المئويَّة وأصول بناء الدولة

0 34

دخلنا العام الأول بعد المائة لِما سُمِّي ولادة «لبنان الكبير». سبق تلك الولادة ورافـقها وواكبها بعد ذلك الكثير من المواقف المتباينة في السياسةِ والأفكار والمقاربات التي جسَّدتها شرائح اجتماعية جمعتها الخارطة التي رسمتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى في أطُر دُول عدَّة كما هو معروف. وبعد قرنٍ ونيف من تلك الولادة بات يمكننا القول بأن «الشعب اللبناني» قدَّم لنفسه وللعالَم صيغة «وطن قابل للعيش»، بل وللتقدُّم والإزدهار، استحقَّ بها نيْل الاستقلال.

تلك الصيغة، بأبسط التعابير، كناية عن «اتّفاق مبادئ». ويمكن لكلِّ لبناني في وقـتـنا الراهن أن يقرأ تلك المبادئ، ويتعمَّق بدلالاتها ما شاء له التعمُّق في أبعادها النظريَّة/السياسيَّة والفكريَّة، في مقدِّمات الدّستور الَّذي يُعتبَر في كلِّ دولة تحترمُ أوليات الحقوق المدنيَّة، الضامن التشريعي (القانوني) لاحترام شعبها وحقوقه الأساسيَّة في المواطنة والحرّية والعيش الكريم.

بدا أنَّ رجالًا من لبنان وجدوا الفسحة المشترَكَة لبناء وطن جامع. كان ذلك عملًا سياسيّاً رفيع الشأن، قائماً على الفهم والتـفهُّم المشتركَيْن، وعلى إرادة جميلة في المحافظة على أساس العيْش المشترك، معاً، بل والاتفاق على مفاهيم من شأن الالتزام بها وطنيّاً أن تعزِّز التقدُّم نحو صورة لبنان بكلِّ إمكاناتها. هكذا كان لبنان من المؤسّسين في هيئة الأمم، في الجامعة العربيَّة، في اتّفاقـيَّات دوليَّة شتَّى مرتبطة بمؤسَّسات أمميَّة هادفة إلى تعزيز كرامة «المواطن» بوصفه إنساناً حائزاً على إمكانات الإرتـقاء بكلِّ ما وُهِب من خيرات.

بات لدينا مؤشِّر دالّ على أنَّ كلَّما كانت درجة الالتزام بإرادة المضيّ قدُماً في عمليَّة البناء الوطني، انعكس ذلك في ثمرات الإزدهار وشبك النسيج الإجتماعي والقيام بدورٍ لافـت في مجالات السياسة والعلاقات الدولية والثقافة إلخ استحقَّ عليه لبنان صفة «وطن الرِّسالة»… ومن جهة مضاددة، كان تزعزُع تلك الإرادة، والانحراف عن مبادئها نحو أوهام مشاريع متطرّفة وفئويَّة ومغمَّسة بالتعصُّب الطائفي، سبيلًا رأينا مآلاته تفضي إلى نزاعات وحروب ومراوحة في التردّي، والانكشاف بشكلٍ مريع إزاء العدوّ الصهيوني المتربِّص البارع في تحويل الإنقسامات الوطنية إلى كوارث هدَّامة.

وندخل الآن في العام الأول بعد المائة لولادة لبنان الكبير ونحن في الدرَك السفل من شتات الإرادة الوطنيَّة التي باتت «إرادات» متنازعة أوقعت البلاد في التعطيل القاتل لآليَّات عمل المؤسَّسات الدستوريَّة (الحكوميَّة)، والإنهيار الإقتصادي والمالي، والفشل المخيف في الاتفاق على سياسةٍ خارجيَّة وطنيَّة متماسكة، والإخفاق في درء المخاطر كما تبدَّى في تفشّي وباء الكورونا وانكشف إثر الإنفجار المريب الذي دمَّر مرفأ بيروت وأحياء آمنة طالما مثَّلت الوجه الحضاري والثقافي والحيويّ للمدينة.
دون ان ننسى هموم وطننا في الصراع العربي الإسرائيلي.

مفاد القول إنَّ لبنان بحاجةٍ لرجالِ دولة يحملون في رؤوسهم عِبَر التاريخ، وفي ضمائرهم أمانة لبنان الوطن الجامع، وفي وجدانهم آلام الشعب وطموحاته وأمنه في أرض الآباء والأجداد، وفي عقولهم كفاءات الاجتهاد والمبادرات المثمرة والأفكار التي تجترح الحلول في كلِّ مجال.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader