إصلاحُ النّظام الترّبويّ

شرطٌ مُسبَق لكل إصلاح سياسيّ في لبنان

0 32

كان مطلب الإصلاح في لبنان، على الدوام، جزءاً من كل خطاب سياسي، وفقرة في البيان الوزاري الأوّل لحكومة الرئيس رياض الصلح الاستقلالية في تشرين الثاني سنة 1943، وصولاً إلى آخر بيان وزاري قبل بضعة أشهر.
وتوالت بعد ذلك مطالب الإصلاح وتحوّلت جزءاً دائماً في كل خطاب وبيان، وأخيراً شرطاً عربيّاً ودولياً للمساهمة في إنقاذ لبنان من أزمته الراهنة الخانقة.

إلّا أنّ القارئ لكل خطاب إصلاحي مقترح سيلاحظ أن كل الأوراق الإصلاحية المُقدّمة، دون استثناء، قد غرقت في مجالات مالية وإدارية وسياسية، واقتصادية إلى سواها. ومع أهمية المجالات تلك، والحاجة المُلحّة إليها؛ إلا أنّ أيّاً منها لم يُشِر إلى الصلة الجوهرية والحاسمة بين الإصلاحات المطلوبة للنظام السياسي اللبناني والإصلاح التربوي تحديداً، وهو في أهمية الإصلاحات الأُخرى، بل نزعُم أنّ كل إصلاح لا يبدأ أو يستند إلى نظام تربوي وطني حديث، هو إصلاح سطحي، مؤقّت، سرعان ما يستنفد فاعليته بعد سنوات، لتعلو الصرخة إلى الإصلاح من جديد.

غير خفي على عاقل أو باحث أنّ حقلَي التعليم والتربية، معاً، هما من دون رَيب مفصل أساسي في كل نظام سياسي، أو اجتماعي، في كل مكان وزمان. إلّا أن النظام التربوي ذاك اكتسب في لبنان أهمية إضافية للنظام السياسي المُهَيمن منذ فترة طويلة، والقائم على مرتكزات طائفية وطبقية في آنٍ معاً.

حقل التربية والتعليم هو المكان الذي جرى، وتجري فيه، عملية إعادة إنتاج النظام السياسي الطائفي على نحو يكفل استمراره. هذا هو المسكوت عنه في الخُطَب والبرامج السياسية اللبنانية الراهنة.

لذلك فكلّ سعيٍ لإصلاح النظام السياسي في لبنان (ومعه النظام الاجتماعي وحتى الاقتصادي) باتجاه نظام سياسي مدني، تعدُّدي، ديمقراطي، حديث (كما يشتد الكلام فيه اليوم) يجب أن يبدأ برأيي بإصلاح النظام التربوي فيه. أمّا من دون ذلك فالتغيير سطحي، آني، وغير مستدام. ولكن كيف؟
عمليّاً، على نحو محدّد، ومن دون مُقدَّمات نظرية، يجب العمل في لبنان، إذا كنّا راغبين بإصلاح تربوي حقيقي، على سبعة محاور أساسية متلازمة ومترابطة:
1- تعزيز ثقافة الانتماء لوطن واحد، من خلال توحيد كتب: التربية الوطنية، التاريخ، والجغرافيا، وجعلها بلغة البلاد الرسمية، العربية، وبما يعزز ثقافة المواطنة والانتماء متساوين إلى وطن واحد. فكيف نكون وطناً واحداً وناشئتنا تتداول أكثر من تاريخ واحد، وجغرافيا واحدة، وبأكثر من لغة، بل وبغير اللغة الوطنية للبلاد؟ هذا غير موجود في أي بلد آخر! وذلك لن يتحقق إلّا بإلزامية التقدّم إلى البكالوريا اللبنانية لكل طالب يدرس البكالوريا على الأراضي اللبنانية. لغة التدريس والامتحان، هي من الأهميّة بمكان. وأياً تكن مكاسب تعدد لغات التدريس، إلّا أنها ستكون على حساب وحدة الانتماء الوطني.

2- تعزيز التعليم العام في لبنان، من خلال تعزيز المدرسة الرسمية، مناهج ومدرسين وأبنية مدرسية وتجهيزات حديثة، وتعزيز الجامعة اللبنانية الوطنية من خلال تحريرها من الفاسدين والفاشلين والطائفيين، وجعل الرئاسة فيها، كما في كل المراكز، دورية، وحقاً دستوريّاً لمن تتوفر فيه الشروط الأكاديمية والقانونية، بعيداً عن الاستتباع لهذا الزعيم أو ذاك، ولهذه الطائفة أو تلك.

3- مراقبة التعليم الخاص غير المجّاني، ما قبل الجامعي والجامعي، وتحريره من سلطة المراكز الطائفية ومن الهيمنة التجارية، وإلغاء التعليم الخاص المجاني حصراً، لأنه لا يؤدي اليوم أية وظيفة تربوية، بل هو حلقة غامضة تُنفق فيها المليارات على مدارس وهمية تعود لجيوب الطائفيين وأصحاب المصالح والمشاريع التجارية. إنّ التأسيس للثقافة الطائفية والمذهبية لا يجري في المرحلة الجامعية، بل هي مجرد خاتمة وتتويج. التأسيس إنّما يجري في مراحل ما قبل الجامعة، وبخاصة في المرحلتين المتوسطة والثانوية.

4- توحيد التعليم الديني في لبنان، وهذا أمر جديد، وجعله موحّداً وإلزامياً في كل المدارس الرسمية والخاصة، (وهذا اقتراح محدد من المصلح الكبير المعلّم المغفور له كمال جنبلاط)، وذلك بتكليف لجنة مؤلفة من رجال دين منفتحين وعلمانيين متخصصين تقوم باقتراح كتاب واحد للتعليم الديني يأخذ على عاتقه التعريف بأهمية الدين والانتماء الديني معرفياً وأخلاقياً ونفسياً، ويعرّف الطالب اللبناني على معنى الدين عموماً، والمشترك بين الأديان كافة، وأنواع الاختبارات الدينية المتنوعة التي يزخر بها المجتمع اللبناني، وفي أهمية الاحترام والتفهم المتبادلين بين أبناء ديانات الله كافة.

5- العمل على تعزيز حس الاشتراك والتشارك لدى الشباب اللبناني، ويتضمن ذلك تعزيز روح العمل والمبادرة والتبادل والاعتراف بالآخر وفتح مساحات للنقد الذاتي والحوار السَّلمي الديمقراطي، من دون استبعاد أو إلغاء أي مكوّن أو رأي، بل اعتبارها كلها عناصر إثراء وغنى للإجتماع اللبناني.

6- تعزيز المجتمع المدني اللبناني، المكوّن من أندية وجمعيات مدنية ومنظمات ثقافية ونقابية وحقوقية وإعلامية ونسائية وبيئية وخيرية، باعتبارها:
أ – حالة مستقلة عن الطوائف، ب – غير تابعة للقطاع الخاص، وهي، ج – الصلة المدنية الحديثة بين المواطن والدولة، بل والرديف للدولة في المجالات التي لا تستطيع الدولة العمل فيها بكفاءة وفاعلية.

7- وأخيراً، إبراز قيمتَيّ المواطنة، والحس الإنساني العالي، باعتبارهما الهدف الحقيقي لكل تربية وتعليم، قبل وأعلى من كل اختصاص أو مجال معرفي مفيد نزوّد الطالب به. لقد أثبتت الأبحاث التي أُجريت على الصلة بين نوع التربية التي يحصّلها الناشئ والميل للاتجاهات المتطرّفة والإرهابية، أن لا الاختصاص ولا الشهادات العليا هي ما يحصّن الطالب والخريج من الاختراق الإرهابي: بل إنّ ما يحصّنه حقّاً هو العمل على تجذير قيمتَيّ المواطنة والعالمية في شخصيته منذ بواكير حياته التعلّمية، بالإضافة إلى تعزيز شخصيته الفردية من جهة، والناقدة، من جهة ثانية.

هذه بعض العناوين ذات الصلة بما هو مطروح اليوم من مطالب إصلاحية، والتي يمكن التفصيل والتوسّع أكثر فيها، برسم البرامج الإصلاحية المطروحة الآن.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader