اعتبروا يا أولي الأَلباب

0 20

  تتلقَّى الدُّولُ – كلُّها على حَدٍّ سواء من دون أيّ تمييز في مقياس «العظَمة» الذي اعتمدته وكرَّسته قياساً لمبدأ القوَّة وتفوّقها الحربيّ – صدمةَ «الفايروس» ومفاعيل انتشاره بالعدوى بين شعوب الأرض بسرعةٍ مُذهلة، بأشكالٍ متفاوتة لا يخلو أيٌّ منها من فجَوات قاتلة يُعبِّر عنها الجدول اليوميّ المُريع الذي يُسجِّلُ دوريّاً أعداد الإصابات والضّحايا واتّساع رقعة الانتشار الذي، واقعيّا، «غمَر الأرضَ» برُمَّتِها.

 إنَّهُ من السابق لأوانه الخوض في استخلاصِ الدروس. وفي كلِّ حال، تفيضُ المواقع الإخباريَّة والدوريَّات الصحفيَّة بأقوال عُلماء وسياسيّين ومفكّرين بطروحاتٍ لا تخلو من الخوضِ في محاولات «تشخيص» الدّروس. ذلكَ أنَّ الأمرَ لا يتوقَّف إطلاقاً عند حدِّ أزمة كبرى يتعرَّضُ لها أمنُ الأرض الصحّيّ بشكلِ «جائحةٍ وبائيَّة»، بل تداعيات تلك الصَّدمة التي باغتت الكُلّ بلا استثناء على مختلف الصُّعُد. والأمرُ يُشبهُ وقوعاً فجائيّاً لمركبة الاقتصاد العالميّ في بؤرة كثيفة من رمالٍ متحرِّكة ثقيلة أصابتها بالشَّلل والعجز، وتُهَدِّدها على المَديَيْن القريب والبعيد بالغرقِ الذي ليس بإمكانِ أحد تقدير عواقبه في كلّ المُستويات.

 فوق كلّ هذا، لا يُعطي «الفايروس» أيَّ مؤشِّر على بلوغه ذروة فعله وتأثيره، بل على العكس تماماً من ذلك، والتوقّعات المنطوقة على لسان حكَّام دولٍ كبرى تعبِّرُ بواقعيَّةٍ قاسية عن آفاق المأساة.

 ثمَّة، في التاريخ البعيد والقريب، أوبئةٌ شاملة حصدت الكثير من الضّحايا. إنَّ الشأنَ الذي يدفعُ إلى ضرورة التوقُّـف أمام الحدث بتواضُع ومقامِ مآب هو أنَّ الأمرَ الآن يحدثُ لا في القرون الوسطى وواقع الفقر (الطاعون)، ولا في عالَمٍ خرَّبته حربٌ عظمى (الانفلونزا الإسبانيَّة)، بل في العالم الحديث الذي شهد في أقلِّ من مئة سنةٍ أعلى مؤشِّرات التّسارُع لِما سُمِّي بـ «التقدُّم العِلميّ» و»اكتشاف أسرار الطَّبيعة» بل والمحاولات الدَّؤوبة المُكلِفة بشكلٍ خياليّ للتحكُّم بموادها وخفايا بُنياتها المُعَقّدة، بل وبمستقبل الإنسان في شروطه «الثابتة» أي الولادة ومُعطَيات الحياة والموت أيضاً. لقد بُذِّرت تريليونات من العملات من أجل السَّعي النَّزِق خلف هواجس او أحلامٍ يُشبعُها الكبرياء بروحٍ نهِمة تتطلَّع، كما قالوا بألسنتِهم، إلى قهر الموت وتقـدُّم العمْر بالسيطرة على التّكوين الجينيّ، وإلى تأبيد الشخص بالاستنساخ وإلى آخره من كلِّ ما يُشبه ذلك من أمور.

نحتاجُ اليوم إلى إيلاء بديهيَّاتِ الحياة العناية القُصوى. والأمر معها بسيط وشديد الوضُوح: حُسْنُ التَّدبير بالحكمةِ الإنسانيَّة العاقلة والصِّدق والتواضُع و… النَّظافة. لقد ارتبطتْ «طهارة» الأيدي والوجه وغيرها بمقاربة الصَّلاة في الإسلام الحنيف. وارتبط المعنى بالتوحيد إجمالًا بالدَّلالة على وجوبِ «تطهير» الباطن، أي القلب والنِّيَّة وخفايا الصُّدور من كلِّ خبثٍ نَزَّاع إلى الشّرور المُخرِجة عن الأخلاق التي بها يتقدَّم الإنسانُ إلى كماله، ليس انغماساً في دائرة الذّات والعُزلة، بل خطوة أولى ضروريَّة لإصلاح الحال والأهل والمجتمع. فهل من الضروري هنا التذكير بمفهوم «الاستخلافِ» الوارد في القرآن الكريم، والذي يَمُسُّ بالمسؤوليَّة المُلقاة على عاتق البشر في «إدارة» الأرض؟

هل من الضَّروري التذكير بمستويات التّلوُّث والتخريب البيئيّ والسُّخرية من تحذيرات علماء البيئة بشأن العديد من المَلفَّات الكونيَّة المتعلّقة بالمُناخ والجوع والتّصَحُّر إلخ…؟ دون أي احترام لنظام الطبيعة. هل نحن بحاجة إلى الإشارة إلى أنَّ المخزون الاستراتيجيّ من مُقدِّرات الأرض يذهبُ، بهمَّة القُوى الكبرى المُتَسلِّطة، إلى تغذية ميزانيّات «الدفاع» وبالمعنى الأصدق، إلى تدعيم ترسانات الأسلحة وأنظمة الحروب المُبَرمجة الكترونيًّا والتّسابق المحموم المؤذي للسيطرة على فضاءات الأرض والأفلاك من أجل امتلاك اليد العُليا في التسلُّط والتحكُّم بالآخرين؟

لقد تمَّت التَّضحية ببديهيَّات الحياة عبر إهمال إيلائها الجُهد الأكبر، دون المحافظة على البيئة، وها نحن اليوم إزاء ما «باغَتَ» الكبيرَ والصَّغير من كلّ الأنظمة شرقاً وغرباً. عسى أن تكونَ «الصَّدمةُ» مناسبةً للعَودة إلى تلك البديهيَّات بتعزيز الرِّعاية الواجبة للحفاظ على الإنسان، ليس فقط في حياته وأمنه، بل وفي حقوقه الأساسيَّة بالكفاية والحرّيَّة والعدل والكرامة.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader