أحْوجُ ما نحتاجُه اليوْم

0 3٬225

إذا كانت النّفس – وهي أَمّارة بالسّوء – تدفع صاحبها إلى الشرّ والفِتن ومهاوي الاختلاف والتّفرقة والرذائل والشّهوات وغيرها، فقد أوجد الله ضدّاً لها يكبح جماح هواها وهو الضّمير.

وأحياناً تسيطر النفس الهاوية لما ذُكر على الضّمير فيبدو ضعيفاً لا قوّة له على المعارضة منقاداً إلى غاية تلك النّفس، ولكنّها وإن تغلّبت عليه في الفتن والمعاصي، فإنّها ستبقى عاجزة عن قتله، ولا بُدّ يوماً من أن تضعف، ويكون الضمير هو المُنتصر يدعوها إلى التّوبة، ولو قبل رجوع النفس إلى خالقها بساعات.

ضميرُ المُوَحِّد بمثابة رُوحه، لا يُهمِلُه، ولا يتغافل عنه، ولا يغدر به، لأنَّه إنْ فعل – لا قدَّر الله – ضاعت روحُه وتاهتْ عن الغاية التي وُجِدت أصلًا لبلوغها مقدار الوُسْع. والضَّميرُ هو سرُّ المرء وما في «داخل الخاطِر»، لكنْ يُعرَف منهُ للنَّاسِ ما يُظهِره صاحبُه من أعمال. ولا يجبُ بأيِّة حالٍ من الأحوال الحُكم على مُجرَّد الظاهر والأقاويل والتأويلات، بل إنَّ ذا البصيرة يتحقَّقُ الصِّدق فيما يُضْمرُه ويحكم به. فالسّرائر يعرفُها ربُّ العالَمِين معرفةً تقومُ بها الأحكامُ يوم الدِّين ﴿يَوْمَ يتـذكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى﴾.

و«الخَاطرُ» لُغويّاً هو «ما يخطُرُ في القـلبِ من تدبيرٍ أو أمْر». والقلبُ كما قال الشيخ البقعسماني:

أرى القلبَ مَوْلًـــــــى والجوارحَ جُنـــــــده
وكـــــــــلٌّ هَـوَ بـــــــادٍ بمَــــــــــا هوَ عنـــــــدَهُ

أي أنَّ ما تجترحُهُ آلةُ الرُّوح (الجسم) من أفعال هي في الحقيقةِ مُترتِّبةٌ عمَّا في القلب من أحوال، فإنْ مالَ القـلبُ مع الهوَى، ضعُـف العـقلُ وكثُرت العثَرات. أمَّا إن كان القلبُ خفّاقاً بمحبَّة الفضيلة، مُتَشوِّقاً إلى تحقيق ثَمَراتها في ذاته ومع أهله وفي مجتمعه، فهو إذاً القلبُ المُوحِّد، وهو إذاً الذي سكنَت فيه لطائفُ المعاني لا يزحزحُها منه أيُّ شأنٍ مُخالِف.

إنَّ أحوجَ ما نحتاجُه اليومَ، وسط عواصف الرِّمال الخانقة من الأقاويل المُلتبسة، والظنون المُركَّبة، والالتباسات المُشوِّشة، والتلفيق المتكاثر في الإعلام، وسيْـل الصُّوَر والخبريَّات التي ليس لها شأن سوى إثارة الغرائز والتحريض والانفعالات وزرع هواجس الشكوك والشُّبهة من عن يمين وعن شِمال دون الأخذ بعيْن الاعتبار الأولويَّة الأولى الضروريَّة (وهي ما نحتاجه) أي التزام التعقُّل والهدوء والحكمة والإمعان في استيعاب الأمور تقرُّباً إلى حقائقها وفق ما هي عليه لا وفق ما تشتهيه نفوسُنا، وتتمنَّاهُ أهواؤنا، وترغب به أطماعُنا في الوصول إلى مصالحِنا الخاصَّة أو الفئويَّة أو العصبيَّة في غفلةٍ عمَّا تقتضيه المصالح العُليا للمجتمع المتضامن.

نحتاجُ إلى جلاء بصيرتنا لترى ما لا تراهُ العيون ولا تنقله الألسُن المُغرضَة. والتي زادت حدّتُها مع وسائل التواصل الاجتماعي، فسهُلت الغيبة والنميمة خلافاً للقاعدة التي تقول «إنّ الغيبة تأكل الحسنات كما النار تأكل الحطب»، نحتاجُ إلى المثال الأخلاقيّ الذي يعلِّمنا إيَّاه تراثنا التَّوحيدي في بُعْدَيْه: الذاتي والاجتماعي. وهو مثـالٌ يوجبُ الكثير من الخصال السامية منها: التواضُع والحِلم والإيثار وحُسن الظَّنّ واتِّساع فُسحة العقل، هذا بالطبع بعد الخصال البديهيَّة التي يجب أن تكون في جِبِلَّاتنا وهي الصِّدق والتعاطُف والتمييز والتقوى التي هي «جماع الخير كلّه».

ولا شكَّ عندنا أنَّ الإخلاص في هذا السياق الآنف الذِّكر هو السِّلاح الذي يجدُر بنا أن نتحصَّن به إزاء كلّ الصِّعاب التي هي من طبائع الزَّمن. والمُوحِّدون يهذِّبون أنفسهَم وأخلاقَهم وعاداتهم ومسالكهم بما هو أشدُّ رسوخاً من كلِّ الأزمنة، مُرَدّدين قوله تعالى
﴿وَاتَّــقُوا اللهَ وَاعْلـمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُـتَّـقِـين﴾.

نسألُ اللهَ أن يجعلَ في الضّمائر قوّةً في مواجهة النفوس الهاوية إلى الفتن والمعاصي لكي تستفيق تلك الضمائر، وقدَّرَنا على اتّباع الرّأي الصائب إنّه سميعٌ مجيب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

preloader