ مظالمهم، وكان علي عبيد واحداً منهم وهناك

احتضنهم زعماء العشائر العربيّة بدافع من حسّهم العروبي والوطني السوري.

مجاهدون-يرقصون-رقصة-الحرب-ويطالبون-باستقلال-سوريا-عشبة-الثورة-عام-1925
مجاهدون-يرقصون-رقصة-الحرب-ويطالبون-باستقلال-سوريا-عشبة-الثورة-عام-1925

 

“مضافات الجبل تحوّلت قبل الثّورة إلى مقرّات لتشكيل الرّأي العام تزعــــــج الفرنسيّيــــــن فاتّخذ الكابتن كاربييــه قراراً بمنع الزّيارات إليـــها”

زعماء عشيرة الجبور يكرمون الثوار
يصف علي عبيد تلك الواقعة بالقول :”نزلنا ضيوفاً على القائمّقام عارف بك الدّعيجي وصباح اليوم الثّاني دخل علينا رجل مهيب الطّلعة جسيم في الجسم مرتدياً عباءة وكوفيّة وعقال، اختيار (أي طاعن في السّن) ذو لحية بيضاء وعلى جنبه سيفاً قرابه من الفضّة البيضاء الصّافية فسلّم علينا سلام محبّ صادق وبعد تناول القهوة وتعريف القائمّقام له علينا ولنا عليه بأنه مِسْلط باشا شيخ عشيرة الجبور قال :”يا حضرة القائمّقام أنا عرفت بقدوم هؤلاء الذّوات وأنا لا أعرفهم شخصيّاً ولكن أعلم من تاريخ حياتهم أنّهم أمراء وحكّام جبل الدروز الذي هو حياة سوريا ورافع شارب العرب ولا من عشيرة أو طائفة قدرت تقاوم الأتراك إلاّ هم، فَعَلَيْه أنا عندي من فضل الله أربعة عَشَرَ ولداً مْقَدمْهم لك منهم ستّة بدلاً عن هؤلاء الستّة رجال وهم في ضيافتي ولو خمسة سنين إلى أن الحكومة ترضى عليهم ويلزم أنْ تحيط علماً بأنّنا لانقبل عليهم أيّة إهانة أو مغدوريّة قطعياً ونعدّهم ضيوفاً أعزّاء على جزيرة العرب. ( كانت الجزيرة السّوريّة آنذاك عربيّة خالصة قبل أن تغض فرنسا النّظر عن توافد الأكراد من تركيّا والآشوريين من العراق)وإذا كان فكر الحكومة في شيء يمسّهم فليكن معلوماً عندها عدم رضانا البتّة ولو حصل مهما حصل. وبعد ساعة تقريباً حضر رجل أسمر اللون مربوع القامة جسيم في الرّجال ذو هيبة ووقار مرتدياً عباءة وكوفيّة وعقال وعلى جنبه سيفاً من الذّهب الإبريز وبعد السلام عرّفنا عليه القائمّقام أنّه مشعل باشا الجربا بن فارس باشا الجربا أمير عشيرة شمّر الجزيرة فالرّجل حذا حذو زميله مسلط باشا في التلطّف معنا وأفهمنا أنّنا نحن وهم عشيرة واحدة وأنه لا يقبل علينا ضيم قطعيّاً. وعزمنا تلك اللّيلة في العشاء وعزم بها مأموري الحكومة من عسكريّين وملكيّين وكانت ليلة حافلة…”.
في فترة النّفي تلك حدثت في الجبل معركتان هُزمت فيهما فرنسا هزيمة مُدوّية، هما الكفر والمزرعة، فاضطُرّ الفرنسيون للإفراج عن المنفيين وإعادتهم إلى الجبل مقابل أن يتكفّلوا “مسألة الصّلح بين الحكومة وأهالي الجبل.
في تلك الفترة كانت مضافات الجبل قد أصبحت مقرّات لتشكيل الرّأي العام تزعج الفرنسيّين كثيراً خاصّة مضافات الوجهاء كعبد الغفار الأطرش، لذا اتّخذ كاربييه قراراً بمنع الزّيارات إليها يقول علي عبيد “وكان من جملة من اضطهدوه عبد الغفار باشا الأطرش لأنهم منعوا أهالي السويداء والبلاد من لاجتماع به والدخول لبيته وكلّ من عرفوا أنّه قابله أم دخل بيته غرّموه خمسة ليرات عثمانيّة (ذهباً)”.
أمّا عنه (أي علي عبيد) فيقول :”إنّ الكابتن كاربييه وضع جاسوساً من نفس مأموريّ الحكومة كلّ يوم يعطيه تقريراً عن كلّ ما يحدث وعن من يقابلني من الزّعماء والأهلين ولمّا ضاق صدري من هذه الحالة جادت قريحتي بهذه الأبيات (نقتطف منها هذا البيت):
قلت آه من عُظْم البَلا والمصابـــــي ومن رِفْقة المنحـــــوس قلبـــــــــــي تــــــرى ذاب

“الجركس وعربان اللجاة قدموا خدمة كبيرة لفرنسا لأنهم عرقلوا محاولات الثّوار الامتداد لقرى ومنــاطق جبل الشّيخ والغوطة لمدة أربعة شــــهور”

أحد مؤسسي الثّورة
يُعْتَبر علي عبيد من المؤسّسين للثّورة السّورية الكبرى إلى جانب قائدها العام سلطان باشا الأطرش، ومنذ عودته من المنفى في الحسكة كان من المساهمين في حشد الرّأي العام في الجبل لتوسيع دائرة انتشارها ومدّ ميدان فعاليّتها إلى دمشق باعتبارها العاصمة التي تتمركز فيها سلطة الانتداب، وهكذا فقد شارك في معظم معاركها بعد عودته من المنفى الأوّل في الحسكة، كمعركة العادليّة جنوب دمشق عندما عزم الثّوار على تحرير العاصمة، بتاريخ 24 آب 1925، تلك المعركة التي كانت أوّل معركة خسر فيها الثّوار بعد نصرهم المؤزّر في معركتيّ الكفر والمزرعة.
وفي العام نفسه في مطلع شهر أيلول انعقد في قرية ريمة اللّحف مؤتمر لقادة الثّورة واختير علي عبيد واحداً من أركان الثّورة، وكان أحد أركان الاتّحاد الدّرزي وقاضي الثّورة ( ابوراشد ص 76)

سيناريو معركة المسيفرة
إن وصف علي عبيد لتلك المعركة يصلح ليكون أساساً لفيلم سينمائي يوثّق تلك الموقعة التي لم يُتَح لها الخروج إلى دائرة النّور بعد.
في السّابع عشر من أيلول من العام ذاته اشترك علي عبيد في الهجوم على الحملة الفرنسيّة في قرية المسيفرة، وكان في طليعة أولئك الفرسان الذين اخترقوا التّحصينات الفرنسيّة، وفي مذكّراته يتطرّق إلى ذلك بالحديث عن مآثر غيره دون أن يتحدث عن نفسه لشدّة ترفعّه وتواضعه، يقول :”حان دُنوّ الأجل وعَزَمت الدّروز على مهاجمة المسيفرة وكانت ليلة مظلمة فَضَلّ قسم من البيارق بسبب عدم الاهتداء إلى الطريق، وعند وصولنا إلى جوار البلد دخل بيرق السّويداء وبيرق صلخد وقسم من بيارق الدّروز مقدار سبعة بيارق من الجهة الشّمالية. انتبه العسكر فوجد شبّان الدّروز وصلت إلى وجه الأسلاك فأصلاهم ناراً حامية سقط منهم أكثر من ماية قتيل وجريح دفعة واحدة… وجرت مهاجمة على النّقطة من بيرق ملح وعرمان وتصوّب حاملي البيارق وأنقذ البيارق سليم المقت وهو صويب في رجليه. ولكنّ قسماً وافراً دخل القرية واستولى على العسكر السّواري وخيوله ومعدّاته واستولوا على الذّخيرة من جبخاناته ومؤنته. ولم يخطر على بال العسكر أنّ الدروز يخرقون هذه البواغيز (يقصد المتاريس والممرّات الضيّقة المحصنة عسكريّاً).
ثم يصف حجم القتال الدّامي والخسائر الفادحة في الأرواح فيقول :”وكنت ترى قتلى ومجاريح الدّروز أمام عينيك بين متاريس الدّروز ومتاريس العسكر ولكن لا أحد يقدر من الوصول إلى أخيه أم أبيه. وكانت خسارة العسكر 975 رجل والدروز 185 رجلا معظمهم من الشّبّان النّشيطين”
كما شارك علي عبيد في معركة محاولة السّيطرة على قلعة السّويداء التي كان قد جهّزها الفرنسيون بقوّات عسكرية متفوقة. لكن الثّوار لم يتركوا للفرنسيّين أن يستقرّوا في القلعة فحاصروهم من الجهات الأربعة وقاتلوهم قتالاً عنيفا بحيث خسر العسكر (الفرنسيّ) بتلك الليلة ما يقارب الخمسمائة جنديّ ولكون الماء مفقود من القلعة وبسبب ذلك الضغط انسحبوا من القلعة إلى درعا، “ومن ثم ذهب زيد بك عامر ومعه قسماً من الدّروز مع نسيب بك البكري ودخلوا الشّام من جهة الشّاغور والميدان، واشتعلت الثّورة في جوانب سوريا …

المجاهد-محمد-باشا-عز-الدين
المجاهد-محمد-باشا-عز-الدين

تأثير الانقسامات على الثّورة
يرى علي عبيد الذي شارك بفعاليّه في معظم معارك الثّورة عدا معركتي الكفر والمزرعة (إذ كان منفيّاً إلى الحسكة في أقصى الشّمال السّوري) أنّه كان بإمكان الثّورة أن تصل لأهدافها في طرد الفرنسيّين من سوريا لو توفّرت الوحدة للمجتمع المنقسم إلى طوائف وفئات اجتماعيّة غير متلاحمة، وهو يشير في ص 19 من مذكّراته إلى أن ثوّار الجبل فضلاً عن مقاومتهم للدّولة الفرنسيّة وكثرة عددها وعِدتها كانوا يواجهون “عشيرة الجركس بأجمعها” إذ تجنّد هؤلاء “عند الحكومة (يقصد الإدارة الفرنسيّة) والفلّاح منهم عدوّ لدود وعربان اللّجاة خدمت الحكومة الإفرنسيّة خدمة تعادل خدمة الجركس وأظن أنهم أفادوها فائدة عظمى”
وهو يرى أن هؤلاء عرقلوا محاولات الثّوار وسعيهم لتوسيع مجال نشاطهم إلى قرى ومناطق جبل الشّيخ والغوطة وأشغلوا الجبل بحركاتهم ضدّ الثّورة مدة أربعة شهور كان الثّوار فيها يسيطرون” على قراهم ويحافظون لهم على زروعهم ومع ذلك فقد ذبحوا من الثّوار ابراهيم بك نصر والمرحوم فارس عزّي وعلي نايف القنطار وأكثر من عشرين رجلاً” وقد ساعدت هذه العرقلة لتحرّكات الثّوار الفرنسيّين الذين استغلوا انشغال قسم كبير من الثّوار في اللّجاة فضيّقوا الخناق على ثوّار الغوطة الذين أبرزوا شجاعة وإقداما في قتال الفرنسيّين.

تصرّفات أضعفت الثورة
لكن علي عبيد ينتقد من جانب آخر فساد بعض زعماء ثوّار الغوطة الذين قام بعضهم بإرهاق الأهلين ومصادرة خيولهم وأثاثهم وتغريمهم دراهم ممّا جعل القسم الأوفر يتنصّل من الثّورة وكان قد مضى على الفرنسيّين سنة ونصف وهم محصورون في دمشق لكنّهم لم يقدروا الوصول إلى حيّ الميدان الذي كان متعاوناً مع الثّوار. لكن تململ النّاس وتفرّقهم سهّل على الفرنسيّين كما يرى المجاهد علي عبيد ملاحقة مجموعات الثّوار في جبال القلمون والنّبك والغوطة، وإرسال قوّاتهم لاحتلال حاصبيّا ومناطق جبل الشّيخ الثائرة. وكانت ملاحظاته تلك ملاحظات شاهد عيان لكونه كان من كبار الفرسان الذين قاتلوا الفرنسيّين في معارك الغوطة قبل انتقاله للقتال في إقليم البلّان (سفوح جبل الشّيخ ممّا يلي الجولان) كما أشار إلى ذلك سلطان باشا الأطرش في مذكراته.

قوات فرنسية في الجبل أثناء القورة السورية الكبرى
قوات فرنسية في الجبل أثناء القورة السورية الكبرى

في الإقليم قاتل علي عبيد في معركة ميمس وفي تلك المعركة ينتقد الأداء غير اللّائق للثوّار الأمر الذي حال دون تحقيق النّصر الذي كان ممكناً، مُسَجِّلاً نقده بقصيدة طريفة من الشّعر العامي. غير أنّه يشير إلى أنّهم بَقَوْا في مجدل شمس محصورين بالمطر والثّلج لكنّهم خاضوا موقعتين هامّتين مع العسكر الفرنسيّ في موقع دورين قبالة قرية حرفا التي يشيد ببطولة مختارها الذي جرح في القتال وفي كلتا الموقعتين وُفِّق الثوّار لكسر القوّة العسكريّة الفرنسيّة…
وقد اضطُرّت العائلات الموالية للثّورة في مناطق اقليم جبل الشّيخ للنّزوح جماعيّا من قراهم نحو جبل الدّروز.

مهمات صعبة
في عام 1929 وبتأثير من التّنازع الهاشميّ السّعودي على شبه الجزيرة العربيّة فقد ضيّق الملك على المجاهدين ووضعهم أمام خيارات صعبة أو يخرجهم من مملكته. وعلى هذا أرسل سلطان أخاه زيد وعلي عبيد إلى القدس وعمّان للاتصال بأعضاء حزبَيّ الشّعب والاستقلال وأعضاء المؤتمر السّوريّ الفلسطينيّ من أجل حلّ الأزمة القائمة وقد نجحت المساعي من قبل شكري القُوَّتلي الذي سافر إلى الحجاز وقابل الملك عبد العزيز والتمس منه العودة عن قراره فوفّق في ذلك. وممّا ساهم في تسهيل مهمّته الحملة الإعلاميّة التي قامت بها الصّحف العربيّة لمصلحة المجاهدين والبرقيّات التي أرسلها المسؤولون العرب إلى الملك عبد العزيز ومنها برقيّة هاشم الأتاسيّ التي يطلب فيها معاملة حسنة لسلطان ورفاقه المجاهدين”.

دعم الجهاد في فلسطين
في كانون الأول من عام 1931 أرسل سلطان باشا المجاهد علي عبيد بصحبة المجاهد قاسم أبو خير لتمثيل الثّوار في المؤتمر الإسلاميّ المنعقد في القدس للتّضامن مع الفلسطينيّين، وقد تكلّم علي عبيد في ذلك المؤتمر قائلاً إنّ المجاهدين في الصّحراء ليس لديهم ما يفتدون به فلسطين المهدّدة بالضَّياع سوى الأرواح ووقّع على ميثاق من ثلاثة بنود وافق عليها رجالات العرب في اجتماعهم في 13 كانون الأول 1931 ترمي إلى الوحدة ومقاومة التّجزئة ورفض الاستعمار بجميع أشكاله.
ولما كان الفرنسيّون يناورون لإنهاء أنشطة الثّورة السّياسية منها بعد انكفاء الثّوار في المنفى عن العمل العسكريّ المباشر فقد أصدر المفوّض السّامي الفرنسيّ هنري بونسو قراراً بالعفو عن كافة الثّوار من سوريا ولبنان وكان علي عبيد من بين المستثنين منهم إلى جانب القائد العام سلطان باشا… ولكن سائر المجاهدين رفضوا ذلك العفو وعاهدوا الله على طلب الحقّ بالاستقلال إلى أن تصل الأمّة إليه.
عاد المجاهد علي عبيد من المنفى في 19أيار 1937إلى جانب القائد العامّ للثّورة ورفاقهم المجاهدين فاستقبلوا في دمشق استقبال المحرّرين للوطن، واجتمع في دمشق يومها 500 ألف مواطن لتكريم الثّوار من السّوريّين واللّبنانيّين وقائدهم، وكان عدد سكّان سورية حينها أقلّ من ثلاثة ملايين، وتمّ فرش السجّاد من محطّة القطار في القدم إلى قلب دمشق ودوت الهتافات وألقيت الخطب الحماسية والقصائد، كان يوم جمعة، وأدّى سلطان والثّوار فريضة الصّلاة في الجامع الأمويّ مع رئيس الجمهوريّة هاشم الأتاسيّ وأركان الدّولة ووجهاء المدينة.

“أكثر من نصف مليون سوري استقبلوا سلطان ورفاقه العائدين من المنفى وتمّ فرش السجّاد من محطّة القطار في القــــدم إلى قلب دمشق ودوت الهتافــــات وألقيت الخـــطب”

أدوار مرحلة الاستقلال
بعد تلك العَودة الظّافرة من المنفى شَغَل علي عبيد وظائف حكوميّة مرموقة بحكم أهليّته إذ عمل في مصلحة المِيرة، وقد سعى الفرنسيّون لكسب ولائه لسياساتهم، فأبى ذلك وهو الثائر الذي يستند إلى تراثه الكفاحيّ العريض، فأقالوه من الوظيفة ونفَوه إلى مدينة النبك السورية، وعاد بعد نحو سنة من النّفي فأُسند إليه منصب مدير الزّراعة في السّويداء ثم كُلّف برئاسة مصلحة الاقتصاد الوطنيّ في السّويداء قبل إحالته على التّقاعد.
الجدير ذكره أنّ حكومة الاستقلال السّورية نظّمت عام 1946 احتفالاً وطنيّاً بالجلاء في العاصمة دمشق لكنها لم تدعُ إلى ذلك الاحتفال القائد العامّ للثّورة سلطان باشا الأطرش ومجاهديّ الجبل، وهم الذين كانوا رأس الحربة في النضال الاستقلالي، الأمر الذي أثار تساؤلات الكثيرين ودفع سلطان باشا ورفاقه المجاهدين لإقامة مهرجانات استقلال في السّويداء وصلخد وشهبا.
كان لعلي عبيد رأي خاص في التّركيبة السياسية التي كان يتزعمها آل الأطرش، وهو برغم صداقاته لسلطان باشا فقد ناصر الحركة الشّعبيّة التي استهدفت تقليص امتيازات الزّعامة التقليديّة في الجبل، ولكن تلك الحركة حادت عن سبيلها القويم باللّجوء إلى العنف، والوقوع في مكائد بعض كبار رجال الحكومة السّوريّة آنذاك الذين كانوا يسعَوْن للانتقاص من الدّور التّاريخيّ الذي اضطلع به سلطان باشا وبعض كبار المناضلين من الطرشان وسائر بني معروف من سورية ولبنان في الثّورة السوريّة الكبرى، كما كان الهدف ضرب وحدة الجبل وإثارة الفتنة بين أبنائه وحرمانهم من زعامة قوية تمثّلهم وتصون حقوقهم.
توفّي علي عبيد، المجاهد الكبير في سبيل الاستقلال والتّحرّر الاجتماعيّ في 5 أيلول 1959 فقيراً، ودفن في مدينة السّويداء، وفي مأتمه شهد سلطان باشا الأطرش قائلاً :”رحم الله أبا نايف فقد كان أمين سرّ الثّورة”.

تاريخ آل الحمدان

الحي الذي ضم مشايخ آل حمدان في باتر وأمامه الميدان في الحارة الفوقا في باتر

الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان

بعض الأبنية التاريخية التي تعود إلى آل الحمدان في الحارة الفوقا

بوابة الحمدان في حارة جندل شاهد على استقرار الأسرة فيها قبل انتقالها إلى باتر

جسر القاضي الذي قام الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان بترميمه سنة 1884 تقدمة منه للمتصرف واصا باشا

دار عادل بك حمدان في باتر ويشغلها نجله الشيخ نبيل حمدان

لوحة بريشه الرسام عمر فروخ للشيخ ملحم حمدان

معمل لحل شرانق الحرير من أملاك آل حمدان لا يزال موجودا على الطريق من ديركوشه إلى جسر القاضي

آل حمدان

فـي تاريـخ جبـل لبنـان

آل حمدان هم من مشايخ جبل لبنان منذ العهد المعني، وأقرباؤهم، المعروفون في جبل حوران (جبل العرب) بآل الحمدان، هم شيوخ هذا الجبل في القرنين: الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد، وروَّاد الموحَّدين (الدروز) النازحين إليه من جميع المناطق المأهولة بهم في بلاد الشام، والنواة التي استقطبت جموعهم، حيث تكاثروا فيه فحمل اسمهم “جبل الدروز” أسوة بجبل لبنان الجنوبي الذي حمل الاسم نفسه وللسبب نفسه. وإضافة إلى ذلك فإن للحمدانيين تاريخًا عريقًا في الموصل والجزيرة الفراتية وحلب ودمشق، حيث كانوا الحكَّام في هذه المناطق في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي.
بالنظر لاتساع الموضوع وللمعلومات التاريخية التي يتضمنها فإنه سينشر في هذه المجلة على حلقتين، الحلقة الأولى تتناول تاريخ آل الحمدان في لبنان، بينما ستركز الحلقة التالية التي ستنشر في العدد 18 المقبل على تاريخ آل الحمدان في سوريا.

باستثناء التعريف بأعلام آل حمدان في باتر، لم يسبق لأحد أن تكلَّم عن آل حمدان في جبل لبنان إلا بإشارات مختصرة أثناء الحديث عن نهاية اليمنية على يد القيسية في بداية عهد الإمارة الشهابية. لذا سنتكلَّم عنهم في ضوء ما توافر لنا من معلومات، وما توصَّلنا إليه من إستنتاجات.

الأصل والنسب
إن نسب آل حمدان في لبنان وفي جبل حوران(جبل العرب)، والربط بينهم وبين الحمدانيين حكام حلب والموصل، من النقاط التاريخية الغامضة. وأول من تكلَّم عن نسب آل حمدان في لبنان وجبل حوران هو المؤرِّخ عبد الله النَّجَّار في كتابه “بنو معروف في جبل حوران”، الصادر سنة 1924، وكان مديرًا لمعارف حكومة جبل الدروز التي أنشأها الفرنسيون في الجبل سنة 1921 كأحدى دول سورية، في إطار سياستهم الإستعمارية التقسيمية. وقد ذكر أن آل الحمدان هم من الحمدانيين حكام حلب في القرن العاشر للميلاد، انتقلوا إلى لبنان ومنه انتقلوا إلى جبل حوران.
نحتفظ بصورة عن كتاب عبد الله النَّجَّار، الذي إطّلعنا عليه في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت في الثمانينيات من القرن العشرين. وهو يتضمَّن تعليقات وتصويبات عدة على جانب الصفحات بخط المؤرِّخ سليمان أبو عز الدين المتوفَّى سنة 1933، الذي كان من الأوائل الذين كتبوا عن نزوح الموحِّدين (الدروز) إلى جبل حوران، بعد زيارته للجبل سنة ،1897 وهو لم يسجِّل أية ملاحظة أو أي تصحيح لما كتبه عبد الله النَّجَّار عن أن آل حمدان في جبل لبنان وجبل حوران يعودون في النسب إلى الحمدانيين، منهيًا كلامه بالآتي: “لا يذكر التاريخ ما آل إليه أمرهم بعد سقوطهم، ولكنه يذكر لنا وجود أحدهم، أبي عبد الله بن ناصر الدولة، قائدًا عند الفاطميين في الثلث الأول من القرن الحادي عشر للميلاد، ويبدو لنا أنهم لبّوا دعوة الحاكم مع من لبَّاها في حلب والشام، وإنتقلوا من حلب على أثر تقلُّص ظل الفاطميين عنها وتعرّضهم للإضطهاد وقطنوا لبنان”1.
إذن إن أصل آل حمدان في جبل لبنان، وجبل حوران، هو، في رأي عبد الله النجّار، من الحمدانيين حكام حلب، ولم يظهر اي رأي مخالف له. والحمدانيون بطن من قبيلة تغلب بن وائل العدنانية التي قيل فيها: “لو تأخر الإسلام قليلاً لأكلت تغلب العرب”. وتعود بدايات شهرة الحمدانيين إلى الأمير ناصر بن حمدان الذي إستأثر بالموصل والجزيرة الفراتية في عهد الخليفة العباسي المتقي بالله، وحين قضى في شهر رجب سنة 330هـ (آذار 942م) على محمد بن رائق الذي عصى على الخليفة المذكور وتسلَّم الشام، أكرمه الخليفة ولقَّبه ناصر الدولة، ولقَّب شقيقه علي سيف الدولة.

دار عادل بك حمدان في باتر ويشغلها نجله الشيخ نبيل حمدان
دار عادل بك حمدان في باتر ويشغلها نجله الشيخ نبيل حمدان

آل حمدان حكام حلب
فيما استقر ناصر الدولة في الموصل والجزيرة، طمع أخوه سيف الدولة بأخذ حلب من الكلابيين، فسار إليها وأخذها سنة 333هـ (944/945م) فخلع عليه الخليفة العباسي المستكفي. وبعد ذلك سار إلى حمص حيث تغلَّب على الجيش المرسل من الإخشيد (حاكم مصر)، ثم احتلّ دمشق فصار ملك الشام وحلب والجزيرة. لكنه انهزم في سنة 335هـ أمام جيش الإخشيد المرسل لإستعادة الشام، فتراجع عن دمشق، وإكتفى بشمال سورية، وأصبح هناك الدرع العربية الإسلامية في مواجهة الروم البيزنطيين الذين واجههم في أربعين غزوة، وسجَّل الإنتصارات الباهرة عليهم في العديد منها. ومنعهم من احتلال بلاد الشّام والتقدّم فيها أثناء ضعف الدولة العبّاسية.
توفي سيف الدولة سنة 356هـ (966م) فخلفه ابنه أبو المعالي سعد الدولة، لكنه لم يكن له أهميته ونفوذه، ولا صموده أمام الروم البيزنطيين الذين غزا امبراطورهم نقفور بلاد الشام ووصل في زحفه إلى طرابلس. كما أن حلب لم تنعم في عهد سعد الدولة بالإزدهار الذي نعمت به في عهد والده. ثم إن غلمانه ملَّكوا إبنه أبا الفضل سعيد مكانه سنة 381ه (991م) ولقَّبوه بسعيد الدولة، وصار الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي مدبِّرًا له وصاحب جيشه.
كانت الدولة الفاطمية قد قامت آنذاك في مصر، واحتلت دمشق، فأرسل الخليفة الفاطمي العزيز جيشًا بقيادة بنجوتكين لاحتلال حلب، مستصغرًا شأن سعيد الدولة. لكن الأخير استطاع أن يحافظ على نفوذه بالتحالف مع باسيل، ملك الروم البيزنطيين، وبعد وفاته في أواسط صفر من سنة 392هـ (كانون الثاني 1002م) آل الحكم إلى ولديه أبي الحسن علي وأبي المعالي شريف اللذين كانا حاكمين بالإسم، لأن لؤلؤ الكبير السيفي إستقلَّ به، الأمر الذي اضطرَّ أبو المعالي إلى اللجوء للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في مصر حيث مات فيها، كما اضطر أبو الهيجاء بن سعد الدولة بن سيف الدولة، أن يلجأ إلى باسيل ملك الروم البيزنطيين بعد أن ضيَّق لؤلؤ الكبير السيفي عليه، حيث مات في القسطنطينية2 .
انتهت الدولة الحمدانية، وتشتَّت الحمدانيون في شمال سورية، وبقيت أخبار الإنتصارات التي حقَّقها سيف الدولة مخلَّدة في قصائد الشاعر أبي الطيب المتنبِّي، وأخبار تشجيعه للعلم وعطاءاته للشعراء والعلماء والأدباء والفلاسفة، وما شاده في حلب من قصور وأسوار وأبراج، ماثلة في بطون التاريخ3. وبقي من الحمدانيين إسم شاعرهم الكبير أبي فراس الحمداني، كما بقي منهم آل حمدان الذين هم موضوع بحثنا، والذين انتقلوا من الجبل الأعلى أو جبل السُّمَّاق، الواقع في شمال سورية، إلى جبل لبنان، ثم انتقلوا منه إلى جبل حوران. وفي حال صِحّة نسب هؤلاء إلى حمدانيي شمال سورية، فإنهم قد يكونون من نسل الأمراء الذين ورد ذكرهم أو من نسل غيرهم من بطن حمدان التغلبي.

“أصل آل حمدان في جبل لبنان وجبل حوران من الحمدانيين حكام حلب، ومن قبيلة تغلب القيســـــية”

النزوح إلى جبل لبنان
أول من ذكر آل حمدان بين النازحين من جهات حلب إلى جبل لبنان هو مؤرِّخ مجهول ترك لنا كتابًا اسمه “قواعد الآداب حفظ الأنساب”، ألَّفه في القرن الرابع عشر للميلاد بعد سنة 1385م، وتناول فيه نزوح إثنتي عشرة طائفة، أي عشيرة، من جهات الجبل الأعلى إلى لبنان في شهر محرَّم سنة 205هـ (حزيران 820م) بسبب اعتداء مشدَّ المغل على بعض نسائهم.
إن كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” تحدَّث عن عشائر كثيرة تفرَّعت من الإثنتي عشرة طائفة، وتحدَّث أيضًا عن غيرها من الطوائف أو العشائر. وتبعًا لذلك، ولتضمّنه إسم الأمير معن الذي جاء مع عشيرته إلى لبنان في سنة 1120م، لا يمكن تحديد تاريخ نزوح آل حمدان بسنة 820م، إذ لا يعقل أن يحصل نزوحهم من جهات حلب قبل تأسيس دولتهم هناك في سنة 942م، وإنما يمكن القول إنهم نزحوا إلى جبل لبنان بعد إنتهاء دولتهم في أوائل القرن الحادي عشر للميلاد، وإنهم إعتنقوا في حلب، أو في جهات الجبل الأعلى، مذهب التوحيد الذي أُعلن عنه في سنة 1017م، وأُقفل باب الدعوة إليه في سنة 1043م. وقد يكون مجيئهم بناءً على ذلك، وعلى كونهم قيسيين، مع المعنيين القيسيين.

في ديركوشه
حقَّق الدكتور إلياس القطَّار مخطوط كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” إعتمادًا على إحدى نسخه، وجاء فيه عن آل حمدان ما يلي: “وفي العمّيق أيضًا طايفة تُعرف بني حمدان وأصلهم في ديرلوشِه”4. إن العمّيق هي قرية عمّيق، وإن ديرلوشا هي ديركوشا التي تُكتب وتُلفظ حاليًّا: ديركوشِه. وكلاهما في مقاطعة المناصف من قضاء الشوف. والدليل على أن المقصود بـ “ديرلوشا”: ديركوشِه ليس مجاورتها لعمّيق فقط، بل لأنها وردت أيضًا ديركوشا في نسخة أخرى من مخطوط كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” حقَّقها الأستاذان سليمان تقي الدين ونائل أبو شقرا باسم “الأسر في جبل الشوف”5.
إن اسم ديركوشه السرياني يدلُّ على قدمها، وهي تقع في القسم الشرقي من مقاطعة المناصف،على الطريق التي كانت تربط بين ساحل الشوف والبقاع عبر شمال المناصف وعبر العرقوب، وعلى الطريق التي تربط الشوف بمقاطعة “الغرب” مرورًا بجسر القاضي الواقع إلى الشمال من ديركوشه، ويسلكها المارَّة من وإلى بلدات دير القمر وبعقلين والجاهلية وبيت الدين، وغيرها، ويشير إليها مطلع أغنية شعبية هو:
طلعنـــــــــــــــا بـــــــــــــطلعـــــــــــــة وادي الديـــــــــــــر نـــــــــــــزلنـــــــــــــا بنـــــــــــــزلـــــــــــــة ديـــــــــــــركــــــــــــــــــوشــــــــــــــــــــــــــه
إن المعلومات عن آل حمدان في ديركوشه قليلة بالرغم من أنهم أقاموا فيها بضعة قرون، وكانوا شيوخها، ولهم أملاكها التي عمل فيها أهل القرية كشركاء لهم، إضافة إلى ملكيات واسعة في جوارها. وبما أنها وقرية عمّيق مكانا نزولهم الأول عند قدومهم إلى لبنان، من المرجَّح انتقال بعضهم إلى قرية كفرا (الغرب) غير البعيدة.
لقد نزح القسم الأكبر من آل حمدان من ديركوشه لسبب مجهول، وبقي فيها بعضهم إلى أن تركوها مؤخرا، فيما نزح أنسباؤهم من كفرا (الغرب) لسبب معلوم هو تأييدهم لليمنيين، بالرغم من أنهم قيسيون في الأساس، مما كان وراء مهاجمة آل تلحوق القيسيين لهم وإحراق كفرا (الغرب)، الأمر الذي أدى إلى ترك آل حمدان لها. ونظرًا لتزامن ذلك مع نزوح آل حمدان من ديركوشه فإنه يمكن القول إن سبب نزوحهم منها هو تأييدهم لليمينين، او وقوفهم كالأمراء الأرسلانيين على الحياد في المرحلة الأخيرة من الصّراع القيسي اليمني، مما جعل الأمراء الشهابيين، الذين خلفوا الأمراء المعنيين وأقاموا في دير القمر القريبة من ديركوشه، يضيّقون على آل حمدان فيها فيضطرُّ هؤلاء للابتعاد عن المنطقة في وقت كان الأمير حيدر الشهابي يعيد توزيع الإقطاع ويعطي المناصف لآل نكد بعد انتصاره على اليمنيين في معركة عين داره سنة 1711م.
كان آخر النازحين من ديركوشه هو القاضي سعيد حمدان الذي وُلد فيها سنة 1840، وقضى السنوات التسع الأولى من حياته فيها قبل إنتقاله إلى باتر والسكن مع أقربائه الذين سبقوه إليها. وقد بقي قسم من أملاكه بيد ورثته: ابنه القاضي ملحم، وابن ملحم:عادل، وابن عادل: نبيل الذي باع معظم الأملاك مؤخرًا بحيث لم يبق منها إلا مساحات قليلة، ومن أثار آل حمدان الباقية حتى اليوم في ديركوشه، بالإضافة إلى الذكر الطيِّب، ما يلي:
• تربة (مدفن) وعلى البلاطة التي تعلو بابها كتابة دارسة وغير واضحة مما يدل على أنها قديمة.
• معمل قديم لحل شرانق الحرير (كرخانة) كان آل حمدان يملكون عند بيعه 75% من أسهمه، وقد هدم الشاري هذا المبنى التاريخي منذ نحو سبع سنوات وباع حجارته.
• معمل آخر لحل شرانق الحرير (كرخانة) لا يزال بناؤه قائما إلى اليوم على طريق ديركوشه-جسر القاضي، هو للشيخ عبد الحميد حمدان.
• فاخورة (معمل للأواني الفخارية) اسمها “العملية”.
• مجلس (مسجد) وقد قدّمه آل حمدان لديركوشه يتبعه أربع عقارات سجلت، مع عقاره، وقفاً لديركوشه، منه 21 قيراطا (من أصل 24) من آل حمدان و3 قراريط من ملك الشيخ التقي أبي علي محمّد ضو الذي أقيم له ضريح في المجلس، وهو كان وكيلاً على أملاك آل حمدان، وانتقلت بعده هذه الوكالة إلى أبنائه، وهي حاليا بيد أحد أحفاده الشيخ نسيب.
• عدة بيوت متجاورة اسمها “القاعة” كانت ملكاً لآل حمدان وبيعت لأهل ديركوشه.

الحي-الذي-ضم-مشايخ-آل-حمدان-في-باتر--وأمامه--الميدان---في-الحارة-الفوقا-في-باتر
الحي-الذي-ضم-مشايخ-آل-حمدان-في-باتر–وأمامه–الميدان—في-الحارة-الفوقا-في-باتر

في كفرا (الغرب)
أول من ذكر وجود آل حمدان في كفرا (الغرب)، هو المؤرِّخ حيدر الشهابي الذي أنهى تاريخه سنة 1835. لكن ليس هناك مستندات خطية تشير إلى الصلة بينهم وبين آل حمدان في ديركوشه، وإنما هناك روايات متوارثة وأقوال متواترة تقول بأن ما يجمع بين هؤلاء، ليس الاسم فقط، وإنما الأصل الواحد، إضافة إلى أن هناك إستنتاجات تعزِّز مقولة الأصل الواحد، منها الإستنتاج المبني على أن آل حمدان في ديركوشه وآل حمدان في كفرا (الغرب) هم من جهات الجبل الأعلى، وأنهم سكنوا في مكانين متجاورين، يقع أحدهما على الضفة اليسرى لمجرى نهر الصفا، والآخر على ضفته وضفة رافده نهر الغابون اليمني، مما يرجح أن يكون بعض آل حمدان في ديركوشه قد انتقلوا منها إلى كفرا (الغرب).
كفرا إسم سرياني، الأمر الذي يعني قدم كل مكان يحمله، وقدم كل مكان يبدأ اسمه المركّب به، مثل كفرفاقود، وكفرحيم، وكفرحمّل، وكفرقطرا، وكفرنبرخ، وجميعها قرى قريبة من كفرا، اضافة الى أسماء قرى كثيرة في لبنان. وكفرا التي نتحدَّث عنها قرية دارسة في منطقة “الغرب” من قضاء عاليه، في خراج بيصور، تُكتب وتُلفظ كفرا (الغرب) تمييزًا لها عن كفرا (الشوف) الدارسة أيضًا، والواقعة إلى الجنوب من قرية عين زحلتا، على يمين الطريق الذاهبة إليها من بلدة الباروك. أما موقع كفرا (الغرب)، فهو إلى الجنوب من عيناب، والى الغرب من بيصور على مسافة قصيرة من بداية الطريق اليها من مستديرة قبر شمون.
ذُكرت كفرا (الشوف) في كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب”، ولم تُذكر كفرا (الغرب) فيه، كما لم تُذكر أيضًا بين القرى والمزارع الواردة في تاريخ صالح بن يحيى المتوفَّى سنة 1453، بالرغم من ورود أسماء قرى ومزارع محيطة بها. لكن إبن سباط الذي توقَّف عن الكتابة في سنة 1520 ذكر وفاة شيخ قرية كفرا (الغرب) الشيخ أبي عبد القادر علي في سنة 900هـ= 1494/1495م، وذكر وفاة شيخ آخر لها هو الشيخ أبو حمزة شهاب الدين سنة 913هـ= 1507/1508م، وكان من تلاميذ الأمير السيد عبد الله (ق)6 الذي ذكره في وصيته.
مما ورد نستنتج أن كفرا (الغرب) كانت موجودة زمن صالح بن يحيى، لكنه لم يذكرها لأنها، في رأينا، لم تكن من إقطاعات أقربائه الأمراء التنوخيين، بل كانت مقطعة لغيرهم، بدليل أنه كان لها في سنة 1495م شيخ، وفي سنة 1508م شيخ آخر. ثم ظهرت في النصف الأول من القرن السادس عشر للميلاد قرية عدد رجالها 45 عازبًا ومتزوِّجًا كلهم من الموحِّدين (الدروز)، وعليها ضرائب مجموعها 7331 أقجة، مع الإشارة إلى أن كل 45 إلى 60 أقجة تساوي قطعة ذهب واحدة7.
وهنا يصح التساؤل: إلى أية أسرة ينتمي شيخا كفرا (الغرب)، اللذان ورد ذكرهما، كما يجوز القول إن آل حمدان، إذا لم يكونوا شيوخ كفرا في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، فإنهم من أهلها إعتماداً على أنهم كانوا شيوخها في أواخر القرن السابع عشر أو أوائل القرن الثامن عشر عندما هاجمها آل تلحوق وأحرقوها فاضطر آل حمدان للنزوح منها، ومنهم حمدان الحمدان الذي نزح إلى جبل حوران.

المشيخة الحمدانية
بالعودة إلى كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” نجد أنه يذكر أصول وأنساب وصفات أسر عديدة، ولا يذكر عن أسرة حمدان سوى إسمها، ونزولها في قريتي ديركوشه وعمّيق، لذا لا نعرف ما إذا كان آل حمدان، الذين تأمَّروا في جهات حلب وحمص وأنطاكية، ثم زالت إمارتهم، وإنتقلوا إلى الجبل الأعلى، حملوا من هذا الجبل، عند إنتقالهم إلى لبنان، شيئًا من الجاه والنفوذ، أم أنهم اكتسبوا في لبنان هذين الأمرين المجسَّدَين بالمشيخة التي حملوا لقبها.
وبالإضافة إلى ما ذكرناه عن كفرا (الغرب) نقول إنه لو لم تكن مركزًا لمشيخةٍ مؤيِّدة للحزب اليمني الذي كان على رأسه الأمراء من آل علم الدين، لما هاجمها آل تلحوق القيسيون وأحرقوها.
لم يتكلَّم المؤرِّخ طنّوس الشدياق، المتوفَّى سنة 1861، في كتابه “أخبار الأعيان في جبل لبنان” عن نسبة مشايخ آل حمدان وأخبارهم أسوةً بمن تكلَّم عنهم من أمراء جبل لبنان ومقدَّميه وشيوخه، المقاطعجيين، الذين كان لهم يد في تولية الأمراء الشهابيين وعزلهم، لكن القس حنانيّا المنيّر (1756-1823)، الذي كتب قبل الشدياق، ذكر إحدى عشرة أسرة تأتي بعد الأمراء والمقدَّمين والمشايخ الكبار، منها أسرة آل حمدان في باتر، وقال عن شيوخ هذه الأسر: “وهؤلاء ليس لهم يد في شيء من ذلك [تولية الأمراء الشهابيين وعزلهم] ولا في أيديهم مقاطعات ورجال مثل أولئك”8.
ذكر المؤرِّخ شاكر الخوري في كتابه “مجمع المسرَّات” الذي طُبع لأول مرَّة في سنة 1908، “إن مقاطعة المناصف كانت أولا لبيت حمدان ثم أخذتها النكدية”9. وهذا كلام يتطلب المناقشة والتصويب، ذلك أن المناصف كانت في أوائل العهد العثماني داخلة في إقطاع الأمراء المعنيين، وفي ما سمِّي في جداول الضرائب العثمانية “شوف ابن معن”. وهي تشمل دير القمر، ولم تنفصل عن الشوف المعني وتصبح مقاطعة إلا في العهد الشهابي الذي جرى فيه إعطاؤها لآل نكد، باستثناء ديركوشه التي ظلت لآل حمدان والكنَيْسة التي أعطيت لآل شهاب، وذلك في سياق إعادة توزيع الأمير حيدر الشهابي للأقطاع بعد موقعة عين داره سنة 1711. وبناءً على ذلك فإن القول بوجود مشيخة لآل حمدان في منطقة لهم في المناصف، او في المناصف كلها، أمر لا تؤيّده الحقائق التاريخية إلا فيما يتعلق بديركوشه التي كانوا شيوخها، مع الإشارة إلى أنهم كانوا يملكون عقارات عدة في قرى المناصف وفي سواها من قرى الشوف، وهو أمر تظهره وقفية أحدهم التي سنتكلّم عنها لاحقًا، والتي تدلُّ على أن هناك سعة لهم في تملك الأراضي لا بد وأن تكون ملازمة لحيّز من النفوذ.
ونحن كما خالفنا قول المؤرّخ شاكر الخوري إن المناصف كانت لآل حمدان قبل إعطائها لآل نكد فإننا نخالف أيضا القول بأن آل حمدان “فلاحون أغنياء” في إطار الإقطاع النّكدي في المناصف. إلا أن إقطاع آل حمدان كان مختلفا عن إقطاع آل نكد من حيث الممارسات مع الفلاحين. فلقد كان الفلاحون في المناصف يقومون بشتى أنواع الفرائض وأعمال السخرة حيث تنعدم نوعا ما حريتهم الشخصية، بحيث كان يستحيل عليهم مغادرة الأرض وعصيان أوامر المقاطعجية النّكدية فكانوا لذلك يرزحون تحت ضروب من القيود الاجتماعية ومنها أنه لا يحق للفلاح الشريك أن يتزوّج إلا بإذن المقاطعجي النّكدي. ومن مظاهر تسلّط المقاطعجي تدخّل الزعيم النّكدي في كل شاردة وواردة من حياة الفلاحين وفي مجمل أحوالهم الشخصية والاجتماعية كالزواج والطلاق والإرث .. ومن دلائل التعسُّف في العلاقات الاجتماعية القائمة بين النّكديين والفلّاحين ما يتعرض له هؤلاء من حالات ضرب وإهانة في الساحة العامّة للقرية وخاصة في دير القمر وكفرحيم وديربابا وكفرفاقود وعبيه على مرأى العديد من الفلاحين ليكون “المذنب” عبرة لمن يعتبر، حسبما يذكر المؤرخ عاطف بوعماد في كتابه عن الأسرة النكدية (ص82-84).
إن ما سبق ذكره عن ممارسات النكديين لم يكن منه شيء في ممارسات مشايخ آل حمدان في ديركوشه، فعلاقات الفلاحين معهم كانت مختلفة، لذا يذكرهم أهل البلدة بالخير ويعترفون بأفضالهم، ولعلّ أدق توضيح لعلاقاتهم بمشايخ آل حمدان وعلاقات أهالي سائر قرى المناصف، ومنها بشتفين، بمشايخ آل نكد قول رجل من ديربابا لرجل من بشتفين: “إننا نتعاطى مع أغنام” مشيرا بذلك إلى سهولة التعامل مع آل حمدان، وجواب إبن بشتفين له بالقول: “إننا نتعاطى مع أسود” وفي ذلك إشارة إلى القسوة والعنف في تصرف النّكديّين.
ومما يجدر ذكره هو أن آل حمدان الذين كانوا شيوخًا في منطقتي “الغرب” والمناصف حملوا من كفرا (الغرب) لقب المشيخة إلى جبل حوران، وغدوا شيوخه منذ أوائل القرن الثامن عشر، وحملوا من ديركوشه لقب المشيخة إلى باتر، ولا يزالون فيها يحملون هذا اللقب إلى اليوم، وقد حملوه على تذاكر الهوية. وفيما انفسح لهم مجال البروز واسعًا في جبل حوران حيثُ أسَّسوا المشيخة الدرزية فيه، وغدا أكابرهم شيوخ مشايخه، وحيث ساهموا في صنع الأحداث، ظلَّ دورهم في جبل لبنان محدودًا، شأنهم في ذلك شأن سائر شيوخ الصف الثاني الذين يلون في المرتبة شيوخ الصف الأول، وهم آل جنبلاط وآل العماد وآل نكد وآل تلحوق وآل عبد الملك.

الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان
الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان

وقفيّة الشيخ ناصر الدين حمدان
إن وقفيّة الشيخ ناصر الدين حمدان هي –على حد علمنا- أقدم مستند يضيء عليهم بعد كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب”. إنها محرَّرة على رق غزال بتاريخ العشر الأوسط من شهر جمادى الأولى من سنة 983هـ (آب 1575م) والرق لا يزال محفوظًا عند الشيخ نبيل عادل ملحم سعيد حمدان. وقد نُقل نصُّها حرفيًّا عند تسجيلها في سجل مضابط محكمة قضاء الشوف في غرَّة جمادى أول من سنة 1286هـ (آب 1869م)10، وصدّق على صحّة الوقفية مفتي مدينة بيروت آنذاك محمّد الحلواني بعد العبارة التالية: “إن الوقف صحيحٌ شرعيٌّ لا يحتاج لزومه إلى حكم حاكم شرعيّ لأن القول الأرجح المُفتى به عند أيمتنا الحنفيّة رحمهم الله أن الوقف لازم بدون حكم القاضي. “ولهذه الوقفية أهمية تاريخية تظهر في النواحي التالية:
1. إنها تذكر الواقف بأنه “الصدر الأجلُّ المحترم الناصري الشيخ ناصر الدين محمد إبن المرحوم الشيخ بدر الدين حسن الشهير نسبه الكريم بإبن حمدان من أهل قرية ديركوشه من الشوف المعني”. ووصفُ الشيخ ناصر الدين حمدان بـ “الصدر الأجل” دلالة على علو منزلته الدينية، إذ إن هذا الوصف يُعطى للرؤساء الروحيين ولشيوخ العقل ولكبار شيوخ الدين وتقاتهم عند الموحِّدين (الدروز).
2. إن الوقفيّة أحد نماذج الوقفيّات القديمة التي وصلت إلينا بدءًا بوقفية الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق). وفيها تحديد لنوعية الوقف الذي تتضمّنه، ولشروط الواقف، فهو وقف ذرّي مؤبّد، معرّف به في الحقوق الواجبة الشرعية “وقفًا صحيحا شرعيًّا سرمدًا أبدًا وحبسًا دائمًا مخلدًا وصدقة دائمة على توالي الليالي والأيام وممر الشهور والأعوام لا يُباع أصل ذلك ولا بعضه ولا شيء منه ولا يملّك ولا يستملك ولا يوهب ولا يستوهب ولا ينتقل إلى ملك أحد من خلق الله تعالى”.
3. والوقف المذكور يجري على ثلاث طبقات، الطبقة الأولى هي الواقف نفسه في حياته ثم ولده سيف الدين أبو بكر وأولاده وأولاد أولاده الذكور دون الإناث اللواتي يحق لهن فقط شيء من الغلال يكفيهن طالما هن عازبات. والطبقة الثانية هي –في حال إنقراض الطبقة الأولى- الفقراء والمساكين المسلمين من أهل الدين والتقوى القارئين كتاب الله تعالى من أمة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلّم، الناهيين عن الفحشاء والشرور وشرب الخمور ببلاد الشوف والغرب والجرد والمتن، ويكون الناظر على الوقف عين الأعيان ببلاد الشوف. والطبقة الثالثة هي –في حال إنقراض الطبقة الثانية- الحرمان الشريفان: مكة المشرَّفة والمدينة الشريفة.
4. في الوقفيّة أسماء أعلام وأماكن يستفاد منها في الأبحاث. ومن الأسماء المذكورة فيها، وفي تصديقها في سجلاَّت قائمّقامية الشوف سنة 1869، أسماء أشخاص من آل حمدان، كما فيها إسما أميرين هما الأمير قرقماس والد الأمير فخر الدين المعني الثاني، وكان شريك الشيخ ناصر الدين حمدان في المطحنة القائمة على نهر الصفا في قرية بريح، وفي المطحنة القائمة على “نهر الجديدة”. والمقصود بهذا النهر هو نهر الباروك الذي يُعرف قرب قرية جديدة الشوف ب “نهر الجديدة”. أما الأمير الثاني الذي هو أيضًا شريك الواقف، فهو الأمير بهاء الدين، يضاف إليهما اسم أحد الشهود وهو محمّد يوسف سليم عماد من دير القمر.

5. كثرة أملاك الواقف، الشيخ ناصر الدين حمدان، فهي بالإضافة إلى أملاكه في خراج ديركوشه، أراضٍ أو مطاحن في القرى التالية: عمّيق- كفرحيم- دير القمر (البلدة والخراج)- بشتفين- دميت- بريح- الفريديس- جديدة الشوف- نيحا- مزرعة بيروت. وهذه الأملاك الكثيرة بالإضافة إلى أملاك لآل حمدان في جهات الجرد واقعة على الضفة اليمنى لنهر الصفا، سنتكلم عنها، تدلُّ على إتساع أملاك هذه الأسرة.
6.
النزاع القضائي بين اَل حمدان واَل الخوري
باع شيوخ آل حمدان: نصر وكليب وعسَّاف ومنصور وعبد السلام بعض أملاكهم إلى الشيخ غندور الخوري وفارس الدّهّان والخوري مخايل أبو عرَّاج رئيس دير مار الياس رشميًّا، ثم عادوا وإعترضوا على البيع وتقدَّموا بشكوى ضد الشارين مبنية على حجتين هما:
• إن البيع جرى “قهرًا وغصبًا وغدراً من الحاكم بسبب طلب دراهم منهم”.
• إن في الأملاك المباعة ما هو داخل في الوقف الذرّي الذي وردت الإشارة إليه.
وما ورد في الحجّة الأولى يدلُّ على مضايقة الأمراء الشهابين لآل حمدان، ومنهم الأمير يوسف الشهابي الذي جرى البيع في زمنه، وفي هذا إستمرار لسياسة الأمراء الشهابيين، التي حملت اَل حمدان سابقاً على الإنتقال من ديركوشه إلى حارة جندل وباتر. لكن النزاع القضائي بينهم وبين آل الخوري في رشميا إنتهى باتفاقية بتاريخ ربيع أول من سنة 1217ه (تموز سنة 1802م)11 تنصُّ على أن يكون للشيخ حبيب ما بيع لوالده الشيخ غندور الخوري في رِشميّا وعين تراز ومزرعة عطايا والمغار الفوقاني، على ان يظل الرزق الذي في طليع، إضافة إلى نصف مراحات بيروت والأملاك الموجودة في الخريبة وجل المصري وأحد عشر قيراطًا في طاحونة البلاَنة، عدا ما يخص رهبان دير مار الياس، في تصرّف اَل حمدان الذين قدّموا الشّكاوى ضد حبيب الخوري، والذين سيشترون للوقف املاكاً بديلةً عما بيع منه. ومعظم هذه الأملاك واقعة على الضفة اليمنى لنهر الصفا فيما ديركوشه واقعة على الضفة اليسرى للنهر في القاطع المقابل.
كان من الموقِّعين على الإتفاقية الأمير بشير الشهابي الثاني، والأمير حسين الشهابي، والشيخ بشير قاسم جنبلاط، والشيخ بشير نجم جنبلاط، والشيخ نجم العقيلي. وكان من موقِّعي آل حمدان الأشخاص الواردة أسماؤهم أعلاه عدا عبد السلام المتوفَّى، بعد البيع وقبل إجراء الإتفاقية المذكورة. ومن الموقِّعين إثنان لهما ختمان هما سرحال حمدان ومنصور حمدان. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أحد شيوخ آل حمدان الذي كان شاهدًا على حجَّة بتاريخ جماد الأول 1165هـ (آذار/ نيسان 1752م) كان ختمه يتضمَّن العبارة التالية: يا حنّان يا منّان ارحم محمود حمدان. وهذا الشيخ قد يكون من شيوخ آل حمدان في حارة جندل أو باتر. وفي إعتماد أشخاص من آل حمدان للأختام منذ القرن الثامن عشر دليل على وجاهتهم.
وهناك نزاع آخر شبيه بنزاع آل حمدان مع آل الخوري الذين أقطعهم الأمير حيدر الشهابي رشميّا، هو نزاع آل القاضي في بيصور مع الشيخ حبيب الخوري على أملاك باعوها في رِشميّا وعين تراز والمغار. وهذان النزاعان يظهران من ناحية توسّع ملكية النصارى في مناطق الجرد بالشراء وبأساليب أخرى على حساب الإقطاعيين الدروز الذين كانوا يملكون هذه المنطقة، كما يظهران من ناحية أخرى اعتراض هؤلاء الإقطاعيين على بعض عقود البيع.

في حارة جندل
حملت قرية حارة جندل إسمها هذا نسبةً إلى الجنادلة أمراء وادي التيم، الذين أقام أميرهم الضحَّاك إمارة في جنوب الشوف، قاعدتها حارة جندل، وذلك في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي، إبّان حروب الفرنجة (الصليبيين).
بعد توطّن آل حمدان لديركوشه بضعة قرون إنتقلوا إلى حارة جندل وباتر. وقد جانب المؤرِّخ عيسى اسكندر المعلوف (1869- 1956) الحقيقة في أمرين بقوله: “أما بنو حمدان في باتر الشوف، فهم من أعيان دروز لبنان، جاء جدّهم من الجبل الأعلى قرب حلب منذ قرنين وسكن بحارة جندل في الشوف ثم إنتقل إلى ديركوشه فباتر”12. والأمر الأول المجانب للحقيقة هو تحديد تاريخ قدوم آل حمدان من الجبل الأعلى إلى لبنان بالقرن الثامن عشر فيما هو قبل ذلك بعدة قرون. والأمر الثاني هو تحديد نزولهم في حارة جندل أولاً وانتقالهم منها إلى ديركوشه فيما العكس هو الصحيح.

جسر القاضي الذي قام الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان بترميمه سنة 1884 تقدمة منه للمتصرف واصا باشا
جسر القاضي الذي قام الشيخ سعيد بن سعد الدين حمدان بترميمه سنة 1884 تقدمة منه للمتصرف واصا باشا

ومما يعزِّز القول بنزول آل حمدان في ديركوشه أولاً هو ذكر مؤلّف كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” لذلك، وعدم ذكره إسمي حارة جندل وباتر على الإطلاق، وذكره إسم عماطور التي كانت حارة جندل تشكِّل إحدى حاراتها الثلاث، دون الإشارة إلى نزول آل حمدان فيها. ثم إن المؤرِّخ يحيى حسين عمَّار، الذي يذكر أن آل حمدان نزلوا أولاً في كفرا (الغرب)، ومنها إنتقلوا إلى ديركوشه، يذكر أيضًا أن جمهورهم توزَّع من كفرا (الغرب) ومن ديركوشه، وراحت فصائل منهم إلى حارة جندل. وهو يربط بين رحيل آل حمدان من حارة جندل إلى باتر وبين نزاعٍ يقول إنه جرى في حارة جندل بين أسرتي ملاَّك وجودية وأسرتي آل العسراوي وآل خويص، هزمت فيه الأسرتان الأوليان الأسرتين الأخيرتين اللتين ناصرهما آل حمدان، فأتى آل أمين الدين وأخذوا آل العسراوي وآل خويص إلى عبيه حيث جاء آل عبد الملك وأخذوهم منها إلى بتاتر، وإرتحل آل حمدان إلى باتر13 أما نزول اَل حمدان في لبنان فهو في ديركوشه أولاً لا في كفرا (الغرب) حسبما ذكر المؤرّخ يحيى حسين عمّار.
إن الثقات من حارة جندل يؤكِّدون نقلاً عن السلف وجود آل عسراوي قديمًا في حارة جندل، كما لا يزال حقل في خراج حارة جندل يذكِّر بهم لنسبته إليهم: “حقل العسراوي” أو “جل العسراوي”. ويؤكِّد هؤلاء الثقات أيضًا حصول الموقعة بين آل ملاّك وآل عسراوي فقط، وأن موقعها هو عند عين أبو لبن القريبة من حارة جندل، والواقعة إلى الجنوب الغربي منها، لكنهم لا يعرفون أي دور لآل حمدان في هذا النزاع، كما أنهم لا يذكرون اسم أسرة آل خويص بين الأسر الثلاثة عشرة التي مرَّت في حارة جندل أو أقامت فيها14.
بالإضافة إلى ما ورد ذكره عن آل حمدان في حارة جندل، هناك أدلَّة أخرى تؤكِّد وجودهم فيها، وهي:
1. بيت قديم قرب ساحة حارة جندل يُعرف بـ “بيت الحمدان”، لا يزال جانب من جدار مدخله قائمًا إلى اليوم، ويُعرف باسم “بوَّابة الحمدان”. كما لا تزال بقربه آثار قبو قديم، حجارته ضخمة، في جداره مرابط حجرية للخيل، الأمر الذي يدل على الغنى والنفوذ.
2. عقد (حجَّة) في بعذران المجاورة لحارة جندل، يرد فيها إسما محمود حمدان وولده منصور، وهما بائعان أرضًا في بعذران لأبي حسين علي باز من بعذران، تاريخها 1194هـ (1780م).
3. حجَّة مؤرَّخة في شوَّال سنة 1172هـ (أيار/ حزيران 1759م) يُذكر فيها أن الشاري هو الشيخ علي جنبلاط المكرَّم والشيخ علم الدين حصن الدين من قرية المختارة، وأن البائع هو “بهاء الدين وأخوه طليع أولاد حمدان من قرية حارة جندل”15.
إن تاريخ الحجَّة المذكورة –وهو 1759م- يؤكّد أن آل حمدان موجودون في حارة جندل قبل هذا التاريخ، ذلك أن الأخوين بهاء الدين وطليع حمدان اللذين باعا الأرض في السنة المذكورة قد يكونان مالكين لها قبل ذلك التاريخ بسنوات عديدة، وقد يكونان وارثين لها عن أبيهما. وفي تاريخ هذه الحجَّة مؤشِّر لتحول حارة جندل إلى قرية منفصلة عن عماطور بعد أن كانت من حاراتها الثلاث: حارة جندل، حارة حريمه، الحارة الوسطى، إذ هناك حجَّة بتاريخ رجب 1135هـ (نيسان 1723م) يرد فيها “أن الشيخ بو نجم قيس ابن زيدان إبن جوديه من قرية عماطور من حارت [حارة] جندل من الشوف الحيطي تابع صيدا المعمورة اشترا [اشترى] من يد الشيخ عبد الله إبن عسَّاف إبن بو شقره من حارت حريمه من الشوف الحيطي16. وهنا لا بد من الإشارة إلى ان عماطور وردت في جداول الضرائب العثمانية في القرن السادس عشر فيما لم ترد حارة جندل.
خلت حارة جندل من آل حمدان الذين باعوا أملاكهم فيها، وانتقلوا إلى باتر القريبة، فلقد كانت بالنسبة لهم محطة مؤقتة.

“آل حمدان تبعوا الغرضية الجنبلاطية وتزاوجوا مع آل جنبلاط ومع أسر وجيهــــة أخرى مثل آل شمس ومزهر وأمـــين الدين”

في باتر
تقع باتر في جنوب الشوف، على الطريق الرئيسة الذاهبة منه إلى جزِّين. وعلى طريق نيحا-النبي أيّوب، والتفسيرات العديدة المعطاة لإسمها تدلُّ على قدمها، وأرجحها، في رأينا، هو أنه سرياني17.بمعنى “القطع”. وهي كانت تمتد بين مجرى الماء الشتوي الواقع إلى شمالها ونبع باتر الواقع إلى جنوبها. وموقعها هذا يعرف اليوم بـ “باتر الضيعة”، ذلك أن البلدة كبرت في القرن العشرين واتسعت شمالاً في محلة “الحَمَاري” إلى أن بلغت موقعها القديم المعروف بـ “الحارة” الواقعة إلى الشمال الغربي واتصلت بمحلة جبليه، واتّسعت جنوباً في منطقة “الدلغان” حتى بلغت محلة “خفيشه “.
قدم آل حمدان من ديركوشه إلى باتر على دفعات، أقامت طلائعهم في جباع الشوف لمدة وجيزة قبل انتقالهم إلى باتر ، ولحق بهم آل حمدان الذين أقاموا في حارة جندل ثم الذين ظلوا في ديركوشه. وأقاموا جميعاً في الحارة الفوقا والحارة التحتا من “باتر الضيعة”. واستطاعوا بما حملوا معهم من الأموال، وما كان يأتيهم من غلال أملاكهم في ديركوشه، وما كان يتراكم لديهم من ثروات أن يشتروا الأراضي من فلاحي باتر الفقراء حتى توصلوا إلى امتلاك 90% من أراضيها، ومنها خفيشه التي اشتروها من آل نصر الدين الذين منهم اليوم آل أبو حسين. وهذا ما جعلهم إقطاعيي باتر وجعل أهلها شركاء عندهم. وقد عرفوا بلقب “المشايخ” وبلقب “البكوات” مؤخراً، وكان لهم، بفضل علومهم، مراتب في الإدارة الحكومية والقضاء وخصوصاً في القضاء المذهبي الدرزي.
من مظاهر إقطاع آل حمدان وغناهم السجن والميدان ومعصرة الزيتون التي تخصّهم وجميعها في الحارة الفوقا، والمطاحن الثلاث التي أنشأوها عند نبع باتر وقناة المياه التي جرّوها إلى مزرعة خفيشه ، ومن المظاهر أيضا جرُّهم مياه “عين التنّور” إلى بيوتهم في الحارة الفوقا ومياه “عين العرايس” إلى بيوتهم في الحارة التحتا.
من الأدلة على أهمية مشايخ آل حمدان ما سنذكره عند الحديث عن علاقتهم بآل جنبلاط، ومنها أنهم من مزاويجهم (مجاويزهم). ومن المزاويج الآخرين لأسرتيهم: آل مزهر وآل شمس وآل أمين الدين. وقد كانوا جميعًا متحالفين تحت لواء الغرضية الجنبلاطية.
إن عدد زيجات آل جنبلاط من آل حمدان هو، بحسب ما أفادنا القاضي فؤاد حمدان، خمس زيجات، منها زواج فؤاد بك جنبلاط من الست صفا حمدان. وعدد زيجات آل حمدان من آل جنبلاط سبع زيجات، منها زواج الشيخ كامل حمدان من الست جوليا، شقيقة فؤاد بك جنبلاط، وزواج القاضي ملحم حمدان من الست خانم جنبلاط التي اُقيم لها مقام في باتر18.
ومن الأدلة على إعتداد آل حمدان بأنفسهم، وحرصهم على موقعهم الإجتماعي، أنهم ما كانوا يمرُّون أثناء ذهابهم من باتر وعودتهم إليها، في بلدة عمَّاطور، لأنه كان من الإمتيازات المعطاة لها، بفضل قوة عصبيتي آل أبو شقرا وآل عبد الصمد، ترجّل الفرسان عن خيولهم وقيادتها حتى تجاوزها19. وهذا كان وراء تجنُّب آل حمدان المرور في عماطور، وسلوكهم الطريق التي تمرُّ تحتها، والتي صارت تُعرف لذلك باسمهم “طريق الحمدانيين”.
جاء في مخطوطة تاريخها سنة 1904 تحديد لعائلات باتر وأفرادها، وفيها يُذكر أفراد هذه العائلات بأسمائهم، باستثناء آل حمدان الذين تُذكر أسماؤهم مسبوقة بلقب “الشيخ”، وهم شيوخ الحارة الفوقا: الشيخ عبد السلام، والشيخ قاسم، والشيخ سعيد (القاضي)، والشيخ داود. وشيوخ الحارة التحتا: الشيخ حمّود، والشيخ قاسم، والشيخ عبّاس، والشيخ ملحم، والشيخ سليم20.
جمع آل حمدان إلى النفوذ المتأتي من المشيخة نفوذًا متأتيًا من المناصب التي شغلها متعلِّموهم ومثقفوهم، فكان منهم أعلام عديدون هم: حسب التسلسل الأبجدي للأسماء:
• حمّود حمدان: وهو شيخ الصلح في باتر في مطلع القرن العشرين.
• سعيد سعد الدين حمدان المتوفَّى سنة 1932: إنه من مواليد ديركوشه كما وردت الإشارة، وهو دون العديد من آل حمدان في الثروة والتملك في باتر. كان رئيس محكمة الشوف، وعضو محكمة التمييز، وقائمقام الشوف لسنة 1892، وقاضي مذهب الدروز الوحيد في جبل لبنان، ثم فيه وفي بيروت بعد إنشاء دولة لبنان الكبير في سنة 1920، وحتى سنة 1928. وهو منشئ “القنا الكبير” لري الأراضي من نبع باتر. ومرمم جسر القاضي سنة 1884 تقدمة للمتصرف واصا باشا.
• سليم عبّاس حمدان المتوفَّى سنة 1968: كان عاملاً في حقل الصحافة، وله ديوان شعر اسمه “الحمدانيات” وديوان آخر اسمه “أطياف” قدَّم له كمال جنبلاط، وكتاب “المدنية والحجاب” وهو ردٌّ على كتاب “السفور والحجاب” لنظيرة زين الدين، وكتاب “الدُّرُّ النظيم في مختارات السليم”.
• عادل ملحم سعيد حمدان المتوفّى سنة 1994: كان مدعيًا عامًّا في جبل لبنان. مارس القضاء لمدة تسع سنوات. وكان من أبرز أصدقاء الرئيس كميل شمعون والمقرَّبين إليه. قدّم نصف عقار كان يملكه واشترى بماله الخاص النصف الآخر من السيدة سعاد حمدان وقدم كامل العقار إلى نادي تيرون في باتر ليتم استخدامه كحديقة للنادي.
• فؤاد بسَّام فؤاد نجيب حمدان: وهو حاليًّا قاضٍ في المحكمة الاستئنافية المذهبية الدرزية العليا.
• ملحم سعيد سعد الدين حمدان المتوفَّى سنة 1950: كان مستشارًا للعدلية، ثم نُدب لرئاسة غرفة الإستئناف، وعُيّن في سنة 1928 قاضي مذهب خلفًا لوالده سعيد عند تردِّي وضعه الصحي. اتفق الزعماء الدروز على إستقبال المفوَّض السامي هنري دو جوفنيل في بيته ببيروت في أواخر سنة 1925، حين أُشكل عليهم في أي مكان يستقبلونه، وذلك عندما رغب في مفاوضتهم بأمر الثورة السورية الكبرى، وقد عزلته السلطة اللبنانية، بضغط من السلطة الفرنسية المنتدبة، من منصبه القضائي، في تشرين الأول 1926، لأنه حضر مأتم المجاهد في الثورة السورية، رشيد طليع، الذي أُقيم بقريته جديدة الشوف. ومن اللافت بقاء جثته دون أن تتفسخ حتى سنة 1987.

لوحة بريشه الرسام عمر فروخ للشيخ ملحم حمدان
لوحة بريشه الرسام عمر فروخ للشيخ ملحم حمدان

تجدر الإشارة أخيرًا إلى أنه ورد في “معجم أعلام الدروز” للدكتور محمد خليل الباشا إسم الملازم حسن خزاعي حسن –وهو من عترين الشوف- بين أعلام آل حمدان. وفي رأينا أن هذا خطأ في النقل، أو في إخراج الكتاب.
ألغت الحداثة، والتطوُّر الاجتماعي والإقتصادي، وترقِّي عامة أهل باتر، الفارق والتمييز بين هؤلاء وبين المشايخ الحمدانيين. وساهم في ذلك تراجع آل حمدان أنفسهم على الصعيد المادي، وبيعهم بعض بيوتهم في الحارة الفوقا ومعظم أملاكهم في باتر، ومنها، على سبيل المثال، مزرعة خفيشه التي باعها الشيخ عادل حمدان والتي ورثها عن أبيه، عن جده سعيد حمدان، وعين الزيتونة ذات المساحة الكبيرة في محلَّة “الحماري” التي باعها الشيخ سليم حمدان، إضافة إلى أملاك خارج باتر، ومنها في ديركوشه كما منها محلة “براك التل” الواقعة على الساحل إلى الجنوب من مدينة صيدا، والبالغ طولها ما يقارب أربعة كيلومترات، وقدباعها الشيخ عادل حمدان. وبعد أن كان أمين بك حمدان يعود من ديركوشه ومعه خرج مليء بالليرات الذهبية هي الغلّة السنوية من المطاحن ومعمل حل شرانق الحرير ومصنع الفخّار، وبعد أن كان يحصل على 30 قنطارا من زيت الزيتون من أراضيه في باتر، عاش آخر أيامه في حالة من الفقر والضنك بعد أن باع الأكثرية الساحقة من أراضية في القريتين.
كما ساهم في تراجع دور آل حمدان في باتر إقامة معظمهم خارجها في بيروت وصيدا وغربتهم عن أهلها وشؤونهم، وقد بلغ ضعفهم حد العجز، في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، عن التجديد للمختار الشيخ عارف حمدان الذي كان آخر مختار منهم بعد والده الشيخ نجيب حمدان الذي كان شيخ صلح قبل تسلُّمه المخترة، فاعتبر ذلك عنوانا لتحول حظوظ العائلة وأحد أبرز مظاهر تراجع مكانتها الإقطاعية.

معمل-لحل-شرانق-الحرير-من-أملاك-آل-حمدان-لا-يزال-موجودا-على-الطريق-من-ديركوشه-إلى-جسر-القاضي
معمل-لحل-شرانق-الحرير-من-أملاك-آل-حمدان-لا-يزال-موجودا-على-الطريق-من-ديركوشه-إلى-جسر-القاضي

اَل حمدان من دعائم الفريق الجنبلاطي
ورد سابقاً ان اَل حمدان القيسيين والوا اليمنيين في اَخر مراحل الصراع القيسي اليمني، مما جعل بعض المؤلّفين يعتبرونهم يمنيين. وبعد زوال اليمنية، وخلو الساحة للقيسية، صار اَل حمدان على الغرضية الجنبلاطية عند نشوئها، حين لم يحافظ القيسيون على وحدتهم، وانقسموا مع من تبقى من اليمنيين إلى جنبلاطيين ويزبكيين، فكانت هذه الثنائية الجديدة إمتدادًا للثنائية القديمة على صعيد الاصطفاف الفئوي، وكان آل حمدان من دعائم الفريق الجنبلاطي.
ذكر فرديناند بيريه الذي رافق حملة محمد علي على بلاد الشام (1831- 1840) في كتابه الصادر في باريس سنة 1842، أن “الحزب الجنبلاطي” ينضوي تحت بيرقه بيارق أربع أسر كبيرة، ذات تأثير ونفوذ بفضل ثرواتها وأصولها القديمة، هي:
1. مقدِّمو آل مزهر في حمَّانا.
2. مشايخ آل حمدان (وقد ورد اسمهم Beit Embdan ).
3. مشايخ بيت مان الدين [أمين الدين].
4. مشايخ بيت شمس.
وفي حديثه عن هذه الأسر قال فرديناند بيريه: “إن أسرتي آل مزهر وآل أمين الدين قليلتا العدد، وإن أسرة آل حمدان بإمكانها أن تحشد 260 مقاتلاً تحت بيرقها، ووصف هذا البيرق بأنه مركّز على رمح مزيّن، ينتهي بسنان (حربة) مثلث أسود”. وقال: “إن العديد من أفراد آل حمدان يمتلكون ثروات كبيرة وقرى بكاملها”21.. إن كلام هذا المؤلِّف الأوروبي عن تملّك آل حمدان قرى بكاملها المقصود به، في رأينا، تملّكهم لقريتي باتر وديركوشه وقد كان الكاتب مطّلِعا، وكان يكتب ما يراه في الميدان، وهو دوَّن مشاهداته عن الدروز في فصل كامل، حتى إنه تحدَّث عن جريمة شرف حصلت سنة 1839 في قرية صغيرة مجاورة لباتر، حدَّد موقعها بالقرب من جزين، هي على الأرجح قرية عاري.
إن آل أمين الدين هم أحد فروع آل القاضي الأربعة المتحدِّرة من شيخ العصر عند الموحِّدين (الدروز) الشيخ بدر الدين حسن العنداري، المتحدِّر بدوره من الأمراء المناذرة اللخميين، وإن تقديم فرديناند بيريه لآل حمدان عليهم قد يكون جاء عفوًا، وقد يكون عن قصد بناءً على قوة آل حمدان المتأتية من إمكانية حشد مقاتلين أكثر من اَل أمين الدين.
كان آل حمدان وآل مزهر وآل أمين الدين وآل شمس ممن استهدفهم الأمير بشير الشهابي الثاني في إجراءاته الإنتقامية ومظالمه بعد تغلُّبه على الشيخ بشير جنبلاط في كانون الثاني 1825، ومن ذلك طلبه في رسالته إلى حليفه الشيخ حمُّود النكدي أن يجمع بيت جنبلاط في المختارة “تحت الضغط”، وأن “يدبِّر” بيت حمدان وإبن إبن الشيخ بشير شمس22

بوابة-الحمدان-في-حارة-جندل-شاهد-على-استقرار-الأسرة-فيها-قبل-انتقالها-إلى-باتر
بوابة-الحمدان-في-حارة-جندل-شاهد-على-استقرار-الأسرة-فيها-قبل-انتقالها-إلى-باتر

يذكر طنّوس الشدياق أن بعض النصارى قتلوا في سنة 1844، أثناء الحوادث الطائفية بين الدروز والنصارى، شبلي حمدان أحد أقارب سعيد بك جنبلاط. لكن الشيخ سعيد منع آل حمدان أن يأخذوا بثأره تسكينًا للفتن، في إطار سياسته التي انتهجها من أجل إيجاد التقارب بين الدروز والمسيحيين23. وقد حُكم على أحدهم خليل حمدان بالسجن لمدة 6 سنوات بعد الحوادث الطائفية في سنة 1860.

الأسر المتفرِّعة من آل حمدان
إسم “حمدان” هو إسم الذكور عند المسلمين، وأسرهم التي تحمله كثيرة، منها من تعود إلى الحمدانيين الذين نتحدَّث عنهم، والذين تعود جذورهم إلى الحمدانيين حكام حلب والجزيرة والموصل، ومنها من تتشابه معهم بالاسم وتعود إلى جد أعلى اسمه “حمدان”. وقد ذكرنا من فروع الحمدانيين حمدانيي باتر، وأصلهم من ديركوشه، وحمدانيي جبل حوران، وأصلهم من كفرا (الغرب)، والفريقان يعودان إلى حمدانيي شمال سورية وفقًا للاستنتاجات التي ورد ذكرها.
واللافت أن الروايات لا تذكر من حمدانيي كفرا (الغرب) إلا حمدان الحمدان، وبعضها يذكر ان أخاه، الذي وُجد إلى جانبه في جبل حوران، ليس أخاه من أمه وأبيه، بل هو أخوه بالتعاهد. وهذا يقودنا إلى استبعاد أن يكون السالمون من حمدانيي كفرا (الغرب) شخصًا واحدًا فقط، أو شخصين، كما يقودنا إلى الاعتقاد أن يكون هناك أشخاص غيره لجأوا إلى قرية أو أكثر من قرى لبنان وحملوا اسم “حمدان” أو أسماء غيره هي أسماء الآباء والأجداد.
وبناءً على ذلك، وفي غياب الروايات المؤكَّدة، وتعدُّد الروايات وتناقضها، لا يسعنا الجزم بأي فروع لآل حمدان غير فرعي جبل حوران وباتر اللذين لا يزالان مستمرّي الوجود إلى يومنا هذا. وقد يحسم فحص الحمض النووي المعروف بـ D.N.A مسألة النسب عند اَل حمدان فيؤكّد من هم منهم أقرباء لبعضهم البعض، كما قد يحسمها ظهور وثائق ومعلومات جديدة. وفي غياب هذا لا بد من الإستعراض الموجز لما كُتب، ولما يروى عن فروعٍ لآل حمدان في لبنان.
ذكر المؤلِّف أحمد أبو سعد ما يلي: “وفي بعض قرى لبنان أسر أخرى درزية تحمل هذا الإسم “حمدان”، ولكنها لا تمت بصلة قرابة إلى أسرة حمدان في باتر، منها اَل حمدان في عميق المناصف وهؤلاء اقرباء بنى فوارس كما في “قواعد الاَداب” وأسرة حمدان أو أبو حمدان في ميمس بقضاء حاصبيا التي يُقال إن أصلها من شارون من آل الأحمدية وانتقلت إلى ميمس والكفير منذ مدة طويلة ولها علاقة بآل صبح وحاطوم وبركات، ومنها القاضيمنيف حمدان…وأسرة حمدان في عين عنوب وهي هناك فرعان زين الدين وحمدان وقد نزح من حمدان فرع إلى صوفر والمقول إن أصلها من قبيع”

بعض-الأبنية-التاريخية-التي-تعود-إلى-آل-الحمدان-في-الحارة-الفوقا
بعض-الأبنية-التاريخية-التي-تعود-إلى-آل-الحمدان-في-الحارة-الفوقا

“أهم أسباب تراجع مكانة آل حمدان الإقطاعية بيعهم لمعظم أراضيهم وسكنهم خارج باتر وغربتهم عن مجتمعهـــــا”

ما ورد ذكره يتضمَّن خطأين، أولهما نسبة آل حمدان إلى بني فوارس إعتمادًا على ما جاء في كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” وهذا لم يرد في الحديث عن آل حمدان وإنما ورد عن “بني سويقات”. وهو خطأ في الاقتباس، وفي النتائج المبنيّة عليه، لأن آل حمدان من بني تغلب القيسيين، وبني فوارس من المناذرة اللخميين اليمنيين. وثانيهما القول إن آل حمدان في المناصف لا يمتون بصلة إلى آل حمدان في باتر، مع الإشارة إلى أن أصلهما واحد. وفيما يتعلَّق بآل حمدان في عين عنوب، من الضرورة نقل روايتهم عن نسبهم، وهو أنهم يعتبرون أنفسهم من أقرباء الحمدانيين في جبل حوران، وأن منهم حمدانيي صوفر وقبّيع25.
إن المتداول عند آل حمدان في باتر هو أن أسرًا في لبنان تحمل لقب حمدان –ومنها الأسر الشيعية- تلتقي معهم فقط عند الأرومة العليا، أي أنهم متحدِّرون وإياهم من آل حمدان في جهات حلب. والمتداول عندهم أيضًا أنه ليس هناك فروع منهم أو أقرباء لهم إلا حمدانيو جبل حوران، لذا ليس عندهم أية معلومة عن مقولة حديثة بوجود فروع أربعة منهم، كما أنهم لا يجزمون بنفيها وبعدم صحتها، وهذه المقولة هي ترك أربعة أخوة من آل حمدان قريتهم باتر للسبب التالي، وهو أن أحدهم كان يريد الزواج من إبنة عمه، لكن ابن عمهم الثاني خطفها، فساءهم هذا وقتلوا العروسين وفرُّوا من باتر، وهم إسماعيل ومحمود وقرقماز وأحمد، وأقاموا في القرى التالية حيث شكَّلوا فيها أسرًا تحمل شهرة “حمدان”.
1. الكفير في جهات حاصبيا. وقد نزل فيها إسماعيل. ومن أعلام أسرة حمدان فيها: المحامي والقاضي الدكتور منيف حمدان (رئيس محكمة جنايات بيروت)، والعميد الركن إسماعيل حمدان عضو المجلس المذهبي الدرزي.
2. أرنون بالقرب من مدينة النبطية في جنوب لبنان، وقد نزل فيها محمود، ومن أعلام أسرة حمدان هناك الحاج خليل حمدان عضو المكتب السياسي في حركة “أمل”.
3. عسفيا في منطقة الكرمل في شمال فلسطين، حيث نزل قرقماز، لكن التواصل بين أسرة حمدان هناك وسائر الأسر الحمدانية في لبنان وسورية مقطوع منذ سنة 1948 بسبب قيام دولة إسرائيل في فلسطين المحتلة.
4. عين الشعرة في السفح الشرقي لجبل حرمون من سورية، حيث نزل أحمد، وغدت ذريته أسرة انتقل بعض أفرادها إلى مغر المير ودير حينا، كما أن بعض آل حمدان قطنوا قرية دورين قرب القنيطرة حوالى المائة سنة، ثم تركوها منذ حوالى خمسين سنة26.

الشيخ أسعد سويد إمام بلدة كفر حمام

الشيخ أسعد سويد

جادة في كفرحمام باسم الإمام أسعد سويد

صورة جامعة لبلدة كفرحمام

الشّيخ أسعد سُوَيد

أنقذَ كثيرين من عَسف المستعمر
وعزز المودّة بين طوائفِ المنطقة

اشتعلت شرارة الحرب العالميّة الثانية في منطقتيّ مرجعيون – حاصبيّا أوائل صيف عام 1941، وهاجم الجيش الإنكليزيّ جيش حكومة فيشي الفرنسيّة المتواجد في ثُكنتيّ مرجعيون والخيام فوق تلال قرى إبل السّقي والفرديس وراشيّا الفخّار ممّا حمل أهالي تلك البلدات إلى النزوح والابتعاد عن ساحات القتال درءاً للأخطار والدّمار .
نصيب منزل الشّيخ أسعد سويد في كفر حمام كان التجاء ثلاث عائلات: آل ظاهر من الخيام وآل الغريب وآل السيّار من بلدة راشيّا الفخار يرافقهم خوري من سوريا كان ضيفاً عند أقاربه في راشيّا …
اشتدّت ضراوة القتال وتطايرت القذائف يميناً وشمالاً حول بلدة كفر حمام. آنذاك بادر الشّيخ أسعد مع ضيوفه إلى الاحتماء بين الكهوف والمغاور خارج البلدة، وكان التجاؤهم إلى مغارة صغيرة لا تتسع لأكثر من ثلاثة رجال، عمل عندها الشّيخ إلى إدخال الخوري وأحد ضيوفه إلى داخلها والبقاء بذاته عند مدخلها..
استعظم الخوري ذلك وقال: لا يجوز يا شيخنا أن تعرّض نفسك للخطر لتقينا منه. أجاب الشّيخ: كُنْ مرتاح البال يا محترم فواجبنا أن نضحّي بأنفسنا ولا نُضحّي بضيوفنا.
ترك جيش حكومة فيشي الفرنسيّة بلدة راشيّا الفخار متقهقراً مخلّفاً العديد من الجرحى والقتلى وجُلّهم من الجنود الشّراكسة، ولكون الحرب كرّ وفرّ، فقد عاود الهجوم الفيشيّ من جديد بعد مدّة إلى راشيّا فتمكّن المهاجمون من استرجاعها ودحر الإنكليز خارجها.
هنا تسرّبت إشاعات لقيادة الجيش المذكور بأن أحد المواطنين في راشيّا خبّأ عدداً من الجنود الشّراكسة في أتون للفخّار كي يبعدهم عن أنظار الجيش الإنكليزي، لكنّه عمدَ بعد ذلك إلى إشعال النّار حيث لاقَوْا حتفهم جميعاً..
قائد الكتيبة الفرنسيّة، والتي خيّمت عند بيادر كفر حمام، وهو شركسيّ يُدعى (باكير) استدعى أهالي البلدة كي يسلّموا أربعين شابّاً من أبناء راشيّا الفخّار المختبئين عندهم، وقصده إلحاق الأذى بهم، انتقاماً لما سمع عن إحراق أبناء جلدته من جنوده، غير أنّ إجابة أبناء البلدة كانت: “إنّ جميع الشّباب والرّجال من بلدة راشيّا قد هربوا خارج كفر حمام ولا نعلم أماكن تواجدهم”. ورغم ذلك أصرّ باكير من قبيل الضّغط النّفسي على جلب نسائهم كي يحقّق في الأمر.
علم الشّيخ أسعد سويد بالموقف فذهب بنفسه إلى القائد المذكور وخاطبه بوقار ورجولة قائلاً : “أيها القائد الكريم، هل يسمحُ دينكم الإسلاميّ وشرفكم العسكريّ أن يؤخذ البريء بجُرم المذنب؟؟ أجابه الضّابط: لا، لكن نريد أن نعرف من قتل جنودنا وكيف كان قتلهم؟؟
قال الشّيخ: صدّقني وثِقْ بكلامي إنّ ما نُقل عن ذلك الرّجل من أهالي بلدته ليس إلا زُور وبهتان وربّما كره وانتقامٌ، وأبناء البلدة المذكورة قد أنكروا جميعهم هذه التّهمة وأقسموا اليمين المعظّم أنّهم أبرياء من دم أيّ جندي فرنسيّ سواء كان شركسيّاً أو مَغرِبيّاً أم سواء ذلك، والآية الكريمة تقول: “ ولا تزر وازرة وزر أخرى” (سورة الزّمر- الآية 7)،
بعد هذا الدّفاع الجريء أجاب القائد العسكريّ الشّركسيّ: لك ما تريد يا شيخنا وعليهم الأمان. نقلتُ هذه المأثرة من مذكّرات الشّيخ أسعد سُويد إلى إمام بلدتنا الفرديس الشّيخ أبو طاهر علي سليقا، وهو شيخ طاعن في السّن جاوز التّسعين من العمر في حينه، فقال: “هذا ليس بمستغرب عن ذاك الرجل الشّريف النّبيل، وقد لمست هذا بنفسي عندما حضر الشّيخ سويد في تموز 1967مأتم أحد شيوخ البيّاضة الكبار المرحوم الشّيخ أبو حسن علم الدّين ذياب وألقى كلمة تأبين أمام المشايخ والمشيّعين كان فيها الكثير من التقدير والاحترام للموحّدين الدّروز” إذ قال: “حضرات المشايخ الأفاضل، يا أهل العقل ويا أهل المعرفة، يا أهل الرّجولة، يا أهل الكرامة، يا أهل الحكمة، اسمحوا لي أن أبدأ كلمتي المتواضعة هذه بشعرٍ لأمير الشعراء شوقي عن الحكمة:
الكُتْبُ، والرسلُ، والأديانُ قاطبــــةٌ خزائنُ الحكمةِ الكبرى لداعيــها
محبــــــــــّةُ الله أصــلٌ في مراشـــدهـــا وخشـــيــــــــــــــــــة الله أُسٌّ في مبانيــــــــهـــا
وكـلّ خــيرٍ يُــــــــــلَقّــى في أوامــــــرها وكــلّ شــرٍّ يُوَقّــى في نواهيـها
والحقيقة والواقع يا ساداتنا المشايخ والمشيّعين الأكارم نقولها بكلّ خشوع واحترام أمام جثمان هذا الطّاهر والذي سمعنا عنه وعن أمثاله سكّان هذه المعابد المقدّسة والتي تزخر بالعلم والإيمان والمعرفة، وإنّنا وإيّاكم لمسلمين مؤمنين، نفاخر بديننا الإسلاميّ الحنيف، ومهما حاول البعض بثّ عوامل التّفرقة والتّباعد ونشر البغضاء بين المذاهب الإسلاميّة.

“قضاء حاصبيا هو المنطقة الأولى في لبنان من حيث تعدد طوائفه ومن حيث تعايشهم في المــــودّة على مدى الدهور”

الشيخ أسعد سويد
الشيخ أسعد سويد

وفي النّهاية، حقّاً وصدقاً إنّنا نفاخر بكم، وبمصداقيّتكم وتفانيكم ورجولتكم التي ليس من بعدها رجولة وإقدامٌ وشجاعة. والواقع إنّكم أسياف العروبة الحقّة وتُرسها ودرعها وقائدكم سلطان باشا الأطرش عاقد لواءها”
كان للشّيخ أسعد سويد مواقف شهامة وإغاثة للملهوفين شملت جميع الفئات مثل دروز راشيّا الفخار وآل الغريب الشّيعة من أبناء بلدة الخيام، بالإضافة إلى مواقفه الاجتماعيّة مع الجميع خصوصاً جيرانه أبناء الطائفة الدّرزية إذ كان مقرّراً ومُنصفاً وعاملاً نشيطاً للتّواصل والتوادّ معهم، وهذا ما نذكره له بالخير نحن أبناء منطقة حاصبيّا في وادي التّيم ذات العائلات الرّوحيّة المتعدّدة والمتماسكة، وفي بقعة جغرافيّة لا تتجاوز مساحتها مساحة مدينة كبرى كبيروت.
وهنا لا بدّ من استعراض تنوّع تلك القرى من حيث المذاهب والطّوائف، فمثلاً لنبدأ من بلدة الدلّافة، فسكّانها من الطّائفة الشّيعية تقابلها وتجاورها بلدة كوكبا من الطائفة المارونيّة. وتقابل كوكبا بلدة أبو قمحة من الطّائفة الأرثوذكسيّة، وتجاور بلدة أبو قمحة بلدة الفرديس من الطّائفة الدّرزية التّوحيديّة وتتلاصق الفرديس بيوتاً ومنازل مع بلدة الهبّاريّة السّنيّة شرقاً ومع بلدة راشيّا الفخّار جنوباً ذات الطّوائف المسيحيّة المتعدّدة. أمّا قاعدة القضاء حاصبيّا فإنّها البلدة الوحيدة في لبنان التي تتواجد فيها شتّى دور العبادة لشتى المذاهب والطّوائف، ففي داخلها سبعة كنائس للطّوائف المسيحيّة بأكملها، كذلك بقايا كنيس للطائفة الموسويّة، وجامع أثري بديع للطّائفة السّنّيّة، وأربع خلوات للطّائفة التّوحيديّة وهذا ما يزيد من اللُّحمة والمحبّة والتّواصل بين شتى أهل هذه المعابد والأديان. وهنا نعود بالذّاكرة إلى الحرب الأهليّة المشؤومة التي عصفت بلبنان منذ العام 1975 ولغاية 1989، والتي لم تجد من ينغمس في نيرانها وأحقادها من أهل حاصبيّا وقضائها، فالجميع بَقوا في قراهم وبلداتهم ولم يحصل أيّ تهجير طائفيّ أو مذهبيّ بل حصلت هجرات طوعيّة لأسباب معيشيّة لا غير، بل على العكس فإن البعض من أبناء راشيّا الفخّار وكوكبا وأبو قمحة من أخوتنا المسيحيّين بعدما عصفت واشتدّت رياح الحرب الطائفيّة في بيروت وضواحيها، وسواء ذلك كان نزوحهم إلى حاصبيّا وضواحيها ليركنوا ويرتاح بالهم مع أخوتهم وجيرانهم الدّروز، ومثال على ذلك التّرابط فقد توفي في حاصبيّا طبيب قضائها الدّكتور الأرثوذكسي رشيد حدّاد، وحيث إنّه لا يوجد موقف للطّائفة الأرثوذكسيّة آنذاك في البلدة عمد المشايخ من أبناء حاصبيّا لإقامة مأتم حاشد وحافل للفقيد في موقف مذهبهم الخاصّ.
لقد أكرم الله المرحوم الشيخ أحمد سويد بمجموعة من الأبناء كانت فريدة في نبوغها وثقافتها والإسهامات الكبيرة التي قدمتها للوطن فنجله الكبير محمّد كان قاضياً شرعياً، ونجله الثّاني طه أستاذاً تربويّاً في إحدى الجامعات، ونجله الثّالث أحمد النّائب المحامي والأديب الكبير، ونجله الرابع اللواء ياسين المؤرّخ وصاحب الخمسين مؤلّفاً في التّاريخ المدنيّ والعسكريّ، ونجله الخامس محمود رئيس مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة في الشّرق الأوسط.
كما أكرمه الله بالتّقدير الواسع لسيرته العَطِرة من قبل أبناء بلدته ومن أهل المنطقة، وفي كفر حمام بالذّات بحث أهل البلدة عن سبيل لتكريم إمام بلدتهم وداعية الوئام والتّسامح الدّيني والاحترام المتبادل بين الدّيانات والمذاهب فقرّروا إطلاق اسمه على الشّارع الرّئيسي للبلدة وليس هذا بالكثير.

حاصبيّا- الفرديس

كميل سري الدين

“في حالات قليلة تنازلنا لتسهيل العمل لكن في أمور ثانويّةلكن إنْسألتني اليوم فإنّني سأقول بثقة إنني لن أقبل بها”

تحدّثَ عن تجربتهِ الغنيّةِ في حقلِ الأعمال والعمل العامّ

كميل سَرِيّ الدّين

كنتُ أولَ عربيٍّ يُنتَخبُ إلى مجلس إدارة غرفة أبوظبي

تعجّب صديقي من نيّتي الهِجـــرة إلى فنــزويلاّ
وزيــارةٌ واحــدةٌ إلــى أبوظبــي غيّــرت مســار حيــاتي

الموحدون في المُغتربات مشتّتون جغرافيا وبلا مرجعية
لذا يجدون صعوبة في حماية هويِّتهم ويميلون للاندماج

في غضون 40 عاماً من العمل وكسب النّاس وبناء السّمعة الطيّبة تمكّن كميل سَرِيّ الدّين ابن بلدة بزبدين المتنيّة من بناء مملكة أعمال تمتدّ من صناعة الرّخام التي يُعتبر أبرز ممثليها في الإمارات إلى قطاع السّيراميك ومستلزمات تجهيز الأبنية إلى المقاولات التي دخلها بقوّة عبر مشاريع كبيرة مثل أبنية وزارة الدّفاع وتجهيز متحف اللّوفر وبناء ديوان المحاسبة. العامل الأوّل في نجاح كميل سَريّ الدّين هو دماثةأخلاقه وموهبته في اجتذاب النّاس وكسب ثقتهم. وقد كانت هذه هي العوامل الأهمّ التي وضعته عل طريق النّجاح. لكنّ كميل سرِي الدّين لم يكتفِ بتحقيق النّجاح العمليّ بل أظهر على الدّوام اهتماماً بالعمل الاجتماعي وتميّز بصورة خاصة بمساهماته في المبادرات الرّامية لتعزيز وضع الطائفة ومن هذه المشاريع الأخيرة إسهامه في تجديد مباني دار الطائفة في فردان ببيروت، ودعمه لإعادة إصدار مجلة “الضّحى” بصيغتها الجديدة في العام 2010 علماً أنّه عضو في مجلس أمنائها. وهناك الكثير من المساهمات التي تتمّ بعيدا عن الأضواء ومن أهمّها مبادرته في توفير المنح التّعليميّة الجامعيّة لعدد من أبناء الطائفة المتفوّقين عبر صندوق أنشأه لهذه الغاية. ومن الإنجازات التي تُحسب له نجاحه في تنظيم أوّل مؤتمر اغترابي للموحّدين الدروز في صيف العام 2010 والذي شكّل منعطفا مهمّاً في تعزيز الرّوابط بين المغتربين في مختلف أنحاء العالم وبين الوطن الأم.

“الضّحى” التقت الشّيخ كميل في منزله في الرّملة البيضاء وسألته عن تجربته الطّويلة في حقل الأعمال والاغتراب والعمل الاجتماعي فكان هذا الحوار:

>كيف دخلتَ مجالَ الأعمال؟
دخلته في العام 1965 لِظَرف عائليّ. فقد كنت يومَها طالباً في الجامعة عندما طلب منّي والدي المغترب في ليبيريا أن أساعده بسبب تعرّض تجارته هناك لصعوبات. علماً أنّ تّجارته كانت مزدهرة قبل ذلك بسبب علاقة الصّداقة التي ربطت الوالد برئيس الجمهورية حينها وقد سهَّل ذلك أعمالنا. لكنّ تسلم نائب الرّئيس المنصب ولم يكن والدي على علاقة جيدة به بدّل الأحوال فصرنا نتعرّض لمضايقات مَرّة من دائرة الضّرائب وسواها من مفتّشي الصّحّة وغيرها من دوائر حكوميّة أخرى، فأدركنا أنّه لم يعد لنا نصيب في ذلك البلد، وقمنا في غضون ثلاث سنوات بتصفية تجارتنا وبيع المخازن التّجارية والبناية التي كنّا نملكها، وسافر الوالد إلى الغابون بينما قرّرت أنا السّفر إلى البرازيل التي كان فيها ابن عم للوالد وكان ثريّاً ويشغل منصب حاكم منطقة واسعة، كانت لي آمال بأن يساعدني ذلك على تأسيس أعمالي في تلك البلاد.
وصلت البرازيل وبدأتُ التّجارة بالأحجار الكريمة، وكنت أخطّط للبقاء هناك وتأسيس عمل وكان معي رأس مال جيّد جلبته معي من ليبيريا، لكنّني اكتشفت في وقت قصير أنّ رابط القربى لا يعني لابن عم الوالد شيئاً. وقد أضعف ذلك حماسي للبقاء هناك. أخيراً قرّرت أنّ الأمر لا يستأهل أن أكون في تلك المجاهل البعيدة لذلك وبعد نحو ثلاثة أشهر من وصولي إلى البرازيل جمعت حقائبي وركبت الطّائرة إلى فنزويلا.
وصلت فنزويلّا في العام 1973 وكانت آنذاك في عزّها تعوم على أكبر احتياط نفط في العالم إذ كان الدولار يساوي 3 بوليفر، وعملتها قوية بعكس اليوم والبلد في ازدهارغير مسبوق. لكنّني رغم حماسي لفنزويلّا لم استمرّ هناك بسبب مرض أصابني. تساءلت عندها ربما لا يوجد نصيب لي في هذا البلد أيضاً فغادرت إلى لبنان، وفي نيّتي العودة في وقت لاحق.

 

كميل-سري-الدين-مترئسا-المؤتمر-الاغترابي-الأول-للموحدين-الدروز-في-تموز-2010
كميل-سري-الدين-مترئسا-المؤتمر-الاغترابي-الأول-للموحدين-الدروز-في-تموز-2010

“مغترب درزي من آل القنــطار ســـألني بتــأثّر شــديد: «لماذا لا ندمج المذهب الدّرزي مع الدين الكاثوليكي؟”

> كيف وصلت إلى أبوظبي؟
كانت صدفة بدّلت مجرى حياتي بالفعل، والحياة أقدار. التقيت صديقاً لي من أيام ليبيريا سألني عن خططي فقلت له إنني أفكّر بالرّجوع إلى فنزويلّا . استغرب وقال لي: “لماذا لا تأتي إلى أبوظبي فهي بلاد فرص وكل شيء مطلوب فيها الآن” وكان العام 1977 أي في عزّ الفورة النّفطية. ذهبت في أول زيارة إليه في أبو ظبي على سبيل المجاملة إذ إنني لم أكن أعرف شيئا عن أبوظبي من قبل. لكن عندما وصلت البلد أعجبني. كان العمل متوافراً لأي كان، لأنهم كانوا في مرحلة إعمار وطنيّة وتطوير اقتصاد. وكان عندي رأسمال بسيط لكنه كان كافيا لكي أبدأ العمل. وشجّعني ما رأيته من أنّ النّاس هناك فعلاً طيّبون ويتعاملون على أساس الثّقة والسّمعة. بذلك قررت البقاء فيها وتأسيس عمل تجاريّ.
>كيف بدأت تجارتك؟
بدأت باستيراد الرّخام الإيطالي ولم يكن لي تجربة سابقة في هذا المجال.لكن كان هناك طلب كبير على الرّخام وتعرّفت على شخص إيطالي وبدأت أستورد الرّخام عن طريقه. وكنّا نستورد الرّخام مقطّعا بقياسات مختلفة ومصقولاً جاهزاً للتّركيب لأنّ شركات البناء كانت تريد كلّ شيء جاهزاً لإنجاز المباني أو الفيلّات. بتوفيق من الله أصبحت خلال سنتين أو ثلاث أقوى مؤسّسة في مجال الرّخام في أبوظبي. وهذا ما جعلني أتّجه لإنشاء مصنع الرّخام بالشّراكة مع الصّديق كميل أبوغانم. ثم توسعنا إلى قطاعات البلاط والسّيراميك والمطابخ والحمّامات وغيرها وصرنا الأقوى في الإمارات وأعطي مثالا على ذلك أننا منذ سنتين نفّذنا في أبوظبي في سنة واحدة عقود تركيب لـ 4,000 مطبخ.

>دخلتم بعد ذلك قطاع المقاولات، ما هو الحقل الذي تخصصتم به؟
نحن نعمل في حقل إنشاءات الأبنية ونقوم بتنفيذ مشاريع كبيرة “تسليم مفتاح” أي من مرحلة التّصميم إلى مرحلة تسليم المبنى للجهة المتعاقدة. وقد دخلت القطاع بالشّراكة مع رجل أعمال لبناني وباتت شركتنا من الشّركات الكبيرة وهي مصنّفة كشركة مقاولات من الفئة الأولى. بالطبع نحن نلزّم من الباطن أعمال الألكتروميكانيك مثلا وغيرها من الأمور ذات الطّابع التّقني لكن إدارة عمليّة البناء والتّنفيذ في يدنا.

>ما هي بعض أهم المشاريع التي نفذتموها أوتنفذونها حاليّاً؟
نفّذنا مشاريع كبيرةعديدة لكن أذكر منها مشروع بناء 40 فيلّا للشيخ فلاح بن زايد، وأخذنا بنايات وزارة الدّفاع، كما أنّنا نقوم بتنفيذ بناء ديوان المحاسبة في أبوظبي، وهو مشروع ضخم موقف السيارات الملحق به يتسع لـ 15,000 سيارة وهذا يعطي فكرة عن ضخامة البناء. وأخذنا أيضا عقد البلاط وكل أعمال الرّخام لمتحف اللّوفر في أبوظبي.

>هل لديكم الموارد البشريّة المدرّبة لتنفيذ هذه المشاريع
الأعمال اليوم هي تجميع وإدارة لعناصر التّنفيذ والإتقان في مواصفات البناء المسلّم، ولم يعد هناك شركات تنفّذ كلّ شيء بنفسها. نحن مقاولون فئة أولى ومعروفون بالتّسليم على الوقت وبأفضل نوعيّة.
ونحن جاءتنا فرص كثيرة للعمل بأساليب ملتوية تناقض قناعاتنا. رفضناها رغم ما فيها من وعود بأرباح كثيرة، لأنّ السّمعة الحسنة هي رأسمال يدوم وينمو، أمّا من يدخل تلك الطّرق فإنّه قد ينجح لبعض الوقت لكنّه لا بدّ أن يقع في يوم ما وتنقلب أحواله.

خلال المؤتمر الاغترابي الأول للموحدين الدروز، كميل سري الدين -وقوفا إلى اليمين- مع الأمير طلال أرسلان والزعيم وليد بك جنبل
خلال المؤتمر الاغترابي الأول للموحدين الدروز، كميل سري الدين -وقوفا إلى اليمين- مع الأمير طلال أرسلان والزعيم وليد بك جنبل

>ألم تضطرّ أحياناً لمجاراة أساليب قد تكون مخالفة للأصول لكنّها تصبح لفرط استخدامها بمثابة عُرفٍ معتمد في السّوق؟
في حالات قليلة تنازلنا بعض الشّيء، لكن في أمور غير أساسيّة، لكن إن سألتني اليوم فإنّني سأقول لك بثقة إنني لن أقبل بها. وبصورة عامّة يمكنني أن أقول أن 99% من عملنا كان جادّاً
ووفق الأصول كما أفهمها وأؤمن بها. وأنا على يقين أنّني حقّقت ما حقّقت ليس بالموهبة وحدها بل بتوفيق الله والسّمعة الحسنة والسّعي إلى الرّبح الحلال.

>هل الحظ عامل في النّجاح؟
السّرّ في الفرصة وفي التقاطها في الوقت المناسب. لو انني أردت أن أبدأ عملاً في أبوظبي الآن فإنّ ذلك يحتاج إلى ملايين، ولن يمكنك تحقيق النتائج نفسها لأنّ السوق أصبح فيه لاعبون كُثر ومنافسة. لكنّنا بدأنا مع السّوق في أوائل مراحل الازدهار وهذا عزّز موقعنا مع الوقت. عندما تعمل في سوق لأربعين سنة كما فعلنا تكون اسماً وسمعةً والاسم كلّ شيء أحياناً لأنّ النّاس تعرفك واختبرتك وباتت واثقة من عملك وسلعتك وإتقانك. مثلا فتحنا فرعاً في دُبَيّ ولم يكن لنا وجود هناك. لكنّ العمل انطلق بقوّة لأنّهم يعرفون الاسم من أبوظبي.

>ما هو مستقبل مؤسّسة سَريّ الدين، كيف تحضّر لتأمين الاستمراريّة بعد أنْ تقرّر يوماً التقاعد مثلاً ؟
لا بدّ من تحول الشّركة إلى شركة عائليّة بحيث يصبح أفراد العائلة الواسعة بمثابة مساهمين مالكين، لكنّ الإدارة يجب أن تُعيّن على أساس مِهني وليس بالضّرورة من أفراد العائلة إنْ لم يوجد الشّخص المؤهّل. بالنّسبة للاستمراريّة التي أثرتها ليس بين أبنائي اليوم من هو مهتمّ بالحقل الذي نعمل فيه، فهم تعلّموا وأخذوا المنحى الذي اختاروه. اِبني الأكبر ميسرة تخرّج في الهندسة المعماريّة على نيّة أن ينضمّ إلينا لكنّه بعد أن عمل معنا خمس سنوات عاد واتّجه اتّجاها علميّاً ونال شهادة الدكتوراه في علم النّفس من جامعة باسيفيكا في الولايات المتّحدة وهو يدرِّس في الـ LAU. ربما يفكرون بأخذ دورهم مجدّدا في الشركة في المستقبل، وهذا الأمر يعود إليهم.

>ما هي نشاطات الأعمال التي تقوم بها في لبنان؟
عدت إلى لبنان وفكّرت في العقار باعتباره مجال استثمار مُجْزٍ، وبالفعل اشترينا قطع أراضٍ وبنينا عدداً من البنايات ومازال عندنا قطعتان، ونحن نبني الآن بنايتين في الأونسكو وبناية في الأشرفيّة وأخرى في المزرعة كما نبني “مول” ومركزاً تجاريّاً في قبر اْشمون، وقمنا بتنفيذ مشروع سكني بالقرب من مستديرة الطَّيّونة باتّجاه منطقة الحرج.

تجربة العمل مع المغتربين

>أنت ترأس منذ سنوات طويلة لجنة شؤون الاغتراب في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدروز، ما الذي استفدته من عملك مع المغتربين من أبناء الطائفة؟
عندما بدأت العمل في تنظيم شؤون الاغتراب كنت متحمّساً جدّاً لأنني اعتقدت أنّ المغتربين يمثّلون ثقلاً عدَديّاً وإمكانات ماليّة ويمكنهم بالتّالي أن يساهموا في دعم إخوانهم في لبنان. كان لديّ مشاريع مثل إنشاء صندوق عالميّ يُمَوّل من المغتربين. وأذكر أنّني عرضت الأمر على الأستاذ وليد جنبلاط فقال لي: “أنت متحمّس، المغتربون لن يساهموا كما تأمل لأنّهم أصبحوا بعيدين كثيراً”. وبالفعل تبيّن لي في ما بعد أنّ الأستاذ وليد كان يعلم عن وضع المغتربين أكثر مني، فعلى مدى أكثر من ثماني سنوات من العمل مع المغتربين ظهر لي على الأرض صورة مغايرة للطّموحات التي كنت أحملها.

شركة سري الدين تنفذ كافة الأعمال الرخامية لمتحف اللوفر في أبوظبي
شركة سري الدين تنفذ كافة الأعمال الرخامية لمتحف اللوفر في أبوظبي

>هذا يعني أنك أصبحت أكثر واقعيّة؟
أنا الآن واقعيٌّ بالنّسبة لما يمكن توقّعه من المغتربات البعيدة أو “النّهائيّة” وهي المغتربات التي لا يوجد لمغتربيها الدّروز نيّة العودة إلى وطنهم وأنا أتكلّم بصورة خاصّة عن الأمريكيّتين وأستراليا. لكنّني أعتقد أنّ هناك فارقاً بين مغتربيّ المهاجر البعيدة وبين مغتربيّ المهاجر القريبة و”غير النّهائيّة” مثل الخليج وأفريقيا أوحتى أوروبّا. بالنّسبة للمهاجر البعيدة هي مغتربات لها إمكانيّة تذويب الشّخصيّة السّابقة، وقد ذاب كثيرون من الموحّدين الدّروز فعلاً فيها بسبب تفرّقهم جغرافيّاً وعدم وجود مرجعيّة للاهتمام بهم.
في أميركا اللّاتينية مثلا اكتشفنا أنّ القسم الأكبر تبنّى دين البلاد وهو الكاثوليكيّة بينما في الولايات المتّحدة يشرحون الدّين وفق البيئة الأميركيّة وبعضهم أراد أن يمارس التّبشير. والمشكلة هي بالطّبع في الأجيال التّالية من الأولاد الذين لا رابط لهم بالبيئة الأصليّة التي جاء أباؤهم منها، وهؤلاء غالباً انتهَوْا.. اندمجوا!
سأعطيك مثلاً يوضح ما قلته. سافرت ضمن عملي كرئيس للجنة الاغتراب إلى الأرجنتين حيث يوجد مركز ثقافيّ ومكتبة درزيّة أسّسها الأمير مصطفى أرسلان الذي كان مفوّضاً للحكومة العثمانيّة هناك. تبيّن لي أنّ هناك جمعيّة درزيّة “خجولة” إذ لا يتجاوز عدد أفرادها (في كل الأرجنتين) الـ 50 شخصاً. تعرّفت على عائلة القنطار وأصلهم من المتين وهي الآن عائلة كبيرة. شقيقة جدّتي من آل القنطار عندما علمت بوجودي في الأرجنتين قطعت 800 كلم من أجل أن تزورني وتتعرف عليّ مع ابنها الطّبيب. وجدت أن العائلة ثريّة وتملك مستشفى وأعمالاً أخرى. لكنّني اكتشفت أيضاً أنّ هناك ما بين 400 و500 شخص من آل القنطار أصبحوا مع مرور الوقت كاثوليك، بما فيهم شقيقة جدّتي نفسها وابنها الطّبيب. الطّريف أنّني عندما بدأت أخبرهما عن الوطن والدّروز وعن المتين وعن بزبدين وبقية القرى تأثّروا وأجهشوا بالبكاء. ومن شدّة تأثّره وحنينه إلى الوطن فاجأني الطّبيب الشّاب من آل القنطار باقتراح قال: لماذا لا ندمج المذهب الدّرزي مع الكاثوليكية؟! يظنّ أنّه بذلك لا يخسر أسرته في لبنان وفي الوقت ذاته يحافظ عمّا أصبح عقيدته الجديدة في وطنه الأرجنتينيّ. الموضوع طريف بالطّبع لكنّه يدلّ على البَوْن الشاسع الذي نشأ بين نسبة كبيرة من المغتربين وبين موطنهم وعقيدَتَهم الأصلية. لاحظت أنّهم أنشأوا روابط وجمعيّات هدفها اجتماعيّ بالدّرجة الأولى مثل أن يتعرّف الشّباب والشابّات على بعضهم ويشجّع الزّواج بين أبناء العائلات الدّرزية الأصل. لكنّ هذا في نظري ليس كلّ شيء. لذلك أعتقد أنّ على لجنة الاغتراب والمجلس المذهبيّ أن يهتمّا بمغتربي المهاجر القريبة لأنّهم قريبون منّا عاطفيّاً وجغرافيّاً ولأنّهم هم الأكثر مساهمة في قضايا الطّائفة
لاحظت أيضاً أنّ مشكلة الموحّدين الدّروز في المُغتربات البعيدة هي أنّهم متفرقون جغرافيّاً وليست لهم كثافة كبيرة، كما أنّه ليست لهم مرجعيّة ومن دون مرجعيّة من الصّعب الحفاظ على الجماعة وعقيدتها. بالعكس من ذلك الطوائف الأخرى الإسلامية والمسيحية كثيفة العدد ولها مرجعيّات، وهناك اهتمام بها وأموال تردها لبناء الجوامع أو الكنائس، لذلك نجدهم يحافظون على معتقدهم، وهناك على سبيل المثال نحو مليون مسلم في البرازيل وهم في ازدياد. وعندما يسافر المسلم إلى هناك يحصل على دليل يبيّن له أسماء الجمعيّات والمراكز الإسلاميّة التي يمكنه اللّجوء إليها في كلّ مدينة. في الأرجنتين عدد المسلمين يقارب الـ 800,000 أو 2% من السكان.

ذيبين

ذيبيـن

خــطّ تمــاسّ وحصـن دفـاعٍ أمامـيّ
عن إعمــار الموحِّديــن لجبــل العــرب

سعيد الأطرش غرز رمحه على نبع الماء في ظهر الجبل
فتأمنت مياهه إلى ذيبين عبر قناة بطول 35 كلم

السّكن في ذيبين وحواضر الجبل كان محفوفاً بالأخطار
قبل قدوم بني معروف الموحّدين إلى جبل حوران

في ذيبين مضافات عديدة ودور قديمة
قام بإشادتها بنّاؤون شويريون من لبنان

تَتَموضع قرية ذيبين في الرّكن الجنوبيّ الغربيّ من محافظة السّويداء، ولعلّ اسمها أصلاً “ذي بَين” ويعني في لغة اليمن: المكان الواسع الفسيح الممتد بين السهل والجبل، وممّا يدعم صحّة هذه الفرضيّة أنّ السكان القدامى للمنطقة التي تقع فيها ذيبين منذ أكثر من ألفي عام هم من القبائل العربيّة المتحدّرة من أصول يمنيّة كالأنباط والسّليحيين والضّجاعمة والغساسنة.
تبعد ذيبين عن مدينة السّوَيداء مركز المحافظة 30 كيلومتراً إلى جهة الجنوب قرب الحدود الأردنيّة، وترتفع 980 متراً فوق سطح البحر كما تغلب على أراضيها بشكل عام الطّبيعة السّهلية بالنّسبة إلى غالبية قرى الجبل، لكون تلك الأراضي امتداداً لسهل حَوْران الشّرقي المتّصل بجنوب غرب جبل العرب. وينحدر سهلها باتجاه الغرب والجنوب الغربي، حيث تقطعه عدّة أودية ومسيلات شتويّة تنحدر من غرب تلّ صلخد أهمّها وادي ذيبين، وقناة سعيد نسبة إلى مُحْييها سعيد بن اسماعيل الأطرش؛ بعد أن كانت تلك القناة مَنسيّة مُهملة بسبب الخراب المُزمن الذي كان يرين على قرى الجبل، وهي على آثار قناة قديمة كانت دارسة، وكان أهالي القرى المُعاد عمرانها والتي تمر تلك القناة من خراجها يعترضونها، فلا تصل إلى ذيبين التي لم يكن لها من مورد ماء سواها لتستمرّ فيها الحياة. ويروي الحاج مْسَلّم الغوثاني من أهالي ذيبين أنّ سعيداً استطلع حوض تلك القناة إلى أن وصل أعالي الجبل في نبع تلّ القينة، على مسافة نحو 35 كيلومتراً من ذيبين، وهناك كان يغرز رمحه إشهاراً لحقّ ذيبين في ماء الجبل، فلا يجرؤ بعدها أحدٌ على المسّ بتلك القناة التي كانت تصل إلى قريته فتملأ منها مناهلها وتستمرّ لأيّام من الصّيف. وبهذه القناة التي أحياها سعيد دُعِّمَت مسألة التوطّن في ذيبين.
وتحدّ أراضي ذيبين من الشّرق أراضي قرية أمّ الرّمان ومن الشّمال أراضي قرية بَكّا ومن الغرب أراضي قرى صْماد وسِمج وطِيسيا التّابعة لمحافظة درعا، أمّا من جهة الجنوب فقد كانت أراضيها تمتدّ باتّجاه البادية الأردنيّة باتّجاه خِرْبَتي صَبْحَة وصُبْحِيّة إلى أنْ فصلهما الحدّ السّياسيّ مع الأردن على أثر اتّفاقيّة سايكس بيكو عام 1916 التي وضعت حدّاً فاصلاً ضمّ قسماً من أراضيها إلى أراضي إمارة شرق الأردنّ التي أصبحت المملكة الأردنيّة الهاشميّة عام 1946.
وتبلغ المساحة العقارية لمُجْمل أراضي البلدة 99,000 دونم (9,900هكتار) ولكنّها أرض مهدّدة حاليّاً بالتّصحّر بسبب تتابع سنوات الجفاف منذ عقود عديدة. ولئن نظرنا إلى التاريخ المناخي لوجدنا أنّ المنطقة التي تقع فيها ذيبين كانت تمرّ في العصور الغابرة بفترة أكثر رطوبة من الفترة الحاليّة التي تعاني من الجفاف، ففي الأراضي الواسعة من حولها عدة خرائب كانت قرًى معمورة في عصور سالفة تعود لما قبل الفتح العربي الإسلامي، وهي: خربة الصَّوخر إلى الشّمال الشّرقي منها، وإلى الجنوب منها قَصِيل والجَمّة، وأم سْنينة التي تبعد عنها 2 كلم إلى الجنوب الغربي، وخربة خَراب السَّخَل إلى الجنوب الشّرقي من ذيبين بنحو بضعة كيلومترات.

“وثيقة عثمانية عن جبل العرب في القرن التاسع عشر: “الدروز يتميّزون بـأوصـــــاف التفــوّق على من جاورهم”

العمران القديم في ذيبين
في البلدة عمران قديم، وقد تهدّم بعضه، وبالقرب من ذيبين وُجِدت آثار تعود إلى العصور الحجريّة (12000ــ 4000 قبل الميلاد). يذكر الدّكتور علي أبو عسّاف في ص 16 من كتابه” الآثار في جبل حوران” أنّ الإنسان الذي عاش في تلك العصور ترك أدواته الحجريّة مثل الفؤوس والمكاشط والبلطات ورؤوس السهام، ومنها في قرية صْماد المجاورة لذيبين على مسافة 4 كلم، وقد عَرفت ذيبين العمران قبل عصور الأنباط والغساسنة الذين عمّروا البلاد إذ يذكر أبو عساف أنّه “اكتُشف فيها مدفن وكتابات يونانية وما زالت أجزاء من الدور القديمة بيِّنة في البيوت الحالية وفي المزار” وقد أشار توفيق الصّفدي في كتابه “جنوب الشام صدى الإنسان والسّنديان “ ص393، أنّ الباحثة الفرنسية سولانج أوري ذكرت في كتاب لها عن المدافن في حوران نشرته عام 1989 أنّها عثرت في ذيبين على شاهدة قبر نُقش عليها التالي”بسم الله ــ بيت حاتم جاثم بن بشير (أو نسير)… رحمه الله”، وتعود إلى الفترة الإسلامية، أمّا الجدران فهي مُهدّمة وقد استُبدلت بحجارة غير منحوتة.
وفي ذيبين مقبرة أثرية قديمة تقع في الجنوب الغربي منها، يتوسّطها قبرٌ يُزار، يُطلق عليه اسم “الشّيخ شمعون”، ويرجع تاريخه إلى عام 106 للميلاد، ومن التّاريخ نستنتج أنّ هذا الأثر يعود إلى آواخر العصر النّبطي، وهو العام الذي سقطت فيه البتراء عاصمة مملكة الأنباط على يد الرّومان. ولما كانت المنطقة تفتقر إلى الينابيع فقد عمد بناة ذيبين القدامى في تلك العصور الغابرة إلى حفر بُركة كبيرة بطول 60م وعرض 45م وعمق مُتَوَسِّطه نحو 3 أمتار. وتستوعب تلك البركة نحو 8000 متر مكعب وكانت تُملأ بمياه الأمطار التي كانت تُسْتَجَرُّ من أعالي الجبل عبر قناة أنشئت على أساسها القناة الحالية المعروفة بقناة سعيد التي فُرض على أهل القرى التي كانت القناة تعبر خراجها عدم التعرّض لمياهها، بالإضافة إلى عدد من الآبار النّبطية والرّومانية القديمة، هذا بالإضافة إلى عدد من الآبار (الخزّانات) التي استحدثها المُعَمّرون من بني معروف سكّانها الجُدُد.

ومن المعروف أنّ المنطقة تعرّضت للهجران والخراب بعد الفتح العربي الإسلامي، ولكنّها عُمّرت فترة في العهد المملوكي، ومن ثمّ خَربت بعد ذلك لتمرّ بحالات من سكن متقطّع في العهد العثماني. كان فقدان الأمن بسبب عوامل ضَعف سلطة الدّولة وغارات البدو والجراد -الذي كان يضرب البلاد كلّ بضعة أعوام مرّة- من أبرز أسباب تواتر حالات الخراب، وبهذا فقد كان السّكن في ذيبين وسائر حواضر الجبل مُضطرباً وغير مستقرّ قبل قدوم بني معروف الموحّدين إلى جبل حوران.
يذكر المُعمِر المثقّف الأُستاذ ذياب راوَنْد أنّه بعد النّصف الثاني من القرن التاسع عشر توافدت إلى ذيبين بعض العائلات الدّرزية كآل الحسنيّة، وآل راوَند وهؤلاء أصلاً من آل عبد الخالق من جبل لبنان نُسِبوا إلى أمّهم راوَنْد، كان قدومهم بسبب احتياج بني معروف الموحّدين الذين تمّ تهجيرهم من لبنان إلى موطن بديل، وفي تلك القرية وجدوا بعض الأسر المسيحيّة الغسّانية الأصول كآل اللّابد والعوابدة والدّحدل والبُطْرُس وأبو جمرة والعائلات السنّية كآل الكردي وآل الغوثاني. ولكنّ الحاج مْسَلّم الغوثاني أحد كبار تلك الأسرة السنّيّة يذكر أنّ الشيخ سعيد الأطرش عندما قدم من عرى إلى ذيبين استقدم معه جدّ آل الغوثاني إلى ذيبين وفيها حملوا كنيتهم (الغوثاني نسبة إلى القرية التي وفدوا منها)، وأن الأسر التي كانت في ذيبين كانت تعيش حياة قلقة بسبب تعدّيات البدو واللّصوص ونهب المواشي والمُمتلكات، وأن آل النابلسي السّنّة قدِموا إلى ذيبين متأخّرين عن قدوم سعيد إليها.

السيّد حكمت المحيثاوي رئيس بلدية ذيبين
السيّد حكمت المحيثاوي رئيس بلدية ذيبين

ذيبين في زمن الخراب
كانت قرى المقرن القبلي إلى الجنوب من القريّا عبارة عن قرًى مهجورة خالية من السّكّان في مطلع القرن التّاسع عشر بين عامي 1810 و1812، فالقريّا التي سبقت بتوطّن بني معروف فيها سائر قرى المقرن القبلي والتي زارها المستشرق جون لويس بيركهاردت في تلك الفترة كانت قرية شبه خالية من السكان قبل أن يحيي بنو معروف عمرانها ولم يكن فيها سوى “ما يقارب من خمسمئة بيت ولم يكن مسكوناً منها في هذا الوقت إلّا أربعة وإلى الجنوب والشرق من القريّا تقوم خرائب تُدعى العَيّن، بُرْد، نِمْري، بكَّة، حُوْط، سحاب، أمّ الرمّان، الرّافقة”.ورد ذلك في مقتطفات من كتاب رحلات في سوريا، للرَّحالة جون لويس بركهاردت، جبل حوران في القرن التاسع عشر تعريب سلامة عبيد، ص29، بدون تاريخ. ولم يَرِدْ ذكر لذيبين على أنّها معمورة بتاتاً لدى بركهاردت، وهذا يدلّنا على أنّ الخراب كان عامّاً في القرى الواقعة جنوب القريّا بما فيها ذيبين.
في كلّ الأحوال فإنّ القرى الجنوبيّة من المقرن القبلي قد أخذت تدبّ فيها الحياة تدريجيّاً بعد تمركز اسماعيل الأطرش وفريقه من بني معروف في القريّا نحو قُبيل أواسط القرن التّاسع عشر، وخاصّة بعد المصالحة الشّهيرة مع محمّد بن سُمير شيخ قبيلة وُلْد علي، وبروز قوّة الموحّدين في تلك المنطقة حيث أخذت العائلات المعروفيّة بالانتشار جنوباً ترافقها بعض الأسر المسيحيّة والسّنّية التي وجدت في فروسيّة الدروز حامياً لها من غزوات البدو واعتداءات اللّصوص الذين لم يكونوا يجدون رادعاً قبل قدوم بني معروف إلى الجبل.
ويذكر المعمر هايل غبرة من ذيبين بأن الدّولة العثمانية كانت تكتفي بأن تأخذ من شيخ أي قرية مبلغ ليرتين ذهبيّتين عن كل فدّان من الأرض تتم زراعته (الفدّان مساحة من الأرض تتراوح بين مائتين إلى ثلاثمائة دونم وقد تزيد حسب مساحة الأراضي في كل قرية)، وليرتين ونصف الليرة ذهباً عن رقبة الرجل البالغ، وتترك للشّيخ حريّة التَّصرّف بالتّمليك والتّرحيل والتّنزيل وإدارة شؤون الفلّاحين في قريته. ولكنّ بني معروف الموحّدين وبحكم معاناتهم التاريخية مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة كانوا مضطرّين للتّضامن مع بعضهم كعشيرة موحّدة تَسْتَبْسِل ضدّ أي خطر خارجي يستهدف وجودها، وإلى هذا تشير وثيقة عثمانية وردت في كتاب “بين المركز والأطراف، حَوْران في الوثائق العثمانية 1842ــ 1918”1 (ص 436) إلّا أنّ الموحّدين يتميّزون بـ “أوصاف التفوّق على من جاورهم.” ولا بُدَّ أنّ هذا التّمَيّز ساعد على توطيد التوطّن العام للموحّدين الذين تبعهم في التوطّن المسيحيّون والسنّة الذين وجدوا في بني معروف حامياً لهم في تلك القرى التي كان يرين عليها الخوف والخراب قروناً والتي لم يستقرّ فيها العمران قبل قدوم الموحّدين إليها.
كانت الحياة في ذيبين عصيبة على السكّان القلائل من النّصارى والسُّنّة الذين كان اللّصوص والغُزاة يستضعفونهم فيها قبل قدوم سعيد الأطرش وبنو معروف إليها نحو بداية الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وبحلولهم في تلك القرية وبما جمعه سعيد من حوله من فرسان من بني معروف الذين كانوا يُدعَوْن بـ “خيّالة سعيد”، ويروي الحاج مْسَلّم الغوثاني أنّ سعيداَ سلّحهم بـ “قَرَبينات”، وكان يوزّعهم مجموعات حراسة في الليالي بحيث تمكّن وإيّاهم من حماية العُمران في ذيبين، وأنّ النوري بن شعلان شيخ قبيلة الرّْوَّالة وهم فرع من قبيلة عَنَزَة الكبرى نزل ضيفاً على سعيد في ذيبين وفي ذلك شكل من أشكال طلب الصّداقة، وإقامة العلاقة الودّيّة.
كما يروي المُعْمِر هايل غَبْرَة أنّه عندما قدم سعيد إلى ذيبين كان بها دُور قليلة مسكونة، ومعظم دور القرية كانت خالية من السّكان. نزل سعيد بدار قديمة في قمّة التلّة الأثرية للقرية مُشرفة على ما حولها وقريبة من البُرْكة النَّبطيّة القديمة ولم تزل بقايا من تلك الدّور قائمة إلى يومنا هذا، كان هدف سعيد ضَبْط حركة الطّرق من ذيبين وإليها.
ويُجْمع المُعْمرون على أنّ سعيداً كان قد اخْتُصّ بالقدوم إلى ذيبين للتوطّن فيها من بين أبناء اسماعيل، مُرسي مجد آل الأطرش، بهدف حماية الحدود الجنوبية الغربية للجبل لِتَعزيز سكن بني معروف في تلك القرية النّائية المواجهة لبادية يسودها تراث الغزو المُتَحدّر عبر قرون متتالية من تراث آتٍ من الجاهليّة. كان مجيئه إلى ذيبين من ضمن الخطّة التي سبَق أنْ وضعها اسماعيل الأب الذي عمل على نشر وتوطين العائلات المعروفيّة في القسم الجنوبي من الجبل تحت زعامة أبنائه أو أبناء أعمامه كآل النّجم والعبدالله والحَمّود، وقد عمل شبلي الخليفة الثاني الأقوى حنكةً بعد والده اسماعيل على متابعة تنفيذها، وهو الذي وصفته الباحثة الألمانية بريجيت شبلر في كتابها “ انتفاضات جبل الدروز ــ حوران من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال 1850 ــ 1949” بـ “شبلي الأسطوري”.

تربية طيور الرّاماج

منذ سنوات أخذ عدد كبير من سكّان قرى الجبل بتربية هذا النّوع من الطّيور الملوّنة التي هي بحجم طائر السّنونو تقريباً، ولا تجد قرية في محافظة السّويداء تخلو من تربية الرّاماج، فالغرفة الواحدة تستوعب 20 زَوجاً من تلك الطّيور، وهي تحقق للمربين عائدا ماليا جيداً، ويفيد بعضهم أنّ الرّاماج يدخل في صناعة موادّ التّجميل والمواد الطّبِّيّة، وفي ذيبين 350 غرفة لتربية الرّاماج.

مضافة آل غبرة أنشأها بناؤون من ضهور الشوير في لبنان
مضافة آل غبرة أنشأها بناؤون من ضهور الشوير في لبنان

استراتيجية للردع وتنمية السكان
كان سعيد من أقوى أبناء اسماعيل الثّمانية شكيمة، وقد نظّم حماية ذيبين ورفع عنها خطر الغزو بعنف مضاد، فصار الغزاة يهابون الاقتراب من حِمى ذيبين، وخَشي اللّصوص من بطشه فأمِنَ الناس فيها وتوافد إليها المزيد من العائلات المعروفيّة ويذكر المُعمرون من آل الحسنية أنَّ أحد أجدادهم وهو محمود محمّد الحسنيّة الذي سكن في قرية بكّا شماليّ ذيبين بعد قدومه من قرية عين وزين الشوفيّة في جبل لبناناستقدمه سعيد إلى ذيبين وملَّكَهُ سبعة فدادين ونصف أي ما مساحته أكثر من ألفين وستمائة دونم من الأرض، وكان فندي الحسنيّة من فرسان سعيد ورجاله البارزين. ويذكر الشّاعر الشّعبي فوزات غبرة أنّ الشيخ سعيد استقدم أجداده آل غَبْرَة الذين كانوا يسكنون في بكّا وملّكهم ستّة فُدُن من الأرض مساحتها ألفان ومائة دونم شرط إحيائها، وكان يقول لِمَن يوزّع عليهم الأرض “افلحوا وازرعوا بنشاطكم”. كما استقدم سعيد رجالاً من أخواله آل الحنّاوي وملّكهم أربعة وعشرين فدّاناً من الأرض مساحتها نحو اثني عشَرَ ألف دونم. وكذلك فعل مع سائر العائلات التي استقدمها إلى ذيبين.
ويروي المعمرون أنّ أحد اللّصوص الذين كانوا يأتون جماعات وفُرادى من أماكن بعيدة كغَوْر الأردن ونابلس في فلسطين وسواها من براري البوادي المتاخمة للجبل، قَدِمَ ليلاً مع رفاق له إلى ذيبين بقصد سَرِقة الأبقار والمواشي التّابعة لساكنيها، فعَطِش وقصد البركة ليشرب، لكنّه ومن خشيته افتضاح أمره صار يمشي على يديه ورجليه تَشَبُّها بمشية الكلب، وكان سعيد ليلتَها مُرابطاً قرب البُركة فما كان منه إلّا أنْ تَناول اللّص بقبضته القويّة من رقبته وقال له:
لِمَ تمشي هكذا وأنت من بني آدم؟، فأجابه: “دْخَلَك”، أخاف من سعيد.
ــ أنا سعيد، وبما أنّك تخاف من سعيد سامَحْتك، لكنْ إنْ جيت الجبل بقصد السّرقة مرّة ثانية أنت أو غيرك ما قدّامكم إلّا الموت، ارجع لبلادك، وخبّر بِاْللّي جرى لك معي.
ومن اهتمام سعيد بفنّيَّة العمران فقد استقدم بنّائين “شوَيريّة” من ظهور الشّوير في جبل لبنان، قاموا بتركيب الواجهة الحَجَرِيَّة في داره التي لم تزل أجزاء منها على حالها وقد نُقلت حجارتها من قرية صْماد الأثريّة المجاورة شمال غرب ذيبين. وفي ذيبين وحتّى يومنا هذا يشاهد المرء بأمّ العين العديد من المضافات والدّور القديمة قام بإشادتها بنّاؤون شويريون من لبنان.
وبتوطّد الأمن في القرية قَدِم إليها المزيد من العائلات من بني معروف وغيرهم وقد كان سعيد يوزّع عليهم الأرض بحُكْم مركزه كَشيخ فيها. وقد جمع الرّجل بين الشجاعة الفائقة والعفو عند المقدرة والكَرَم.

“رغم أهمية الزراعة فإن أموال الاغتراب من لبنان ودول الخليـــج باتت تشكّل المورد الأهم لأهالي البلدة”

الواجهة الشرقية من دارة الشيخ سعيد الأطرش في بلدة ذيبين
الواجهة الشرقية من دارة الشيخ سعيد الأطرش في بلدة ذيبين

العائلات المعروفيّة في ذيبين
من العائلات المعروفية التي استقرّت في ذيبين بعد آل الحسنيّة ورَاوَند، وآل عقيّل آل غبرة وهؤلاء يتحدّرون أصلاً من آل أبو الحُسن في جبل لبنان، وآل حَسَن الذين قدموا من الشوف في جبل لبنان، وآل حاطوم وقرقوط ورعد ورحروح والمحيثاوي والصّغبيني وماضي وهؤلاء أصلاً من العبيدية في جبل لبنان، والحنّاوي وفرج وأبودقّة، وبْشير والعماد وفندي (أصلاً عبد الباقي)، وأبوحمدان، وأبورجاس والدّبيسي وأبو علي وأبو شاهين والحلبي وعبيد والكريدي وحرب وأبو غاوي ومَنْشا وقطيش وذبيان والرّيشاني وأبو شقرة وغرز الدّين ووهبي.
ولقدوم آل حاطوم إلى ذيبين قِصّة يرويها الشّيخ عادل حاطوم إذ إنّ أجداده غادروا كفر سلوان على أثر قتال مع قوات أرسلها إلى كفر سلوان نحو عام 1800 الأمير بشير الشهابي ويؤكّد صحّة هذه الرّواية ما كتبه ياسر فوّاز حاطوم في ص 23 من كتابه” آل حاطوم في تاريخ بني معروف”، إذ يذكر أنّ “عساكر الشهابي لاحقت آل حاطوم وشتّت شملهم، وعمّم (أي بشير الشهابي) على أهل البلاد أيّاً كان عدم إيواء بيت حاطوم”.
ومن العائلات السّنّية في ذيبين آل الغوثاني الذين قدموا أصلاً من شرق الأردن من بلدة “سما الرّوسان” منذ نحو مئتي عام، وسكنوا قرية حبران، ثمّ انتقلوا إلى قرية الرّحى، ومنها إلى خربة غوثا قرب عرى، ولما استقدمهم سعيد ليسكنوا إلى جانبه في ذيبين أُطلق عليهم اسم الغوثاني نسبة لآخر موقع سكنوه “غوثا”. وفي ذيبين بعض العائلات من البدو وهم أصلاً من عشائر الجبل ويسكنون في حارة خاصّة بهم تقع في جنوب القرية وهم يقومون بأعمال رعي الأغنام والماعز بالمشاركة مع أهالي البلدة ولا يزيد عددهم عن مئتي نسمة.

ذيبين في تاريخ بني معروف
لقد شارك فرسان ذيبين ورجالها في مقاومة الظّلم العثمانيّ، والاحتلال الفَرنسيّ الذي ابتُلِيَت به سوريا بعد طرد العثمانيين من بلاد الشّام وقدّموا قافلة من الشّهداء في معارك الثّورة السّوريّة الكُبرى عددهم ثمانية عَشَر شهيداً حَسْب صالح عْمار أبو الحُسن، وهو المعروف بالشاعر الشعبي للثّورة السورية الكبرى، يذكرهم في ص 19 من ديوانه وفيهم يقول:
ذيبين فيها رجال وعْليها اعتمـــــــــــاد ربّوا الهوايــــــــــــــــل بـــــــــــــالمعارك والجهاد
مــــــــــــــــــــا يهـــــابـــــــــــــــــــوا الموت بيوم الوغــــــــــــــى نار العِدى بالكون يدعوها رَمــــاد
وقد هدم الفرنسيّون دوراً في ذيبين لآل حاطوم وآل قرقوط.

ذيبين اليوم
ذيبين اليوم هي مركز ناحية تتبع لها قريتا أمّ الرّمّان وبَكّا
ويبلغ عدد سكّانها نحو 5022 نسمة.
ويعتمد السكّان في ذيبين على وظائف الدّولة وعلى الزّراعة بشكل محدود ولكنّ أموال الاغتراب من لبنان ودول الخليج وفنزويلّا وغيرها في حقيقة الأمر تشكّل المورد الأهم لأهالي البلدة.
وفي ذيبين شبكة صرف صحّي، وثلاثة آبار إرتوازية لتأمين مياه الشّرب، وهناك مركز صحي تابع لوزارة الصحة وجمعية تعاونية زراعية، وقد أمنت الدولة أباراً حُفرت على نفقتها بهدف تشجيع الزّراعة وتثبيت المواطن في أرضه، وسمحت بِرَيّ ما مساحته 3 دونمات كحدٍّ أعلى للمُزارع، تُزرع باللّوزيات والزّيتون والتّوت الشامي والدرّاق. وتوجد في ذيبين وحدة للإرشاد الزراعي ويتأثر إنتاج البلدة سلبا بعاملين هما انقطاع التيار الكهربائي والصقيع.

بطلات موحدات

1. خسرف باشا:والي بلاد الشام
2. الطواب:جمع طوب وهو المدفع الثقيل المستخدم للتدمير
3. الكبشة: وعاء من نحاس له يد نحاسية طولها نحو (50) سم يستخدمها المضيف لسكب السمن على الزّاد.
4. قفَّرت: أي سكبت السمن فوق الزاد.
5. بتاريخ 31/10/1926.

يا اْمّ اْلْوَحِيْد اِبكي عليه

بطلات معروفيّات

في التّاريخ الكفاحي لجبل العرب

الكولونيل الفرنسيّ أندريا دُهِش لشجاعة بستان شلغين
فاعتمر قُبّعته ثمّ تأهّب وأدّى لها التّحيّة العسكريّة

اختلط جهاد الرّجال والأبطال في جبل العرب عبر الأجيال بجهاد النّساء اللّواتي رفضن في أيّ وقت أن يعتبرن موضوع الدّفاع عن الأرض والعِرض محصورًا بالأزواج والأبناء والأقارب من الشّباب، بل نهضنَ إلى جانب إخوانهنّ وأقاربهنّ ليقمن بدور مؤثّر في قلب الميدان أو خلفه من أجل نصرة المقاتلين وشدّ عزائمهم.
من هؤلاء النّسوة اللّواتي سجّلن مآثر في التّضحية والصّبر على خسارة الأقربين أو اللواتي قُمْنَ بدور مباشر في المعارك؛ حفظ لنا التاريخ أسماء بطلات كثيرات نتوقف هنا عند سيرة بعضهنّ في هذا المقال.

المجاهدة “مُرَّةْ” قَصّوعَة
بدايةً لابدّ لنا من معرفةِ الأسبابِ الحقيقيّة للحملة، ليعرفَ الجميع بأنّهُ منذ أن سكنَ أجدادُنا هذا الجبل كانوا مسالمينَ غيرَ معتدين وهم يردّونَ للمعتدي الصاعَ صاعين، إنّهم مقاومون مدافعون وليسوا مهاجمين إرهابيين كالصّهاينةِ الّذين جاءوا من أنحاءِ العالمِ ليحتلّوا أرضَ فلسطينَ ويشرّدوا شعبَها، فعندما استولى إبراهيم باشا المصري على سوريّة من العثمانيين، أصدر أوامِرَهُ بالتجنيد الإجباري في كافّةِ انحاء سوريّة، وبما أنّ جبل حوران كان قد أصبح ملاذاً للفارّينَ من جيشهِ، ولهذا فقد قرَّرَ إخضاع الجَبَلِ، فأوعزَ إلى والي الشام( شريف باشا ) أن يطلُبَ من أهالي جبل حوران (مُجنّدينَ لجيشه) فاستدعى آنذاك شيخ الجبل الطاعن بالسِّنّ (الشيخ يحيى الحمدان) لدمشق؛ وطلبَ منهُ تأديةَ الضرائب وتقديم المجنّدين، ولم يُقدِّر الوالي وضع الجبل وقلّة عدد سكانه وحاجتهم الماسّة لتأمين المدافعين عنهُم من الشبّان، بسبب غياب سلطة الدّولة على تخوم البادية التي تسودها فوضى الغزو البدويّ..
عندما ألحَّ الشيخ الحمدان على شريف باشا، الوالي المتصلّب برأيه في طلب الإعفاء من تقديم المجنّدين؛ صفعه الوالي على وجهه، فقَرَّرَ الحمدان أن يردَّ الإهانة مضاعفة، قال للوالي: “ابعث قوّة عسكريّة من عندَك وخذ عسكر مجنّدين قَدّْ ما بَدَّك..؟!”.
بعد ذلك بأيّام جَهَّزَ والي دمشق قُوَّةْ عسكريّة مؤلفة من أكثر من 400 عسكري بقيادة علي آغا البصيلي الذي تقدّم بعسكره باتّجاه الجبل ومن ثمّ تمركز في قرية الثّعلة، وتظاهر البصيلي برغبته في التفاوض مع مشايخ بني معروف من جانب وبالتهويل من جانب آخر، غير أنهم أدركوا أنه سيغدر بهم، فبادروه بالضّربة الأولى إذ هاجموه عند حلول الظّلام، وقَتَلوا مُعْظَمَ عساكره، وهَرَبَ الباقون وعددهم ثلاثون عسكريّاً، ولكنّ البصيلي الذي هرب من النّافذة نجا بجلده، ليُبلغ الوالي شريف باشا في دمشق بما حدث لعسكره، وقد أكَّدَ تلك الواقعة قسطنطين بازيلّي الذي كان قنصلًا لدولة روسيا في يافا حينذاك؛ في كتابه “سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني”، ص157.
وكانَ متسلّم حوران عبد القادر آغا أبي حبيب من بين القتلى، فيما استُشْهِدَ من فرسان جبل حوران أحد زعمائه الأبطال وهو إبراهيم الأطرش بن إسماعيل الأول، أثناء مطاردته ما تبقّى من العساكر الهاربين باتّجاه قرية اُزرع.
على أثر ذلك أرسلَ والي دمشقَ شريف باشا حملة ثانية في أوائل عام 1838 مُجَهَّزَةْ بالمدافع عدد أفرادها 8000 جندي وضابط بقيادة محمّد باشا، مُفَتِّشْ الجيش العام يعاوِنُهُ علي آغا البصيلي الهارب من موقعة الثّعلة، وكان عدد المقاتلين من أهالي الجبل لا يتجاوز الـ 1600 مقاتل.
ولكي يتمكّنَ أهالي الجبل من الصمود نقلوا نساءَهُم وأطفالَهُم إلى كهوفِ اللّجاه بعيداً عن أرض المعركة. وعندما بدأ القتال، أبدى فُرسانُ بني معروف من البأسِ والشّجاعة ما أذهل قائدَ الحملة، لاسيما أَنهم أسروا للمهاجمين 50 جنديّاً وقُتل مع القتلى علي آغا البصيلي، لذلك أمر قائد الحملة أحدَ أركانهِ أن يأسُرَ ما يجده في القرى المجاورة من النّساء والأطفال ليُقايض بهم أسراهُ، وعندما عاد إليه القائد المكلّف بأسر النساء والأطفالِ قال له: “لم أجد أحداً في القرى لأنَّها خالية تماماً من السّكان” فأدركَ قائدُ الحملة بحسِّهِ العسكري أنّ أهالي الجبل الذينَ يقاتلونهُ بهذه الشّجاعة والرّوح المعنويّة العالية، قد أمّنوا على نسائِهم وأطفالِهم في الكهوف بعيداً عن ساحات المعارك، لذلكَ أمرَ معاونه أن يُتابع مُهمتَهُ من جديد ويأسُرَ النساء والأطفال من الكهوف التي يختبئون بها.
بدأ القائدُ المكلّفُ بالبحث في غياهب اللّجاه عن الكهوف التي تختبئُ بها نساءُ المجاهدينَ وأطفالُهم؛ وقد وضع بقرب تلك الكهوف بعض المقاتلين ليؤمّنوا لها الحماية اللازمة لدى أيّ طارئ، فجعلوا متاريسهم مخفيّة حول كل كهفِ في أماكن مشرفة تبعد عن مدخله نحو 500م ليتمكنوا من كشف قدوم أيّة قوة معادية قد تقترب من المكان، ومشاغلتها عند اللزوم واستجرارها بعيداً عن مدخله.
فوجئ حُراس أحد الكهوف بقوةٍ من جنودِ إبراهيم باشا تفتشُ المنطقة، وفي تلك اللّحظات الحرجة كانت السيّدة مُرَّهْ قَصّوعَه واحدة من بين لاجئي ذلك الكهف تحتضن طفلها الوحيد الذي كان عمرُه لا يتجاوز الثّلاث سنوات. كان الصغير مريضاً وجائعاً، ولسوء حظّه أخذ الطفل يبكي والأمُّ تحاولُ دون جدوى إرضاءهُ ليكفّ عن البُكاء، عندها تقدّم منها أحد القائمين على الحماية عند مدخل الكهف وقال لها “ لاتفضحوا مخبأنا، سَكّتي ابنك يا بنت الأكارم … لأنّ عساكر إبراهيم باشا عمَ بيدوّروا علينا..” فقالت لهُ مُرَّهْ “ارجع إلى َ متراسك واتّكلْ على الله” لكنّ الصّغير استمرّ في بكائه، فعاد المجاهد من جديد إلى والدة الطّفل ورجاها: “سَكّتي ابنك يا حُرمة… صوتو بدّو يدلّ العسكر علينا، وساعتها بتعرفي شو بدّو يصير فيكي وبالحريم اَللي حولك “ فأجابته بيأس وأسى: “ ارجع لمتراسك، لابد ما لاقي طريقة سكّت فيها ها الطفل”.
كان السكون القهري الرّاعب يخيم على من الكهف من النّسوة والصّغار، وكان الخوف من افتضاح أمر المخبأ يبعث الهلع في نفوس الجميع، حتّى أولئك الرّجال الذين في عراء اللجاة وبين صخورها المسننة كأسنان أسماك القرش يقاتلون بأسلحتهم البدائية جيش ابراهيم باشا المدجّج بأحدث أسلحة عصره… لكنّ الأم المسكينة لم تفلح في إسكات الصّغير، فوضعت اللّحاف فوقه وشدّت عليه قليلاً ليكتم من صوته، غير أنّ الطفل مات خنقاً.
كان عسكر ابراهيم باشا قد وصلوا إلى مسافة نحو 1000م عن مدخل الكهف الذي يمتدّ سرداباً تحت الأرض التي يصولون متغطرسين فوقها، استراحوا قليلاً، كانت الدقائق تتطاول كدهور مديدة بالنسبة لرجال الحراسة، أمّا عسكر ابراهيم باشا الأرناؤوطي فقد تابعوا طريقهم مبتعدين دون أن يهتدوا إلى مكان الكهف لأن مدخله ومتاريس حُماتِه كانت خفيّة بشكل جيد.
بعد زوال الخطر، أخذت الأمّ تبكي ابنها بحرقة، وفوجئ الجميع بأن والدة الطفل الباكي أسكتته إلى الأبد؛ فبكى الجميع لبُكائها، وقالت لها إحداهن: “كيف بتضّحي بابنك الوحيد يا مُرَّهْ؟” تماسكت الأم وهدّأت من روع نفسها، وقالت: “ابني مش أغلى من الشّباب اللّي استشهدوا..يموت ابني ألف موتي ولا ينكشف ستر وحدي منكن..؟!”.
كانت تضحية تلك الأم تضحية جسيمة قلّما عرف التاريخ لها نظيراً وقد وردت حكايتها في كتاب “طفولتي” للكاتب سلامة بن المجاهد علي عبيد كقصّة قصيرة بعنوان :(سَكّتي ابنك يا حرمي) ولم تُشِرْ تلك القصة إلى اسم المعركة أو اسم الوالدة، لكنّني تمكّنت من توثيق تفاصيلها مستعيناً بعدد من مُعَمّري قرى اللجاة، فتبين لي بأنّ والدة الطفل هي بالفعل “مُرَّه قصّوعة” من قرية “وَقْمْ” أمّا والده فهو المجاهد حمّود نَوْفل من قرية “عَمْرَة” شمالي شهبا القريبة من اللجاة

مدينة-شهبا-في-القرن-التاسع-عشر
مدينة-شهبا-في-القرن-التاسع-عشر

“تحت صبيب الرّصاص سقت سعدى ملاعب المقاتليــن ماءً، وألهبت حماسهم للاستبســـــال في المعركة ودحر المعتدين”

المرأة في معركة عُرْمان عام 1896
السّيّدتان المجاهدتان سعدى ملاعب
ودلّة حمزة

أصبحت بلدة “عرمان” في الفترة المتأخّرة من العهد العثماني ملجأ للهاربين من الجنديّة التي كانت تأخذ شبانها للقتال في جبهات الحروب العثمانيّة في البلقان الأوربّيّة، ولهذا فقد لجأ إليها العديد من الرّجال الذين هربوا من التّجنيد ومن ظلم الولاة العثمانيين. وخشية أن يوحي مثال عرمان بالتمرّد على الدّولة من قبل بلدات أُخرى في الجبل قرّرت السّلطات العثمانية احتلال تلك القرية وتحويلها إلى عِبرة لأهل القرى من حولها. وبتأثير المتطلّبات العثمانية تلك أرسل والي الشام خسرف باشا إلى عبده أفندي الجبولي حاكم السويداء في حينه بأن يهيِّئ الأسباب لحملة عثمانية لإخضاعها. وبذلك بدأ عبده أفندي الخطّة بأن أوعز إلى بدو من عشيرة “الصّْفيَّان” باستباحة مزروعات عرمان بأغنامهم، فاضطرّ نواطير عرمان لتنحيتهم عن مزروعاتهم، ووقعت بين الرّعاة ونواطير القرية عدة اشتباكات قُتل خلالها اثنان من الرّعاة، فشكا البدو أهل عرمان إلى حاكم السّويداء عبده أفندي.
هنا أرسل عبده أفندي بطلب وجهاء من عرمان، ومن بينهم ابراهيم الجرمقاني وهلال العطواني وصالح الحلبي ومحمود صيموعة لمقابلته في مكتبه بسرايا السويداء.
حضر وفد الوجهاء إلى السويداء قبل المقابلة بيوم لأنه لايمكنهم في ظروف مواصلات ذلك العصر السّفر من عرمان إلى السويداء ومقابلة المسؤول العثماني في النهار نفسه، ولما كانوا يتشكّكون بنوايا السّلطة تجاههم فقد كان عليهم أن يستشيروا أهل خاصّتهم في السّويداء، ومنهم محمود جربوع مختار المدينة الذي نصحهم بعدم مقابلة عبده أفندي لأنّه سيعتَقلُهم كرهائن لينفّذ أغراضه في عرمان، لذلك عادوا من فورهم إلى قريتهم واجتمعوا مع وجهاء من قرى ملح وامتان، وتعاهدوا جميعاً على مواجهة أيّة حملة قد يجرّدها عبده أفندي ضدّهم.
كان وجهاء عرمان قد تجنّبوا مقابلة الحاكم ، عبده أفندي، الذي رأى في ذلك فرصته للانتقام من أهالي عرمان. لذا فقد ذهب بنفسه إليها على رأس قوّة عسكرية مؤلّفة من خمسين جنديّاً يساعده في قيادتها مشرف آغا بحُجَّةْ البحث عن هاربين من الجنديّة العثمانيّة، ومن بين أولئك شابّان من نبلاء بني معروف هما فارس وقبلان الحمّود الأطرش، وكان يتعمّد القبض على النواطير الذين قتلوا الرّاعيين البدويّين اللّذين اعتديا على مزروعات أهالي عرمان بتحريض منه شخصيّاً.
دخلت القوّة العثمانيّة التي يقودها الجبولي إلى عرمان بدون قتال، كان الأهالي يريدون تسوية وسلامًا مع الدولة، إذ كانوا يأملون أن تنصفهم فتحميهم من تعدّي البدو على مزروعاتهم. نزلوا جميعاً في مضافة الوجيه محمود أبوخير؛ الذي أولم لهم حسب عادات أهل الجبل، ولكن عبده أفندي أرسل مساعدهُ (مُشرف آغا) مع جنديين لإلقاء القبض على النّاطور عبد الله ياغي؛ فأحضراه وهما يشدّانه من ثيابه، ولدى مرورهم أمام مضافة المضيف محمود أبو خير، قال لمشرف آغا: “تفضَّل يا آغا لتناول الغداء ولاحِقْ تاخد زُلُم”. فأجابه مشرف بلهجة تركية هجينة: “أنا بياخد زُلُمْ.. وبياخد راسك كمان”.
غضب محمود أبو خير من وقاحة مشرف، فاستلّ سيفه وهجمَ عليه ليقتله؛ وفي تلك اللحظات تمكّن عبد الله ياغي من الإفلات والهرب من الجنديين فأطلق الرّصاص.
عليه أحدهما، لكنّه أخطأه.
عندما سمع الجنود داخل المضافة صوت إطلاق الرّصاص، خرجوا لاستطلاع الأمر فشاهدوا محمود أبو خير هاجمًا على مشرف آغا لقتله، عندها أطلق أحد الجنود النار على محمود أبو خير فقتله، وفي تلك اللّحظات هجم علي الدّبيسي على مشرف آغا وضربه بالسيف، فأرداه قتيلًا، واشتبك الأهالي مع الجنود.
وهكذا غَيّب الدّم الوليمة!، فانهزمَ عبده أفندي مع من بقيَ حيّاً من جنوده واحتموا داخل مضافة الوجيه ابراهيم الجرمقاني القريبة وأوصدوا بابها من الداخل، وبدأوا بإطلاق الرّصاص من نوافذها باتّجاه الأهالي فقتلوا رجلاً وأردوا أيضًا امرأة كانت مارَّة بالصّدفة.
أثناء انتقال الجنود من مضافة أبو خير لمضافة الجرمقاني، تمكَّن أحد الجنود من الوصول لفرسه، فامتطاها وهرب ليخبر السّلطة في السويداء بما حلَّ بجنودها.
استمر حصار الجنود في مضافة الجرمقاني من قبل أهالي عرمان، بقية نهار ذلك اليوم حتى مغيب الشّمس.
بعدَها صَعَدَ شبّان من البلدة إلى سطحِ المضافةِ، وفتحوا فيهِ ثغرةً تمكنوا خلالها من القفز إلى داخل المضافة والقضاء عليهم مع قائدِهِم عبده أفندي، ولا زالتْ آثارُ تلكَ المعركةِ ماثلة على بابِ مضافةِ إبراهيم الجرمقاني شاهدًا حيًّا على تلكَ الحادثةِ حتى يومنا هذا.
وعلى أثرما جرى في عرمان جَهَّزَ ممدوح باشا القائد العسكري لحاميةِ حورانَ حملةً عسكريّة مؤلفةً من أربعِ كتائبَ من المشاة معززةً بمدفعين جبليين بقيادة غالب بيك و رضا بيك وكتيبة خيّالة بقيادة محمّد بك الجيرودي وأمرهم باحتلال عرمان ليلًا وحرقِها. ولكنَ دليلَ الجيشِ المقدّم سليم الجاري من أهالي السويداء المتطوّعَ معالعثمانيينَ، تمكّنَ من تضليل الجيشَ بينَ كرومِ عرمانَ طوالَ الليلِ حتى بزوغِ الفجرِ، كانتْ حينها عرمانُ تبعُد عنهم مسيرَ ساعة، ولما شاهدهم بعضُ فلّاحيها الذاهبينَ باكراً الى حرث حقولِهم رجعوا وأخبروا الأهالَي بما شاهدوه، فهبّ مقاتلو عرمان لمواجهةِ الحملةِ الزّاحفة إليهم. كان عدد المقاتلينَ في عرمانَ حينها لا يتجاوز المئة مقاتل، لكنّهم قرروا مهاجمة الجيشَ من جهةِ الغربِ ليبعدوهُ عن بيوتِ القريةِ قدرَ الإمكانِ وأرسلوا المفازيعَ (أي الرّسل) لاستنفار أهالي القُرى المجاورةِ للمشاركةِ في المعركةِ وكان لمبادرةِ المجاهدِ المسيحي طحيمر الصّيقيلي شأن في استنفار أهل صلخد ليسارعوا بنجدة عرمان، وقد تمكّنَ أهلُ عرمانَ منَ الصمودِ في مواجهةِ الجيشِ، إذ كانَ عليهم أن يثبتوا بضع ساعات ريثما تصلُ النَجدات من القرى المجاورةِ، وقد دفعوا ثمنَ صمودِهم استشهاد العديد من أبطالِهم، وفي تلك المعركة شاركت نساء عرمانَ رجالهنّ في القتال، إذ هبّت كلٌّ منهنّ وأخذَن يحِثُّثن المقاتلين على الصمودِ، وكان من أبرزهنّ السّيّدة المجاهدةُ سعدى ملاعب التي كانتْ تنتقلُ من متراسٍ إلى متراسٍ غيرَ مكترثةٍ بالرّصاصِ الموجّهِ نحوَها لتؤمِنَ الماءَ للمقاتلينَ في متاريسهم، ثم أخذتْ تحثّهُم على الصّمودِ قائلةً لهم:” يا نشامى . الشّجاعة صبر ساعة، اصمدوا لحتى تصل بيارق امتان مَلَــح فالنّصر قريب بإذن الله … قولوا يا غيرة العرض والدّين، واتكلوا على الله” واقتدتْ بسعدى ملاعب المجاهدة دَلّة حمزة واخذتْ تبثّ الحماس في المقاتلينَ قائلةً لهم “اليومَ ولا كلّ يوم يا نشامى … قولوا يا ناصر السّتِّي على السّتّين، انتوا المنتصرين بإذن الله لأنكم على حقّ”، وقد أخذتْ تزغردُ لهم ولصمودِهم حتى وصول بيارق ملح وامتان.
ولدى وصول بيرق صلخدْ التي استبسلَ فرسانها استبسالًا أسطوريًّا حيث قدّموا في تلك المعركةِ 72 شهيدًا، وعلى أثر ذلك تواصلتْ النّجداتُ من بقية قرى المقرنِ القبلي فارتفعت معنوياتُ المدافعينَ، وتراجعَ الجيشُ قليلاً ممّا زاد في معنوياتِ المجاهدين فهاجموهُ من ثلاثِ جهاتٍ وتركوا لهُ الجهةَ الغربيةَ ليهربَ منها، واشتبكوا معهُ أخيراً بالسلاحِ الأبيضِ إلى أن هزموه وبذلك انتصَر أصحابُ الحقِّ رُغمَ قِلةَ عددِهِم وتواضِعِ سِلاحِهِمْ.
لكنَ ممدوح باشا زجّ بكتيبة الخيّالة التي كانت في مؤخرةِ الحملةِ بقيادةِ محمّد بك الجيرودي، وعندما وصلَ الأخير الى تلول الأشاعر قرب عيون فوجئ بجيشِ الدّولة مدحوراً والمجاهدونَ يطاردونَهم، عندها أدار الجيرودي رأسَ فرسِهِ الصّفراءِ غرباً وهربَ مع الهاربينَ من كتيبتهِ، وتابع المجاهدونَ مطاردتَهم له ولمن معه وهُم يردّدونَ:
صَــــــــــــــفْـــــــــــــــــــــــرة جيـــــــــــــــــــــــرودي غـــــــــــــــــــــــرّبـــــــــــــــــــــــت قـُـــــوطـــــــــــــــــــــــر يحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــثّ ركـــــــــــــــــــــــابـــــــــــــــــــــــها
يـــــــــــــــــــــــا خُسْـــــــــــــــــــــــرُف1 خِبّـــــــــــــــــــــر دولتـــــــــــــــــــــــك حِنّـــــــــــــــــــــــا ولينـــــــــــــــــــــــــا طوابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهــــــا2
وقد غنم المجاهدون من تلك الحملة سلاحًا كثيرًا، كما غنموا المدفعين الجبليين، أكَّدَ ذلك المؤرّخ محمّد كرد علي في كتابه “خطط الشام” ـ الجزء الثالث الصّفحة 109، وقد استُشهِدَ من المجاهدين في تلك المعركة نحو مئتي شهيد، بينما قتل من العثمانيين نحو ألفي قتيل، وجرح أكثر من ألفين حسبما كتبت جريدة (المقتبس) آنذاك.
وأخيراً عاد المجاهدون يردّدون حُداء النصر، ويشيدون بدور النّساء المجاهدات فيقولون:
لعيونـــــــــــــــــــــــك سعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدى ملاعــــــــــــــــــــــــــــــــــب نِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفنـــــــــــــــــــــــي كـــــــــــــــــــــــلّ الكتـــــــــــــــــــــــايـــــــــــــــــــــــــــــب
مـــــــــــــــــــــــا بيرجـــــــــــــــــــــــع لـَ غمدو الســــــــــــــــــــــــــــــيف غيـــــــــــــــــــــــر يْـــــــــــسَـــــــــــــــــــــــوِّي العجـــــــــــــــــايـــــــــــــــــــــــــــــب

صورة-قديمة-لمدينة-السويداء
صورة-قديمة-لمدينة-السويداء

السّيّدة أم عجاج الجرمقاني
بمناسبة الحديث عن معركة عرمانَ لا يمكن أن ننسى مأثرة السّيّدة أمّْ عجاج الجرمقاني التي لا تقلّ روعة عن مأثرتي السّيّدتين سعدى ملاعب ودلّه حمزة.
كان ابنها عجاج شابًّا وسيمًا، بَهيّ الطّلعة، وكان وحيدها لأربع بنات، وليس لَهُنَّ من مُعيل سواه، حيث استُشهد زوجها في معركةٍ سابقة مدافعاً عن أرضه.
كان عجاج على خُلُقٍ كريم وهِمّةٍ عالية، متميزًا بالشّجاعة والفروسيّة، محبوبًا من الجميع، وله خمسة أصدقاء من شباب عرمان يماثلونه في مزاياه.
وعندما انطلق أبناء عرمان للدّفاع عن حِماهم ضدّ حملة ممدوح باشا التي سبق وتحدثنا عنها، فاشتبكوا مع جنودها وقاتلوهم بكلّ شجاعة، كان الشّاب عجاج من الأبطال الذين اشتبكوا مع قوّات مقدَّمة الحملة بالسّلاح الأبيض، فقَتَل أحد الجنود بالسيف وغنم بندقيته، وتابع القتال حتى استُشهد.
اضطُرّ رفاق عجاج الخمسة الذين كانوا إلى جانبه في تلك المعركة، إلى دفنه في المكان الذي تضمَّخَ بدمه الطّاهر، واحتفظوا بسيفه وفرسه والبندقيّة التي غنهما ، إلى أن انتهت المعركة.
عاد رفاق عجاج الخمسة بفرسه وسيفه وبندقيّتة إلى عرمان، ولما التقوا بالنّسوة المنتظرات عودة الأبناء والرّجال غربيّ البلدة، وبينهنّ كانت أمّ عجاج تسأل العائدين عن وحيدها، قائلةً لهم: “ الحمد للّه على سلامتكم يا نشامى.. مبروك عليكم نصركم .. مين منكم شاف لي عجاج الوحيّد؟ خواتو (شقيقاته) الأربعة عبيستنّوه، ليفرحوا بعرسو! يامين عَيّن لي عجاج بأيّا أرض؟”وما أن سمعها أحد رفاقه الخمسة حتى أجهش بالبكاء، وقال لرفاقه:” شو بدنا نقول لأمّ عجاج .. وشو بدنا نقول لـَ خواتو الأربعة ..؟!!” أجابه أحدهم واسمه فندي المتني: “رُدُّوا بعدي يا نشامى”:
يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا امّ الوحيد اِبكــــــــــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــــــــــــه ألمـــــوت مـــــــــــــــــــــــــــــــــا يـــــــــــــــــــــــــــــــــرحم حـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
لابُـــــــــــــــــــــــــــــــــد مـــــــــــــــــــــــــــــــــا تنــــــــــــــــــــــعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي عليــــــــــــــــــــــــــــه اِن كان اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم ولّا غـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
بـــــــــــــــــــــــــــــــــالرّوحِ مـــــــــــــــــــــــــــــــــا بخِلنـــــــــــــــــــــــــــــــــا عليــــــــــــــــــــــــــــه نِفديــــــــــــــــــــــــــــــهْ لَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوْ صـــــــــــــحّ الفـِـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــِدا
والثّـــــــــــــــــــــــــــــــــار مـــــــــــــــــــــــــــــــــا نِمـــــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــــــــــــا عليــــــــــــــــــــــــــــه خَذينــــــــــــــــــــــــــا ثــــــــــــارو مـــــــــــــن العِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
وعــــــــــــــــــــــــــــــــدوّنــــــــــــــــــــــــــــــــا راحــــــــــــــــــــــــــــــــــت عليــــــــــــــــــــــــــــه حَدينـــــــــــــا مـــــــــــــن خَلفــــــــــــــــــــــــــــــه حـَــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا
وما إن سمعت أم عجاج حِداء رفاقه حتى أيقنت أنّ وحيدها قد استُشهد بطلاً في ساحة الجهاد، وعندما دَنَوْا منها، وشاهدت فرس عجاج وسيفه والبندقية التي غنمها، قالت لرفاقه:
“ألف اللّحمد لله على سلامتكم يا حبايبي، انتو عواضي عن عجاج، أني كان عندي ولد وحيّد صار عندي اليوم خمسة.. صرتو كّلكم أولادي الله يفرّحني فيكم، وشوفكم عرسان قبل ما موت”
وأخذت تزغرد لهم، حتى أغميَ عليها من شدة الحُزنِ والانفعال، ولم تَصْحُ إلّا في دارها ومن حولها بناتها الأربع، ونساء الأهل والجيران، يواسونها، ويطيّبون خاطرها إذ قالت لها إحدى جاراتها: “اللّي بيقدم شهيد للوطن مْقدَّر عند ألله وعند البشر يا أُم عجاج”.
أما رفاق عجاج، فقد دخلوا عرمان وهم يردّدون مع فندي المتني الأبيات السابقة، بقلوب يعتصرها الأسى على رفيقهم الغالي.
لقد كَرَّمَ الله أمّ عجاج وأمَدَّ في عمرها لترى رفاقه الخمسة “عرساناً”، كما تَمَنَّتْ، لكنها أصبحت مُقعدة بعد عامٍ واحدٍ من استشهادِ وحيدِها عجاج.
أما رفاق عجاج، فكلّما تزوّج أحدهم، كان أوّل ما يقوم به بعد انتهاء مراسم عرسه، هو زيارة والدة عجاج، فيذهب مع عروسه لزيارتها لتفرح بهما، وتدعو لهما بالتوفيق من قلبها المحبّ المخلص.
ومع وصول العريس وعروسه لزيارتها تقول لهما: “ يا حيّا الله بعجاج وعروستو ..؟!” وتزغرد لهما فرَحًا بهما، وتفتحُ ذراعيها لتضمّ العريس لصدرها وتُقبّله وتقول له: “يا حيّا الله بريحة عجاج، بوستك فيها طعمة بوستو .. ألف اللّحمد لله يا بنيّي إللّي عشت وشفتك عريس. ألله يهنّيك ويسعدك ويرزقك الولد الصّالح ويوسِّع عليك الرزق ويحميك من مكايد الخلق!”.
وبعد أن زارها آخر رفيق من رفاق عجاج الخمسة مع عروسه، ونيله تهانيها ومباركتَها، لم تمضِ على تلك الزّيارة إلّا نحو ثلاثة أشهر حتّى انتقلت بعدها السّيّدَة أم عجاج الى رحمة بارئها، فما كان من رفاق وحيدها الخمسة إلّا أن بادروا بحمل جثمانها إلىالمأتم للصلاة على الجنازة وهم يرددون مع فندي المتني: “يا امّ الوحيد ابكي عليه…” ليذكِّروا الجميع بمأساتها. فترحَّم عليها كلّ من حضر، وأخيراً ضمّها تراب عرمان المعطَّر بدَم ابنها الوحيد ودماء الشّهداء الآخرين، وعانقت روحها الطّاهرة روح وحيدها عجاج في جنان الخُلد. رحمهما الله.

أول-هاجس-لمحاهدي-جبل-العرب-كان-دوما-حماية-النساء-والأطفال
أول-هاجس-لمحاهدي-جبل-العرب-كان-دوما-حماية-النساء-والأطفال
معركة المزرعة والمجاهدة خولة أبو عاصي
بعد معركة الكفر في 21 تموز 1925 والتي كانت فاتحة الانتصارات في معارك الثّورة السّوريّة الكبرى، حاصر الثوّار قلعة السّويداء التي لجأَ إليها الفرنسيّون وعائلاتهم، لذلكَ جَهَّزَ الجنرال (ساراي) حملةً من فرقتين معزّزتين بالمدرّعات والمدفعيّة الثّقيلة والرّشاشات وثلاثة أسراب من الطّائرات الحربيّة، وقد قاد تلك الحملة جنرالٌ اعتبرته قيادته من أكفأ جنرالات فرنسا، هو الجنرال ميشو.
 تحرّكت تلك الحملة من أزرع باتّجاه السّويداء لفكّ الحصارِ عن قلعتها، عند ذلك بدأت المدفعيّة تقصفُ قرية (الدّور) و (نبع قرّاصة) فتصدّى لها الثوّار بهجماتٍ عنيفةٍ حالت دون تقدّمها، ولذا أخذت المدفعيّة الثّقيلة تقصفُ قرية (الدّور) و (نبع قرّاصة) تمهيداً لتقدّم المصفّحات وعناصر الاستطلاع فعمل الثوّار على سدّ الطريقَ أمامها بالحجارة الضّخمة متخذين من جدران الكرومِ متاريسَ لهم، وفي حين كانت الطّائرات تقصفُ القُرى المجاورة، وقع فريق من طليعة الثّوّار في كمين مُحكمٍ دبّره الفرنسيّون في موقعة “تل الخروف” استشهد فيه من الثوار30 مجاهداً بينهم حمد البربور أبرز رفاق سلطان باشا، وقد تسبّب ذلك بحالة يأس دفعت بالعديد من مجاهدي القرى إلى طيّ بيارقِهِم والعودة إلى قُراهُمْ لتنظيمِ صفوفِهم وإعادة الهجوم من جديد…
ومن المعروف عندنا في الجبل أنّهُ في أيّ مكان تحصل فيه المعركة كان أهل القرى المجاورة يبادرون لإعداد الطعامِ في كلِّ دار قادرة لإطعام المقاتلين العائدين من المعركة في حالة النّصر أو الهزيمة، وبذلك يقومونَ مقام وحدات التّموين في الجيوش الحديثة.
في بلدة نجران القريبة من منطقة اقتحام الجيش الفرنسي إلى قرى الجبل الثائرة على الاحتلال أعدّ  المجاهد عبّاس أبو عاصي غداءً ودعا اليه أعداداً من الثوّار بينهم كثيرون من أولئك الذين لم يحالفهم الحظّ بالنّصر في موقعة “تلّ الخروف”.  اعتذروا بادئ الأمر عن قبول دعوته لعزوفهم عن تناولِ الطعامِ بسبب هولِ ما واجههم من آلة الحرب الحديثة التي يملُكها الجيش الفرنسيّ، وللخسارة الفادحة التي لحقت بهم، فألحَّ عليهم الرّجل وأجبرهم على قبول دعوتَه.
كان قد التأم جمّعَ الثوار في المضافة، وقبل تقديم الزاد لهم، وفي مكان إعداده، دار الحديث التالي بين المجاهدة خَولة أبو عاصي وزوجها:
قالت السّيّدة:  يا ابن عمّي بدّي اطلب منّك ها الطلب
– وشو هوّ طلبك؟
– من بعد خاطرك بدّي قَفِّرْ(أي تصبّ السّمن على المناسف حسب المألوف من تقاليد الجبل) على الزّاد بالمضافة بدالك لأنّو عندي كلمتين لَـ هالنّشامى.
– والله بيحقلّك يا خولة، إنتِ بنت رجال وأخُت رجال، تِكرَمي
(وحملَ لها “سَطل” السّمن وامسكت هيَ بـ “الكبشة”3 ودخلت المضافة مع زوجها.  ألقت التّحيّة على المجاهدين، ثم قفَّرت4على الزّاد، ذُهِل الجميع ممّا يرَوْنَه أمامهم خلافًا للمألوف (لأنَّ “القُفرة” على الزّاد من شأن الرّجل فقط).
 بعد أن صَبّت السّمن على الزّاد؛ توجّهت خولة للمجاهدين وقالت:
– يا نَشامى … ياحاميين الأرض والعرض  .. زادنا هذا مَيْسور ما هو واجب( أي هذا الممكن عندنا، وأنتم تستحقّون طعاماً أفضل)، واللّي بدّو ياكل من زادنا اليوم لازم يهجم بكره على متراس العُرضي(5) واللّي ما بيقدر يهجم بكره على متراس العُرضي . زادنا اليوم حرام عليه”  وبدأت تزغرد لهم … فَهَبَّ الجميع يهتفون “لَـ عيونك يا بنت الأجواد … لَـ عيونك يا بنت الأكارم” وأكلَ كُلُّ منهم نصيبه من الزّاد ثم نشروا بيارقهم وعادوا باتّجاه تجمّع العدوّ الزّاحف إلى نبع عين المزرعة التي تمركز عندها الجيش الفرنسيّ، وهم يهزجون:
تُربــــــــــة وطنّــــــــا مــــــــا نبيعهــــــــــــا بــــــــالذهــــــــب         دَمّ الأعـــــــــــــــــــــــــــــــادي نــــــــجبــــــــلــــــــه بــــــــترابــــــــها.
كان اللّيل قد خيّم مع جيش العدوّ على تلك الأماكن ومع انبلاج الفجر أطبق الثوّار على جيش ميشو من كلّ حدبٍ وصوب، حتى تحقّق النّصر المبين في تلك المعركة التي حملت في كتب التّاريخ اسم “معركة المزرعة” وقد قال فيها سلطان باشا الأطرش “إنّها كانت ثأراً لمعركة ميسلون” وقد اعترف الجنرال ديغول في مذكراته بأنّ “أضخمُ كارثةٍ تعرّض لها الجيش الفرنسيّ على يد جيشٍ غيرَ نظاميّ كانت في معركة المزرعة بجنوب سوريّة عام 1925”، وأكّد هذه المعلومة المرحوم الأستاذ عيسى عصفور في معرض تعليقه على قراءاته في مذكرات ديغول بالفرنسيّة.
لقد كان ذلك الموقف الرّائع لتلك المرأة المجاهدة، ولِما لكلماتها من أثرٍ فَعّال في تحفيز الرّوح المعنويّة للمجاهدين، بالإضافة إلى شجاعة الثوّار وتصميمهم على تحرير بلادهم من الاحتلال الأجنبيّ من بين أبرز أسباب النّصر الذي تحقّق في معركة المزرعة التاريخية تلك.
إيراهيم-باشا-قائد-الحملة-المصرية-على-سوريا
إيراهيم-باشا-قائد-الحملة-المصرية-على-سوريا

معركة صْمَيد 5 ومأثرة المجاهدة
بستان شلغين
كانت اللّجاه وما زالت مقبرة للغزاة كما سلف، ولقد لجأ إليها الثّوّار بعد أن ضيّق الفرنسيّون عليهم كافة السُبُل، كانت تضاريسها الخشنة الملجأَ الأمينَ والحصينَ في وجه المعتدين على الجبل، لذلك وجّهَ الفرنسيونَ إليها حملةً مؤلّفةً منْ أربعةِ ألافِ جنديٍ تساندُها الطائراتُ والمدفعيةُ بقيادةِ الكولونيل “اندريا”.
لقد كان عددُ الثوّارِ الذينَ تصدَّوْا لتلك الحملةِ بحدودِ ثلاثمائةِ مجاهدٍ، وقد جرتْ معركةٌ عنيفةٌ استمرّتْ حتّى حلولِ الظلامِ، حيث أسقطَ الثوّارُ ببنادِقِهِم طائرتينَ، وكبّدوا الفرنسيينَ العديدَ منَ القتلى والجرحى بينما استُشهد من المجاهدين عشرة أبطال كان من بينهم جبر شلغين ومزعل شلغين، وهذا شقيق المجاهدة بستان درّة ذاكرتنا في الجبل…
بنتيجة انسحاب الثوّار أمام الجيش الفرنسيّ؛ قرّر أندريا الانتقامَ منْ ثوارِ قريةِ صميد لما أبدَوْه في هذه المعركةِ من بسالةٍ نادرةٍ فأمرَ بتهديمِ بيوتِ المجاهدينَ المعروفينَ. وكان مِنْ بين تلك البيوت التي جرى هدمها بيتُ المجاهد الشهيدِ هايل شلغين الذي سبق أن استشهد في معركة سابقة، لكنّ زوجته السّيّدة بستان ظلّت تواظب بعد استشهاده على تزويد الثّوّارِ بالذّخيرةَ والمؤونةَ بعد أن باعَتْ مصاغَها الذّهبي ( أي حُليّها) وأغنامَها، واشترَتْ بأثمانها سِلاحاً للثّوارِ الذينَ قدموا منْ لبنانَ للمشاركةِ في الثورةِ. كان ذلك قد زادَ منْ حقدِ الفرنسيينِ عليها لخشيتهم أن تُصبِحَ السّيّدة بستان قدوةً لغيرِها. وقد قال أندريا فيها عبارته المشهورة:” يجب أن نقمع ظاهرة بستان شلغين بأيّ شكل؛ وإلّا فسيتحوَّل ذهب الزّينة لنساء الدّروز إلى رصاص يمزّق صدورنا”.
بعد احتلال صْميد طلبَ الكولونيل أندريا التعرّفَ على السّيّدة المجاهدة أم حمد بستان شلغين بعد أن هَدَّمَ دارَها، فرفَضَتْ أن تقابلَهُ في بيتِهَا، وعندما ألحَّ في طَلَبها جاءَتْ إليهِ مع ولديها حمد وعُمره خمس سنوات وهايل، ثلاث سنوات، وبعض أقارِبِها وأهالي قريتها… قالَ لها أندريا بواسطةِ مُتَرجمهِ: “إذا تراجعتِ عن موقِفِكِ بدعمِ هؤلاءِ الخارجينَ عنِ القانونِ (يقصد الثّوّار) فسوفَ نعوِّضُ عليكِ بمبلغٍ يُعيدُ لكِ داركِ أحسنَ ممّا كانَتْ عليهِ، فهل تتراجعينَ عن موقِفِكِ) ومَدَّ يَدَهُ لمصافحتها ظَناً منهُ أنّها لو صافحتهُ لكانت علامةُ إذعانِها وتراجُعِها عن موقِفِها، فما كانَ منها إلا أنْ جعلت يَدَيها خلفَ ظهرِها وقالتْ للمترجم: “قول لسيدكَ ما وقفت هالموقف، حتى اتراجع عنّه ..؟!!”.
بعد ذلك أرادَ أندريا أن يخفّفَ من حِدّةِ عدائِها، فأشار لولديها ثمّ قالَ: “سأكلمُ سيّدي الجنرال ليرأفَ بحالِ هذينِ الطّفلينِ بما يعوضُهما عن معاناتِهما من فقرٍ وحرمانٍ”، فأجابتهُ بأنَفةٍ وشموخٍ: (ما بقبل مساعدة من عدوّي اللي قتل بَيّيْ وولادي وقتل خيّي وقرايبي وأهل بلدي وهَدَّمْ داري).
وعندما تَرْجَمَ المترجمُ ما قالتهُ المجاهدةُ أم حمد بستان، صُعقَ الكولونيل أندريا لصلابَةِ هذهِ المجاهدةِ وعنفوانِها وقال: “لاشَكّْ أنَّكِ (جان دارك العربيّة) أيتُها البطلة” ثم اعتمر قُبَّعته وأدّى لها التّحية العسكرية تكريمًا لأنَفَتها.
هذا وقد حَظيتْ المجاهدةُ أم حمد بستان شلغين باحترامِ القائدِ العامِ للثورةِ السوريّةِ الكبرى سلطان باشا الأطرش، وتقديرهِ، كما كرّمتَها الدولةُ السوريّة وأطلقت اسمها الميمونَ على إحدى المدارِسِ الرّسميّة في مدينة صلخد بجوار قلعتها الشّامخة، فلتفتخر الأجيال القادمة ولتعتزّ بهذه المجاهدة، لتبقى قدوة خالدة لأمّهات بني معروف الموحّدين.

“خولة أبو عاصي:
ياالْلّي بياكل من زادنا لازم يهجم بكرة على متراس العدوّ ويااْلْلّي ما بيهجم بكرة زادنا هذا حَـــرام عليـــــه”

 

سعيد الاطرش

أنجز أعمالاً بطوليّة يعجز عن مثلها عَشَرات الرّجال

سعيد الأطرش: بطل من الجبل

أصــــــــاب في العفــــو عن رجــــــــل أُرسِــــل لقتلــــه
لكنّــــه أخطأ فــــي حــــقّ قاتــــل “سوّد وجه” الدروز

في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر كان سعيد بن اسماعيل الأطرش ذراع شقيقه شبلي الذي كان سياسيّاً بعيد النّظر، وهو الذي كان يُشّبّه جبل حَوْران بعباءة يُخشى عليها الاهتراءُ من أطرافها؛ ذلك الجبل الذي جعل بنو معروف الموحّدون منه وطناً لهم بعد هجرة معظمهم إليه من لبنان وعمرانهم له بعد أن كان قفرا خربا. ومن هنا كان شبلي مصيباً في إرساله لأخيه سعيد القويّ إلى ذيبين، القرية التي تشكّل الزاوية الجنوبيّة الغربيّة لجبل حوران لحمايتها من التَّعدّيات التي كانت تأتيها من الغزوات البدويّة ومن اللصوص الذين كانوا يسرقون مواشي الفلّاحين وكذلك من تجاوزات قرى الجوار عليها.
ويروي الشّاعر الشّعبي فَوْزات غَبْرَة روايات عديدة في هذا الشأن كان بطلها الشّيخ سعيد الأطرش، وهي روايات متداولة بين الكثيرين من مُعمري ذيبين وأهاليها، منها أنّه كان مُرابِطاً ذات ليلة مع بعض رجاله جنوب القرية، فاشتبكوا مع جماعة من اللّصوص القادمين من مناطق غور الأردن بينهم شقيقان قُتِل أحدهما، وهرب الآخرون، وعَظُمت المُصيبة على الأب الذي فَقَد ابنه في ديار بعيدة، فأعلن أنّه سَيزوِّج ابنته الجميلة هِبَةً لمن يأتيه برأس سعيد، وتطوّع أحد الرّجال الأشدّاء لهذه المهمّة، فأتى إلى ذيبين بعد أن تسرّب بين الرّعاة في ليلة تأخّر بزوغ قمرها، وكان سعيد قد صرف عبده المسمّى بـ”سعيد”، وبقي وحده في المضافة التي يفتح بابها لجهة الشّرق قبالة القمر البازغ. رأى سعيدٌ الحَذِر خَيالاً لِرأسٍ آدمية تلوح على الجدار الداخلي المقابل لجهة الشرق، تتحرّك خلف صخرة قبالة باب المضافة، كان الخيال يظهر لحظة ثمّ يلطو خلف الصّخرة، فأدرك أنّ محذوراً ما يتطلّب منه الحذر والاستعداد.
استغلّ سعيد لحظة لَطْو ما اشتبه به خلف الصّخرة وتسلّل على عجَلٍ من المَضافة إلى أن أتاه من خلفه، فتناوله من جدائل شعره الطويلة (كان الرّجال في ذلك الزّمن يطلقون شعور رؤوسهم ويضفرونها جدائل يتباهَوْن بها)، وجَرَزَه بقوّته التي كان يهابها أشدّ رجال عصره فأفقده القدرة على المقاومة، صرخ الرّجل “ دْخَلَكْ لا تريني لسعيد”.
أُخِذَ المُتَلصّص بالمفاجأة، وتعرقلت قواه. شدّ سعيد يديه إلى خلف ظهره وفتّشه فوجد معه خنجراً انتزعه منه، ثمّ أدخله إلى غرفة في الدّار وقيّده وأقفل عليه بابها، وفي اليوم التّالي أمر بذبيحة ودعا رجال ذيبين إلى الوليمة. حضر المدعوّون، وسألوا ما المناسبة؟، فقال لهم: “أمس جاءنا ضَيفُ لَيْل، وهو مستعجل يريد الانصراف لهذا دعوتكم.
بعد تقديم القهوة أمَرَ سعيد عبده سعيداً بجلب الرّجل مقيّداً، كان المقيّد يرجوه ألّا يجعل سعيداً يراه، لكنّ العبد الممتثل لأمر سيّده دفع به إلى المضافة حيث اجتمع المدعوّون. أمرَ سعيد العبد أن يفكّ قيده ففعل، وبعدها قال له:
أخبرني حكايتك؟
ــ اِن كَنّك سعيد الأطرش أنا جاي أقتلك.
ــ شو جايب معك؟
ــ شِبريّة. (أي خِنْجَر)
ــ أتقتل سعيد بشبريّة!، الآنَ كُلْ مع ها الغانمين وبعدها رُح خَبّر أهلك بما جرى لك، وخُذ هذه شبريّتك التي بمثلها لن تقتل سعيد، وسيكون لي حساب مع من بعث بك إليّ.
وبالفعل فقد أكل الرجل من طعام وليمة سعيد الذي انتدب فارسين رافقاه مسافة بعيدة من ذيبين ثمّ تركاه ليمضي عائداً إلى أهله.
وصل ذلك الرّجل إلى دياره، واتّضح لذويه ما جرى له، وقد أدهشَهم عفوَ سعيد عمّن كان يستعدّ لقتله، وخشَوْا أن تطالهم يده وهو الذي كانت قبيلة الرّوّاله من قبيلة عَنَزَة الكبرى تتهيب حماه والتعدي على ذيبين بعد نزوله فيها وتركِه قرية عِرى. وكانت تلك القبائل القويّة تجتاح بوادي شمال شبه جزيرة العرب وحوران برجالها وجمالها وخيولها تتجنّب التَّعَدّي على ذيبين بعد أن نزل بها واتّخذها له موطناً لهُ، وقد نظّم سعيد الأطرش الدفاع عن البلدة بكوكبة من خيّالة بني مَعروف وكانت إنجازاته الكبيرة موضوعا دائما لمدح الشعراء كما قال أحمد العْلَيّان شيخ قرية مْعَرْبَهْ، شاعر سهل حوران مادحاً لسعيد:
رِيْف لَلعِيّان الاْعْمى والـْ عَرَج واِن لَفَتْ عَنّازْ ما ثِقل الحِجاج
بسبب خوفهم من بأس سعيد الأطرش اجتمع القوم، وقرّروا عَقْد راية الأخ القتيل والسّير بها مرفوعة عبر الطّريق الطّويلة إلى ديار سعيد في ذيبين والتّصالح معه لكونه عَفا عن الرّجُل المُرسل لقتله، وجاؤوا بِقَوْدٍ من البغال والثيران قدّموها هديّة لسعيد دلالة على حُسْن نيّتهم تِجاهه.
وفي حادثة أخرى تَجاوز قوم من قرى مجاورة على حقوقٍ لسعيد عندهم، وقيل أنَّهم صاروا يعتدون بمواشيهم على المراعي من حِمى ذيبين ، فما كان من سعيد إلّا أن اشتبك مع المعتدين واحتجز مواشيهم التي هم بحاجة إليها، واستعصى عليهم حلّ مشكلتهم معه، فذهبوا إلى أخيه شِبلي شّيخ دارة عرى، لكنّ شبلي اعتذر عن التدخّل في الأمر، وحار القوم في أمرهم، فلم يجدوا بُدّاً من توسيط أحمد العْلَيّان شاعر حوران الشّهير وهو الذي كان نصيراً لآل الحمدان ضدّ آل الأطرش عندما سيطر هؤلاء على زعامة بني معروف في السّويداء وسائر الجبل بدلاً من آل الحمدان، وفي أسفِه على ذهاب دولة الحمدان في الجبل يقول العْلَيّان:
يبلاكِ يا دار السّوِيدا بْطوبٍ يْهدّكْ ويصبــــــــــــــــغ اْحْجــــــــارك بنيــــــــل وجــــــــــاز1
عَزَلْتِ إبــــــن حــــــمدان قُـــــدْوِة بلادنــــــــــــا غــــــــاب الملــــــــك وتْنَــــــــــــــــــــــــصَّــــــــب المعّــــــــاز2

جانب من دارة الشيخ سعيد الأطرش وتظهر فيها العلالي، عمران بنّائين من ظهور الشوير في لبنان قبل نحو قرن ونصف القرن
جانب من دارة الشيخ سعيد الأطرش وتظهر فيها العلالي، عمران بنّائين من ظهور الشوير في لبنان قبل نحو قرن ونصف القرن

قصيد عصماء في مدح سعيد
وهكذا تطوّع الشّيخ الشاعر أحمد العليّان مُضطرّاً بالتوَسّط لأصحاب المواشي لدى سعيد، وذهب معهم في وفد إلى ديوانه في ذيبين.
عند وصولهم أمر سعيد بتهيئة وليمة كبيرة لهم، وفي الديوان الذي غُصّ بالوافدين لم ينبس أحدٌ ببنت شفة بادئ الأمر، قال سعيد للعْلَيّان يريد أن يكسر الصّمت الذي ران على الحاضرين:
اُهرج يا أحمد، ما بك تعبان؟!، المقعد اللّي فيه العليّان ما يسكت، اُهرج، واللّي انت تريده يصير.
نَهضَ العْلَيّان واقفاً وتوسّط الدّيوان وصفّق بكفّيه وقال: العيون غرّافات الحكي يابك. (يريد من الحضور تركيز الانتباه)، ومدح سعيداً بقصيدة مُطَوّلة نقتطف منها هذه الأبيات:
عاش أخو بَنْدَرْ سعيد اللي فَحَجْ عَ النّمُــــــــرْ وِسْبــــــــاع خــــــــــــــــلاّهـــُم نعــــاجْ3
بــــــــالبَـــــــــــذِل والجُــــــــــــود كَـــــــنْــــــــــزٍ لَـلْــــــــخَلِــــــــــج شـــــــــاع صِــيتَه من بْــــــــراجٍ لَبِــــــــــــراجْ4
عَمّـــــــــر الــدّيـــــــــــــوان عَ جــال الطُّــــــــــرج لَجَبــــل حوران ســــوّاهــــــن ســــيـــــــــاجْ5
شمعة الدِّيــــــــــوان غـَطّـــــــت عَ السُّـــــرُجْ بالبَنادر علّقـــــــــوا اْسْـمَه بــــــــــــالسَّــواجْ6
بــــــــــالمَـــلازم مثـــــــل عَنـتــــــــر لَــــــــــوْ وَهـــــــــــَجْ بالصَّرف زايد على اْجْوَدْ بالعِراجْ7
لِيــْـهْ شـــَـلْفَــهْ تِـقُــــــــــلْ بـــــــــرقٍ لَــــــــــوْ لَعَــــــــجْ سَيفُهُ شِنْع المَهاوي مــن العِتــــــاجْ8
واِنْ مشى بْوَجْهوْ الفتى كَاْنّه بَرِجْ وَيْــــــــنْ مــــا نشّـــــــــر نـَجــــاجيبــــــــــه وَدَاجْ9
خِلْـــــفَــــة اســـــــمــــاعيـــل ضِــــــــــــــــدٍّ لَـــــــلْعِـــــــــــوَجْ مْنِ الضّيَــاغم نــاخبينـــه بْلا عِـــــلاج10
المُعــادي لــــــــــو ســِمـــــــــــــع حِسّوْ اْنْخَلَــــــــــجْ مِنْ وَحِيف الخيـل كَنْ طَبَّه هَجاج11
اَلِخْريشـــــــــــَه ْواِبـــــــــــن ماضــــــــــي والكَنـِــــــــــجْ للّـــــــــــــذي يظـــــــــــهــــــــــر جَـــــــــــــوادَه للحَــــــــــــراج12
مـــــن حَلــــــــــَب لَصُــــــــــور لَحــــــــــدِّ المَـــــرِجْ لَلْكَـركْ لَلْجـَـوْف خــــلّاها دجاج13
فوق نوطَهْ لَاْعْتَلى ظَهــــــــر السَّــــرِج كَـ ذياب الخيل الْاطْرش حين لاج14
رِيْف لَلْعِيّــــــــــــــــــان الاَعْمَى والعَـــــــــــــــــرَجْ واِن لَفَـتْ عَنَّــــاز ما ثِقْل الحِجاج15
اْخْتُم صلاتي عَ النّبي خير الخّلِج لَلمَدينَـــهْ زارَتَـهْ ســَبـــــــْع الحِجـــــاج16

الحاج مْسَلّم الغوثاني سليل إحدى عائلات ذيبين السّنة الذين استقدها الشيخ سعيد الأطرش إلى ذيبين
الحاج مْسَلّم الغوثاني سليل إحدى عائلات ذيبين السّنة الذين استقدها الشيخ سعيد الأطرش إلى ذيبين

جريمة أغضبت سعيد
في تلك الفترة من القرن التّاسع عَشَر كان يأتي إلى ذيبين زمن سعيد رجال من التّجار يبيعون الأقمشة ينقلونها على ظهور الدّواب أو على ظهورهم يحزمونها ويتجوّلون بها بين قرى الجبل على شكل (كشّة)، ولم يكن على هؤلاء من محظور إذْ كانوا يتجوّلون بحرّية وليس لأحد أنْ يعترضهم فهم يُعتبرون في حِمى بني معروف، وكان هؤلاء في أعمالهم يوفّرون على الأهالي مَشَقّات السّفر الذي كان يستغرق أيّاماً مُرْهِقة على ظهور الدّواب إلى دمشق أو القدس لشراء حاجياتهم، ناهيك عن مشاكل اللّصوص وقُطّاع الطُّرق لانعدام الأمن وغياب هيبة الدّولة في تلك الأماكن البعيدة عن الحواضر الكبرى، هذا بالإضافة إلى الضّرائب الجائرة التي كان يفرضها الولاة العثمانيّون ودوريّات الجندرمة على المسافرين إلى المناطق التي تحت سلطانهم، ومن هنا كان الاعتداء على أولئك الباعة الجوّالين وأمثالهم جريمة بحقّ المجتمع الذي كان في تلك الفترة يمرّ بحالة شبه حصار ولم يزل في طور النشوء.
ويذكر المُعْمر الشاعر نعمة العاقل أنّه بينما كان رجلان غريبان من خارج الجبل يبيعان أقمشة تصدّى لهما أحد أهالي ذيبين من الدّروز، وأقدم ورفيق له على قتل بائعي الكشّة ونهبا ما معهما من مال وقماش بعد خروجهما من ذيبين باتجاه قرية سِمْج الحَوْرانية. وهناك من يقول إنّ الضّحيّة كان بائع زيت من جبل لبنان، ومن قرية بشامون!، وقد تمّ قتله على طريق قرية “سِمْج”.

غطلة الشاطر
على أية حال فإنَّ القاتل وصاحبه خَرَقا العُرْفَ الذي توافق عليه الموحّدون من حيث حمايتهم للداخل بِرِضاهم إلى ديارهم. وبعد أن اكتشف أمرهما الشيخ الشّاب سعيد، عَلِق أحدهما، أمّا رفيقه فقد اختفى هارباً. قَيّدَ الشّيخ سعيد الجاني وأرسله إلى قرية عِرى، حيث فيها يُتّخذ القرار الفصل بناء على وصية الأب المؤسّس اسماعيل في القضايا الهامة التي تواجه بني معروف. وفي عرى اجتمع عدد من أعيان بني معروف من عدّة قرى من الجبل، وبحثوا في أمر إصدار حكم على القاتل، ويذكر الرّواة أنّ المجتمعين اعتبروا أنّ الجاني يستحقّ العقوبة بالموت حرقاً لأنه حسب العُرفَ العشائري “قطعَ وجهَ الدّروز”، أي خان بالعهد الذي اتّفقوا عليه فيما بينهم وأهان من دخل حِماهم. ونشأت مشكلة عند تنفيذ الحكم، إذ لم يجد أحد في نفسه الجرأة على تنفيذ عقوبة بهذه القسوة أي عقوبة حرق الرّجل، وبالطبع كان على سعيد أن يرى في ذلك أن حكم الحرق غير سليم بدليل أنه لم يوجد رجل في عِرى مستعد لتنفيذه بنفسه. لكنه اعتبر الحكم نافذا وقرر أن لا بد للعدل العشائري أن يأخذ مجراه. لذلك تقدّم من الجاني وقال له “ قُلْ: “أنا بوجه سعيد لأحميك من الحَرْق”، لكنّ الرّجل قال لسعيد بكبرياء: “فِيْ اَلله فوق سعيد”، وأبى عَرض الشّيخ بإنقاذ حياته. عندها أمر سعيد عبده المدعو”سعيد” بإعداد النار ثم تقدّم منه وأشعل النّار بنفسه، فما كان من الضَّحيّة إلّا أن قطّع الحبال وانطلق يعدو على حيطان البيادر، تاركاً ما وراءه خَراباً هَديماً إلى أن سقط كَوْمَةً هامدة… ويُروى عن المُعْمرين في الجبل أنّ السلطان العثماني عبد الحميد عندما وصلته الأنباء بحرق ذلك الجاني تمنّى على الله تعالى أن يُكَثّر من عدد زعماء الدّروز!

الشاعر فوزات غبرة والعميد نبيه الحسنية أمام العلالي الأثيرة لدى السيخ سعيد الأطرش
الشاعر فوزات غبرة والعميد نبيه الحسنية أمام العلالي الأثيرة لدى السيخ سعيد الأطرش

القدَر بالمرصاد
ومرّت فترة من الزّمن قليلة، كان موقد الكيروسين، أو “بابور السبيرتو” كما كان يُدعى في ذلك الزّمن من عام 1886، مقياس وجاهة يقتنيه عِلْيَةُ القَوْم، كان الناس حينها يقولون مُتَعجّبين” إنك تستطيع أن تُشْعِل النار وتطبخ على السّجّادة دون أن تُصاب سّجّادتك بأذًى.
كان سعيد يغلي القهوة بقصد تجديدها ذات مساء مع أوّل اللّيل على موقده الأثير، إذْ كان الوجهاء في ذلك الزمن يقصدون دار الشّيخ الذي فرض هيبة الأمن في القرية وجوارها، وعنده يتسامرون ويستمعون القصائد المُغَنّاة على الرّباب، وإلى مرويّات سوالف الماضي وأحداثه، وبينما هو يضغط الهواء في المَوْقد (البابور)، انفَجَر به، ونثرَ ما بجوفه من الكيروسين الذي لوّثه بالسائل المشتعل، كان سعيد في العلالي على ارتفاع نحو ستّين درجة سلم عن مستوى الأرض في دارته الفَسيحة العامرة، فسارع من العلالي إلى الدّرج، يريد أن يصل بنفسه إلى البركة القريبة ليطفئ النّار المشتعلة التي أحاقت به وصارت تنهش بجسده، وهُرِع الجوار يلفّونه باللّباد العجمي والبُسْط. لم يمت الشيخ سعيد ساعة اشتعال النار بجسده، بل ظلّ حيّاً لنحو ساعتين. ومن قرية أم الرّمّان التي تقع شرق ذيبين بنحو ستة كيلومترات وفي دغوش ذلك المساء شوهدت النار التي أحاقت به وهو يعدو على سطوح دارته الفسيحة أمام العلالي التي لم تزل ماثلة بعمرانها الأنيق إلى يومنا هذا ، فهُرِع الرّجال على خيولهم ظنّاً منهم أنّ غزواً أو حرباً ما نشبت في المكان، إذْ على مثل هذا سبق أن اصطلح بنو معروف، ويروي الشاعر المُعْمر نعمة العاقل أنّ جدّه كان من بين الذين وصلوا والشيخ لم يمت بعد، وإنّما كان يئن ويتأوّه من شدّة الألم وهو ملفوف باللّباد العجمي الذي يكاد أن يكون حِكْراً على وجهاء ذلك العصر، وعندما سأله عن حاله “كيفك يا أبو فارس”، سمعه يقول مُتَنَدّماً على ما فعله بـذلك الرّجل وهو يردد آسفاً “ياخَيِّيْ شْربنا الخَمر وعصينا الأمر، يا ليتني ما حرقت هذاك الزّلمة”.
لكنّ تلك الحادثة كانت نهاية ذلك الرّجل البطل، الذي لم يلبث أن فارق الحياة على أثرها سريعاً، ودُفن في مكانه الذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة، ويُروى أنّ جثمانه وُضع آنذاك في تابوت من البلّور. ويذكر معمرو ذيبين أنّ الشيخ سعيد مات شابّاً عن عمر لم يتجاوز خمسة وثلاثين عاماً، وبعضهم قال ستة وثلاثين، لكنّه وبشهاداتهم به، أنجز أعمالاً بطوليّة يعجز عن مثلها عَشَرات الرّجال
ويقول الشّاعر الشعبي فَوزات غبرة: لسعيد الأطرش فَضل على كل طفل في ذيبين، حماها من التعدّي وضَبَط حدودها، بعد أن كانت حدود بكّا تصل إلى البلديّة في وسط ذيبين، فما كان منه إلّا أن وضع الحدّ شمالاً عند وادي بكّا، وثبّت حق ذيبين في قناة الماء التي حملت اسمه إلى يومنا هذا. لكن غلطة الشاطر بالف فقد اختصر الشيخ سعيد حياة حافلة بالمجد بسبب عمل متسرع وافتقاده عند المقدرة لحس العفو أو الحنكة في التعامل مع الناس خيارهم وأشرارهم على حد سواء.

شهادة المجاهد منير الرّيِّس في رباطة جأش الدروز مع الموت

حسن حاطوم يولم لضيوفه وفي بيته جنازتان
لإثنين من أبنائه سقطا في معركة المسيفرة

يروي الصّحافي المجاهد منير الرّيس في الكتاب الذّهبيّ للثَّورات الوطنيّة في المشرق العربي “الثورة السورية” في معرض تأريخه لِما شهده وشارك فيه من وقائع الثّورة السّوريّة عام 1925، يقول “إنّ معركة المسيفرة معركة فذّة، تُعَدُّ من أعظم المعارك فخراً لأبناء معروف، وفي تلك المعركة استُشهد شابان من أبناء حاطوم (نَسِيَ الرّيس اسم الأب وهو حسن حاطوم) ويضيف: “أنّنا في يوم وصولنا من شرق الأردن رأينا المضافة مكتظَّة بالدُّروز وأخيراً عرفنا منهم أنهم جاؤوا لتعزية حاطوم صاحب الدّار الشّيخ بسقوط اثنين من أولاده، شهيدين في المسيفرة فتأثّرنا لذلك واستغربنا ألاّ نسمع صوت نحيب أو عويل في الدّار وشابّان من أهله يسقطان في المعركة وتُحْمَل جثّتاهما على جَمَل إليها ونحن فيها فلا نسمع أيضاً أيَّ صوت لنحيب أو عويل ثمّ يدخل علينا مُضيفنا والد الشّهيدين مرحّباً ولا نرى في عينيه أثراً للدّمع حُزناً على فِلذتين من كَبِدِه افتقدهما أمس في المعركة وجِئ بهما اليوم إلى داره جثتين داميتين. لقد ذُهلنا لرباطة جأش صاحب الدَّار وأهله ولكنّنا بعد أن خالطنا الدّروز وعرفنا مزاياهم أدركنا أنَّهم لا يُجيزون في الحديث الرَّحمة على مَيْتٍ مات حَتْف أنفه فالرّحمة في عُرفهم تجوز على القتيل في مواقف البطولة، وهذا المشهد الذي رأيناه يذكّرنا في صدر الإسلام بقول الفاتح العربي الكبير خالد بن الوليد وهو على فراش الموت :”إنّ في جسمي كذا طعنة رمح وكذا ضربة سيف وها أنا أموت على فراشي كالعَيْر فلا نامت أعين الجبناء” إنَّه الإيمان بأنّ الشَّهيد في معارك البطولة حيّ، وأنّ من العيب أنْ تُذرَف على من نال مرتبة الشهادة الدّموع. إنّهم يكتمون أحزانهم في قلوبهم ويبدون في المصائب غَيرَ هَلعين ولا وَجِلين فجديرٌ بنا أن نقتدي ببطولتهم ومآثرهم فهم عرب أقحاح يحافظون على المُثُل العربيّة ويتميّزون على غيرهم بكثير من الصّفات والمآثر الكريمة. ومن مآثرهم العربيّة الكرم والشجاعة والإباء وحماية الجار وهم لا يخضعون لزعمائهم خضوعاً أعمى فالزّعيم المُحتَرم لابدّ له من أن يكون مُبرِّزاً على أقرانه بالكَرَم أو الشّجاعة أو المروءة وهم شديدو الحرص على السّمعة الطيّبة والثّناء العاطر فقد ثاروا مرّات على الدَّولة العثمانية وتحدّوْا جيوشها لأسباب تمسّ على الأكثر إباءهم حتّى أصبحت حروبهم مع تلك الدّولة مبدأً لتاريخهم فيقولون سنة ممدوح باشا وسنة سامي باشا أو بعد ممدوح بسنة وقبل سامي باشا بعامين جرى كذا ووقع كذا أو وُلِد فلان وهم يحبّون الشِّعر وينظمون الشِّعر الشَّعبي بلهجتهم العاميّة وفيهم شعراء أذكياء سجّلوا أيامهم ووقائعهم ومعاركهم بقصائد لاتزال تُحفَظ وتروى، وتؤلّف المادة في حدائهم وأهازيجهم، وأظنُّ أنَّنا نذكر الشّعر الشّعبي الذي لحّنته المطربة “أسمهان” وغنّته بلحن الموّال وحفظناه إعجاباً بِرَوْعته ووطنيّته، إذْ يقول:
ياديرتي مالك علينا لوم لا تعتبي لومك على من خان

من أعلام بني معروف